الفصل 15 | من 48 فصل

رواية وبك القلب يحيا الفصل الخامس عشر 15 - بقلم زوزو مصطفى

المشاهدات
17
كلمة
4,763
وقت القراءة
24 د
التقدم في الرواية 31%
حجم الخط: 18

استقلت إيناس ووالدها السيارة الأجرة، ثم ذهبا من أمام عيني يوسف الذي انشغل بها. جاءت والدته، السيدة محاسن، لتستقل معه السيارة. فتحت الباب وجلست بالداخل. كل هذا ولم ينتبه إليها يوسف. استغربت هي على حال ابنها، فهي تكلمه لما يقارب الخمس دقائق ولم يرد عليها. فتحدثت بصوت أعلى وقالت: "يوســـــــــــف" انتبه أخيراً لها وقال: "حبيبتي يا أمي، أنتي هنا من امتى؟ تبسمت والدته وقالت:

"من ساعة ما العربية الأجرة كانت واقفة هنا وركبت فيها إيناس وباباها." أحرج يوسف كثيراً وقال في نفسه: "لدرجة دي كان باين تركيزي معاها." فأحب أن يخرج نفسه من هذا الموقف المحرج، فأردف قائلاً: "هو سيف فين حبيبتي؟ ضحكت والدته وقالت بتهرب من سؤاله: "ماشي، عموماً سيف بيوصل جيران يحيي عشان عربيتهم عطلانة وكان ممكن نوصل الجيران التانيين بس مافيش نصيب." لم يفهم يوسف حديث والدته، فقال: "قصدك إيه حبيبتي؟ فقالت الحاجة محاسن:

"أقصد مش كنا وصلنا الأستاذ فتحي وبنوتة إيناس في طريقنا، ده حتى كان حصل تعارف يعني." وسكتت وهي ما زالت مبتسمة. فهم يوسف حديث والدته، فقال: "ده أنتي اتعرفتي عليهم بقا، بس قوليلي عرفتي إزاي إنها لفتت نظري؟ نظرت إليه بثقة وقالت: "أنا ماما يا ولد وعارفكم أكتر من نفسكم. بجد البنت جميلة في أسلوبها، دخلت قلبي برقتها وحزنت أوي لما عرفت إنها يتيمة الأم وأنها عايشة مع باباها لوحدهم. بجد حسيتها بنتي."

لمس قلب يوسف كلام والدته عن الفتاة التي شغلت عقله. فأحب أن يخرج نفسه من هذا حتى لا يفكر فيها أكثر من ذلك، فقال: "يعني إيه حسيتيها بنتك يا سونه؟ أوعي تكوني حاطة عينك على باباها." ضربته والدته بخفة على يده وقالت: "اتلم يا ولد، من بعد بابا الله يرحمه ولا رجالة الدنيا تملأ عيني. ده كان جوزي وأبويا وأخويا وكل دنيتي، الله يرحمه ويبارك لي فيك أنت وأخوك." أمسك يديها ثم قبلها وقال:

"ويحفظك لينا يا ست الكل. ها تحبي تروحي ولا أسهرك بره أنا وإنتي لوحدنا يا جميل؟ فردت عليه والدته ويظهر على وجهها الإرهاق: "لا روحني أحسن أنا مش قادرة وعاوزة أنام." ابتسم يوسف وقال: "القمر يطلب وعليا التنفيذ." ثم أدار السيارة وتحرك متجهاً إلى المنزل، ولكن بعقل مشغول بتلك الفتاة الهادئة.

تحركت سيارة العروسين من أمام النادي ومعهم بعض السيارات متجهين إلى مطار القاهرة ليستقل العروسين طائرة شرم الشيخ لقضاء أسبوعين هناك، وبعدها يسافروا لسوهاج ليحضر سامر وأمل أول أسبوعاً في شهر رمضان مع والده الحاج حسن ووالدته وإخواته، ثم يذهبوا لبيتهم في القاهرة وسامر يستأنف عمله في المستشفى من جديد.

وقف عادل بسيارته أمام النادي وأصر على يحيي أن يذهب مع شقيقته العروس ويترك غادة ووالدتها ليوصلهما إلى المنزل، ومتحججاً أيضاً بأنه يريد رؤية عمه الأستاذ حسين والد غادة. فإصرار عادل هذا مُرضي لجميع الأطراف، فبهذا يحيي سيذهب لتوصيل أمل للمطار وأيضاً لم يترك ضحى حتى لا تغضب منه، وغادة حتى تشبع عيناها من عادل التي لم تراه منذ فترة بعيدة، وعادل الذي اشتاق لحبيبته غادة التي لن يحب قبلها ولم يعشق بعدها.

وبالفعل تحرك الجميع بالسيارات، كل منهم إلى وجهته. ذهب الجميع من أمام النادي وما عدا سمية ووالدتها الست عنايات وإخواتها الأربعة. فقالت والدتها: "مش كنا ركبنا معاهم يا سمية أحسن بدل وقفتنا دي." ردت سمية: "لا طبعاً يا ماما مش أحسن، أنا اتصلت على عربية وهي على وصول. إنتي عارفة مش بحب نكون تُقال على حد وأنا ربنا يقدرني وما أخليكم محتاجين لحد."

التف حولها أخواتها ووالدتها داعين لها بالسعادة وراحة البال. ثم تكلمت شقيقتها إسراء، التي تدرس بالمرحلة الثانوية، وهي تضع يديها حول خصر سمية قائلة: "بما إنك أختنا الكبيرة وإنتي وليّة أمرنا، فلو ممكن نتمشى شوية على الكورنيش أصل نفسي من زمان أتمشى عليه بس الظروف مابتسمحش والصراحة النهارده فرصة ومش هتتعوض." ضحكت سمية وتكلمت وهي تدخل إسراء في حضنها وقالت:

"أميرتي الصغيرة تطلب في أي وقت وأنا عنيا ليها، المهم مجموع يشرف وتدخلي كلية من الكليات القمة تمام." سعدت إسراء لاهتمام أختها الكبيرة بها رغم تعبها اليومي في عملها، فقالت: "إن شاء الله، هتشرفك إنتي وماما وأدخل طب تخصص قلب كمان." دعوا جميعاً لها بالتوفيق. فقال أخيهم الأوسط نادر، فهو له توأم اسمه زياد وهما بالمرحلة الإعدادية: "طب لو أنا وزياد جبنا مجموع عالي هتجيبلنا إيه هدية؟ ردت عليه سمية وهي تضع يديها

على رأسه وتلعب بشعره: "إنتوا عاوزين إيه؟ تقدم زياد منها وقال: "نغير النادي اللي بنلعب فيه ونروح نادي أكبر." قبلت سمية رأس زياد وقالت: "علم وينفذ حبايبي، بس فرحوا قلبي وقلب ماما تمام." تكلما الاثنان في وقت واحد قائلين: "تمام يا أبلة سمية." ضحكوا جميعاً على هذا وسعدوا أيضاً بأن أختهم الكبيرة تحبهم ولم تبخل عليهم بشيء. ثواني وأمسكها من قدميها يد صغيرة ويقال: "طب وأنا يا أبلة سمية مش هتجيبيلي حاجة حلوة لما أنجح؟

ضحكت سمية ثم نزلت لمستواه وقالت: "ياسلام يا ميزو، عاوز إيه وأنا عنيا ليك." غضب كثيراً عند سماع اسم ميزو، فقال ووجهه غاضب: "اسمي مازن يا أبلة سمية، بلاش ميزو دي، ده أنا بقيت راجل وهروح سنة خامسة." قبلته سمية وهي مبتسمة وقالت: "آسفة جداً يا مازن، غلطة ومش هتتكرر. ها عاوز إيه أجبهولك؟ ابتسم لها وقال: "خلاص سامحتك، عاوزة عجلة كبيرة، ماشي." حضنته سمية وقالت: "أحلى عجلة لأحلى مازن حبيب أخته."

ثم وقفت ثانياً. وأخيراً تكلمت والدتها الست عنايات بعد طلبات أولادها لأختهم الكبيرة: "شيلتي همنا كلنا من وإنتي صغيرة وما بتفكريش في نفسك يا بنتي. بدعيلك من قلبي يرزقك بابن الحلال اللي يسعدك ويعوضك كل التعب اللي شفتيه." قبلت سمية رأس والدتها وقالت: "ويبارك لنا فيكي يا ماما، إحنا من غيرك ولا حاجة. وبعدين كله من عند ربنا ثم بفضل دعواتك ليا حبيبتي."

نظرت في هاتفها حتى تخرج نفسها من هذا الحوار دون أن تبكي، فهي تأثرت كثيراً بكلام والدتها وفي نفس الوقت لا تحب أن يراها أخواتها الصغار ضعيفة، فهي بالنسبة لهم السند. ولكن في الحقيقة تعتبرهم هي هم السند والعون لها، فتحدثت قائلة: "جهزوا حبايبي، العربية خلاص فاضلها دقيقتين وتوصل." بالفعل أتت السيارة وركبوا جميعاً وتحركت بهم.

ذهبوا الجميع إلى منازلهم بعد قضاء يوم جميل على الجميع، وبالأخص يحيي وضحى وسناء وسيف. وصعب على عادل وغادة. أتى صباح يوم جديد على أبطالنا، اتصلوا بالعروسين للاطمئنان عليهما. ومضى اليوم ما بين اتصالات ورسائل ليطمئن كل حبيب على حبيبه. وجاء اليوم التالي. وذهب يحيي وسيف وغادة للعمل بدون أي جديد. فيحيي يعامل غادة كصديقة عمل، وكل الزملاء لاحظوا ذلك ولكن لم يجرؤ أحد ويسأل ماذا يحدث لأن يحيي له شخصيته بينهم.

وغادة واضعة بينها وبين زملائها حدوداً حتى لا يتجاوزها أحد ويتدخل في تفاصيل حياتها الشخصية. كل هذا لم تهتم غادة بنظراتهم التي بها أسئلة كثيرة، فبالها مشغول بـ عادل فقط. وذهبت ضحى ووالداها للغداء خارج المنزل مثلما طلبت من والدها قبل سفره هو ووالدتها لأداء العمرة، بعدما اتصلت على يحيي لتعرفه.

أما سناء فكانت في قمة سعادتها، فهي تعيش مشاعر جديدة عليها لم تعرف عنها شيئاً، ولكن سيف سيمشي معها خطوة بخطوة ولن يستعجلها، فهو سعيد لأنها ستتعرف على الحب معه وعلى يده. فسيف الآن مادة خام وهو سيشكلها بطريقته ولم يبخل عليها بأي شيء تود أن تعرفه. فهو أطلق عليها "جائزتي من الحياة بعد المعاناة."

عند غادة، لم تنس نظرات عادل لها في مرآة سيارته وهم ذاهبين إلى المنزل بعد فرح أمل، كأنه يحضنها ويعتذر لها، ولكن لم ينطق بشيء. حتى بعدما صعد معهم ليسلم على عمه وذهب بعدها بدقائق بحجة أن زوجته في انتظاره لكي يذهب معها للعشاء بالخارج، ولكن في الحقيقة هو كان يهرب من غادة. فعند رؤيته لـ يحيي وعرف أنه خطيبها، تأكد أنها لم تكن له مهما حدث. فوجد بـ شخصيته المواصفات التي تتمناها أي فتاة في شريك حياتها.

بعدما ذهب عادل من منزلهم، جلست غادة تكلم نفسها: "آه لو تعلم يا عادل أن لا يوجد بالقلب غيرك ولن أحب بعدك حتى لو لم تكن لي يوماً، فأنا سأعيش على ذكرى حبك الباقي من عمري حتى لو كنت لن تحبني مثلما أحبك."

مر أسبوع على كل هذه الأحداث، فقد قرر يحيي اليوم منذ أن استيقظ من نومه أن يذهب بعد انتهاء عمله لوالد غادة كي ينهي هذه الخطوبة، وبعدها يتحدث مع والده لتحديد يوم بعد رجوع والدي ضحى من العمرة ليتقدم لها، فباقي يومان على سفرهم. وبهذا يكون قد حقق حلم حياته بأن تكون ضحى زوجته وأم أولاده. ابتسم عندما ذكر آخر كلماته (زوجته وأم أولاده) ، ثم دعا الله أن يوفقه في مشوار اليوم دون أن يكون سبباً في حرج أحد.

استعان بالله ثم أدى الفريضة وارتدى ملابسه وذهب إلى العمل. وأول ما دخل مكتبه كانت غادة خلفه تنادي عليه. فالتف إليها قائلاً: "صباح الخير يا غادة... في حاجة؟ ردت عليه: "الصباح، وأكملت: يحيي بابا كان عاوزك تزورنا في البيت عشان يكلمك في موضوع مهم، فلو ممكن يكون النهارده بعد الشغل لو الميعاد يناسبك." حدث يحيي نفسه قائلاً: "الحمد لله، ادي أول خطوة في مشوار النهارده تمت." أخرجته غادة من سكوته قائلة:

"لو مش مناسب الميعاد خليه وقت تاني." رد عليها سريعاً: "لا طبعاً مناسب، إن شاء الله هكون في الميعاد." وأكمل ذوقياً منه: "لو تحبي نروح مع بعض." رفضت بطريقة أحس منها يحيي أن مهمته اليوم ستكون سهلة بمشيئة الله: "مش هينفع عشان عندي مشوار ضروري لازم أعمله بعد الشغل." وبعدها استأذنته لتذهب كي تبدأ عملها بحجة أن لديها أشغال كثيرة. ولكن في الحقيقة هي لا تريد أن تقف معه، فهي لا يوجد لديها أي مشاعر تخصه من الأساس.

بدأ يحيي عمله وفي نصف اليوم أتى إليه سيف في مكتبه وحكى له ما حدث بينه وبين غادة وذهابه إلى منزلها اليوم. دعا له سيف أن ينهي مشواره على خير حتى يرتبط بضحى ويسعد قلبه، فيحيي بالنسبة لسيف ليس صديقاً بل أكثر بكثير. بالفعل انتهى يوم العمل وخرج جميع الموظفين ما بينهم غادة. فجلس يحيي وسيف في الشركة ما يقرب من ساعة حتى يعطي لغادة الوقت لتكون قد وصلت لمنزلها.

وصل يحيي في الموعد واستقبله الأستاذ حسين والد غادة، ثم جلسوا في الصالون. وأتت والدة غادة كي تسلم عليه وتقدم له واجب الضيافة، ولكن كان وجهها يظهر عليه الحزن قليلاً. استغرب يحيي منها، فهي تحبه كثيراً وكانت تحب الكلام معه أثناء زيارته لهم في المرات القليلة خلال فترة الخطوبة، وكانت دائماً تدعو له وتقول "أنت بمثابة ابني."

ثواني وخرجت السيدة عايدة من الغرفة. ثم تحمحم الأستاذ حسين، فهو لا يعرف كيف يبدأ الحديث، فمهما كان الموقف صعب للغاية. أحس يحيي به فحاول أن يساعده فقال: "خير يا عمي، غادة قالتلي إن حضرتك عاوزني في موضوع، اتفضل أنا سامع حضرتك." بدأ الأستاذ حسين قائلاً:

"طبعاً يا ابني، أنت عارف إن كل شيء قسمة ونصيب، وإن فترة الخطوبة معمول عشان الطرفين يتعرفوا على بعض، ولو طرف منهم ما حسش بـ أي مشاعر باتجاه التاني بيكون الانفصال بهدوء أحسن لهم." كان يسمع يحيي كلام والد غادة، ففهم مقصده ورقص قلبه من السعادة لسببين: الأول: أن إنهاء الخطوبة جاءت منهم ليس هو، وبذلك لن يكون سبباً في كسر خاطر غادة. والثاني: بأن خطوبته على ضحى ستحدث في أقرب وقت دون أن يحس بذنب تجاه غادة. فأكمل الأستاذ حسين:

"والصراحة غادة بنتي مش حابة تكمل فترة الخطوبة أكتر من كده. ومش معنى كلامي إن في غلط من ناحيتك، بالعكس أنت إنسان محترم وابن أصول، بس كل الحكاية إن لازم يكون في حب وتفاهم في أي علاقة عشان الحياة بينهم هيكون فيها اختبارات كتير وصعوبات أكتر، والحب هو اللي بيسند، وإن ما كانش موجود يبقى العلاقة هتفشل من أول مشكلة بينهم." صمت الأستاذ حسين لثواني، فهو محرج:

"أنا بعتذر لك يا يحيي، وكنت أتمنى تكون جوز بنتي، بس الحقيقة الجواز مش بيكون بإيد الأب أو الأم، أتمنى لك حياة سعيدة مع إنسانة تستهلك." تنهد يحيي أخيراً، انتهت خطوبته بـ غادة وهذا ما كان يريده. فحاول إظهار تأثره ولو قليلاً حتى لا يظهر سعادته، فقال: "أكيد يا عمي، كل شيء قسمة ونصيب، وغادة من النهارده زي أختي، ولو احتاجتني في أي وقت هتلاقيني جنبها. وبرضه حضرتك يا ريت تعتبرني ابنك، لأن بجد أنا أعتبر عيلة حضرتك عيلتي."

كان يقول يحيي هذا بكل صدق. شكره الأستاذ حسين، ثم نادى على غادة، فائت بالفعل ومعها أشياء تحملها بيديها. فتقدمت ناحية يحيي وقالت: "اتفضل الشبكة والحاجات اللي كنت جايبهالي في الخطوبة." نظر يحيي إليها بوجه مبتسم قائلاً: "دي هدية من أخ لأخته، ده لو ما يضايقكيش." كادت ترفض، فـ أسرع يحيي قائلاً: "الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام قبل الهدية." رد الجميع وقالوا: "عليه أفضل الصلاة والسلام." تدخل والدها فقال:

"خلاص يا غادة، يحيي بيقولك هدية مافيش كلام تاني بعد كده." ابتسمت غادة وشكرت يحيي، ثم استأذنت وذهبت لغرفتها. قام يحيي من مجلسه وقال: "أستأذن حضرتك يا عمي، وبقولك تاني أنا ابنك ولو عاوزني كلمني في أي وقت، أنا تحت أمرك." قام حسين هو الآخر، ثم ربت على كتف يحيي وقال: "ابن أصول فعلاً، بس في طلب أتمنى ما يسببش ليك إزعاج." رد يحيي: "اتفضل يا عمي، أي كان الموضوع إيه قول وأنا بعون الله هعمله."

"لو غادة أو مامتها احتاجوك ما تسيبهمش يا ابني، أنا للأسف أخويا الوحيد مقاطعني عشان بعامل بناتي كويس ومأمن حياتهم. لو جرالي حاجة وهو يقولي دول بنات ومش من حقهم يكتب لهم حاجة. أنا بجد قلقان منه، لو مت هيبهدل بناتي ومامتهم." أسرع يحيي: "بعد الشر عليك يا عمي." قاطعه حسين قائلاً:

"عمر الموت ما كان شر يا ابني، أنا تعبان وبحاول أداري قدام مراتي وبناتي، لكن الأعمار بيد الله سبحانه وتعالى. كل اللي طلبه منك توعدني تاخد بالك منهم لغاية ما تسلم غادة وريم لعرسانهم بس يكونوا ولاد حلال، وإن ما عجبكش حد فيهم ارفض وأنا هقعد مع غادة وريم ومامتهم وهعرفهم كل كلامنا ده." "حقك عليا يا ابني بشيلك هم مالكش ذنب فيه، بس أنا حسيتك ابني." حضنه يحيي وقال:

"ده أنا ليا الشرف إنك تعتبرني ابنك، وبإذن الله تعالي هنفذ كل اللي طلبته مني. أستأذنك يا عمي." خرج من الغرفة متجهاً إلى باب الخروج، فقابل السيدة عايدة وعيونها يبدوا عليها البكاء، فقالت: "ابقى اسأل عليا يا يحيي، أنت عارف معزتك عندي." قبل رأسها وقال: "وحضرتك معزتك من معزة والدتي، وأتمنى ما تزعليش وأنا موجود لو احتجتوني."

وبالفعل نزل يحيي متجهاً إلى المنزل، وكان سعيداً للغاية. اتصل على والده وحكى له باختصار ما حدث في المقابلة مع والد غادة. فرح والده ودعا له أن يسعد قلبه بكل ما يتمناه. وأكمل له أنه ينتظره أمام المخبز كي يحكي له بالتفاصيل. أغلق الحاج رشاد الهاتف مع يحيي، وكان وجهه مبتسم لأن بذلك سوف يسهل عليهم الأمر لـ يتقدموا لخطوبة ضحى، ولكن الوقت ضيق، فبعد غد سـ يسافر والدها. فقال:

"لله الأمر من قبل ومن بعد، ربنا ييسر الأمور ويقرب البعيد." وأثناء والحاج رشاد جالساً بمفرده، أتى إليه رجلان من سكان الحي بينهم خلاف وطلبوا من الحاج رشاد أن يحكم بينهما. فهو كبير الحي وكلمته كلمة حق وتسير على الكبير قبل الصغير.

جلسوا بالفعل وقصوا عليه المشكلة كاملة، وفي نفس الوقت جاء الأستاذ محسن والحاج سمير وسمعوا الحكاية، وبدأوا يتناقشوا حتى يجدوا الحل. وأثناء هذا قد وصل يحيي، فجلس معهم بعدما سلم على الجميع وعرف ما المشكلة.

وكان الخلاف أن الرجلين يوجد بينهم شراكة في معرض للأدوات الكهربائية منذ سنة ونصف، ولكن لم يحصدوا مكسباً لهذا المشروع لأن المعرض موقعه في مكان داخلي بالمنطقة ولا يراه الكثير. وهم لا يوجد معهم المال الوفير حتى يستأجروا مكان وسط الحي يراه الجميع. فاستأذن يحيي والده لـ يتحدث هو ويحل هذا العائق، فقال: "ممكن تسمعوا رأي؟ تحدث رجل من الاثنان وقال: "اتفضل." تكلم يحيي وقال:

"أنا هدخل معاكم شريك بيدفع الإيجار في مكان أحسن وظاهر للجميع، ولما تقفوا على رجلكم آخد فلوسي. المهم إنكم ما تفضوش الشراكة بينكم وتفضلوا مع بعض زي ما طول عمري بشوفكم، لأن من الصعب تلاقي صاحب بجد." سعدا الرجلان ووافقوا على رأي يحيي وقالوا: "سنبدأ بالبحث عن مكان آخر في أقرب وقت حتى ننقل الأجهزة و نبدأ العمل سريعاً."

شكروا يحيي وجميع الجالسين ثم ذهبوا وهم فرحين. كان الحاج رشاد فخوراً بـ ولده، فهو ورث منه العقل والحكمة في كل أمور الحياة. تكلم الأستاذ محسن وقال: "ربنا يحفظك يا يحيي، بجد أنا سعيد بيك. تعرف إنك بمساعدتك دي كم عامل بيته متقفلش، وكمان إنك ما خليتش أصحاب المشكلة يبعدوا عن بعض بعد العشرة الطويلة بينهم." وأكد الحاج سمير على كلام الأستاذ محسن، مما أسعد هذا والده ويحيي شخصياً.

بعد قليل استأذن الحاج سمير من المجلس وذهب لمعرضه بعدما أتى إليه ولده سعد لأمر مهم خاص بالعمل. تبقى يحيي ووالده واستاذ محسن. عدى وقت قليل وجاء المعلم علي ووجهه متغير بعض الشئ، ومعاه ابنه شاهين. القوا السلام على الحاضرين، فردوا عليهم، ثم جلسوا. ولكن الجميع استغربوا المعلم علي. فسأله الحاج رشاد قائلاً: "مالك يا معلم خير، فيك حاجة؟ أنت تعبان." رد عليه المعلم علي:

"أبداً يا حاج، بس كنت جاي أكلم الأستاذ محسن بس شكل الوقت غير مناسب." فتحدث محسن وقال: "خير يا معلم، قلقتني، قول اللي أنت عاوزه وأنا سمعك." انتبه جيداً للحديث يحيي ووالده بـ اهتمام أكثر. فتدخل شاهين وهو غاضب من طريقة والده في الحديث، فهو كان رافض من الأساس أن يتحدث في وجود يحيي ووالده، ولكن المعلم علي أصر أن يتحدثوا في وجودهم وعدم صعودهم لشقة محسن. فقال: "عم محسن أنا جاي أطلب إيد ضحى وأتمنى توافق."

صدم كل من كان جالس. أما المعلم علي زاد على وجهه الحزن أكثر، فهو رفض الموضوع عندما بلغه به شاهين. فوالده يعلم كل ما يفعله ولده وكل أعماله المشبوهة، ولكن لم يقل لزوجته خشيتاً أن يحدث لها مكروه. وتكلم مع ولده كثيراً، ولكن لم يسمع له، ودائماً يقول له: "أنا لست ولد صغير تعلمني الصح من الخطأ، ولا أريد منك أي نصائح، وفرها لابنك المدلل شهاب." لم يرد محسن عليه، فما زالت الصدمة مستحوذة عليه، ويحيي حالته لا تقل عن محسن بل تزيد.

الحاج رشاد الوحيد الذي فاق من صدمته وفكر بحل سريع، فهو معروف بحكمته في الأمور الصعبة، فقال: "سبحان الله، أنا لسه كنت بطلب إيد ضحى لـ يحيي والأستاذ محسن وافق وبنتفق على الفرح." تهلل وجه محسن، وابتسم وجه المعلم علي، ورجع الدماء لوجه يحيي بعدما تخيل أن محسن من الممكن أن يوافق. وشاهين الوحيد الذي غضب وحلف أنه لن يهدأ إلا ويفرق بينهما مهما حصل. فتكلم وهو يداري ما بداخله بركان غاضب من الجالسين: "طب ألف مبروك." ثم هب واقفاً

وقال: "بعد إذنكم لازم أمشي دلوقتي أحسن عندي شغل مهم ماينفعش يتأجل." رد عليه الحاج رشاد وقال: "واحنا مانرضاش ليك الخسارة، بس هنستناك في الخطوبة تمام." ابتسامة صفراء ظهرت على وجه شاهين وهو يقول: "أكيد هكون موجود، ده فرح يحيي، بعد إذنكم." تحرك بالفعل، ثم بارك المعلم علي وقال: "الحي كله هيشرب الساقع على حسابي، ده فرح أغلى الناس يحيي وضحى، ربنا يتمم بخير." ثم ترك المجلس ليفعل ما قال عليه.

نظر يحيي لـ والده فشكره بعينه، فرد عليه والده بنفس الطريقة. فتكلم محسن: "بشكرك يا حاج رشاد إنك خرجتني أنا وبنتي من الموقف المحرج ده، بس لو ممكن نخلينا على نفس الكلام لحد بس ما أرجع من العمرة عشان شاهين ما يضايقش ضحى، وأنا مش موجود، ده لو ما فيهاش إزعاج ليكم." كاد يتكلم يحيي ويبوح بـ كل ما بقلبه تجاه ضحى، ولكن أمسك والده يده بمعني لا تتكلم، فهو أحس أن ابنه من فرحته سيقول كلام لا ينفع أن يتحدث به أمام والدها. فقال:

"ومين قالك إن فيها إزعاج لينا؟ أنا فعلاً بطلب إيد بنتك لإبني، ياترى موافق؟ سعد قلب محسن، فهو دائماً يتمنى أن يحيي يكون زوج ابنته، ولكن لن يبوح لأحد حتى زوجته بهذا الأمر، فقال: "ده شرف ليا يا حاج، بس طبعاً لازم آخد رأي ضحى زي ما الدين والشرع علمنا." يحيي لم يصبر أكثر من ذلك، فاليوم أسعد أيام حياته، فقال:

"بعد إذنك يا عمي، ممكن تتفضل وتطلع تسألها دلوقتي عشان بعد ساعتين نروح نشتري الشبكة، وبكرة تلبسها قبل ما تسافروا للعمرة، وبعد ما تيجوا بالسلامة نكتب الكتاب والفرح بعد شهرين أكون خلصت الشقة." ضحك الحاج رشاد والأستاذ محسن على استعجال يحيي الواضح عليه، وفي نفس الوقت حدد كل شيء، وهذا أكد لـ محسن أنه يحب ابنته بجنون. فحب يشاكسه بعدما غمز بعينه إلى الحاج رشاد فقال: "مش لما أوافق أنا الأول." صدم يحيي ولم ينطق بشيء بعدها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...