الفصل 44 | من 48 فصل

رواية وبك القلب يحيا الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم زوزو مصطفى

المشاهدات
22
كلمة
5,095
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 92%
حجم الخط: 18

هتفت سمية برأس مطأطأ لأسفل. "أنا شغالة في ملهى ليلي من فترة كبيرة، ومحدش يعرف، لا أمي ولا أخواتي ولا حتى أقرب أصحابي." نظر حمزة بعيون جاحظة وصوت غاضب قائلاً: "إنتي شغالة رقاصة؟ رفعت رأسها سريعاً لتنفي تلك التهمة البشعة. "لا طبعاً، أنا شغالة جرسونة، بنزل طلبات بس، وماليش علاقة بالزباين." قهقه حمزة بحزن وقهر عما يسمعه، فحديثها هذا غير متوقع إطلاقاً.

فكم وجهها بريء وأخلاقها عالية من وقتما رآها أول مرة بالصدفة داخل حي الغمري. مُردداً كلمتها الأخيرة داخل عقله: "زبائن... مكملاً وراءها كم أنها كلمة قذرة تحمل معها الكثير والكثير من المعاني السيئة والوقحة. لام حاله لأنه إلى الآن، رغم تعاملاته المستمرة مع شخصيات متعددة وفئات متنوعة، لم يعرف وجهها الحقيقي. فمهنته تلك جعلت لديه خبرة كافية لتحليل أي شخصية تمر من أمامه بكل سلاسة، ولكن كيف خُدع بها لهذه الدرجة؟

فكم أبلغه قلبه أنها ملاك رغم الحزن الساكن بعيناها. مكملاً حديثه قائلاً: "والمفروض عليا أصدق إنك ما بتتعامليش معاهم؟ ده على أساس بتقدمي لهم عصير فريش مثلاً ولا شاي وقهوة؟ وقف من جلسته، متحركاً خلف مقعدها وهو يواصل حديثه: "أنا عمري ما دخلت الأماكن الزبالة دي، ولا جالي حب الفضول أعرف اللي بيحصل جواها، بس المسلسلات والأفلام الهابطة قايمة بالواجب وزيادة."

فجلس مقابل لها، وانتبه بأنها من المؤكد كانت تنتزع حجابها داخل هذا المكان اللعين، فأشتعلت نيران الغيرة بقلبه لمجرد تخيله لهم وهم ينظرون لها وشعرها. فكتم غيظه حتى لا تفهم ما يعاني به. ولكن استفزته دموعها تلك، وهذا ما جعله ثائراً ويريد معاقبة رأسها التي وافقتها على هذا العمل، فهيئتها هذه جعلته يظن سبب مجيئها لهنا بأن حدث معها أمر لم يمحيه الأيام ولن يداويه الزمن.

فحاول أن يتماسك قليلاً حتى لا يفرغ عليها براكين الغضب التي تتوهج بداخله ويأذيها. فأغلق كف يده بأحكام، ضرباً إياه على سطح مكتبه الخشبي بقوة، وهذا ما جعلها تنتفض من جلوسها برعب شديد. مردفاً بتهكم: "إنتي فكراني عيل صغير وهصدق كلامك ده؟ بدأت أعين سمية تزرف دموعاً بغزارة من جديد وهي تنفي حديثه هذا وتبرئ حالها. "صدقني دي الحقيقة." تساءل بنبرة جادة: "ممكن أعرف حضرتك جاية هنا ليه؟

"ولا أقول لك، استني أجابك أنا، أكيد عشان أرفعك قضية على زبون ضحك عليكي وأوهمك إنه بيحبك، فتجوزك بورقة عرفي، أو يمكن من غير ورقة خالص." فحاول جاهداً أن يصمت، ناظراً لها بترقب ليستمع إجابتها بوجه قلق يسبقه الخوف. مسحت سمية دموعها، وظهر على ملامحها الغضب من حديثه الوقح هذا، ثم هبت واقفة متحدثة بصوت مرتفع للغاية: "ما اسمحلكش تكلمني بالطريقة دي، ولا تسمعني كلامك الجارح ده، مش عشان شايفني منهارة تتهمني بحاجة زبالة زي دي."

"أنا من يوم ما اشتغلت في المكان ده وأنا محافظة على نفسي، ولا يمكن أجرّح حد مهما كان مين يلمس شعرة من راسي." "أنا لولا ظروفي ما كنتش أفكر اشتغل هناك، بس للأسف ماحدش بيحس بوجع غيره إلا لو عاش نفس ظروفه." واصلت حديثها قائلة: "آسفة إن أخدت من وقت حضرتك وعطلتك معايا، عن إذنك." فتحت الباب لتفتحه لكي ترحل. تركها تذهب ولم يتحدث بكلمة، فبداخله تساؤلات كثيرة، ولكن لا داعي ليقولها، فهي ختمت الحوار وانتهى الأمر.

وضع رأسه بين كفيه حتى يهدأ من التفكير، وحدث حاله قائلاً: "ليتني أقدر على انتزاع حبك من فؤادي." "ليتني أقدر أنساكي لأتعايش مع حياتي." "فمن تلك اللحظة ميتٌ بعيني." "لأني لا أريد أن أراكِ حتى ولو بخيالي." ولكن أخذه من التفكير صوتها القريب منه وهي تهتف باعتذار وترجّي: "أستاذ حمزة، بعتذر لك على أسلوبي معاك، وبرجوك تقف جنبي."

"لأن الموضوع اللي جايه لك عشانه بقى لي كم يوم مش عارفة أنام بسببه، وبنفس الوقت ما أقدرش أعرف حاجة عنه لحد غيرك أنت، لأني واثقة فيك." "يمكن مافيش بينا معرفة كبيرة تخليني أقول الكلام ده، بس أنت أول شخص جه في بالي، وإحساسي قالي إنك الوحيد اللي هتقدر تساعدني." "ياترى إحساسي صح ولا خاني؟

نظر إليها بعلمية، فبعيداً عن ما يكنه لها بداخله، فهذا واجبه باتجاه أي شخص يطلب منه المساعدة، وهذه من ضمن ميزاته بحياته الطبيعية، ألا وهي مساعدة الآخرين حتى لو لم يكن أحد عملاءه لقضية بمكتبه الخاص. تنهد بثقل ليخرج غضبه قليلاً لعله يهدأ، ثم طلب منها الجلوس على المقعد، والتف هو ليجلس خلف مكتبه مقابل لها مرة أخرى. شكرته مع ابتسامة ضعيفة زينت وجهها، لإعطائها تلك الفرصة لكي تخبره ما يضيق صدرها حتى يرشدها للصواب.

بدأ حمزة حديثه بأهمية، سائلاً: "قبل ما تقولي الموضوع اللي جايه عشانه، حابب أعرف إنتي اشتغلتي في المكان ده إمتى وإزاي؟ لم تعلق سمية بالرفض، بل بدأت تقص عليه كيف حصلت على تلك الوظيفة قائلة: "من حوالي أربع سنين، واحدة صاحبتي جابت لي شغل في عيادة دكتور أسنان بمرتب كويس، والمعاملة بصراحة كانت حلوة من الدكتور والمرضى اللي اتصاحبت عليهم كتير منهم."

"من حوالي سنة وشهرين تقريباً، جت شابة صغيرة تكشف في العيادة، لقيتها بتبص لي كتير، قولت يمكن بتشبه عليا." "دخلت كشفت ومشيت، وبعد أسبوعين جات تاني، وبردو فضلت تبص لي زي المرة اللي قبلها، قمت وسألتها: إنتي بتشبهي عليا ولا إيه؟ "لقيتها بتقولي: الصراحة لا، بس مستخسراكِ تشتغل هنا بمرتب ممشيكي بالعافية، ويمكن كمان باقي الشهر بتكمليه سلف." "استغربت من كلامها لأنه فعلاً صح." "رديت

عليها وقولتلها: الحمد لله، ربنا بيسترها أهو، أحسن من ما فيش، وبعدين ماحدش لاقي شغل." "ضحكت وقالت لي: واللي يجيب لك شغل مرتبه خمس أضعاف مرتبك في العيادة." "فرحت وقولتلها: ياريت تدليني عليه." "أنا يا أستاذ حمزة بشتغل عشان أصرف على نفسي، وكمان أساعد أمي على مصاريف البيت ومصاريف أخواتي الأربعة اللي كلهم لسه في التعليم." "أختي إسراء قربت تدخل الجامعة، وأخواتي التوأم نادر وزياد في الإعدادية، أما مازن الصغير في ابتدائي."

"وبابا متوفي، وأمي بتبيع خضار، يدوب بتوفر حق الأكل والإيجار وساعات الكهربا والمياه." "عشان كده أي حاجة تخص أخواتي أنا اللي ملزمة بيها، لأن أمي ما تقدرش تشيل كل ده لوحدها." سألت البنت الشغل ده هيكون فين؟ لقيتها سكتت شوية وقالت لي: "ده زي كافيه في مكان هادي، مواعيده من بليل لغاية ما النهار يطلع." قولتلها: "يا خسارة، مافيش نصيب للأسف، الميعاد ما يناسبنيش، والدتي مش هترضى." "قالت

لي: جربي وشوفي، بلاش ترفضي رزق جايلك، بصي، خدي رقمي وفكري براحتك، ووقت ما تقرري كلميني." عدى كام يوم بعد ما فكرت، اقتنعت ولقيت إني هقدر أوفر لإخواتي كل طلباتهم وهيزيد معايا فلوس تاني. بس كان فاضل أقنع أمي إن الشغل الجديد لازم أبَات بره البيت.

اضطريت أكذب عليها وقولت لها إن الدكتور اللي شغالة معاه هيقفل العيادة عشان مسافر بره مصر فترة كبيرة، وجاب لي شغل في مستشفى خاصة بمرتب كبير، فلازم آخد دورة في مجال التمريض لأنها فرصة، ولو سبتها مش هلاقي زيها تاني، بس عيبها الوحيد إن الشغل هيكون من بليل للصبح. ماما رفضت في الأول، بس فضلت وراها لغاية ما أقنعتها. وأول ما روحت المكان اتصدمت، ماكنتش متوقعة يكون بالشكل ده، حاولت أمشي،

بس البنت قالت لي: "بعد ما عشمتي أمك وأخواتك إنك هتغيري حياتهم، تروحي تكسري بخاطرهم؟ طب جربي الأول وبعدين قرري." حزنت لأني فعلاً رسمت لإخواتي وأمي حياتنا اللي جاية هتكون حلوة إزاي، وشوفت الفرحة في عيونهم، فإنجبرت أخبي حزني جوايا وأكمل من غير ما أقول لحد إيه هو نوع شغلي الحقيقي. يستمع حمزة إليها بأهمية وهي تروي كيف ومتى ولما عملت بهذا المكان اللعين. وكاد رأسه ينفجر من مجرد تخيله بما يحدث معها هناك.

وأخيراً خرج عن صمته وتساءل لعل قلبه يهدأ من الغيرة: "أفهم من كده إن مافيش حد كان بيضايقك هناك؟ أجابت سمية سريعاً: "الصراحة فيه، بس أنا وبنتين كمان ظروفهم شبهي، وما بيحبوش حد من الزباين يتطاول معاهم في المعاملة زيي." "اتكلمنا مع شاب اسمه عماد، وشهرته تايسون، شغال بودي جارد في المكان، وطلبنا منه يحمينا منهم." "شافنا غير باقي البنات، اعتبرنا أخواته، فكان لما يلاقي حد مش تمام يقف ويتصدر له ويبعده عننا."

"حقيقي إنسان محترم جداً." "هي دي كل حكايتي مع المكان الزفت ده، صدقني مافيش أكتر من كده." نظرة مطولة من حمزة إليها، متحدثاً بصمت: "كيف تتحدثي هكذا؟ "ألم تعلمي ما يحدث بداخلي؟ "فـ نار الغيرة تكوي قلبي بل تحرقها." "عني يا الله، حتى أتحمل ما بتليت به." واردف وهو غير مقتنع بما قالته، فالشك تحكم بعقله كما رسخ بقلبه ورفض التصديق نهائياً قائلاً:

"مش مهم أصدق أو لا، أنا بس كنت حابب أفهم الحكاية ابتدت إزاي، عشان لما أعرف المشكلة ألاقي لها حل مضمون وما يأذكيش." "اتفضلي احكيلي الموضوع، أنا سامعك." تحمحمت سمية حتى تقدر على سرد الحكاية قائلة: "بعد وفاة عمي فتحي بكام يوم، روحت مع إيناس ويوسف جوزها قسم الشرطة، حكينا اللي حصل يوم الحادث."

"هي حبيبتي ماكنتش في وعيها لما شافت باباها بيقع قدامها، عشان كده ماشافتش شكل المجرمين، وأنا كمان بسبب قلة الإضاءة وبُعد المسافة ماشفتش ملامحهم بردو، بس قولت لهم على عددهم." "المهم بعد ما قولنا اللي نعرفه، مضينا على كلامنا وخرجنا." "وبعدين سلمت على إيناس ويوسف، هما مشيوا وأنا روحت على شغلي."

"يعدي يومين وأنا في الشغل، ترابيزة كان عليها فردين، واحد منهم طلب مشروبات كحولية، والتاني ساكت، فما بصتش عليه خالص، وكتبت اللي طلبه ومشيت." "مافيش خمس دقايق والطلب اتحضر، وروحت أنزله لهم، لقيت اللي كان ساكت هو اللي قاعد لوحده على الترابيزة، والتاني مش موجود." "اضطريت أتكلم مع اللي قاعد عشان أقول له تؤمر بحاجة تاني، أول ما بص لي شبهت عليه وحسيت أنه مضايق،

رد وقال لي: شكراً، لو عاوزنا حاجة هنبلغك، راح باصص الناحية التانية وأنا ماشية." شعر حمزة رغم ضيقه من وظيفتها هذه، بأن وراء تلك الحكاية سر خطير، فتساءل بأهمية: "وبعدين إيه اللي حصل؟ "فضلت مركزة معاه عشان أفتكره، وماكنتش عارفة إنا مهتمية أعرف كده ليه." "لقيت مديري وقف قصادي بيقولي: شاطرة يا سمية، إنتي مركزة مع الترابيزة الصح."

"على فكرة الزبون ده مهم أوي عندنا، يمكن ما بيجيش هنا كتير، بس هو راجل سخي وبيدفع ضعف الشيك مرتين تلاتة." "عايزك تسيبي باقي التربيزات لزمايلك، وإنتي خليكي مكانك." "أحسن شاهين باشا يحتاج حاجة." "تمام." "لما قال اسمه اترعبت، لأن خلاص الصورة وضحت، وعرفت مين اللي قاعد قدامي." "وعشان المدير ما يحسش بخوفي هزيت دماغي وأنا ساكتة، لأني ماينفعش أعترض على طلبه."

"وفضلت واقفة وقلقانة إن شاهين يتعرف عليا ويقول في الحي أنا شغالة فين." "عدى وقت والراجل اللي معاه رجع وقعد على الترابيزة، بس استغربت إن شاهين معرفنيش، ورجعت قولت يمكن عشان بقى له فترة كبيرة ما بيجيش الحي، وأكيد ملامحي اتغيرت عن ما كنا صغيرين، وفضلت أصبر نفسي إنه ممكن ما يفتكرنيش." "شوية كمان ولقيت الراجل بيطلب مني مشروب تاني بعد ما أصر شاهين عليه، واللي

معاه كان معترض ويقول له: كفاية كده يا باشا، هتتعب، ولكنه كان مصمم." "المهم جبت الطلب وبنزله على الترابيزة، وقتها شاهين كان بيتكلم مع الراجل وهو مش واعي خالص ويقول له: كنت عايز آخد بنته وأحرق قلبه قبل ما يموت." "فتحي ده أنا بكرهه، حتى بعد ما مات لو ينفع أقتله تاني هقتله، عشان يحس باللي حسيته لما خلا قلبي يتقطع على أكتر واحدة حبيتها بحياتي."

"بس بردو مش هسكت وهخطف إيناس بنته، وهاحرق قلب جوزها عليها عشان أرتاح وأنتقم منهم كلهم." هنا اتضحت لحمزة الصورة كاملة، فمعنى حديث شاهين أنه قاتل الأستاذ فتحي. فوقف من جلسته وجلس مقابل سمية مرة أخرى باهتمام شديد قائلاً: "طب ما قالش إيه السبب إنه قتله؟ هتفت سمية وهي تبكي لتذكرها ما سمعته: "الراجل اللي معاه بص لي وهو بيشاور لي أمشي من غير ما أنطق بكلمة." "خفت ومشيت وأنا بحرك رجلي بالعافية، وبسأل نفسي ليه عمل كده؟

طب أعرف مين وأقول عرفت إزاي؟ "وذنب إيناس إيه، وإيه اللي ممكن يحصل لها؟ "دماغي وقفت عن التفكير، وبنفس الوقت ماينفعش أسكت على حاجة زي كده." "لقيت صورتك جات قدامي، وحاجة قالت لي مافيش غيرك اللي ممكن يساعدني ونلاقي حل وشاهين يتعاقب على قتله لعم فتحي." ردف حمزة بخذلان قائلاً: "للأسف، رغم أهمية كلامك، بس مافيش دليل نقدر نتهم شاهين بيه." فصمت ثواني وبكت سمية بحزن شديد، ولكنها توقفت عما تفعله عندما تحدث حمزة مكملاً:

"بس ما تقلقيش، إن شاء الله ألاقي حل نعرف نقدم بلاغ به ضد شاهين، ونقدر نحمي إيناس منه، ونرجع حق عم فتحي ويرتاح بقبره." "بس ليا عندك طلب، وياريت تنفذيه." اردفت سمية بصدق شديد: "أستاذ حمزة، أنا جايه لحضرتك النهارده وعندي ثقة كبيرة في ربنا إنك هتكون سبب في تغير حياتي، اتفضل اتكلم." تحمحم حمزة ليواصل حديثه مردفاً: "بالنسبة للشغل، تسيبيه، وأنا هجيب لك شغل محترم في مكتب محامي صاحبي، موافقة؟

انتظر ليعرف إجابتها بوجه قلق، لربما ترفض ذلك الاقتراح. ولكن فاجأته بردها السريع دون تفكير: "طبعاً موافقة، أنا بكرة هروح الشغل وهعرف المدير إني آخر يوم ليا معاهم." فأخذ قلماً وورقة من على سطح مكتبه، مدوناً بها رقم هاتفها المحمول، محاولة رسم ابتسامة صغيرة على شفتيها قائلة: "اتفضل رقمي يا أستاذ حمزة، وشكراً جداً على وقوفك جنبي، وياريت أول ما توصل لحاجة تبلغني." ثم وقفت من جلستها مرة أخرى، مستأذنة لكي ترحل.

وقف حمزة هو الآخر بعدما أخذ منها الورقة قائلاً: "مافيش شكر ولا حاجة، ده واجبي اتجاه أي شخص بيطلب مني مساعدة." أحست سمية بألم طفيف لمس قلبها بعد سماعها لكلمات حمزة، لما لم تعلم، ولكنها حاولت ألا تهتم لذلك الإحساس. فشكرته ثانياً، متحركة باتجاه باب الغرفة، ثم خرجت منه دون كلمة أخرى. ارتتمي جسد حمزة بثقل على المقعد، وعقله يصور له بأن موافقتها السريعة تلك وراءها سر، لربما تهرب من شيء هناك لا يمكنها قوله.

أخرج زفيراً، ثم مسح بكفيه على وجهه، مستغفراً ربه. سمع صوت طرق على الباب، فسمح بالدخول، وكانت السكرتيرة راندا تخبره إذا كان يريد منها شيئاً، فيجيب عليها الذهاب ومعها عم حسني، فوقت انصرافهما قد فات. اعتذر لها حمزة لتأخيرهما كل هذا الوقت. تقبلت راندا ذلك بوجه بشوش، ثم انصرفت لخارج المكتب وهي ومن معها. أمسك حمزة هاتفه، بحثاً عن رقم صديقه المحامي، ثم دق زر الاتصال.

أجاب بعد لحظات قليلة، وبعد السؤال عن أحواله، طلب حمزة منه إيجاد وظيفة بمكتبه لفتاة قريبة. رحب صديقه وأخبره بأنه بالفعل يريد سكرتيرة منذ فترة. أعلمه حمزة بأن خلال يومين سيأتي إليه ومعه الفتاة. وبعد وقت قصير أغلق الاتصال مع صديقه، شارداً قليلاً، إلا ورأى تلك الورقة المدون بها رقم هاتف سمية، فأمسكها وهو يتحدث إليها قائلاً: "يا ترى حكايتك مع قلبي هتوصل لفين؟

فأغلق الورقة بعدما حفظ الرقم بعقله كما حفر بقلبه، واضعاً إياها داخل جيبه، ثم فتح الهاتف كي يسجل الرقم به. وبعد تدوينه، إذا بوالدته تهاتفه، فتح الاتصال وهو يقف من جلسته، آخذاً مفتاح سيارته من على سطح مكتبه، وهو يتحرك إلى الخارج، معتذراً لوالدته عن تأخيره هذا، متعهداً لها بأنه خلال ثلث الساعة سيكون أمامها بإذن الله. استلمت سمية عملها الجديد بمكتب المحامي منذ ثلاثة أيام.

بينما حمزة مازال يفكر لطريقة يقدم بها بلاغ ضد شاهين يتهمه فيه بقتل الأستاذ فتحي. ولكن خوفه على سمية جعله عاجزاً، لم يتقدم خطوة واحدة إلى اليوم الخامس بعد معرفته بتلك المصيبة. فإذا أبلغ الشرطة باعترافات شاهين، معني ذلك هيأمر المحقق بإحضار الشاهد على الحدث. وقتها سيعلم الجميع عمل سمية السابق، وهذا سيضر سمعتها بالتأكيد. ولكن الوقت يمر، ويجب عليه إيجاد حل سريع.

أنقذه من التفكير رنين هاتفه، وكان المتصل يحيى كي يطمئن عليه، فهو لم يراه منذ فترة. فأبلغه حمزة خلال ساعة سيكون أمامه. بالفعل تحرك إلى حي الغمري، مثلما أبلغه يحيى بتواجده. وصل حمزة الحي ووجد يحيى وسيف بانتظاره أمام المخبز. القى عليهما السلام وجلس بجوارهما. أخذ ثلاثتهم يتساءلون على أحوال بعضهم، حتى مر حوالي نصف الساعة. حاول حمزة أكثر من مرة يتحدث في أمر شاهين، ولكن لا يعرف بماذا يبدأ. أحس يحيى بحيرته تلك، فتساءل بقلق:

"مالك يا حمزة؟ إنت فيك حاجة، طمني عليك." فتحدث سيف بخوف هو الآخر: "يا بني انطق، قلقتنا عليك." ابتسم حمزة لإحساسه بشعورهما الصادق اتجاهه، فتحدث ليطمئنهما: "ما تقلقوش يا شباب، كل الحكاية إن في حاجة شاغلاني شوية بفكر فيها، بس إن شاء الله خير، ربك هيحلها من عنده." ربت يحيى على ساقه قائلاً: "ونعم بالله." واردف سيف بجدية: "طب ما تقول لنا إيه هي الحاجة دي؟ يمكن نقدر نساعدك يا جدع." تحمحم حمزة، فهو حقاً لا يعرف بماذا يجيب.

لأنه حائر ما بين إفضاح أمر سمية أمام الجميع، وبين خوفه الشديد على إيذاء إيناس من ذاك القاتل المستهتر شاهين. حاول التحدث بهدوء قائلاً: "الموضوع متعلق بين سمعة شخص وحماية شخص تاني، عشان كده مش عارف أعمل إيه... فتوقف حمزة عن استكمال حديثه بعدما وجد شخصاً يقف أمامهم ويلقي عليهم التحية: "السلام عليكم." وقف ثلاثتهم بعدما ردوا التحية. فمد ذلك الشخص يده وهو يعرف عن ذاته قائلاً:

"أنا أيمن عبد العزيز، محامي شاهين الدالي، الله يرحمه." صعق الثلاث من هذا الخبر الغير متوقع، بينما حاول يحيى التحدث، فهو مصدوم حقاً، فتساءل بذهول: "متى وكيف وأين حدث ذلك؟ أجاب المحامي أيمن بجدية قائلاً: "هتعرف كل حاجة يا أستاذ يحيى، إنت والمهندس سيف، لما يحضر معانا والدك الحاج رشاد، والحاج سمير، والأستاذ محسن، والمعلم علي، وكمان يوسف أخوك يا باشمهندس."

استغرب يحيى وسيف لمعرفته بشخصيتهما، كما قلق الأخير عند ذكر اسم أخيه، وكذلك يحيى عند سماعه لأسماء رجال الحي الذي ذكرهم. فهم المحامي أيمن ما يدور بذهن يحيى وسيف، فأردف قائلاً: "ما تستغربوش إني أعرفكم بالاسم، شاهين باشا الله يرحمه كان حاكي لي كل حاجة عن حي الغمري ده، غير إني شفت صوركم معاه عشان أتعرف عليكم." "المهم، كنت حابب أتجمع مع والدك وباقي الرجالة النهاردة."

تقدم حمزة معرفاً عن حاله بأنه محامي يحيى وبالمثل يوسف، ويريد الحضور بتلك الجلسة. رحب أيمن بذلك. مر حوالي نصف الساعة، وكان الجميع متواجداً في الشقة القابعة بالدور الأول بمنزل الحاج رشاد، بعدما أبلغهم يحيى بأنه يريدهم لأمر هام للغاية دون إخبارهم بشيء آخر، كما أتى يوسف في عُجالة بعد مهاتفة شقيقه له. وإلى الآن لا يعلم الحضور لماذا تجمعوا هنا، بجانب عدم معرفتهم بهذا الشخص الغريب.

بعد تبادل التحية بين الجميع، وقف أيمن يعرف عن حاله للحضور، ثم تقدم من جلوس المعلم علي ومد يده إليه قائلاً: "البقاء لله يا معلم في وفاة ابنك شاهين." صمت تام يجوب المكان، مع وقوف المعلم علي من جلسته، وهو ما زال ممسكاً بيد المحامي قائلاً: "إنت بتقول إيه؟ شاهين مين اللي مات؟ شاهين ابني؟ طب إزاي وإمتى؟ مكملاً بعدما استغفر ربه هاتفاً: "لا حول ولا قوة إلا بالله." "إنا لله وإنا إليه راجعون."

وقف الجميع بتأثر من هذا الخبر، فبرغم عدم حبهم لشخص شاهين، ولكن للموت احتراماً، بجانب خوفهم على والده الذي حزن بشدة، فمهما كان هو ولده شاء أم لم يشأ. اهتز جسده وكاد يسقط أرضاً، ولكن شدد أيمن بمسك يده، ولحقه يحيى، حاضناً ظهره لكي يتماسك بوقفته. تحدث الحاج رشاد إليه بتأثر على حال صديقه وجاره: "الله يرحمه ويغفر له، شد حيلك يا معلم، الموت علينا حق، وكلنا رايحين."

"لازم تقوى يا علي عشان تقدر تبلغ أمه، إنت عارف كانت بتحبه إزاي رغم بعده عنه." تقدم الحاج سمير هو الآخر، وكذلك الأستاذ محسن وباقي الحضور لتقديم التعازي له في فقيده. ما زال المعلم علي متأثراً بهذا الخبر المشؤوم، ولكنه حاول التحدث قائلاً: "حياة شاهين ابني كانت كلها غلط ومليانة مخاطر، بس ما كنتش متوقع إنه هيمشي من الدنيا بسرعة كده."

صمت للحظة، بعدها بكى بحرقة قلب أب فقد وحيده، وبرغم قسوة شاهين عليه، إلا أنه كان يحبه، ودائماً يطلب من ربه بصلواته أن يرجعه لصوابه، ولكن لم يحدث وانتهت حياته. أخذ يدعو له بالمغفرة والرحمة. أما من حوله رددوا وراءه بمثل ما قال. هنا تحدث حمزة سائلاً المحامي أيمن قائلاً: "ممكن تعرفنا شاهين اتوفى إزاي وليه حضرتك مجمع الكل؟ أجاب أيمن بلباقة وسلاسة:

"هعرف حضرتك والحضور كل حاجة، بس استأذن أستاذ يحيى يشغل الشاشة ويحط الفلاشة دي فيها." فعل يحيى مثلما طلب منه، ثم أعطى جهاز التحكم (الريموت) لأيمن وجلس بجوار المعلم علي. أكمل أيمن مردفاً: "الفلاشة دي عليها اعترافات من شاهين تخصكم كلكم، ووصاني لو جرى له حاجة، أوصلها لكم على طول، وقالي يا ريت لو تقدروا تسامحوه." تساءل الحاج سمير على ماذا نسامحه؟ بينما هتف محسن والد ضحى قائلاً:

"المطلوب منه ذلك هو ووالده، ما دخلنا نحن بذلك؟ والباقون ظلوا صامتين. أما حمزة يعلم مقصده، ولكنه مستغرب لما طلب حضور الجميع هكذا، ففضل الصمت هو الآخر حتى يعرف الحكاية كاملة. هنا تحدث أيمن وهو يقف من جلسته قائلاً: "هجاوب على كل الأسئلة، بس خلوني أعرفكم شاهين باشا مات إزاي، وبعد كده تشوفوا اللي موجود على الفلاشة." فواصل حديثه مردفاً:

"من حوالي خمسة أيام، شاهين باشا كان موجود في قرية في الصعيد، القرية دي مليانة آثار، ووقت ما رجاله كانوا بينقبوا على آثار في بيت من بيوت القرية، اتقبض عليهم متلبسين وهما معاهم كذا قطعة من تماثيل فرعونية." "من غير أي مقاومة، الباشا سلم نفسه هو ورجالته، لرجال الشرطة المكلفة بالقبض عليهم، بس الوحيد اللي قدر يهرب هو كرم." "لأن الباشا كان واثق إن الكبار اللي ساندينه هيخرجوه منها بسهولة جداً، فما حاولش الهرب معاه."

"وعشان القضية مش سهلة، وفيها أسماء في مناصب كبيرة بالدولة، دخلوه السجن وسط حراسة مشددة، على ما التحقيقات تكمل ويتحدد ميعاد لجلسة محاكمة، وياخد عقوبته هو واللي معاه في أسرع وقت."

"اتصل شاهين بالكبار من جوه زنزانته عشان يتصرفوا، لكن للأسف كان ردهم إنهم مش هيقدروا يساعدوه المرة دي، لأن القضية كبيرة وعليها عيون كتير، وجاية أوامر عليا إن التحقيق يتم بجدية، وأي حد اسمه يجي في القضية لازم يتجاب ويتحاسب مهما كان اسمه ومنصبه في الدولة." "شاهين حس بغدرهم اللي كان متوقعه يحصل في أي وقت، وإنه هيكون كبش فدي لهم."

"فهددهم لو محاولوش يساعدوه عشان يخرج منها، هيعترف بكل حاجة قديمة وجديدة، ومعاه ما يثبت كلامه." "فطريقة كلامهم اتبدلت للأحسن، وقالوا له: سيبنا كام يوم وهنلاقي مخرج للمصيبة دي، وقريب هتعرف الحل إيه." "شاهين باشا بعد ما قفل معاهم، كلمني عشان أروحه السجن، لأنه ما بقاش واثق فيهم خلاص، لأنهم ممكن ينهوا حياته في أي لحظة." "فأنا عشان ليا معارف جوه السجن، قدرت تاني يوم أروحه بليل، ومعايا أوراق طلبها مني عشان يمضي عليها."

"ده غير كمان، قالي على مكان السيديهات اللي بتدين المسؤولين الكبار، وبعد كده طلب يسجل فيديو لحضرتكم، اللي موجود معايا على الفلاشة." "خلصنا كل حاجة ومشيت." "عدى يومين ورحت أزوره زي ما كنا متفقين، لكن للأسف بلغوني بخبر وفاته."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...