نظرت ضحى لسناء وهي لم تصدق أن الله سمع دعاءها وحقق لها أمنيتها بهذه السرعة. حمدت ربها كثيراً وهي تحلق عالياً من فرط سعادتها. نادت سناء عليها لكي تنتبه لحالها أمام والدتها قائلة: "دودي هتلبسي ولا إيه؟ عشان أدخل أقول لماما." رت نادية حال ابنتها دون أن تلفت نظرها إليها. وفي نفس الوقت، كما فرحت من قلبها على حب وخوف سناء لوحيدتها، فسناء عوضتها كثيراً عن فراق شقيقتها الراحلة.
انتبهت نادية لابنتها التي مازالت ساكنة مكانها ولم تتحرك، فحدثتها حنو حتى لا تربكها. "ردي على سنسن يا دودى عشان متتأخروش، نص ساعة وترجعوا على طول." تفتت ضحى سريعاً: "حاضر يا نونا يا قمر، أنتِ تأمري يا جميل." ثم توجهت لخزانة ملابسها لتخرج ثياباً مناسبة لها. واتجهت سناء لشقتها لتبلغ والدتها بأنها ستذهب مع ضحى إلى أمل كما طلبت منهما المجيء إليها.
فجميع سكان حي الغمري يتعاملون كأسرة واحدة في جميع المناسبات، يقفون بجانب بعضهم البعض رجالاً ونساءً أيضاً. دَلفت سناء الشقة، أخذت تبحث عن والدتها فلم تجدها بداخل المطبخ ولا بغرفة الجلوس، فاتجهت لغرفة نوم والديها وطرقت بابها وانتظرت الإجابة. أذنت والدتها الحاجة سميحة بالدخول وتحدثت بثقة لمعرفتها بالطرق. "ادخلي يا آخرة صبري." فتحت سناء الباب ناظرة لوالدتها ومتحدثة باستغراب: "وعرفتي إزاي ياسمسم إن أنا اللي بخبطت؟
تحدثت والدتها بتهكم: "قلب الأم طبعاً، إنتي هتستهبلي؟ يا بت هو في حد معانا ده أنا وإنتي وأبوكي يعني كلنا نفرين وطفاية، وبعدين أبوكي مش بيطلع دلوقتي من المعرض يبقى مين اللي هيجي هيكون بيخبط يا فالحة؟ ضحكت سناء بتفهم: "تصدقي صح. خلاص بقى يا سمسم، ما كانش سؤال. أنا مش عارفة جايبة اللماضة دي منين." وقفت سميحة من مجلسها مصطنعة الجدية كأنها ستعقبها عما فات به، فكانت جالسة تطوي الملابس لتدخلها بالخزانة، فتحدثت مردفة:
"جايباها منك، أصل حجا أكبر من أبوه على رأي المثل." جرت سناء من أمام والدتها بضحك: "إيه ياسمسم، مش إحنا أصحاب وبنهزر مع بعض ولا إيه؟ خليكي فريش يا قمر إنتِ." رجعت سميحة لمجلسها مرة أخرى: "ماشي يا صاحبتي يا اللي ما بتحكيش ليا حاجة ولا بتتكلمي معايا خالص." فوصلت حديثها بتهكم أكبر: "قال أصحاب قال، يا بت ده أنا ساعات مش بشوفك غير على النوم وباقي اليوم بتكوني عند ضحى، صح ولا لأ؟ تحدثت سناء وهي تجلس بجانب والدتها متسائلة:
"الله الله، هو الجميل زعلان ولا إيه؟ إنتي بتغيري من ضحى ياسمسم؟ أجابتها سميحة بتعنف مصطنع: "يا بت اتلمي، ضحى بنتي زيك بالظبط، ده أنا اللي مربياها هي وأختها الله يرحمها. إنتي ما تعرفيش أنا مبسوطة قد إيه إنك ما بتسيبيهاش وعوضتيها عن غياب رضوى. أنا بقول يعني إني ماما برضه والمفروض تيجي تتكلمي معايا وتحكيلي عن أي حاجة تخصك، ولا إيه يا آخرة صبري؟ ألقت سناء بجسدها بأحضان والدتها ثم قبلتها بوجنتها قائلة:
"أكيد ياروحي، ده أنتي حبيبة قلبي وأمي وصاحبتي. بس والله أنا ما عندي حاجة مهمة أقولك عليها، أنا يومي بيختصر أن بقوم من النوم أفطر معاكي ومع بابا وأصلي وأروق وأدخل شوية عند ضحى، يا هي اللي بتيجي هنا، بس كده. بس صدقيني أول ما يجد جديد هاجي لك على طول أحكيلك حبيبتي، هو أنا خلفت غيرك يا سميحة." ثم قامت تجري وهي تقهقه من أمام والدتها خوفاً أن تعاقبها على آخر ما تحدثت به.
ابتسمت والدتها على ما تفوهت به، فسناء معروفة في عائلتها وبروحها المرحة. فتحدثت مردفة: "خلفتني، ماشي يا سنسن. قال يعني بتخافي أوي يا أختي. لما أشوف هتجي تحكيلي يا مامتي ولا لأ." ثم ألقت قبلة لها في الهواء. بدلتها سناء مثلما فعلت. سألتها مستفسرة: "إلا كنتِ بتخبطي ليه صحيح؟ مش كنتِ عند ضحى؟ خبطت سناء على مقدمة رأسها كحركة تذكيرها لشيء قد نسيته.
"شفتي يا سمسم، الكلام خدنا ونسيت أقولك أن أمل بنت عم رشاد عايزاني أنا وضحى نروح عندها دلوقتي وكنت جايا أستأذنكوا. وغير هدومي." تفتت والدتها بالموافقة: "وماله حبيبتي، روحي بس ما تتأخريش، نص ساعة وترجعوا بسرعة." "إيه ده؟ هو إنتي كنتِ معانا جوه وسمعتي خالتو نادية؟ تركت سميحة ما بيدها متسائلة: "اشمعنى حبيبتي؟ "أصلها لسه قايلة نفس الكلام نص ساعة برضه. وإنتوا أصحاب من زمان." ابتسمت سميحة بتأكيد:
"يا بنتي إحنا عشرة عمر ودماغنا وتفكيرنا وكلامنا واحد، زيك كده إنتي وضحى. يا رب أفرح بيكم في يوم واحد ويرزقكم بولاد الحلال قادر يا كريم." آمنت سناء وراء والدتها مردفة: "يارب يا ماما يارب."
هي لا تعرف لماذا لم تعترض عن فكرة الزواج مثل كل مرة. فحين كانت تتحدث والدتها معها عن عريس يريد الارتباط بها، فهي دوماً يأتي أشخاص لخطبتها عن طريق أخواتها الشباب أو زوج شقيقتها أو أحد من أقاربها، كانت دائماً ترفض بشدة، تخبرهم أنها صغيرة على الزواج. والأهم لم يعترض والداها على ذلك، تاركين لها حيرة الرأي والاختيار، داعين الله أن يرزقها بزوج صالح. استغربت سناء حالها ثم تحدثت مسرعة:
"سمسم، أنا هدخل أغير هدومي وهنزل أنا وضحى. عايزة حاجة أجيبها معايا وأنا جاية؟ تفتت والدتها بوجهها المبتسم: "متحرمش منك حبيبتي. عايزاكي طيبة، بس سلميلي على خالتك سعاد وأمل كتير." "عيوني يا ست الكل." بعد حوالي عشر دقائق، كانت قد انتهت من تجهيز نفسها وخرجت من شقتها. متجهة لشقة ضحى، طرقت على بابها. فتحت لها نادية مردفة: "تعالي ياسنسن، ادخلي." دَلفت سناء متسائلة باستعجال: "ضحى لبست ولا لسه يا خالتو؟ أجابتها
ضحى وهي تخرج من غرفتها: "خلصت ياروحي، كنت بلف الطرحة بس." أطلقت سناء صفيرًا عاليًا لإعجابها بمظهر ضحى وهي تخرج من غرفتها وتعبير بجمال صديقتها الهادئ والراقي الذي يظهر عليها عندما تكون فرحة من قلبها. مداعبه إياها: "إيه الحلويات دي يا روحي؟ نظرت ضحى إليها بغضب كأنها تريد افتراسها الآن: "حلويات إيه بس ياسنسن؟ ثم أشارت بعينيها ناحية والدتها التي تعطي لهما ظهرها لأنها مشغولة في تحضير شيء مال لتعطيها لضحى وهي ذاهبة لأمل.
فهمت سناء مقصد صديقتها، واضعة إحدى إصبعيها على فمها معبرة أنها لم تتفوه بشيء آخر. تحدثت ضحى بعجالة: "إحنا نازلين يا نونا، عايزة حاجة؟ التفتت نادية إليهما مردفة: "لا حبيبتي، بس خدي صنية الجلاش الحلو ده معاكي لخالتك سعاد، أصل يحيى بيحبها من إيديه." تفتت ضحى بسعادة فهي ذاهبة لأحب مكان لقلبها: "حاضر يا نونتي، مكمله... عايزة حاجة تانية؟ "لا ياروحي...
سلميلي على كل اللي هناك وقولي لخالتك سعاد، ماما بتقولك لو عايزة أي حاجة تكلمني وأنا أكون عندها في ثواني. عقبال ما أفرح بيكم عن قريب يا قمرات." ابتسمت اثنتانهم، ثم ذهبا إلى منزل أمل. منزل غادة وعايدة اللذان ما زالا واقفين بالمطبخ، فسألتها والدتها: "أنتي عايزة إيه يا غادة من يحيى بالظبط؟ أجابت غادة على هذا السؤال قائلة: "وأنا عملت إيه بس يا ماما؟ كل الحكاية مش بحب آراء حد في حاجة تخصني." تحدثت والدتها بجدية:
"حد مين وتخصك إيه حبيبتي؟ ده خطيبك وقريب هيكون جوزك، يعني من حقه يقول رأيه لو شايف حاجة إنتي مش واخده بالك منها." نظرة استنكار من غادة لوالدتها مردفة بغضب: "يعني إيه ياماما الكلام ده؟ مش من حقه طبعاً، أنا حرة في كل تصرفاتي، عاجبه على كده أهلاً وسهلاً، مش عاجبه مع السلامة." حزنت عايدة بتأثر من تفكير ابنتها المعروف بالغرور والتكبر، فتحدثت قائلة: "إنتي بتتكلمي كده ليه يابنتي؟
واضح من كلامك اللي كله غرور إنك بايعه الموضوع من الأساس. تعرفي لو واحدة غيرك كانت هتفرح لما تلاقي خطيبها بيغير عليها أو بالاصح خايف إنها تشيل وزر وهي في الحقيقة عارفة بده. عموماً يابنتي أنا نصحتك وأنتي مش صغيرة إني أجبرك تدي فرصة لنفسك وتشوفي خطيبك صح. بس أحب أقولك إنك لو خسرتي يحيى هتندمي عشان صعب أوي تقابلي شخص تاني في حياتك يخاف عليكي زيه." تحدثت غادة بغرور:
"أنا عمري ما هندم، وكلمة الندم مش هتكون موجودة في قاموس حياتي، وبعدين ما فيش غيره في الوجود." تحدثت عايدة لابنتها وهي تحاول إقناعها بتغيير نمط حياتها: "أنا ما قلتش كده، بس بطريقتك دي صعب تلاقي حد يحبك بجد، إلا لو غيرتي تفكيرك بس. يارب يحصل قبل فوات الأوان." ثم تنهدت بقلة حيلة: "بتمنى من ربنا ينورك بصرتك ويهديلك نفسك حبيبتي." أثناء حديثهما، سمعا باب الشقة يغلق، فعرفا أن حسين والد غادة قد أتى من عمله.
فهو يعمل محامياً ولديهم مكتبه الخاص، وجاءت معه ريم الابنة الصغيرة. فمن عادات والدهما عندما يكون لديه ريم درس ولا يوجد لديه عمل يذهب إليه ليصطحبها إلى المنزل بدلاً أن تستقل سيارة أجرة ذات الشركات الشهيرة. فهو يحب بناته ويخاف عليهما كثيراً ولا يحب إحزانهما حتى وإن وصلت تنفيذ كل متطلباتهما مهما كانت، وبالأخص غادة.
وهذه عكس والدتهما، فهي تحبهما أيضاً بل وأكثر، ولكن تريد أن تعلمهما أصول الحياة وأن الدنيا يوجد بها مصاعب يجب أن يتجاوزها وكيف يتعاملا مع الآخرين من أصحابهن وأقاربهن. كل هذا استجابة له ريم من والدتها وعن اقتناع تام. أما غادة فعكسها تمام، عندها غرور وكبرياء لا مثيل لهما، والذي يشجعها على ذلك هو والدها حسين صادق لاعتقاده أن بهذا لن يكسرها أحد لأنها أنثى ضعيفة.
ولكن هذا مفهوم خطأ عند البعض، فالأنثى قوية ليست ضعيفة، قوية بإرادتها وعزيمتها على تخطي الأمور الصعبة وحل مشاكلها بعقلانية لا بالغرور والتكبر على الغير. ألقى عليهما السلام ثم تساءل بوجه مبتسم: "إيه يا حبايبي، مالكم شكلكم متغير ليه؟ فنظر باتجاه غادة قائلاً: "أوعي تكوني مزعلة ماما في حاجة يا غادة؟ جرت غادة تحتضن أباها، فهي تحبه كثيراً لأنه أب حنون ويستحق كل هذا الحب من ابنتها. أجابته بتأكيد حقيقي:
"وأنا أقدر أزعل القمراية بتاعتنا؟ بس كل الحكاية اختلاف في وجهات النظر يا بابا، بس كده." "طب تعالي يا حبيبة بابا نقعد وقوليلي الحكاية إيه؟ تفتت عايدة بقلة حيلة: "وعلى إيه بقى؟ بنتك قررت وهتنفذ خلاص. عموماً اسمعها على ما أحضر الغداء." ثم نظرت لابنتها الصغرى: "وإنتي يا ريم ادخلي غيري هدومك يا قلب ماما." بالفعل تحركت عايدة ذاهبة للمطبخ ودلفت ريم لغرفتها، وتركا غادة مع والدها بمفردهما.
فبدأت تقص عليه ما حدث بينها وبين يحيى بالهاتف ثم مناقشتها مع والدتها. وبعدما استمع إليها، وقف من مجلسه سائلاً إياها: "طب أنتي شايفة إنه مالوش الحق يدخل في لبسك؟ كبت واقفه وتحدثت بغضب من سؤال والدها: "إنت بتسألني يا بابا؟ أكيد طبعاً لأ، مش من حقه." رأى والدها حالها أن مناقشته معها أوصلت لذلك، فتحدث بحنو:
"خلاص حبيبتي، إنتي أدرى بحياتك، شوفي إنتي عايزة إيه وأنا معاكي في أي قرار. وتأكدي مافيش حد في الدنيا هيجبرك على حاجة إنتي مش حباها. خلاص يا قلب بابا." اقتربت غادة من أبيها وقبلت وجنته وتحدثت وهي مبتسمة: "متحرمش منك يا أغلى وأحن وأعظم أب في الدنيا كلها."
بعدما استأذن يحيى وعمرو من والدهما ليصعدا لشقتهما، دقا الجرس أولاً لكي ينتبه من بالداخل، فهذا الأمر من عادة رجال المنزل في تواجد أختهما بالداخل، لكي يمهلاها الوقت حتى تدلف غرفتها عندما تكون جالسة بارتياح. ثم بعد حوالي ثلاث دقائق، يفتح الباب بالمفتاح. فعل يحيى مثلما يفعل يومياً وألقى السلام، فسمعا والدته وشقيقته أمل يردان عليه من غرفة المعيشة.
فدلف عليهما ومعه عمرو، وقبل يحيى يد والدته وعمل عمرو نفس الشيء، ثم سلم على أمل مقبلاً رأسها مثل عادته، فيحيى يحب أمل كثيراً. ثم اقترب منها عمرو ويسلم عليها قائلاً: "إزيك يا بت يا أمل؟ نظرت إليه نظرة ممقوتة وتحدثت مصطنعة الجدية: "بت في عينك، اتلم يالا أنا أكبر منك بثلاث سنين." التفت عمرو لكي يزعجها، فهو يعمل ذلك دائماً: "وإيه يعني تلات سنين؟ كملي عليهم وهاتي لك معجون أسنان على الأقل ينفعك."
قهقه كلاهما من يحيى ووالدته ذات القلب الطيب التي تحب أولادها وزوجها حباً لا حدود له. فتحدثت وهي تعاتب والدها الصغير بضحك: "بس ياعمرو، ما تضايقش أختك دي عروسة وتعتبر دلوقتي ضيفة عندنا، وإنت عارف واجب الضيف عندنا إيه؟ أجابها عليها عمرو بهدوء مستفز: "نكرمه يا حبيبتي." صرخت أمل مصطنعة الغضب: "كده يا ماما بتنصريه عليا؟ واكملت معاتبة: "أنا ضيفة؟ يرضيك كده يا يحيى؟ ماما والزفت ده يقول لي كده؟
ابتسم يحيى لها وتحدث برزانة، فهو يحب مشاكسة أخواته مع بعضهما البعض، مردفاً بحنو: "لا ياروحي ما يرضينيش بالنسبة للزفت عمرو، بس ماما براحتها، مقدرش أكلمه." تفتت أمل بحزن طفيف: "بقي كده يعني؟ ما فيش حد ينصفني في البيت ده؟ فينك يا بابا؟ قامت سعاد وهي مازالت مبتسمة على غضب ابنتها المصطنع التي تحبه كثيراً: "بطلي رغي وتعالي نحضر الغداء لأخوكي." ثم وجهت الحديث ليحيى:
"إنت عارف لو ما كنتش كلمتني وقولت لي إنك هتتأخر، أنا كان زماني قلقانة عليك يا نور عيني." "قبلت يديها وأنا أقدر أسيبك قلقانة، حبيبتي." فاكملت متسائلة: "إلا قولي موبايلك كان مشغول مع مين كل ده؟ أصل كنت عايزة أطلب منك حاجة تجيبها لي وأنت جايا." أجابها يحيى: "أبداً حبيبتي، دي كانت غادة." قالها بوجه عابث.
فأحست والدته أن ولدها به شيء ولكن لا يريد أن يفصح عن تفاصيله، ففضلت ألا تضغط عليه وتتركه لحين يريد هو إخبارها لحاله، فهي ستكون أول المرحبين بذلك، ولكي تخرجه من هذا الحوار، تحدثت بشيء آخر: "طب هتاكل دلوقتي يا حبيبي؟ أنا عملالك قلقاس ورز أبيض يستهلوا بقك زي ما بتحبه." فوجهت حديثها لأمل قبل أن يجيبها: "تعالي يا أمل نحضر الأكلة." تفتت يحيى بالرفض: "مش لازم دلوقتي يا ماما، أنا هنام شوية وبعدين أقوم آكل."
تدخلت أمل في الحديث: "طب كويس، ادخل نام عشان ضحى وسناء جايين دلوقتي لأني عايزهم في حاجة ضروري والصراحة عايزة أقعد معاهم براحتي." عندما سمع يحيى اسم ضحى، شمس حياته، ندم كثيراً لإخبار والدته أنه سينام، ولكن حاول سريعاً إصلاح ما أفسده قائلاً: "طب عشان لمضتك دي مش هنام، وهتحضر لي الغداء، إيه رأيك؟ نظرت أمل إليه مضيقة العين تسأله بريبة: "إنت مين؟ لا يمكن تكون يحيى، إنت عمرو صح؟ يحيى حبيبي عمره ما رخّم عليا."
ابتسم يحيى قائلاً: "لأ أنا هو بشحمه ولحمه." فأقترب منها ووضع يده على كتفيها وتحدث مردفاً: "أنا أخوكي حبيبك، خلينا وجعان أوي يا مولي." ابتسمت له قائلة: "من عيون مولي، خمس دقايق والأكل هيكون جاهز." دَلفت أمل المطبخ لتحضر الطعام لأخيها وطلبت من والدتها البقاء في بهو الشقة حتى تستقبل ضحى وسناء. فعلت والدتها مثلما طلبت وجلس يحيى بجانب والدته بقلب يتراقص بمجيء ساكنة وجدانه. أخرجه عمرو من تفكيره، هو يتحدث
بخفة دمه المعتاد عليها: "الله، مزتين المنطقة هينوروا عندنا؟ فنظر إليه يحيى وهو منزعج منه: "ماتحترم نفسك يا زفت، اتكلم عدل، في واحد محترم في كلية هندسة يقول مزتين." التفت عمرو متحدثاً: "وإيه يعني؟ ده أنا بقول لهم كده على طول. أقربها امبارح على الواتس وفضلوا يضحكوا كمان." نظر يحيى باستغراب لأخيه عما سمعه: "ليه بيكلموك واتس؟ خير، في حاجة؟
كل هذا تحت أنظار والدتها الحاجة سعاد التي تبتسم لتغير حال يحيى عندما علم بحضور ضحى، فهي تحبها كثيراً. وعندما طلبت من ولدها أن يفكر في موضوع الزواج كانت تقصد ضحى، ولكن تسرع ابنها وخطب زميلته غادة التي لا تحبها من وقتما رأتها بسبب كبرها وغرورها الظاهر في تعاملها معهم جميعاً. لذلك لا أحد يحبها من أسرة يحيى. خرجت والدتهما من شرودها وانتبهت لتستمع للحوار الدائر بين أبنائها. فوضح عمرو ليحيى لما يتحدث معهما:
"أصل ضحى عاوزانا نعمل مفاجأة لأختك يوم الفرح. دي حتى كانت عاوزاني أضيفك معانا، فقولت لها مش إنتي معاكي رقمه؟ ضيفي قالت لي يمكن يضايق. أقوله الأول ولو وافق ضيفه." تحدث يحيى حال قائلاً: "أنا أضيق منك يا شمسي؟ ده أنا هكون سعيد والله." فاق يحيى شروده على صوت عمرو: "إيه يا جدع؟ روحت فين؟ "أنا معاك أهو يا لمض، هروح فين؟ ابتسمت والدته فقد تأكدت أن ولدها يكن شيئاً بداخله باتجاه ضحى.
دعت ربها في صمت أن ما تتمناه يتحقق لكي يسعد قلبها وتطمئن على يحيى نور عيونها. بعدما خرجا ضحى وسناء من باب منزلهما متوجهان إلى منزل أمل، كان يجلس أسفل المنزل الحاج رشاد بجوار مخبزه ومعاه الأستاذ محسن والد ضحى والحاج سمير والد سناء. ألقى السلام عليهم ثم صعدوا المنزل قاصدين شقة الحاج رشاد والد أمل.
فالمنزل خمس طوابق، الشقة المتواجدة بالدور الأرضي يستعملها لأي مناسبة تحدث بحي الغمري، والدور الذي يعلوه شقة يحيى بعد الزواج، والدور التالي شقة عمرو أيضاً بعد الزواج، والدور الرابع شقة الحاج رشاد التي يسكن فيها مع زوجته وأولاده، والدور الخامس شقة لاستقبال أقاربهم عندما يأتون زيارتهم من محافظة سوهاجو.
وصلتا ضحى وسناء للدور الرابع، وقلب ضحى يدق بصوت عالٍ من فرط سعادتها ونفس الوقت خجلها للغاية، ولولا صوت الجرس لكان من يفتح الباب يسمعه. عندما سمع يحيى دق جرس الباب، حس أنها هي، وتقدم هو ليفتحه. بينما دلفت والدته المطبخ لأخته، ودلف عمرو غرفته. وعندما فتح، تسمر أمامها وهي نفس الشيء. فقطعت سناء الصمت الذي مر لثواني: "إزيك يا يحيى، أمل موجودة؟
فاق اثنانهم على صوتها، فتحدث يحيى عندما تحمحم حتى يقدر على إخراج صوت، فرؤيته لضحى أجمل من حدث له هذا اليوم، وكم تمنى أن يراها ويسألها لو كانت حزينة وهي واقفة بشباك غرفتها: "آه، اتفضلوا، ماما كمان جوه." دَلفت يحيى وهما وراءه. فهمست ضحى لسناء: "امسكيني بالله عليكي، أنا حاسة إني هيغم عليا لما شوفت قريب كده." ابتسمت سناء على حال صديقتها مردفة: "مالك يا دودي؟
اجمدي كده، ده يدوبك فتح الباب، أومال لو قال لك عاملة إيه كان حصل لك إيه؟ لا كده هتفضحين، نلف ونرجع، يا تار ولا العار." لكزتها ضحى في كتفها وتحدثت بخجل مميت: "مش ناقصاكي يا خفة، اسنديني وإنتي ساكتة." وقف يحيى أمام غرفة الجلوس: "اتفضلوا، على ما أبعت لكم أمل." التفتت سناء سريعاً: "لأ، خليك أنت، أنا هدخلها."
انصدمت ضحى مما تفوهت به سناء، فمعنى ذلك ستقف هي بمفردها مع يحيى، فالحقيقة هي لم تقدر على ذلك حتى لو لبضع ثواني، لم لن تتحمل هذا الموقف. استحلفت لسناء بعينيها بأنها سوف تقطعها أرباً عندما يذهبن إلى منزلها، ولكن ماذا تفعل الآن؟ هي ليس لديها القوة على الصمود. أخرجها يحيى من حيرتها وتحدث مردفاً: "إزيك يا ضحى؟ أجابته وهي تنظر في الأرض لخجلها الشديد مردفة: "الحمد لله بخير." هي لم تعرف ماذا تقول. انزعج هو وحدث حال:
"هي مش عايزة تبص لي ليه؟ لدرجة دي أنا مضايقة من وجودي معاها." فتحدث بضيق: "لو مضايقة من وقفتك معايا، ادخلي استني أمل جوه." نظرت إليه سريعاً: "أبداً والله، ده أنا مش عاوزاك تكون إنت اللي مضايق." ابتسم يحيى وتحدث بسعادة: "أنا بالعكس، أنا مبسوط أوي." ارتبك من اعترافه، فأكمل سريعاً قائلاً: "قصدي لي كتير ما شوفتكيش، طمنيني عليكي." تفتت برقة: "أنا بخير الحمد لله." وانتهت. "الحمد لله، بقيت تمام." تذكرت ضحى ما بيدها:
"آه صحيح، ماما باعتة لك حاجة بتحبها." استغرب هو قائلاً: "حاجة أنا بحبها؟ طب غششيني، أحسن نسيت، بقي لي كتير ما أكلتش من إيد خالتو نادية." "لو إنت نسيت، إحنا ما نقدرش ننسى." "قصدي ماما ما تقدرش تنسى." سعد كثيراً مما لفظته الآن، ولكن عندما قالت "قصدي ماما" حزن أكثر دون أن يظهر ذلك. فأخبرته قائلة: "عملت لك صنية جلاش حلو، تترى لسه بتحبه من إيد ماما؟ حدث حاله دون أن تسمعه: "وأنا بحب بنت ماما." فابتسم بسعادة.
فرحت ضحى كثيراً عندما رأت ابتسامته، فحدثت حالها قائلة: "بحبك يا يحيى."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!