الفصل 45 | من 48 فصل

رواية وبك القلب يحيا الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم زوزو مصطفى

المشاهدات
21
كلمة
5,384
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 94%
حجم الخط: 18

عدي يومين ورحت أزور الباشا زي ما كنا متفقين، لكن للأسف بلغوني بخبر وفاته. مازال والده لم يستوعب ما يسمعه، فقلبه لا يريد تصديق ذلك الخبر. فأكمل المحامي حديثه قائلاً: "أتمنى تحاولوا تسامحوه، لأن ده كان آخر كلامه ليا." ضغط أيمن على زر بدء التشغيل. فانتبه الحضور لظهور صورة شاهين على الشاشة وهو يتحدث هاتفاً: "إزيكم عاملين إيه؟ بما إنكم بتشوفوا الفيديو، يبقى أنا وقتها هكون مت بالتأكيد. فياريت تسمعوا الفيديو للآخر."

"أحب أقول لأبويا سامحني على كل حاجة عملتها، ويا ريت تدعيلي أنت وأمي. أنا آذيتكم كتير ورغم كده كنتم بتحبوني. بس للأسف دخلت في طريق من أوله كان غلط، ومعرفتش أخرج منه، واللي أكيد هيكون سبب موتي. أنا النهارده حابب أعترف لكم بكل حاجة عملتها كانت سبب في تعبكم."

بدأ شاهين يقص عليهم تفاصيل ما فعله من أخطاء، بدءاً من مقتل رضوى شقيقة ضحى، ويليها تسببه في إصابة سناء عن طريق الخطأ، ثم إيذاء يحيى في عمله السابق ومحاولة إبعاده عن ضحى، حتى ظهور الشبح داخل حي الغمري، وأخيراً مقتل عم فتحي ومحاولة اختطاف ابنته إيناس.

كاد الجميع يجن مما يستمعون إليه بحزن شديد. فبكى الأستاذ محسن على وفاة ابنته رضوى بتلك الطريقة البشعة. كما حزن الحاج سمير لما حدث لصغيرته سناء. أما الحاج رشاد فتأثر على حزن كلاهما، وأضيف عليه حزنه على وفاة الأستاذ فتحي الرجل الخلوق، ثم حمد ربه بأن إيناس نجت من يد ذلك الشاهين.

بينما يحيى وسيف ويوسف، كم تمنوا وجوده على قيد الحياة حتى ينتقموا منه. ولكن حاولوا إبقاءهم هادئين نظراً لتواجد والده الذي لم يكف عن البكاء من وقتما علم بوفاة ابنه الوحيد.

الذي يجلس هادئاً جداً وسط تلك الاعترافات هو حمزة. فحديث شاهين، رغم قسوته على الجميع، فهو طوق نجاة لسمية. فمعنى هذا لم يعلم أحد عن وظيفتها السابقة غير المشرفة، وبذلك انتهى القلق والحمد لله. ولكن هذا لن يقلل من حزنه على المتضررين من أفعال شاهين المنحطة. أكمل شاهين آخر اعترافاته وكانت تخص شهاب، فأردف قائلاً:

"وآخر حاجة عاوز أقولها تخص شهاب، أنا أذيته هو كمان. وكنت أتمنى يكون معاكم عشان يسمع بنفسه ويلحق يصلح اللي عملته فيه. أنا اللي اتسببت في انفـ... لم يكمل شاهين باقي الاعتراف بسبب دخول أحد ضباط السجن عليه ليبلغه بإنهاء ذلك الاجتماع السري مع محاميه لحدوث مرور مفاجئ من مأمور السجن بعد قليل. أنهى شاهين التسجيل سريعاً وهو يقول: "عارف إنكم مش هتقدروا تسامحوني، بس ياريت تنسوني. وإنا لله وإنا إليه راجعون."

أغلق أيمن الشاشة آخذاً الفلاشة، فأردف قائلاً:

"للأسف خرجت من السجن بعد ما عرفت بوفاة شاهين باشا على شقته عشان آخد السيديهات اللي عليها ما يدين المسؤولين في القضية. لاقيت الشقة جواها رجال شرطة، لأن حارس العمارة بلغ لما شاف باب شقة الباشا مفتوح وشخص موجود فيها مرمي على أرض الريسبشن مضروب بالنار. وكان الشخص ده هو كرم، دراع الباشا اليمين. فبعد ما هرب من الشرطة لحظة القبض على الباشا، راح للراجل الكبير يستنجد بيه عشان يخبيه. ولكن الراجل الكبير حب يستفيد منه فعذب كرم لحد ما اعترف على مكان الخزنة وأخد منها كل حاجة ممكن تكون سبب في سجنه هو واللي معاهم."

كمل حديثه قائلاً: "أما شاهين باشا اتقتل إزاي، فهو اتقتل على يد مسجون محكوم عليه بالإعدام، والحكم هيتنفذ خلال أيام." تساءل المعلم علي بقلب يصرخ ألماً على فقيده: "إزاي هيتنفذ فيه حكم الإعدام ويكون مع ابني في زنزانة واحدة؟ أجاب أيمن بحزن وقهر: "شاهين باشا اتغدر بيه في حمام السجن الخارجي، والطب الشرعي أثبت إن سبب الوفاة قطع وطعن بالرقبة والصدر بآلة حادة (سكين مطعم السجن)

. الحادث كان مدبر من الكبار مع القاتل، اللي دورت وراه عرفت إنه كان فيه خلاف بينه وبين الباشا." "الشخص ده كان صاحب مكتب تأجير سيارات، ومن سنتين ونص اشترى عربيتين من معرض الباشا، وكانت واحدة منهم ورقها مش سليم واتباعت له بالغلط من موظف بالمعرض. وقتها الشخص ده اتخدت منه العربية المشمومة زي ما بيقولوا، لما كان ماشي بيها وقابل كمين شرطة في طريقه."

"بعد كام يوم راح للباشا في المعرض عشان يرجع فلوس العربية منه. حصل بينهم مشكلة كبيرة وصلت لتكسير كذا عربية زيرو جوه المعرض ده، غير الإصابات بين العمال. المهم بعد التحقيقات، الشخص ده مقدرش يثبت إنه اشتراها من المعرض، وده طبعاً بعد إخفاء ما يؤكد كلامه بتوجيه من الكبار. وكيل النيابة اضطر يأمر بتعويض كبير للباشا عن الضرر اللي حصل له."

"الشخص ده باع كل ما يملكه، حتى عفش بيته، واتداين بمبالغ كبيرة من أصحابه المقربين له ومن أهله كمان عشان ما يتحبس. حياته اتغيرت من كثرة الديون والمطالبة بيها، وده خلاه عصبي جداً حتى مع مراته وأطفاله الاتنين." "وجه في يوم أخد قرار صعب على أي إنسان طبيعي، القرار هو إنهاء حياة أسرته، لأنه كان واثق نهايته السجن، وبكده أولاده ومراته هيكونوا عرضة لأي أذى في عدم وجوده معاهم."

"تاني يوم قال لمراته إنه رايح مقابلة شغل، وهو في الطريق هيبعت لهم وجبة بيتزا زي ما ابنه الصغير طلبها منه من يومين. بعد ساعة ونص، اشتري البيتزا وحط فيها سم كان اشتراه قبلها، وبعت علب البيتزا مع حارس العمارة اللي ساكن فيها، زي ما قال في التحقيقات لما اتقبض عليه بعد الوقعة بسنة." "ومن سوء حظ الباشا إنه كان مسجون معاه في نفس السجن، والكبار استغلوا ده واتفاوضوا معاه يهربوه مقابل قتله للباشا.

هو قالهم: 'هقتله عشان ده حق ولادي ومراته مني، ياريت يسامحوني، أنا مش عاوز حاجة من الدنيا تاني، عاوز أروح لهم، وحشوني أوي'." ما زال الجالسين صامتين، ولم يتأثروا من وفاة شاهين، ولكن تضامنوا مع القاتل أكثر، لأن ما صدر منه ما هو إلا ردة فعل عما أوصله إليه شاهين. ولكن ظل والده يردد: "لله الأمر من قبل ومن بعد." مواصل حديثه وعينه تنظر أرضاً من شدة خجله عما فعله فقيده بجميع الجالسين، قائلاً:

"أنا مكسوف منكم كلكم ومش عارف أعمل إيه عشان أرضيكم. عارف إن مافيش حاجة هتمحي اللي حصل لكم. شاهين اتسبب في دخول الحزن قلوبكم، ومهما قولت أو اعتذرت مش هيرجع اللي راح. قدري يكون شاهين ابني ونصيبي أعيش حزين منه وعليه. مش هقدر أقولكم سامحوه، بس اللي هقدر أقوله حقكم رجع لكم بموته." حاول الجميع ألا يزيد من أحزانه، فكفى ما به. فالمعلم علي لم يكن له ذنب بما فعله شاهين، فمهما حدث سيظل ولده.

أحب الحاج رشاد أن يجعل قلب المعلم علي يهدأ، فوجه حديثه للمحامي أيمن قائلاً: "ياريت يا أستاذ تخلص لنا إجراءات تسلم المرحوم عشان ندفنه في مقابر العيلة. إكرام الميت دفنه يا ابني، مهما كان." ثم ربّت على كتف صديقه المعلم علي ليؤكد له بأنه بجواره حتى يصل ولده لمرقده الأخير. أكد له المحامي أن جميع الأوراق خالصة، ويجب عليهم الذهاب باكراً لمستشفى السجن حتى يستلموا جثمان الفقيد.

أحس المعلم علي براحة لحد كبير، والتي اكتملت عندما وجد الجميع يواسونه ويشدون من أزره في تلك المصيبة. شكر والد شاهين الجميع على وقوفهم بجواره، وطلب منهم عدم إخبار أحد غيرهم حتى لا تعلم زوجته بما حدث لولدها. فمن حسن الحظ أنهما مسافران خلال أيام إلى البيت المعمور لأداء مناسك العمرة، وهذا أنسب مكان يخبرها به بوفاة شاهين.

أيد الحضور رأيه هذا وتلك الفكرة الصائبة. ثم اتفق الحاج سمير بأنهم يجتمعوا غداً في تمام السابعة صباحاً بإذن الله. تحرك الجميع كلٌ إلى منزله، حتى أتى الصباح اليوم التالي، ثم ذهبوا إلى دفن شاهين، الذي بوفاته انتهى شره من على وجه الأرض، مع تجدد أحزان البعض. "سامحك الله يا شاهين."

مر على تلك الأحداث أربعة أيام، وكان هذا نفس اليوم الذي سيسافر به المعلم علي وزوجته. أثناء توديعهما لأحبائهما، أخذ المعلم علي الحاج رشاد وولده يحيى جانباً، طالباً منهما إتمام زواجه من ضحى بأقرب وقت، فكفى ما عاشاه كلاهما من أحداث مؤلمة. رفض الحاج رشاد، ولكن اعترض الآخر وأقسم عليه بإتمام ذلك. أما يحيى، فكان طائر من السعادة، فهذا ما كان يتمناه، ولكن خاف على شعور المعلم علي.

بعدما أوصله يحيى إلى أرض المطار واطمئن عليهما حتى أقلعت الطائرة إلى البيت الحرام، رجع يحيى مرة أخرى إلى الحي بعد حوالي ساعتين وهو في قمة سعادته، فاليوم تخلص من متاعبه التي ظلت ما يقرب من شهرين. فكم اشتاق إلى معشوقة عينه وحبيبة قلبه وزوجته المصون. الحاج رشاد ما زال جالساً مع الحاج سمير والأستاذ محسن بجوار المخبز. أقبل عليهم يحيى وهو يردف دون التحكم بمشاعره أمام الحضور، موجهاً حديثه لوالد ضحى قائلاً:

"عم محسن، إذا سمحت لي بعد تلات أيام بالظبط هيكون فرحي أنا وضحي." مكملاً حديثه الذي جعل المستمعين إليه مبتسمون لسعادته ومظهره معاً. بينما انبسط وجه والد ضحى بسعادة غامرة على حب يحيى لابنته الظاهر بعينه وصوته وكلماته. واصل يحيى حديثه دون توقف، مردفاً: "أنا جهزت كل حاجة تخص الفرح من أسبوعين، لأني خلاص مش قادر أستحمل أكتر من كده. هو فاضل بس حاجات بسيطة هتخلص على بكرة إن شاء الله. ويبقى كده مش ناقصني غير وجود شمسي."

فتأحمّ محم لإحراجه عما تلفظ به، "قصدي ضحى وبس، ها يا عمي قولت إيه؟ ناظراً لوالده هاتفاً: "ده طبعاً بعد إذن حضرتك يا بابا." لم يجبه عليه أحد، فتأثر يحيى. فوجه حديثه إلى الحاج سمير مستعطفاً إياه: "عمي سمير، اقف جنبي الله يخليك وقول لهم حاجة." هتف الحاج سمير قائلاً: "قول عاوزني أقول إيه وأنا أتكلم على طول."

ثم قهقه ثلاثتهم، وظل يحيى صامتاً لثوانٍ حتى علم مقصدهم، ألا وهو مداعبته. فالثلاث تحدثوا قبل مجيء يحيى بنفس الموضوع عندما بدأ الحاج سمير بالتحدث إليهما قائلاً: "مش كفاية كده يا جماعة على يحيى وضحي؟ الولاد بقى لهم كتير بعاد عن بعض، واللي كان السبب ما بقاش موجود في الدنيا خلاص. الله يجازيه على اللي عمله، يبقى مستنيين لإيه تاني؟ أردف الحاج رشاد قائلاً:

"والله يا أبو سعد، كنت بقول لنفسي كده بعد ما صليت الصبح، إن الحمد لله الأمور وضحت وانتهت على خير، كفاية انتظار لحد كده، فـ نويت إني أُفاتح أبو ضحى بعد ما المعلم ومراته ما يتوكل على الله." تحدث الأستاذ محسن ببشاشة هاتفاً:

"تصدقوا لو قولتلكم إن كنت بفكر في نفس الموضوع بعد ما دفنا الله يسامحه شاهين، بس وقتها اتحرجت أُفاتح الحاج ولا يحيي فيه. ضحى بنتي كل ما أكلمها ألاقي صوتها حزين، ودي حاجة بتوجع قلبي. والصراحة خايف عليها لدرجة قبل ما أعرف بموت شاهين كنت ناوي أروح لهم إسكندرية أجيبها هي ووالدتها، يمكن قلبي يطمن شوية لما أشوفها قدام عيني، واللي يحصل يحصل." فهتف الحاج سمير بسعادة:

"الحمد لله، كلنا نفس الرأي، يبقى نتوكل على الله. أول ما يحيي يجي نُفاتحه في الموضوع ونشوف هنعمل إيه." ابتهج قلب يحيى قبل عينيه بعدما روى عليه الحاج سمير القرار الذي اتخذوه بشأنه هو وشمسه. ثم تقدم من جلوس الحاج سمير ليشكرُه. فوقف الآخر من جلسته حاضناً إياه، مباركاً له، داعياً الله أن يسعد قلبه بزوجته. بينما وقف والده ووالد ضحى من جلستهما أيضاً مباركين له وسط دعوات من كلاهما بالسعادة لهما مدى الحياة.

وبعد ذلك جلسوا جميعاً، وبدأ يحيى يقص عليهم ما يريد فعله حتى قدوم ذلك اليوم المنتظر. انتهى اجتماعهم هذا، ولكن يحيى مستمر في تحضيرات مناسبته السعيدة، صاعداً لشقة العائلة، جالساً في بهوها وسط والدته وأخيه عمرو، اللذان لن يقدر شيء بالكون بجانب سعادتهما لهذا الخبر المبهج لقلوبهما.

هاتف يحيى شركة تنظيم الحفلات وأخبرهم ما المطلوب بالضبط كما أملا عليهم عنوان المكان الذي سيقيم به المناسبة. ثم بعد ذلك أنهى الاتصال، ولكنه ما زال ممسكاً بالهاتف، ضاغطاً على رقم صديقه سيف، طالباً منه الانتظار لإدخال سامر زوج شقيقته معهما في المكالمة. تحدث يحيى بعدما تأكد من وجودهما معه بالاتصال قائلاً: "يا رجالة، في موضوع محتاجكم معايا فيه." أردف سيف بصدق دون معرفة ما يريده: "معاك يا صاحبي في أي حاجة."

كما أخبره سامر بجدية: "قول يا ابن الغمري وإحنا معاك وفي ضهرك." ابتسم يحيى متحدثاً بالتفاصيل: "أنا عاوزكم معايا فى ــــــــــــ." أتى صباح يوم جديد، ولكن ليس بيوم عادي على يحيى، فأخذ يحدث حاله ويقول: "فقد بقي القليل وسأكون بجوار الحبيب، والقلب يسعد ويطيب، فالعين تشتاق لرؤيته عن قريب." وبعد مرور ساعات، أنهى فيه يحيى التزاماته بالنسبة للعمل حتى يأخذ إجازة شهر كامل (شهر العسل)

ينعم به مع شمس حياته. فقد نوى عمل مفاجأة لغاليته لن تتوقعها مطلقاً بحياتها، ستكون تلك المفاجأة هديته لها بمناسبة زواجهما، ولكن توجد أشياء أخرى ستتفاجأ بها ضحى كثيراً. دق هاتف يحيى، وكان المتصل يوسف ليبارك على الزفاف بجانب الاعتذار لعدم حضوره المناسبة غداً، وكذلك والدته، حتى لا يتركا إيناس بمفردها بالمنزل، لأنه من الصعب حضورها الحفل، فحالتها النفسية ليست بخير.

تفهم يحيى الوضع سائلاً إياه إن أبلغها بالتطورات في حادث مقتل أبيها أم لا؟ أجاب يوسف بأنه سيختار الوقت المناسب وسيعلمها بكل شيء. مر وقت قليل، وانتهت المحادثة بينهما. قام يحيى بتجهيز حقيبته، واضعاً بها ثيابه، وبالمثل لضحى، فقد أحضر والدها بعضاً منها من منزله بمساعدة سناء ووالدته.

دق الهاتف مرة أخرى، وكان المتصل وليد. فهاتف يحيى لم يكف عن الرنين منذ بداية اليوم، ما بين اتصالات منه للاطمئنان على إنهاء التجهيزات، وبين استقبال مكالمات مباركة من بعض عملاء المكتب الهندسي، وأخرى من أصدقائه المقربين، من بينهم عادل وغادة اللذان سيحضران المناسبة بعدما أبلغهما يحيى بالحضور. فتح يحيى الاتصال قائلاً: "أبو نسب، طمني خلصت اللي وراك؟ أردف وليد وهو يتصنع الجدية: "أبو نسب، اسمي سيادة المقدم وليد."

قهقه يحيى بصوت عالٍ، فحدثه بسعادة: "هي دي المفاجأة اللي قولتلي عليها إمبارح؟ ألف مبروك يا وليد، عقبال ما تبقى لوا وتقابل بنت الحلال اللي تسعدك يا رب." سرّ وليد من كلمات يحيى، فكم أحس أنه أخيه التي لم تلده أمه، فأخبره مردفاً:

"أيوه يا أبو نسب، هي دي المفاجأة، حبيت أبلغك لما تبقي رسمي. الحمد لله الفريق كله تعب جداً على ما جمعنا معلومات عن الروس الكبيرة اللي كانوا ورا تهريب الآثار ودخول المخدرات بكمية كبيرة جوه البلد واللعب بمستقبل شبابنا." مكملاً حديثه: "تعرف بعد القبض على شاهين ظهر حاجات كتير كانت مستخبية بيعملوها الكبار من ورا الستار تخليهم يعفنوا جوه السجن هما واللي معاهم. ده إذا ماخدوش حكم إعدام من أول جلسة."

تذكر يحيى شاهين، فبرغم ما فعله، حزن على رحيله بتلك الطريقة البشعة، فتحدث بحزن: "الله يرحمه." أردف وليد بتأثر هو الآخر قائلاً: "صدقني ماكنتش أتمنى له يموت كده، مش هقدر أقول غير الله يسامحه. عاش خسيس ومات رخيص. خلينا في المهم، خلصت كل حاجة ولا عاوز مساعدة؟

شكره يحيى، وبعدها أبلغه بأن كل شيء على ما يرام، المطلوب منه فقط الذهاب معه بعد صلاة الفجر إلى محافظة الإسكندرية لإحضار والدته ووالدة ضحى من هناك، أما هو فسيحضر زوجته المصون إلى مكان إقامة الحفل. اتفقا كلاهما على الوقت الذي سيتحركان به بمشيئة الله، ثم أغلقا هاتفهما معاً.

أشرقت شمس يوم جديد معلنة عن بداية حياة مليئة بالنور من بعد ظلام دام لشهور. فمن اليوم ستكون حياتهم مفروشة بالزهور عوضاً لهما عن فراقهم الذي عدى البحور. استقل يحيى سيارته من أمام منزل العائلة بحي الغمري في تمام الساعة السادسة صباحاً. ها قد وصل بالقرب من شاليه المنتزه، مع إعلان إشارات ضبط الوقت الساعة الثامنة براديو السيارة، بعدما كان يستمع لغنوة للمطرب عبد الحليم حافظ يقول بها: "اسبقني يا قلبي للجنة الحلوة اسبقني

اسبقني وقول لحبيبي أنا جاي على طول يا حبيبي" دق قلبه مع ملامسة قدماه أرضاً تتواجد بها حبيبته، داعياً الله أن يقدر على الصمود حينما يراها حتى يكمل مخططه لمفاجأتها. أخرج زفيراً عدة مرات ليهدأ، وبدأ يرتب بعقله الكلمات التي سيقصها على ضحى حتى تذهب معه من هنا. جاء ليتحرك إلى الداخل إلا ووجد أحد يضع يده على كتفه قائلاً: "الحب بهدلة بصحيح، انت نسيت إني جاي معاك ولا إيه؟

التفت يحيى خلفه فوجده وليد، فرفع يده ليلكمه لمحاولة إفزاعه، فأمسك وليد يده بوجه مبتسم قائلاً: "اهدي يا عريس ومتتهورش، الليلة فرحك ومش عاوز أعلم عليك." احتضنا بعضهما وسط ضحكاتهما، فتحدث يحيى قائلاً: "هتصدقني لو قولتلك إني قلقان جداً من مقابلتي لضحى؟ خايف من ردة فعلها لينعكس عليها بسوء لا قدر الله." ربّت وليد على كتفه لدعمه، وحدّثه بتأكيد بأن كل شيء سيمر على خير بإذن الله. أكمل وليد حديثه مردفاً:

"يلا ندخل الشاليه، صحيح بالمناسبة أنا كلمت الحرس امبارح قولتلهم بعد الفجر يتحركوا من هنا خلاص، وجودهم ملوش داعي." ثم بعد ذلك اقتربا كلاهما من باب الشاليه، فأخرج وليد هاتفه ليتصل على والدته لتفتح له الباب حتى لا تستيقظ ضحى من نومها قبل أن يخبر يحيى والدتها بكل شيء.

بالفعل، فتحت والدة وليد الباب سريعاً لأنها مستيقظة منذ ساعة ونصف هي وشقيقتها. عندما رأت وليد، سعدت كثيراً، فألقت نظرة بجواره فوجدت يحيى، فتغيرت ملامح وجهها إلى النقيض. أسرع وليد بالحديث حتى يوضح لوالدته جميع الأمور قائلاً: "أمي، أي حاجة وحشة في دماغك عن يحيى، أرجوكي انسيها وأنا هفهمك الحقيقة كلها." نظرت له باستغراب، فابتسم لها وهو يرتب على كف يديها، فتحدثت بلطف قائلة: "طب ادخلوا يلا جوه." تحدث يحيى بقلق سائلاً:

"ضحى صاحية يا طنط؟ أجابت مديحة سريعاً: "ضحى قاعدة على البحر من حوالي ساعة، صحيت قبل الفجر وبعدين صلت وقعدت شوية قدام التليفزيون، اديتها سندوتش أكلته بالعافية، وشوية واستأذنت مامتها وخرجت وهي معاها دفترها." تساءل يحيى بأهمية: "دفتر إيه يا طنط اللي معاها؟ أخبرته خالتها بأنها منذ أسبوعين اشترت دفتر خاص لها تدون به ما يشغل عقلها. تفهم يحيى بأنها تكتب ما تعانيه من فقدانها لوجوده بجانبها.

جاء ليستأذن منها، فخرجت والدة ضحى من الداخل لتطمئن على شقيقتها لما واقفة كل ذلك على الباب، فرأت يحيى منادية باسمه بفرحة، ولكن يصاحبها حزن طفيف. أقبل عليها يحيى مقبلاً رأسها باعتذار، إلا وأوقفه وليد ليلحق بضحى وهو سيتولى توضيح الأمور لهما ثم يصطحبهما إلى المكان المتفق عليه. بالفعل، تحرك يحيى باتجاه البحر، فرأى شمسها تجلس على الشاطئ وتدون كلمات بدفترها. اقترب منها فوجدها شاردة وما زالت تكتب، فنظر لدفترها ليرى ما به،

فبدأ يقرأ المكتوب: "وجلستُ على الرمال أسأل حالي تصَدّق أيها القلب أنه نساني؟ أجاب قلبي بثقة: لم ينسَكِ لأنكِ بالنسبة له ترياق الروح فإن نساكِ، فأعلمِ أنه لم يبقَ على قيد الحياة بعدها بثواني فأنتِ دنياه، وبعدك لم توجد لديه حياة أطمئن قلبي المسكين الذي ذاب من كثرة العذاب." تأثر يحيى من تلك الكلمات الصادقة، فأنه بالفعل لن يطاوعه قلبه ولو للحظة على نسيانها. فحدث حاله كأنه يرد على كلماتها قائلاً:

"عندما سألوني لما تحبها كل هذا الحب؟ قلت لهم لأنها عيني التي أرى بها جمال الدنيا بلا هي شمسي التي تُنير لي عتمة ظلامي عند غضبي وكثيراً يحتويني حضنها عند حزني فكيف لي غير عشقها؟ فـ هي بالنسبة لي الحياة بجميع أنواعها." ثم بعد ذلك أخذ يحيى نفساً عميقاً وأخرجه بهدوء حتى يقدر على مناداتها باسمها الذي يعشق مثلها. "ضحى."

وصمت بعدها. وقع القلم من يديها أرضاً لسماع صوته، مكذبة حالها، ثم أقنعتها بأن هذا من اشتياقها إليه ليس إلا. فابتسمت رغم حزنها منه، فأمسكت القلم ثانياً لتخرج باقي الكلمات التي بداخلها، لعلها تستمع لصوته مرة أخرى. فجلس بجوارها ممسكاً بيدها لتتأكد بتواجده حقيقة ليست خيال. ظلت تنظر لكف يده غير مستوعبة، فأمسك أسفل وجهها بكف يده الأخرى رافعاً إياه لأعلى، فتقابلت العيون وقرأ ما بهما من شجون.

فتساقطت اللؤلؤات من عينيها، فلعن حاله الذي أوصلها لذلك. مسح دموعها بإصبع الإبهام، ثم وقف من جلسته وأوقفها معه، متحدثاً بقسوة مصطنعة قليلاً حتى لا يضعف ويدخلها بأحضانه عوضاً عن ما عاشته الفترة السابقة، وبنفس الوقت أحب أن يُلهيها حتى لا تعاتبه الآن عما فعله بها، فهذا عكس مخططه. "يلا عشان نخلص من اللي إحنا فيه ده لأني تعبت جداً منه وعاوز أفوووق." توقفت ضحى عن البكاء لقلقها من حديثه هذا، فتساءلت عدة أسئلة

بحذر حتى لا تحزن أكثر: "يحيي، أنت تقصد إيه؟ وإيه اللي جابك دلوقتي؟ وليه سبتني أصلاً؟ لم تجد إجابة منه، بل ظل ينظر بجميع الاتجاهات ما عدا عينيها. أمسكت بذقنه ليلتفت إليها. فلم يقدر على إبعاد ناظريه أكثر من ذلك، فحدثها بصوت يبدو غاضباً لتكف عن طرح الأسئلة: "ضحى، من فضلك بطلي كلام ويلا بينا ننهي المهزلة دي."

جاءت لتطلب منه يوضح كلماته، فسبقها هو صارخاً بها بأن تصمت. حاولت لتعترض على الذهاب معه قبل أن تخبر والدتها. أبلغها بأنها ستذهب مع وليد بعدما تجهز حقائبهما، فاعترضت ثانياً حتى تهاتف والدها، فانزعج أكثر وأجبرها على التحرك معه إلى السيارة ليذهبا للمكان الذي سينتهي به المهما ويولد بداخله أول أيام سعادتهم.

لم تقدر ضحى التحدث مرة أخرى، فالبكاء غلبها وانتهى الأمر. غضب يحيى من حاله، ولكن هدأ عندما أقنع ذاته بأن هذا آخر الأحزان.

وصل كلاهما إلى السيارة، ففتح يحيى بابها حتى تستقل ضحى بجواره. أغلق الباب، ثم التفت ليستقل هو الآخر، وبدأ في تشغيل محرك السيارة، ولكن وجدها تبكي دون صوت وتحضن ذراعيها وكأنها ترتجف. أوقف المحرك، ثم هبط من السيارة فاتحاً صندوقها الخلفي، مخرجاً من جاكيته الخاص، فهو لم ينسَ بأن زوجته عندما تفرح أو تحزن يرتعش جسدها.

أغلق الصندوق وتحرك باتجاهها معطياً لها الجاكيت. حاولت الاعتراض، ولكنه أجبرها، ثم فتح زجاجة العصير المعلب لترتشف منه بالأمر. شربت منه، فلم يكن لها قوة لتجادله. استقل السيارة وأدار المحرك وسارت إلى طريقها المقصود. نظر باتجاه ضحى، فكانت قد غفت في نوم عميق بعدما تناولت المخدر بداخل العصير الذي وضعه به يحيى حتى لا تبكي كثيراً اليوم.

مر ما يقرب من الخمسة ساعات على وصولهم إلى منطقة السخنة، حيث يتواجد به شاليه عائلة يحيى. بدأت بتحريك أهدابها حتى فتحت عينيها ببطء شديد بسبب الثقل المتواجد برأسها من ذلك الصداع القوي. ارتسمت ابتسامة رقيقة على شفتيها بعدما تذكرت بمن زارها بالمنام، ومن غيره ذاك المعذب لقلبها، فكانت ساكنة بأحضانِه وهي مغمضة العين، وهو يغازلها بأجمل الكلمات قائلاً:

"شمسي، كياني، فكم اشتقت إليكِ ولحضنك الدافئ. ملاكي، سلامي، ها أنتِ معي الآن، فدعيني أُعاهدك بأن لن أتركك مهما حدث بأيامي." ثم بعد ذلك قبل جبينها، ناهضاً من جلسته، داهساً إياها بالغطاء جيداً. تركها بالغرفة، مغلقاً الباب وراءه.

رفعت رأسها من على الوسادة وما زالت الابتسامة مرتسمة على وجهها، فأمتغط جسدها بأريحية، ثم حركته يميناً ويساراً وهي تجول ببصرها بتلك الغرفة، ففزعت عندما وجدت أنها ليست غرفتها المتواجدة بشاليه المنتزه. هي تشبه عليها، ولكنها مشتتة. أنهبت واقفة وهي تستحضر ما حدث معها مع آخر شخص رأته قبل نومها، فتحركت ناحية باب الغرفة وفتحته لتعلم ما هذا المكان بالتحديد؟ وماذا يحدث معها بالضبط؟

فرأت ممر طويلاً بها عدة غرف، فمسكت رأسها وهي تحاول معرفة هذا المكان، فأخرجها من التفكير صوت أحد تعرفه عن ظهر قلب يتحدث بتساؤل مع شخص آخر في إحدى الغرف قائلاً: "هي الأميرة النائمة ناوي تصحى إمتى إن شاء الله؟ فتحت ضحى الباب مسرعة وهي تردف باستغراب ودهشة قائلة: "سناء وأمل، أنتم بتعملوا إيه هنا؟ وأنا بردو جيت هنا إزاي؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...