حاول يحيي استيعاب ما سمعه، فتساءل باستفسار: "يعني إيه الكلام ده؟ ممكن توضحيه؟ أمسك عادل يدها كدعم لها لاستكمال الحوار، فقد أبلغه بجميع ما حدث معها بعدما تقدم لها بيوم. تشجعت غادة بالفعل وقصت ليحيي من وقتما حدثها ذلك الرجل مجهول الهوية، حتى اعتراف سامي لها بأنه هو من تسبب بإمضائها على تلك الأوراق. مكملة حديثها بأنها أوضحت الحقيقة كاملة للمهندس كريم في ذات اليوم الذي قدمت به استقالتها من الشركة.
وعندما علم كريم بكل ما حدث، حزن كثيراً لخسارته شخص مثل يحيي، فحاول الاتصال به ليعتذر منه، ولكن منعته غادة حتى تعترف هي أولاً له بما فعلته به، لعله يسامحها. أكملت غادة مردفة بأنها بعد اعتراف سامي بالحقيقة كاملة، أخبرت والدها عن هذا الذنب الصادر منها ضده، في نفس اليوم الذي توفي به بنصف ساعة. وقتها طلب منها والدها الذهاب إلى يحيي وإعلامه بكل ما حدث. ورغم هذا، كان لديه ثقة كبيرة بأنه سيتقبل اعتذارها.
فتحدثت غادة معتذرة له بجانب ندمها لعدم إبلاغه الحقيقة كل هذه الفترة، فمنذ وفاة والدها ووضعها لم يكن بخير، لذلك تأخرت في إخباره. كما توسلت إليه لكي يصفح عن خطئها بحقه. نظر يحيي إليها ولم يتحدث، ثم أنزل بصره أرضاً وما زال صامتاً. نادت عليه بصوت يكسوه الندم لتعرف ما يدور بذهنه بعد استماعه لها، فتحدثت سائلة: "يحيي، أنت ما بتتكلمش ليه؟ أفهم من كده إنك مش قابل اعتذاري؟ يرفع رأسه وأجاب سريعاً حتى ينفي إحساسها الخطأ هذا:
"أبداً، مين قال كده؟
أنا بس سرحت في كلامك مش أكتر. وعلى قد ما كنت حزين من اللي حصل، لأني عمري ما خطر على بالي أقف في موقف زي ده بيوم من الأيام. بس اللي أثر فيَّ بجد رد فعل كريم، لأنه صدق من غير ما يدور ورا المعلومات اللي جات له إذا كانت صح ولا غلط، ونسي إخلاصي ليه وللشركة طول فترة شغلي معاه. لكن بعد ما هديت شوية وفكرت من غير ضغط نفسي، قولت أكيد ربنا له حكمة من اللي حصل لي. عشان دايماً عندي ثقة في الله سبحانه وتعالى إنه دايماً بيختار لنا
الأفضل. ده غير إني كنت متأكد إن الحقيقة هتظهر مهما طال الوقت. غادة، أنا عاوز أقول لك إنك عندي زي أختي، ده بجد ومش كلام وخلاص، فإزاي ما أسامحش أختي. اللي حصل كان غصب عنك، واحد جالك وأوهمك وقدم لك إثبات ضدي بالخيانة، وإنتي وقتها ما كنتيش تعرفي إنها خدعة حقيرة منه."
مكملاً حديثه حتى يخرجها من إحساسها بالذنب تجاهه: "وبعدين، المفروض أشكرك ما أزعلش منك." استغربت غادة من كلماته تلك، فتساءلت مستفسرة: "قصدك إيه يا يحيي؟ مش فاهمه؟ عقد ساعديه أمام صدره ووجهه صادق قائلاً:
"قصدي إن لولا اللي حصل منك، اللي هو غصب عنك، ما كنتش بقيت دلوقتي صاحب مكتب هندسي أنا وسيف، اللي كان دايماً عاوزنا نعمل مكان خاص بينا. وأنا كنت برفض الفكرة عشان قلقان إننا نجازف ودايماً بسكته بردي المعتاد، ادينا شغالين مع كريم وسيب الموضوع ده لبعدين. لكن سيف بعد ما سبت الشغل وهو قدم استقالته، صمم نفتح مكتب خاص بينا." فأكمل حتى ينهي توترها هذا مردفاً: "يعني المفروض يكون ليكي نسبة من أرباح المكتب، على فكرة."
فواصل يحيي حديثه بتساؤل بعدما تأكد أنها أفضل عما كانت: "غادة، تقدري توصفلي شكل الراجل ده؟ أجابت غادة بارتياح شديد بعدما اطمئن قلبها لمسامحة يحيي لها، بينما فرح عادل بذلك، فكم كان خائفاً أن يحدث عكس هذا. فأردفت قائلة:
"للأسف، المرة الوحيدة اللي شوفته فيها كان لابس كاب ونضارة سودا، فعشان كده ملامحه ما كانتش واضحة ليا خالص، أو يمكن من توتري ما أخدتش بالي منه كويس. وبعد كده تواصل معايا عن طريق الموبايل، هو كلمني حوالي تلات مرات من أرقام مختلفة." فصمتت للحظة وتذكرت شيئاً فأخبرته مردفة: "في منهم مرتين تقريباً كان بيتصل والرقم ما بيظهرش، كأنه رقم سري."
يأتي ببال يحيي عند سماع آخر حديثها صورة شاهين، فهذه طريقته، ولكن يجب عليه التأكد من هذا الإحساس أولاً. طمأن غادة وكذلك عادل بأنه سيظل لها الأخ، وإن احتاجت له في أي وقت سيكون بجوارها على الفور. وبعد ذلك تصافح معهما ورحل حتى يترك الفرصة للآخرين بتهنئتهما بالزواج. انتهت المناسبة بحمد الله وسط سعادة غامرة من الجميع، وبالأخص عادل وغادة متجهان إلى منزلهما ليبدأ حياتهما الجديدة.
كما ذهبت السيدة عايدة وابنتها ريم إلى المنزل وبصحبتهم والدة عادل، فمن اليوم قررت أن تستقر معهما. بعد مرور ساعتين تقريباً، وقف عادل بسيارته وهو ممسك بيد غاليته أمام فيلا بإحدى المدن الجديدة. فكم سحرت أعين غادة من تصميمها الخارجي الرائع، فالتفت لزوجها وحدثته بإنبهار: "الله يا عادل، الڤيلا شكلها حلو أوي بجد، تسلم إيد اللي صممها." مكملة حديثها بتساؤل: "صحيح، أنت وقفت هنا ليه؟ أجاب عادل بابتسامة تملأ وجهه قائلاً:
"وقفت هنا ليه؟ عشان دي ڤيلتك وهدية جوازنا يا مجنونتي الجميلة." فرفع يدها الممسك به مقبلاً إياها بحب جارف. لم تصدق غادة ما تسمعه، فكم تمنت أن تسكن مع حبيب عمرها ببيت واحد، ولكن لم تحلم بمثل هذا. مكملاً حديثه: "وفرحان جداً إنها عجبتك، بس أحب أقول لك إنك هتتفاجئي أكتر من اللي هتسمعيه." نظرت غادة إليه باهتمام لتعرف بماذا يقصد، فواصل عادل قائلاً:
"أنا المهندس التنفيذي والمسؤول على بناء مجموعة الوحدات السكنية اللي حوالين الڤيلا. أما ڤيلتك من بره وجوه تصميمي أنا، وتجهيزها كمان. أتمنى تعجبك يا أحلى حاجة في عمري." لم تجد غادة كلمات لتصف بها سعادتها غير أن ترمي بأحضان حبيبها، فكان ذلك أفضل من ألف كلمة. تفاجأ عادل من فعلتها تلك، لكنه سعيد جداً به، فلاول مرة ينعم بحضنها الدافئ، والأكثر سعادة أنه حلال.
فتحدث بصدق وهي مازالت ساكنة بداخل أحضانه، ويشدد هو على امتلاكه لها مردفاً: "ياااه يا غادة، أخيراً بقيتي في حضني، قد إيه اتمنيت اللحظة دي، وحاسس إني اتولدت من جديد. ده غير إني لأول مرة مش ندمان عشان سبت المحاماة واشتغلت مع بابا، ده أنا المفروض أروح أبوس إيده، لأن بسببه دلوقتي أسعد واحدة في الكون بعد ما شفت السعادة دي جوه عيونك." أدمعت عينا غادة عند ذكر عمها.
فهم عادل لما بكت، فربت على ظهرها بمعنى بأن كل شيء سيكون على ما يرام، فأردف قائلاً: "مش عاوزين نفتكر أي وجع أو حزن حصلنا في حياتنا، خلينا نبدأ حياة ما فيهاش أي حزن من الماضي، موافقة حبيبتي؟ زالت دموعها وتحدثت بصوت يظهر سعادتها: "أكيد موافقة. أنا أصلاً من أول لحظة شوفتك فيها في حي الغمري وأنت واقف قدامي، نسيت كل حاجة وجعت قلبي، لأن بعدك عني كان الألم الحقيقي." ثم أكملت وهي تدعي ربها:
"يارب ما يحرمني منك أبداً، وتفضل حبيبي وسندي وضهري عمري كله." أمن وراءها، ثم أخرجها من حضنه وتحدث بمشاكسة وهو يغمز لها بعينه: "هو الجميل ناوي يبات في العربية ولا إيه؟ إحنا لسه ورانا حاجات كتير ومهمة أوي." تحدثت بعدم فهم سائلة إياه ببراءة: "يعني إيه؟ ابتسم إليها وتحدث بمكر قائلاً: "ما تستعجليش، هتعرفي كل حاجة في وقتها. المهم دلوقتي يلا بينا عشان تنوري بيتنا زي ما نورتي حياتي."
ثم حرك السيارة ودلف لداخل الفيلا بعدما فتحت بوابتها الإلكترونية، فأكمل عادل السير حتى توقف أمام الدرج المؤدي إلى باب الفيلا الداخلي. فتح باب سيارته ثم ترجل منها وأغلقه ثانياً، ملتفتاً ناحية جلوس غادة فاتحاً بابها، فترجلت هي الأخرى مغلقة الباب خلفها. ولكنها تفاجأت عندما وجدت عادل يحملها على ساعديه صاعداً بها على الدرج، متحدثاً وهو ناظراً لعيناها: "دي كانت من ضمن أمنياتي لما نتجوز، فاكرة ولا نسيتيه؟
هزت رأسها دون كلمة لتؤكد له بأنها لن تنسى أي شيء تمناه سوياً. أنزلها عادل أمام الباب، ملتقطاً قبلة سريعة من شفتيها مردفاً: "دي تصبيرة صغيرة." ابتسمت بخجل ونظرت أرضاً. أخرج عادل شريط ستان باللون الأحمر من جيبه، متحدثاً وهو يضعها على أعين غادة، فتساءلت باستفسار: "غميت عيني ليه يا عادل؟ أجاب باختصار: "دلوقتي هتعرفي." فتح باب الفيلا، فأمسك يديها ليساعدها على الحركة، ودلفا معاً بخطوات بطيئة.
ثم أوقفها في وسط بهو الفيلا، طالباً منها عدم الحركة أو نزع الشريط من على عينيها.
توجه هو إلى تلك المنضدة المتواجدة في إحدى الأركان، وأخذ من عليها ريموت كنترول صغير الحجم، ثم توجه إليها مرة أخرى، نازعاً عنها هذا الشريط، وبنفس اللحظة ضاغطاً على بعض أزرار بالريموت ليصعد من المسجل غنوة جميلة، مع بدء تصوير تلك المناسبة من الثلاث كاميرات الموضوعة بأماكن مختلفة، وسقوط ورود كثيرة عليهما بألوانها المتعددة وروائحها العطرة المتنوعة.
كما وجدت أمامه شاشة عرض كبيرة تظهر عليها صور تجمعهما سوياً منذ سنوات بعيدة، أو بمعنى أدق بعدما اعترفا كلاهما بما يكنان داخل قلبيهما لبعضهما. ذهلت غادة من جمال المنظر، فكل ما يحوطها يشعرها بالسعادة. هي لم تتوقع ما يحدث هذا، فـ عادل فاجأها، ولكن للمصداقية، مفاجأة رائعة حقاً. التفت خلفها وألقت بأحضانها لكي تشكره على كل ما فعله حتى يجعله أسعد يوم بحياتها.
ولكن وجدت عادل هو من يشكرها، لأنها لولا وجودها الآن معه، لكان لم يكن أسعد إنسان على وجه الأرض. مازالت تلك الغنوة تصعد في المكان. فوضع عادل يديه اليسرى واليمنى حول خصر غادة. أما هي، فوضعت يديها خلف رقبة عادل متشابكين ببعضهما. ثم بدأ كلاهما يتمتمان مع كلمات الغنوة في إعادة للكوبليه الأول الذي يقول: "واخيراً جاء اليوم أبقى معاك، شوف كام سنة بستناك، ولا مرة تعبت وقولت ده حب خيال، اتفرج بقي هعملك إيه....
انتهت الغنوة مع ضحكات وهمسات بينهما. فأمسك عادل يديها، وأجلسها على الأريكة وجلس بجانبها، وتساءل إذا كانت تريد تناول الطعام الآن، أم بعد أداء ركعتي شكر لله معاً على جمعهما ببيت واحد، كما يدعيا الله أن يبارك لهما في حياتهما القادمة ويرزقهما بالذرية الصالحة. أجابت غادة بأنها لم تريد تناول الطعام، بل تريد انتزاع الفستان لأنه مقيدها كثيراً. ابتسم عادل وتحدث بكلمات غير واضحة لها قائلاً: "ومقيدني أنا كمان."
أحبت غادة أن يوضح لها ما قاله، ولكن تحدث وهو يقف من جلسته ويوقفها معه مردفاً: "ما تشغليش بالك حبيبتي، يلا بينا نطلع عشان نصلي وبعدين... فصمت حتى لا يخيفها، فقد تبين له هذا، فأكمل حديثه ثانياً: "وبعدين ناكل مع بعض، أحسن نفسي أكلك بإيدي أوي." تحركا كلاهما حتى وصل إلى الدرج المؤدي إلى الطابق العلوي، فحملها عادل مرة أخرى وسط قبلات ومنغشات منه وخجل وكسوف منها.
مر ما يقرب من نصف الساعة داخل غرفة النوم، ما بين أخذ حمام لكليهما، حتى انتهى كلاهما من صلاة ركعتي ليلة الزفاف، داعين الله أن يبارك لهما بحياتهما القادمة معاً. حاول عادل معها أن تتناول الطعام، حتى لو كمية قليلة، لكنها رفضت لعدم وجود شهية. تفهم حالها، فصمت ولم يجبرها. جلست غادة على الأريكة الموضوعة أمام الفراش، ففعل عادل مثلها، ثم أزال طرحة أسدال الصلاة من على رأسها، محدثها بوقاحة خفيفة قائلاً: "طب إيه؟ مش يلا بينا؟
تساءلت غادة باستفسار: "يلا بينا إيه؟ أجاب عادل بخفة دم: "يلا بينا نلعب كوتشينة، يلا بينا ننام يا غادة، أحسن أنا جعـان نوم." واضعاً يده على خدها الأيمن مدلكاً إياه. ارتجف قلب غادة واهتز جسدها من لمسة يده ولمعرفة مقصده بوضوح أيضاً، فرجعت خطوة للوراء مدعية عدم الفهم قائلة: "مش جاي لي نوم دلوقتي." مكملة حديثها وكأنها تترأف على حاله مردفة:
"نام أنت حبيبي أحسن، يا حرام باين عليك التعب أوي، وأنا هخرج بره عشان ما أزعجكش بكلامي مع ماما، تمام." أنهت حديثها وهي ذاهبة ناحية باب الغرفة لتفتحه وتخرج منه. نظر إليها عادل الذي لم يقتنع بكلمة واحدة قالتها، فقد علم ما يدور بداخلها. وفي لمح البصر اتجه إليها وامسك يديها ساحباً إياها إلى الداخل، مغلقاً الباب بيده الأخرى، متحدثاً بضحكة خبيثة قليلاً: "ومين قال لك إني تعبان، ولا إني هقدر أسيبك وأنام؟
ده أنا بجهز لليوم ده من سنين." فتحرك بها متجهاً إلى الفراش، جالساً عليه، ثم أجلسها على قدميه ملمساً على ظهرها، وجاء ليقبلها، إلا وبكت غادة. فقلق عليها وحدثها بخوف حقيقي، متسائلاً: "حبيبتي، بتعيطي ليه؟ في حاجة وجعاكي؟ هزت رأسها بالنفي. فأكمل تساؤله: "طب أنا زعلتك أو قلت حاجة ضيقتك مني؟ نفت للمرة الثانية بنفس الطريقة. تنهد عادل بقلق أكبر، فتحدث بحيرة: "أومال مالك بس حبيبتي؟
ما تخوفنيش عليكي أكتر من كده، قوليلي فيكي إيه؟ هدأت قليلاً وحدثته بتوتر: "الصراحة خايفة منك ومن اللي عاوز تعمله." كلماتها القليلة تلك جعلت قلبه يهدأ، فعقله توقف عن التفكير بعدما رأى دموعها تلك، فأقسم بداخله بأنه سينتقم منها، ولكن بطريقته الخاصة. فكم تمنى ودعا الله كثيراً أن يجمعهما في يوم من الأيام.
ربت على ظهرها ثم وقف من مكانه متجهاً إلى الفراش، وهي بيده، زائحاً طرف الغطاء من مكانه، ثم أجلسها، مقبلاً رأسها وتحدث قائلاً: "نامي حبيبتي، متخافيش ولا تفكري بحاجة، الأيام جاية كتير، هنروح من بعض فين." فأمسك الغطاء ثانياً واضعاً إياه عليها بعدما جعلها ترتخي لتستعد للنوم، وتحرك هو إلى الجهة المقابلة لها. اطمأنت غادة، وهذا جعل وجهها مبتسماً وهي تتحدث إليه، وهو يستلقي على ظهره بجانبها قائلة:
"بجد شكراً يا عادل إنك اتفهمت وضعي وما ضغطتش عليا." فأقتربت منه واضعة قبلة صغيرة على جبينه ورجعت لتستلقي مكانها بأمان. تلك القبلة جعلته متحمساً ليبدأ خطته الآن، ليس بعد. فأقترب منها قائلاً: "طب بما إن الليلة خلاص انضربت، تعالي نامي في حضني." نظرت له بقلق، فبادلها نظرة بريئة، فحركها قلبها لتفعل ما طلبه. أخذها بحضنه وبدأ يربت على ظهرها.
أحست غادة بالسكينة والأمان بداخلها، فبدأت تخلد إلى النوم، إلا وفاجأها عادل بسيل من القبلات في جميع أنحاء وجهها، حتى وصل لشفتيها. حاولت الابتعاد عنه، لكنه كان محاصراً إياها بقوة، وهذا ما جعلها لم تتمكن من مقاومته أو الفرار منه، فأضطرت أخيراً للاستسلام له. مع مرور الوقت بين شد وجذب، انسجمت معه، وبدأت ليلتهما الأولى بمملكتهما الخاصة بسلام.
وصل الجميع إلى منازلهم بحي الغمري، ومر الوقت كثيراً واقتربت الساعات الأولى من فجر اليوم التالي. هنا قد وصل شاهين إلى حي الغمري في الظلام حتى لا يراه أحد، متجهاً لمنزل أستاذ فتحي، واقفاً بجانب نافذة شقته منتظراً خروجه إلى صلاة الفجر. فقد استمع لحديثه مع ابنته بالداخل. فـ هذا الوقت مناسباً حتى يدلف إلى الشقة ويأخذ إيناس بالإجبار كعقاب لوالدها عما تسبب به في أحزانه بالسابق. فحدث كرم قائلاً:
"أول ما يخرج فتحي، هتدخل أنت تخدر بنته وتشيلها بسرعة، هكون أنا مدور العربية ونخرج من الحي على طول، تمام؟ هز كرم رأسه بالموافقة على حديث شاهين، ثم أردف قائلاً: "تمام يا باشا، اللي تأمر بيه يتنفذ من غير كلام." ابتسم شاهين بشر بعدما أتى بباله فكرة شيطانية، فاخبره مردفاً وهو يرتب على كتفه:
"وعشان إخلاصك ليا من يوم ما اشتغلت معايا، هعمل معاك الصح، البت اللي هتجيبها من جوه حلال عليك، واعتبرها من انهاردة بتاعتك لوحدك، وخد منها اللي أنت عاوزه ووقت ما تحب ترميها ارميها، ولا يهمك أصلاً، محدش هيقدر يجي ناحيتك ولا حتى هي، لأنها مش هتقدر تعتب باب الحي بعد اللي هيحصلها، ويمكن تنتحر كمان، ساعتها هتكون أمك دعيالك." قهقه كلاهما بصوت منخفض حتى لا يسمعهما أحد.
ولكنهما لا يعلمان بأن يوجد من سمع حديثهما بوضوح تام، الذي أغضبه كثيراً وجعله يخرج مسرعاً من شقته، آخذاً عصا غليظة ليعطي لذلك الشخص ومن معه درساً لن ينساه مدى حياتهما. اقترب الأستاذ فتحي من هذان الرجلان المنحلان أخلاقياً، وعيناه تطلق شراراً مما استمع إليه، فتحدث بانفعال شديد عندما علم شخصية ذلك الحقير الذي يريد فعل ذلك بابنة قلبه. فوجه الأستاذ فتحي عصاه بوجه شاهين وتحدث بسخط كبير:
"بتتفق مع واحد معدوم الأخلاق زيك على بنتي يا ندل؟ عارف لو فكرت أنت ولا الخسيس اللي معاك تلمسوا شعرة من بنتي، هعمل فيكم إيه؟ هموتكم بإيدي ولا يهمني من اللي هيحصل بعد كده." قهقه شاهين وتحدث بأسلوب غير مهذب لرجل يكبره بسنوات كثيرة: "وأنت بقى فاكر إني هخاف منك وأجري بعد الكلمتين الهبل دول؟ مشاور بسبابته اليسرى بـ "لا". مكملاً حديثه بحقد وكراهية قائلاً:
"أنا مش همشي من هنا غير لما انتقم منك في بنتك وأحرمك منها، زي ما كنت سبب بحرماني من أكتر إنسانة حبيتها في حياتي وخللت قلبي بعدها كله كره وغل وحقد على أي حد." مكملاً بحزن حاول مداريته: "أنا بسببك قلبي مات." نظر فتحي إليه مستغرباً حديثه ذلك، وبرغم نفوره منه، ولكن أحب أن يعرف مقصده، فتساءل بحنق شديد: "تقصد إيه بكلامك ده؟ ومين اللي أنا اتسببت بحرمانك منها ودخل بنتي إيه في ده كله؟
أجاب شاهين وهو في قمة غضبه لتذكره ذلك اليوم الذي انتهى به حياته هو، وليست حياة الوحيدة التي أحبها ولم يحب بعدها رغم وفاتها: "فاكر رضوي ولا نسيتها؟ هنا اتضح لـ الأستاذ فتحي بما كان يعني بكلماته تلك. فواصل شاهين حديثه قائلاً: "وأكيد فاكر آخر يوم امتحان لها، لما كانت جايه تشتري منك حاجة من المكتبة وشوفتها مضايقة وقتها، سألتها وقالتلك إنني وقفتها على سلم بيتها وقولتلها بحبك وعاوز أتزوجك، يومها
اتخنقت معايا وقالتلي: أنا لسه صغيرة وما بفكرش في حاجة زي كده، وحتى لو كبيرة، مش أنت اللي أفكر ارتبط بيه، حياتك مش صح وكلها مشاكل، وبعدين خليت باباك ومامتك على طول زعلانين إنك سبتهم وأهملت تعليمك ومشيت في طريق غلط، عمري ما أحب أكون معاك فيه. وبعد ما سمعتني كل ده، سبتني واقف مكاني ودمي بيغلي وقلبي حزين من كلامها. جيت سعادتك، قلت لها إنها اتصرفت صح وشجعتها بإن لو ضايقتها تاني تقول لأبوها وهو يتصرف. أنا معرفتش أعدي
إهانتها ليا بأن مش أنا اللي تفكر بالارتباط بيه. وخرجت من بيتها وأنا بفكر لحد ما وصلت لعربيتي، إزاي أداوي قلبي المكسور وإزاي أرجع كرامتي اللي اتبهدلت بسببها. بعد تفكير كتير، قررت أروح لها عند المدرسة وأتكلم معاها تاني، عشان مش هعرف أشوفها غير بعد فترة، لأن اليوم ده كان آخر يوم امتحانات وهي ما بتخرجش كتير من البيت. وقتها فضلت رايح جاي قدام المدرسة لغاية ما الامتحان خلص، البنات بدأت تخرج من البوابة، ساعتها هي كانت واقفة
في حوش المدرسة وشافتني واقف بره، جات تتخانق معايا،
قالتلي: امشي بدل ما أزعق وألم عليك الناس. ما اهمنيش كلامها ومسكتها من إيدها وقولتلها: طب تعالي اركبي معايا العربية نروح في حتة نتكلم براحة. شدت إيدها من على إيدي وكلمتني بصوت عالي إني إزاي أعمل كده وأقولها كلام زي ده، ولما صممت إنها تيجي معايا نتكلم، ضربتني بالقلم وهي بتقولي إن كلامك ليها صح ولازم أقول لباباها، وراحت ماشية وسيباني.
ثواني ورجعت فقالتلي: مش هقول لباباها، بس دي هتقول لبابا وحي الغمري كله عشان ما أدخلهوش تاني. وبدأت الناس اللي واقفة تاخد بالها وتقرب مننا، روحت سبتها ومشيت وأنا مش شايف ولا سامع غير رفضها وإهانتها ليا. ركبت عربيتي وقعدت أخبط على الدركسيون بعصبية عشان أهدي شوية، ولقيت ضحى بتقرب من رضوي وبتسألها مالك. ساعتها لقيت نفسي بشغل العربية وماشي في الاتجاه المعاكس للطريق، وفي نفس الوقت رضوي بتعدي وهي متنرفزة ومش واخدة بالها من
العربيات. اتفاجئت إنها قريبة مني أوي، جيت أدوس على الفرامل عشان أوقف العربية، لكن للأسف كان خلاص فات الأوان وخبطتها، وقعت على الأرض والدم بقى حوالين منها. في اللحظة دي، الدنيا ضلمت في عيني وحسيت إني في حلم. ماعرفتش إيه اللي خلاني أكمل الطريق ومنزلتش الحقها، يمكن ارتبكت أو خوفت أنزل وأشوفها وهي بتفارق الدنيا بسببي."
أمسك الأستاذ فتحي ثياب شاهين بكفيه وبدأ يهدده على قتل رضوي، فمهما كانت الأسباب التي أدت لذلك، فهو قاتل حقير وجزاؤه الإعدام. فواصل حديثه بأنه سيخبر والده بل وجميع سكان الحي بأنه هو من قتل رضوي ابنة محسن. أنزل شاهين يده بقوة وحدثه بحنق مفتعل بعدما أخرج سكين حاد متواجد داخل حذائه قائلاً: "مش هتلحق تقول حاجة، لأنك هتموت دلوقتي."
فعل شاهين ما قاله وأدخل تلك السكين اللعينة بالرئة اليسرى، وحدث ذلك تزامناً مع خروج إيناس من باب المنزل، التي توقفت عن الحركة من هول المنظر. فقد رأت والدها يختل توازنه ثم وقع أرضاً، فاقت مسرعة واتجهت إليه وجثّت بجانبه تحاول التحدث معه. أما شاهين، فلم ينتظرها كثيراً على هذا الحال، فوضع يده على فمها وبدأ في سحبها بعيداً عن والدها ليدخلها سيارته وينطلق بها خارج الحي.
أحس والدها بأن ابنته بخطر، حاول الدفاع عنها والتمسك بها، ولكن بلا جدوى، فقد توقف عن الحركة رغم عنه. أما إيناس، فلم تتوقف عن محاولة الإفلات منهما، بينما ساعدها أكثر دخول أحد لداخل الحي بنفس الوقت، وكانت هذه الشخص سمية، صديقتها المقربة، رغم أنها لم تأتِ من عملها بهذا الوقت، لكنها أحست اليوم بإرهاق، فاستأذنت لتذهب إلى المنزل قبل انتهاء وقت العمل بأربع ساعات.
هي لم تنتبه إليهم لأنهم بعيدون عنها بمسافة لم توضح لها ما يحدث. توافق هذا مع دخول المصلين إلى المسجد، فآذان الفجر اقترب كثيراً. تأكد شاهين وكرم بأنهما بمأزق كبير ويجب عليهما الفرار الآن بالفعل، تركاها خوفاً أن يفتضح أمرهما ويراهما أحد، فـ إيناس لم تر ملامحهما نهائياً، فحالتها صعبة للغاية. لذلك لم تركز بأي تفاصيل حولها.
اتضح لـ سمية بأن أحد يجلس على الأرض بوسط المنطقة، مع لفت نظرها لشخصان يجريان بالطريق المعاكس لمدخل الحي، وبعد ذلك استقلا سيارة تقف جانباً وتحركا بها بسرعة رهيبة، لذلك لم تر تفاصيلها، فقد اختفت من أمامها سريعاً. أحست سمية بوجود شيء مريب، فتقدمت بخطوات مسرعة وتبين لها من التي تجلس أرضاً شارده بثياب شبه ممزقة. صرخت باسمها بصوت عالٍ: "إيناس!
ثم جثت على ركبتيها وأمسكتها من ذراعيها، فـ إيناس لم تكن واعية رغم سقوط دموع صامتة من عينيها بكثافة. بدأت تهز جسدها وتضربها على وجنتها ضربات خفيفة حتى تفيق، وبنفس الوقت تحدثها بريبة: "إيناس، افقي، ما تخوفينيش عليكي، قوليلي أنت قاعدة هنا ليه؟ ومين اللي عمل فيكي كده؟ لم تجد سمية إجابة، ولكن بعد محاولات معها، أخيراً استجابت وبدأت تسترد وعيها قليلاً وهي تنظر لـ سمية وتتحدث بصوت ضعيف قائلة: "بابا، بابا مات."
تشهقت سمية غير مصدقة مما تفوهت به صديقتها، فتساءلت بخوف: "إيناس، أنت بتقولي إيه وعمي فتحي فين؟ نظرت إيناس باتجاه امتداد جسد والدها الذي كان يبعد عنها بخطوات قليلة، ثم زحفت إليه عندما تذكرت ما حدث منذ قليل. فـ سمية لن تنتبه إليه عند دخولها الحي، فالضوء منخفض بهذا الموقع في ذلك الوقت. تحركت هي الأخرى لمكان تمدده بخطوات ثقيلة وفزع شديد. بينما إيناس أمسكت يد والدها وقبلتها، ثم تحدثت إليه بعدما وضعت رأسه على قدميها
كأنه نائم على فراشه: "بابا حبيبي، يلا قوم عشان تصلي مع أنوس حبيبتك، مش أنت معودني على كده زي ما كنت بتعمل مع ماما بعد ما ترجع من المسجد. يلا حبيبي الصلاة هتفوتنا." فأمسكت يده مرة ثانية لتحسه على النهوض، ولكن دون جدوى. جثت سمية على ركبتيها ودموعها تغرق وجهها، فقد تبين لها وفاة الأستاذ فتحي بالفعل بعدما وجدته بتلك الحالة، ولكن لكي تتأكد، وضعت أذنها موضع قلبه الذي توقف عن النبض وفارق الحياة، فالدماء تغرق ثيابه بغزارة.
ربت سمية على كتف إيناس لتتوقف عما تفعله قائلة: "كفاية حبيبتي، عمي فتحي مش هيرد عليكي، قومي يلا مش هينفع اللي أنتِ بتعمليه ده." نظرت إيناس لها بابتسامة ضائعة: "استني يا سمية شوية، بابا حبيبي هيقوم دلوقتي، هو بيحبني ومش هيخليني أزعل منه." فألقت النظر إليه مرة أخرى قائلة: "يلا يا بابا، يلا حبيبي قوم معايا." هنا لم تقدر سمية على التماسك كثيراً، فتحدثت بصوت غاضب حتى تفيق تلك التائهة التي لم تريد تصديق وفاة والدها:
"إيناس، عمي فتحي مات، مات، واللي أنتِ بتقوليه ماينفعش، قومي معايا يلا." توقفت إيناس عن الحديث المبهم، فـ هي لم يعد لديها القوة لتتحمل رفض معرفتها بحقيقة وفاة والدها أكثر من ذلك، فصرخت وهي تناديه بصوت باكي جعل جميع من تواجد بنفس المكان انتبهوا إليها وأتوا في عُجالة، وهي تردف قائلة: "بابــــــــــا،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،"
على الجانب الآخر، مازال شاهين وكرم داخل السيارة بطريقهما إلى المحافظة التي أتى منها، فكلاهما لن يهتما بما فعلاه بحي الغمري، فقلب كلاهما لا يوجد به أي نوع من الشفقة ولا ذرة من الرحمة على أحد. ولكن كل ما يشغل بالهما أمران، هما عدم معرفة أخذ إيناس بالقوة، وأن يوصلا دون رؤية أحد لهما.
داخل المحافظة التي يبحث بها شاهين عن الآثار، يوجد شخص بين رجاله من سكان القرية تظاهر أنه يحب المال كثيراً ويريد جلبه بأي طريقة حتى لو كانت غير شرعية، ولكن في الحقيقة لم يكن هكذا. بل كان يخدعهم حتى يعرف عنهم معلومات بأسرع وقت. جمع هذا الشخص ما يفيد الشرطة وذهب إليهم وأبلغهم بجميع ما تبين له، فطلب منه مأمور القسم بعدما أبلغ رؤساءه داخل مديرية الأمن بالمحافظة أن يراقب تحركات شاهين وأفعاله ويبلغه على الفور.
ولكن عند خروج شاهين وكرم اليوم من القرية، لم يراهما ذلك الشخص لحرسهما الشديد. بينما أحس بغيابهما، فابلغ المأمور الذي أمر بنصب كمائن وزرع أشخاص على جميع الطرق المؤدية إلى القرية دون لفت النظر إليهم، فمن المؤكد رجوع شاهين في وقت قصير لاستكمال مهمة التنقيب عن الآثار.
بعد ساعات من الانتظار ومع أول خيوط صباح اليوم التالي، رآه شخص من معاونين الشرطة وابلغ المأمور بوصول شاهين بالطريق المؤدي إلى القرية، فأمر بالتشديد المكثف على مراقبته حتى يتم القبض عليه متلبساً بجريمته. عودة إلى الحاضر. اقتربت الساعة إلى التاسعة صباحاً أمام المشفى التي يتم بها غسل الأستاذ فتحي، بعدما أمر وكيل النيابة بدفنه بعدما أبلغه الطبيب الشرعي سبب الوفاة، بجانب سرعة القبض على الجناة لمحاسبتهم على فعلتهم تلك.
خارج المشفى يقف رجال الحي في انتظار خروج الجثمان. أما ابنته، فلم تعِ بما يحدث حولها غير أن والدها تركها ورحل مثل والدتها. بينما السيدة محاسن والدة يوسف حاضنة إياها، ومعها سيدات الحي حتى يسندنها في هذه الفجعة ويؤازرنها بهذه المصيبة. فـ حي الغمري بأكمله حزن على رحيل ذاك الرجل الخلوق بهذه الطريقة البشعة.
فالجميع يحبونه إذا كان داخل الحي أو من زملائه في مهنة التدريس، رغم إنهاء فترة عمله بها، لكنه كان على التواصل معهم إلى ليلة أمس. لحظات قليلة وخرج النعش محمولاً على أكتاف شباب الحي، وبالمقدمة يوسف ويحيي. وبعد حوالي ساعة ونصف وصل الجميع إلى مقابر العائلة المتواجدة داخل مسقط رأس الأستاذ فتحي. مر نصف ساعة وتم الدفن، وبدأ التعازي بالمقابر.
كما طلب الأستاذ فتحي من الحاج رشاد والحاج سمير وأيضاً المعلم علي قبل وفاته بأيام، بجانب أمور أخرى. بدأ المتواجدين في المقابر بالرحيل حتى تبقى يوسف وإيناس، التي تنظر إلى مدفن والدها من بعيد ولم تنطق بكلمة، بل تتساقط دموعها فقط. قلق يوسف عليها، فمظهرها يخيف حقاً، فعدم تحدثها بهذه الفاجعة أسوأ بكثير. تحمحم حتى تنتبه إليه بالفعل، نظرت له بعيون ضائعة كأنها ضلت طريقها. فربت على ظهرها وحدثها بهدوء قائلاً:
"يلا بينا يا إيناس، شكلك تعبانة، يلا عشان ترتاحي شوية." هتفت بضيق خفيف: "إزاي؟ عايزني أمشي وأسيب بابا لوحده هنا؟ امشي أنت لوحدك، أنا هقعد مع بابا." تفهم يوسف بأنها لم تستوعب حتى الآن فقدان والدها، فأحب أن يفيقها حتى لا تتأثر بالنقيض بعدما يتضح لها الأمر، فأكمل حديثه بصراحة شديدة وهو ممسك بيدها ناظراً بعينها قائلاً:
"عمي فتحي مات يا إيناس، ارجوكِ فوقي عشان خاطري، هو مش هيرتاح في قبره لو فضلتِ على كده. حبيبتي، ده أمر الله، ما ينفعش نعترض عليه، وحق عمي فتحي مش هنسيبه يروح هدر، واللي عمل فيه كده لازم يتعاقب، بس فوقي أنتِ عشان أقدر أكمل أنا بقوة بوجودك، يلا حبيبتي." اقتنعت إيناس بحديثه، ولكنها طلبت منه أن تتحدث مع والدها ثم ترحل معه. توجهت لمقبرة والدها وألقت عليه السلام، ثم عاتبته برحيله عنها، فتحدثت بدون صوت قائلة:
"أبي، لما تركتني ورحلت؟ ألم يؤلمك قلبك لأجلي؟ أنا مشتاقة إليك، ألم تشتاق إلي مثلي؟ فقد سكن الحزن قلبي على فراقك، ولم أعد أريد هذه الحياة، فكم كرهتها بدونك. كم أتمنى إن ترجع لي لو لحظة لأرمي بأحضانك وأرى عيونك. وأخيراً، ارقد يا حبيب ابنتك بسلام لحين ألقاك في جنة الرحمن." وبعدما انتهت، اتجهت لوقوف يوسف الذي أدخلها تحت ذراعه، متحركين لخارج المقابر، مستقلين سيارة يحيي، الذي مازال هو وسيف وسناء منتظرهما، ثم رحلوا جميعاً.
بعد مرور ثلاث أيام، داخل شقة أستاذ فتحي، يجلس كلاً من الحاج رشاد والحاج سمير والمعلم علي ويحيي ويوسف وسيف، والحاجة محاسن، التي لم تترك إيناس منذ وفاة والدها لأمر هام، مثلما أبلغهم الحاج رشاد، الذي وجه حديثه لـ إيناس قائلاً: "والدك رحمة الله عليه بلغني أنا وعمك سمير وعمك علي إن توفاه الله قبل جوازك من يوسف تروحي تعيشي معاه ومع والدته لغاية ما تتجوزوا. بس لما لقيتك تعبانة قولنا نستنى لما تهدّي شوية."
استغربا كلاً من يوسف وإيناس من الطلب هذا، فتساءلت باستفسار: "إزاي يا عمي؟ بابا يقول كده؟ وضح لها الحاج رشاد أن إصرار والدها على عقد القران كان لهذا السبب، لاحساسه الشديد بأنه سيرحل قريباً. بعد مجادلات من إيناس ومحاولات إقناعها من جميع الحاضرين، وافقت أخيراً وقامت لتجهيز حقيبة ملابسها للذهاب إلى منزل والدة يوسف، ولكن قبل ذلك، ستتجه إلى قسم الشرطة حتى تدلي بأقوالها عما رأته وسمعته يوم مقتل والدها.
بعد مرور أسبوع من الحادث، داخل مكتب المحاماة الخاص بـ حمزة كامل، الذي أنهى الاتصال للتو مع والدته بعدما أخبرته بأنه يجب عليه الذهاب إلى المنزل الآن، فقد تأخر عن موعد الحضور لأكثر من ثلاث ساعات. بينما أبلغها سبب تأخيره هذا لكثرة انشغاله بالمكتب ليس إلا. ورغم ذلك، انصاع لطلبها على الفور بعد الاعتذار منها، وبدأ يلتقط أشياءه من على سطح المكتب ليستعد للرحيل. وأثناء ذلك، سمع طرقاً على باب مكتبه، فسمح بالدخول.
دَلفت السكرتيرة وتدعى راندا، فاردفت قائلة: "أستاذ حمزة، في آنسة بره عايزة تقابل حضرتك." نظر حمزة في ساعة يده، فوجد الوقت يقترب من الحادية عشر والنصف، فتحدث باستعجال قائلاً: "اعتذري منها وقولي لها تيجي بكرة على الساعة تمانية، لأني مش هقدر أستنى أكتر من كده ولازم أمشي حالاً." تفوهت راندا قائلة: "تمام حضرتك، بعد إذنك." بالفعل خرجت راندا وأغلقت الباب وراءه.
لحظات قليلة وسمع حمزة صوت مرتفع يأتيه من الخارج، فتح الباب سريعاً ليعرف ما مصدره بالضبط، ولكنه تفاجأ عندما علم من تلك التي تتشاجر مع سكرتيرته مردفة بغضب: "إزاي أمشي وأجي بكرة؟ أنا بقول لك عايزة أستاذ حمزة ضروري، لو سمحتي ادخلي قوليله تاني، أنا مش همشي غير لما أقابلها." أخبرتها السكرتيرة أنها أبلغته بالفعل، ولكنه اعتذر لضيق الوقت، فعليه المغادرة من المكتب الآن. استشاطت تلك الواقفة أمامها غضباً أكثر مما كانت عليه
وتحدثت بانفعال شديد قائلة: "إذاً مش عايزة تخليني أقابله، أنا هدخل غصب عنك." فتحتتت باتجاه المكتب ولم تعير اهتماماً لمناداة السكرتيرة عليها، ولكنها توقفت عندما وجدت حمزة أمامها وينطق اسمها بعدم تصديق: "سمية." بعدما رأته وسمعت صوته، انهمرت الدموع من عينيها، وكأنها وجدت شيئاً تفتقده منذ زمن بعيد. ارتجف قلبه قلقاً عليها، واقترب منها أكثر وتساءل بخوف ظاهر بصوته: "بتعيطي ليه؟ طمنيني عليكي؟
ولكنها لم تخبره بشيء ولن تتوقف عن البكاء. فوجه نظره إلى السكرتيرة وطلب منها إبلاغ عم حسني، عامل البوفيه، بإحضار كوب من عصير الليمون ومعه فنجان قهوة له إلى مكتبها. وأومأت له راندا بأحترام وتحركت لمكتبها لتهاتف البوفيه وتبلغ بما طُلب. فحدث سمية طالباً منها التقديم للدخول داخل المكتب. انصاعت سمية وتحركت بالفعل. ثم توجه حمزة لوقوف راندا وطلب منها عدم الرحيل هي وعم حسني حتى ينتهي من هذه المقابلة.
دلف حمزة إلى المكتب هو الآخر وأغلق الباب، متقدماً من مقعد مكتبه الخشبي، مشيراً لـ سمية بالجلوس أمامه. جلست وهي تتحدث بشهق متقطع بسبب البكاء، تعتذر منه لعدم أخذ موعد سابق للحضور هنا، بجانب تحدثها مع السكرتيرة بصوت مرتفع. لم يهتم حمزة لكل ذلك، فأخرج منديل ورقي من جيبه معطياً إياه لتزيل دموعها وتهدأ قليلاً، لأنه يريد معرفة سبب حالتها تلك، فتحدث بأهمية سائلاً: "آنسة سمية، ممكن تحكي لي في إيه بالظبط؟
أجابت سمية بعد صمت دام ثواني وهي تمسح دموعها لتشجع حالها على التحدث: "أستاذ حمزة، أول حاجة عايزة أقول لحضرتك أنا مش شغالة ممرضة." نظر إليها بحاجبين مقوسين يدلان على استغرابه من حديثها هذا، فتساءل بفضول ولهفة: "أومال أنتِ شغالة إيه؟ هتفت ورأسها مطأطأ لأسفل: "أنا شغالة في ملهى ليلي من فترة كبيرة." نظر حمزة بعيون جاحظة وصوت غاضب قائلاً: "رقاصة."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!