الفصل 7 | من 48 فصل

رواية وبك القلب يحيا الفصل السابع 7 - بقلم زوزو مصطفى

المشاهدات
20
كلمة
5,170
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 15%
حجم الخط: 18

عندما سمع يحيي اسم شمسه، ترك ما بيده وذهب مسرعاً إلى الحي دون أن يستمع لباقي الحديث. فجرى وراءه عمرو وسيف وتبعهما حمص وبعض من كانوا متواجدين معهم. دلف يحيي الحي وهو متحفزاً لكسر عظام هذين الشابين اللذين حاولا النظر إلى شمسه وسناء. وجد الشارع مزدحماً بسكان الحي، ووجد أيضاً والده وجميع من كانوا يجلسون معه. ولكن يحيي يبحث عن شخص معين للأهمية، ومن يكون غير مينا ليعرف منه ماذا فعل الحقيران بالضبط.

فمد نظره لداخل المستودع، فوجد مينا بداخله ومعهم مجموعة من الشباب. دلف إليه، واستأذن عمرو وسيف بالخارج مع الآخرين. القي يحيي السلام عليهم، ثم استأذنهم وأخذ مينا الذي توجد في وجهه بعض الخدوش البسيطة. في زاوية بعيدة سأله ماذا حدث. تحدث مينا مردفاً: "اللي حصل يا أستاذ يحيي وأنا كنت خارج من المستودع سمعت... قص عليه كل ما حدث، مكملاً: "وبعدين خدوا العلقة التمام مني ومن شباب الحي ومشيوا جري. هو ده كل اللي حصل."

فتساءل يحيي باهتمام: "يعني محدش خد باله من البنات؟

أجاب مينا بتأكيد: "لا يا أستاذ يحيي، أنا ما قبلتش حد يشوفهم ويتكلموا عنهم وسيرتهم تكون على كل لسان. دول بنات منطقتي وأنا عارف إنهم محترمين ومتربيين. أنا كل اللي قولته لشباب الحي إني شوفت الشابين بيعاكسوا بنات غريبة مش من هنا. أنت عارف الناس ليها الظاهر. صدقني أنا في الأول ما كنتش أعرف مين البنات اللي واقفة، بس المبدأ أساسه غلط أن شاب يضايق أو يعاكس بنت. ولما سمعت صوت حد بيتكلم من البنات عرفت أنها الآنسة سناء، لكن الآنسة ضحي كانت ساكتة ووشها باين عليه الخوف، وده اللي ضيقني. يعني تكون وسط منطقتها وأهلها وتكون بالشكل ده؟

أنا قولتلهم يمشوا وما رضيتش أضرب حد فيهم غير لما البنات بعدوا عشان عارف لما صوتي هيعلى الكل هيتجمع." تغيرت ملامح وجه يحيي للغضب عندما سمع مينا يوصف حالة ضحي، فأقسم بداخله أنه سينتقم من هذين الشابين حتى يكونا أيضاً عبرة لغيرهما. وأثناء حديثهما سمع يحيي أصواتاً عالية بالخارج. فتحدث مينا سريعاً: "أكيد رجعوا من تاني أصل العلقة كانت جامدة." فتحدث لمن معه في المستودع: "يلا يا رجالة."

ولكن يحيي لم ينتظر أحد، كان هو أول من خرج من المستودع ليعرف ماذا يحدث بالخارج. فوجد عدد هائل من الأشخاص يقفون من سكان حي الغمري بجانب سكان حي الشابين أيضاً. عندما أطاحهما مينا ضرباً مبرحاً، ذهبا وهما لم يقدران على الحركة، ولكن الآن أتيا ومعهما عدد كبير. مهما عددهم لا يهم، فرجال حي الغمري أكبر بكثير وعلى حق أيضاً. فهما المتعديان، فلا يحق لهم أن يأتوا ثانياً، فأهلاً وسهلاً بكم، لقد أتيتم لقدركم.

وقف يحيي بجانب مينا سائلاً إياه: "مين فيهم اللي بدأ بالكلام مع البنات؟ يحيي كان يقصد من كان يريد التحدث مع شمسه، ولكن لم يقدر على قول هذا حتى لا يلفت نظر مينا لشيء. تحدث مينا مشيراً بعينه إلى اثنين يقفان بعيداً وملامحهما ليست واضحة ليحيي من بعيد لكثرة الضرب. فاقترب منهما بخطوات بسيطة ومعه مينا. فأكمل مينا بصوت منخفض: "اللي لابس تيشرت أسود." أردف يحيي قائلاً: "أسود على دماغه إن شاء الله."

تحدث الحاج رشاد بهيبة ووقار قائلاً: "بأي حق جايين تدخلوا الحي وأنتم اللي غلطانين." تحدث شخص ممن أتوا معهم، على ما يبدو كبير الحي لديهم، بصوت عالٍ وهتف بثقة ملثماً أخبار ذاك الشابين: "والله الغلط من عندكم لما يكون اثنين ماشيين في أمان الله جوه شارعكم وينضربوا بالمنظر ده." كاد أن يتحدث يحيي، فأسكته حديث المعلم علي: "اللي أعرفه في عرف ولاد البلد الرجالة الجدعان المحترمين...

كان يتحدث وهو يضغط على كل حرف يخرج من فمه بقصد ليؤكد له أن هذين الشابين لا يوجد بهما أي صفة من تلك الصفات الذي ذكرها الآن. "لما يمشوا في حي مش حيهم يبصوا في الأرض مش يعاكسوا بناته." فنظر إلى الشابين نظرة مرعبة، خاف اثنيهم ونظرا أرضاً دون أن يتلفظوا بكلمة. فتحدث الرجل مرة أخرى ولكن بصوت منخفض عن ما سبق: "بس أنا اللي أعرفه غير كده."

تدخل الأستاذ محسن في الحديث قائلاً: "طب يا ريت تتفضل نقعد شوية ونشرب معانا الشاي ونقولك إيه اللي حصل بالظبط." استجاب الرجل لطلبه ووجه بصره لأهل منطقته وطلب منهم أن يذهبوا إلى كبار الحي والشابين سبب المشكلة. فتحرّك الجميع مثلما طلب، فهو كبير حيهم وكلمته مسموعة. كل هذا ويحيي لم يبعد بعينه عن الشابين، وبالأخص الذي كان يرغب بالحديث مع ضحي، وكأنه يحفر ملامحه في رأسه.

في نفس الوقت كانت تجتمع الحاجة سعاد وابنتها أمل، والحاجة سميحة وابنتها سناء، والحاجة اعتماد زوجة المعلم علي في منزل محسن والد ضحي. وهي عندما علمت بحدوث اشتباكات بسببهما هي وسناء بالأسفل، أدى إلى إصابة مينا وكذلك إصابة الشابين. جاءتها حالة من بكاء شديد خوفاً أن يضر أحد أكثر من ذلك. فضحى ذات قلب طيب ورقيقة المشاعر، لا تحب أن يتأذى أحد أو تكون سبب في أذيته.

حتى عندما علمت أمل من سناء بانهيار ضحي، أخبرت والدتها على الفور وذهبا سوياً لمنزلها. التقتهما أسفل البناية الحاجة اعتماد عند خروجهما من المنزل. فعلمت منهما بتعب ضحي، اتجهت معهما للاطمئنان على ضحي هي أيضاً. هدأت ضحي عندما أخبروها أن الخلاف قد انتهى وهم الآن يجلسون يصلحون الشباب مع بعضهم ليس إلا. بينما يقف يحيي في مجلس الصلح، وهو لم يقبل بذلك ولكن لن يتحدث احتراماً لوالده. ولكن

لم يمررها مرور الكرام: "صبراً أيها الوقحان، سأنال منكم قريباً." "الأهم الآن أن أطمئن على شمس حياتي، ولكن كيف؟ "فبالتأكيد هي الآن لم تقدر على التحدث بالهاتف، فأنا أعلم جيداً عندما تخف من شيء أو تتوتر لم تنطق حرف." كاد أن يجن وهو يفكر عن وسيلة، إلى أن أتت بباله شقيقته أمل، هي الوحيدة التي تعلم بحبه لضحي. أخرج هاتفه من سرواله واتصل عليها. أجابته سريعاً: "أيوا يا يحيي، أنت فين؟

أجاب مردفاً: "أنا تحت في الشارع مع الحاج، المهم أنتي فين؟ هتفت أمل قائلة: "عند خالتو نادية أصل ضحي تعبانة شوية وجيت أنا وماما نطمن عليها." تحدث يحيي بخوف وقلق: "تعبانة إزاي؟ طب أجيب دكتور ليها؟ طمنيني يا أمل، أنا أعصابي مش مستحملة." ضحكت أمل وهي تخرج من غرفة ضحي حتى لا يسمعها أحد، وتنتقم منه أيضاً ولو شيئاً بسيطاً مما فعله بها على مائدة الفطور اليوم، قائلة: "يا عيني على الحب وسنينه، قدام بنحب ساكتين ليه؟

أتاها صوته الغاضب: "أمل انطقي وإلا... توقفت سريعاً عن مشاكسته: "خلاص خلاص بنضحك معاك يا بلدينا، ما يبجاش خلقك ضيج إكده يا ولد العم." ابتسم يحيي على حديث شقيقته الذي أخرجه من قلقه على ضحي: "مالك قلبتي على عمك حسن كده ليه؟ أه صحيح، ما هو حماك. ربنا يسعدك يا مولي، بس طمنيني ضحي كويسة."

أردفت أمل بجدية قائلة: "الحمد لله بقت أحسن لما عرفت أن المشكلة انتهت ارتاحت شوية. ربنا يستر ويعدي نهارده على خير، وما تتوترش من حاجة تاني." تنهد هو بعدما اطمأن قلبه، فشكر ربه: "الف حمد وشكر لله." مكملاً بتساؤل: "طب إنتي ما عرفتيش العيال دول قالوا لهم إيه بالظبط؟ فأكمل برجاء: "ولا أقولك اسألي سناء عشان خاطري."

تحدثت أمل موضحة له: "كل اللي قالته سناء إن شاب منهم كان عاوز يكلم ضحي بس هي ما ردتش عليه وسناء بهدلته، وأنت عارف الباقي." "تمام حبيبتي، لو في حاجة اتصلي عليا. سلام." تقدم يحيي نحو مجلس الصلح مرة ثانية بحال أفضل ولو بقليل. كان يتحدث وقتها كبير حي الشابين قائلاً: "طب دلوقتي الشباب بيقولوا إنهم ما عاكسوش بنات ومينا بيقولوا حصل. فلو ممكن تجيبه البنات نسألها."

عندما نطق الرجل هذه الكلمات، كان يحيي أول من تحدث حتى لا يذكر أحد اسم ضحي وسناء، فهتف قائلاً: "البنات اللي اتعاكسوا مش من حينا، دول كانوا بيشتروا حاجة من هنا بس. وبعدين مينا هيتبلى عليهم ليه؟ نظر كلا من الحاج رشاد والأستاذ محسن والحاج سمير إليه، ساعدين به لأنه لم يقبل بذكر أسمائهن في مثل هذا المجلس.

وقف الرجل معتذراً عما افتعلا هذا الشابين قائلاً: "عموماً أنا بعتذر منكم بالنيابة عنهم، وأي خسائر حصلت أنا تحت أمرك واللي تطلبه قدام الغلط من عندنا." أردف مينا قائلاً: "الخسائر كلها في المستودع يعني عندي وأنا مسامح مش هقبل العوض." تحدث الحاج رشاد: "أي حاجة عندي يا مينا، إحنا أهل ولايه يا جرجس." هتف جرجس والد مينا مردفاً: "أهل وأحباب وأخوات كمان يا حاج، الله يديمنا لبعض يارب."

استأذن الرجل وأخذ معه الشابين وهو يتوعد لهما بعقاب على ما افتعلا، فهو بالأخر أب ولم يقبل بذلك. انفض المجلس من الغرباء وذهب أيضاً رجال الحي إلى وجهتهم، وتبقي في المجلس يحيي وسيف وعمرو والحاج رشاد ومحسن والحاج سمير. وقف سعد من مجلسه واتجه إلى منزل والده، طرق على باب الشقة. ففتحت له سناء ثم دلفت للداخل دون أن تتحدث معه. غضب منها أكثر لاقتناعه الشديد أنها السبب ومعها ضحي فيما حدث في الحي منذ قليل. ناداها باسمها،

فوقت فأكمل حديثه: "مستعجلة ليه يا ست البنات؟ فرحتي لما حصلت المشكلة بسببك انتي وصاحبتك، كنتوا هترتاحوا لما حد يموت. ما بتمشوش عدل ليه في الشارع؟ هاه انطقي." وقفت سناء مقابله مربعة يديها أمام صدرها قائلة: "والله أمشي عدل، أمشي وحش. حاجة ما تخصكش بابا بس اللي يحاسبني مش أنتا." اشتد غضب سعد منها، فاتجه إليها مسرعاً وأمسك خصلات شعرها وطواها بقوة على ذراعه، مما جعلها تصرخ بصوت عالٍ من شدة الألم.

فسمعتها والدتها وهي في شقة ضحي، قامت مفزوعة. فهي تركت والدتها مع الست نادية والحاجة سعاد وأمل بجانب ضحي لتأتي بشاحن هاتفها، ولكن من سوء حظها أتى سعد وتشاجر معها. اتجاهت الحاجة سميحة مسرعة إلى شقتها وهي خائفة على ابنتها، ووراءها كل من كان معها حتى ضحي قامت رغم تعبها، فلم تظل بالفراش وهي تستمع لصراخ سناء. تسمرت الحاجة سميحة عندما رأت سعد ممسك بشعر سناء

بقوة ويحدثها بصوت غليظ: "أنا هعرفك تردي عليا كده إزاي، إن ما كسرتلك إيدك ورجلك وقصتلك لسانك بقاش أنا." كانت تتوجع سناء من حديثه أكثر من مسكة يده، ولم تعرف لماذا كل هذا؟ هي لم تفعل شيئاً تعاقب عليه هكذا. جرت عليهما والدتهما وهي تحاول تنزع شعر سناء من يده، ولكن لم يرضى بل يشتد أكثر وسناء تتألم، مما جعلها تصرخ بصوت عالٍ.

سمعه الحاج سمير من مجلسه الذي ميزه سريعاً، فقام مسرعاً واتجه إلى المنزل ومعه ولده سيد الذي أتى منذ أن علم بالشجار مع مينا. قام باقي الجالسين عندما سمعوا الصوت يعلو أكثر، واتجهوا جميعاً لمنزل الحاج سمير، فكان يحيي أول من صعد وقلبه خائف أن يكون بضحي شيء. كانت ضحي تقف أمام سعد بعدما أخذت الحاجة سميحة ابنتها من يده بالعنوة. فـ وجهت ضحي حديثها

لسعد وهي تهتف بصوت ضعيف: "والله يا أبيه إحنا كنا ماشيين في حالنا وهما اللي كانوا بيرخموا علينا." في تلك اللحظة كان يقف يحيي أمام باب الشقة، وسمع الحديث، وكان معه سيد أخو سناء وباقي الرجال بالخلف. تقدم الحاج سمير سعد للداخل ووراءه الحاج رشاد والاستاذ محسن. تحدث الحاج سمير متسائلاً: "في إيه؟ حد يفهمني؟ هتفت ضحي مسرعة: "ما فيش حاجة يا عمو، أبيه سعد بيسألنا إيه اللي حصل بالظبط." أردفت سناء وهي

تبكي موجهة الحديث لوالدها: "لا يا بابا مش بيسألنا ده بيتهمنا أننا السبب في الخناقة عشان كنا ماشيين وحش في شارع. يرضيك يا بابا؟ كان يحيي يستمع الحديث الذي يدور ويود أن يمسك سعد ويضربه على ما قاله في حق حبيبته، ولكن لم يقدر لأنه ليس من حقه بالنسبة للحاضرين. تحدث الأستاذ محسن: "بقي أنت اللي تقول كده يا سعد؟ يعني مش عارف تربية البنات؟ ده أنا واثق في سناء زي ضحي بالظبط عشان تربيتهم واحدة، والمفروض أنت كمان تكون عارف."

ثم أكمل حديثه بغضب: "يلا يا أم ضحي هاتي بنتك وادخلوا الشقة." حاولت ضحي أن تهدئ والدها، فهي تعلم أنه غاضب مما قاله سعد، ولكنه لم يبين ذلك حتى لا يحدث خلاف بين سعد ووالده. "بابا أبيه سعد ما يقصدش، هو قصده... لم تكمل ضحي حديثها عندما سمعت والدها يحدثها بصوت غاضب: "أنا قولت اتفضلي على الشقة." أحرجت كثيراً، فوالدها أول مرة يتحدث معها هكذا، وبالأكثر أمام هذا الحشد.

فصمتت ضحي ولم تتحدث ثانياً، وهي مارّة أمام يحيي كي تخرج من شقة سناء، سقطت أرضاً مغشياً عليها. أخافوا الجميع، فحاول والدها أن يحملها ليخرج بها، ولكن لم يقدر من ارتعابه عليه. تقدم سعد ليحملها، فأبعده يحيي، ثم استأذن من محسن ليحملها إلى الشقة. هتفت نادية بدموع: "بسرعة يا يحيي، ضحي هتضيع مني."

حملها يحيي سريعاً، وتقدمت نادية أمامه، وسناء وأمل خلفه، وجميعهم خائفون على ضحي، ويحيي في عالم آخر، فبين يده شمس حياته وحبيبة قلبه، ولكنه خائف أيضاً أن يحدث لها مكروه مثلما حدث في وفاة شقيقتها. ارتعب أكثر من مجرد افتكاره للأحداث المؤلمة، فحدث حال وهو يستحلف بغضب: "صدقني يا سعد، لن أرحمك لو تأذت شمسي بسببك. أنت أياه النذل، لن أرحمك." فتحت نادية باب الشقة متجهاً إلى

غرفة ضحي وهي تهتف ليحيي: "نايمها على سريرها على ما أتصل بالدكتور بتاعها." اتصلت نادية كثيراً بالطبيب ولم يرد، وأثناء محاولاتها التي باتت بالفشل لعدم رده عليها. كان يحيي قد أجلسها على الفراش وقلبه يتمزق من شحوب وجهها. أردف الحدث موجهاً لوالدة ضحي: "ما تقلقيش يا خالتي، أنا هروح أجيب الدكتور عزت من عيادته، هو بيفتح يوم الجمعة، مسافة السكة بس أهدي وهي هتكون بخير إن شاء الله." كان يطمئن والدتها وهو خائف أكثر منها.

جلست بجانبها أمل وسناء وهما يبكيان على حال صديقتهما التي لا حول لها ولا قوة. خرج يحيي من الغرفة والتقى بوالد ضحي الذي يجلس على مقعد السفرة في بهو الصالة واضعاً يده على وجهه والخوف مسيطر عليه. تقدم يحيي منه ممسكاً بيده، فنظر محسن إليه سائلاً: "طمني يا يحيي، ضحي فاقت؟ أجاب يحيي حتى يطمئنه: "هتفوق يا عمي، بس أنت خليك جنبها. هي بتقوى بيك. أنا نازل أجيب دكتور عزت، مش هتأخر بإذن الله."

ربت محسن على كتف يحيي مردفاً: "ونعم الابن، الله يسعدك ويصلح حالك." استأذن يحيي حتى يأتي بالطبيب. في نفس الوقت عند الحاج سمير بشقته يتحدث مع ولده سعد بصوت عالٍ ويكاد يضربه على ما تفوه به وتسببه في إغماء ضحي حتى وإن لم يكن مباشر: "أنا مش لسه قايلك الصبح تغير أسلوبك مع أختك؟ هو أنت هتفضل تعبني لحد إمتي؟ حرام عليك، أنت عاوز إيه بالظبط؟

اتسببت في زعل ما بيني وبين محسن عشرة عمري، ولا بنته اللي زي النسمة بسبب كلامك. تعبت أنا خلاص، فوضت أمري لله. الله يسامحك، اتفضل امشي، مش عاوز أشوف وشك هنا تاني." تدخل الحاج رشاد بعدما تركه يخرج كل الغضب الذي بداخله حتى لا يمرض، فـ هو لم يتحمل أن يحدث له شيء، فهم بالفعل عائلة واحدة بمعنى الكلمة. فأردف قائلاً: "خلاص كده يا حاج، اتفضل أقعد، أنا سبتك وأنت اتكلمت، ممكن تهدي شوية."

تحدث المعلم علي وهو يمد يده ليأخذ سعد من أمام والده مردفاً: "تعالي معايا يا سعد، عاوزك شوية تحت." انصاع سعد لطلبه وخرج معه ونزلا سوياً لأسفل. داخل أحد الغرف في منزل الحاج سمير، تجلس سميحة وسعاد واعتماد. فكانت تبكي الحاجة سميحة على ما حدث من ولدها مع شقيقته بجانب خوفها على ضحي، فهي ممنوعة من التوتر أو أي شيء يزعجها.

فتحدثت الحاجة اعتماد: "بالله عليكي ما تزعلي من سعد، هو آه غلطان بس مهما كان ضناكي، متخليش قلبك يغضب عليه. وهو قلبه يقسى، أديكي شايفة شاهين ابني بقاله كام سنة سايب البيت وبيجيلنا كل فين وفين ولا نعرف عايش إزاي ولا مع مين. ده أنا بتتقطع مش قادرة أتكلم حتى، وأبوه زيي ويمكن أكتر بس مش بيبان عشان ما يزعلش ويتعب. وأهو شهاب ربنا يسعده لهنا شوية عن زعلنا، ولكن شاهين ولا حاسس بينا ولا حاجة. ما عرفش جايب القسوة دي منين، بس مش هبطل أدعي له لآخر يوم عمري."

تحدثت الحاجة سميحة وسعاد في نفس الوقت: "ربنا يبارك في عمرك ويهديه يا حاجة." فأكملت الحاجة سعاد قائلة حتى تنسيها ذلك الحديث قائلة: "أومال دلال عاملة إيه هي وجوزها وولادها؟ بقوا حلوين؟ ابتسمت الست اعتماد مردفة: "دلال ربنا يحفظها ويبارك لها في جوزها وولادها، ما فيش يوم يعدي إلا وتكلمني أنا وأبوها. أقولها يابنتي المكالمات الدولية غالية، تقولي ولا مال الدنيا يغلى عليكم يا أمي. ربنا يجبر بخاطرها زي ما بتجبر بخاطرنا."

آمنوا وراءها داعين لها بالصحة والعافية. هبط يحيي درج بيت ضحي بأقصى ما عنده من سرعة ليأتي بالطبيب حتى يطمئنه على شمسه. فكان يقف بالأسفل أمام باب العمارة عمرو وسيف، الذان تنبؤهما القلق من تغير وجه يحيي وهو يتحرك أمامهما ولا يتحدث. أوقفه سيف منادياً عليه: "يحيي، خير؟ فتحدث عمرو: "يحيي طمني، حد جراله حاجة؟ تحدث يحيي أخيراً: "ضحي تعبانة ورايح أجيب الدكتور بسرعة."

أحس سيف بأن صديقه في غير حالته الطبيعية، فحدث ذاته قائلاً: "الوقت غير مناسب الآن، فنتحدث فيما بعد يا صديقي العزيز." فأكمل عمرو حديثه: "طب استنى هنيجي معاك." تحدث يحيي وهو يعجل بخطواته: "لا خليكم هنا أحسن، الحاج يحتاج حاجة."

فذهب مسرعاً وأتى بالطبيب الذي قام بفحص ضحي بدقة وتبين له أنها حالة إغماء من توترها الزائد الذي حدث لها أثناء مشاجرة مينا مع الشابين حتى انتهى بالخلاف بين سعد وشقيقته سناء، مثلما أبلغته والدتها التي تقف معه بالغرفة ولم تكف عن البكاء، وبجانبها سناء وأمل اللتان حالتهما لا تقل عنها، فثلاثهن قلقن للغاية. فطمئنهن الطبيب بأن حالتها مستقرة لا يوجد أي قلق والحمد لله.

ثم أعطى لها حقنة مهدئة داخل المحلول المعلق بجانب فراشها، وخرج من الغرفة فوجد الجميع بانتظاره ليطمئنهم. أول من تحرك ناحية الطبيب كان يحيي، ولكنه لم يقدر على سؤاله حتى لا يلفت الأنظار إليه، فمهما كان هو يخاف على غالية قلبه الراقدة بالداخل. اقترب والد ضحي من الطبيب سائلاً إياه بخوف: "خير يا دكتور، بنتي مالها؟ طمني أرجوك." أجاب الطبيب بوجه مبتسم: "الحمد لله، هي بخير ماتقلقش." فأخبره بما قاله لوالدتها بالداخل، مكملاً

بتنبيه: "بس ياريت ما يحصلش قدامها حاجة تزعجها زي اللي حصل وفهمته من والدتها، على الأقل الفترة الجاية. والأفضل تروح مكان هادي بعيد عن التوتر لو أمكن." هتفت سناء التي خرجت وراءه من غرفة ضحي هي وأمل: "إحنا فعلاً كنا رايحين بكرة السخنة كام يوم، وكنت عايزة أعرف من حضرتك يا دكتور السفر بالعربية مش غلط عليها؟ أردف الطبيب بكل ثقة قائلاً: "بالعكس يا آنسة، ده هيكون أحسن لها جداً."

ابتهاجتا أمل وسناء، وكذلك الواقف بعيداً ومن غيره ذاك العاشق المتيم يحيي، الذي حمد الله كثيراً ودعاه أن يحفظها له من كل مكروه. شكر كلاً من محسن والحاج رشاد الطبيب الذي غادر المنزل للتو. ثم بعد ذلك تقدم الحاج سمير معتذراً من والد ضحي على ما صدر من ولده سعد. هتف محسن معاتباً: "هو كان إيه اللي حصل عشان تعتذر يا حاج؟

سعد في مقام ابني، وبعدين كلنا أعصابنا اتوترت عشان حاصل مع مينا. الحمد لله عدت على خير وجات على قد كده. المهم ربنا طمنا على ضحي." سعدوا جميعاً بحديث الأستاذ محسن والتسامح الذي في قلوبهم، ودعوا الله أن يديم عليهم صحبتهم الطيبة لآخر العمر. انتهى اليوم بكل ما فيه على خير. أتى صباح يوم جديد مليء بأحداث سعيدة. استيقظت كل من ضحي وسناء ليحضرا ما سيأخذانه معهما في تلك الرحلة التي تدوم لمدة ثلاثة أيام.

فقد فاقت ضحي بحال أفضل عن أمس بكثير بجانب إحساسها بشعور غريب، ما هو لا تعرف؟ فظنت السبب ذهابها مع أصدقائها إلى البحر التي تعشقه. تناولت الفطور مع والديها وجهزت حقيبتها، ثم ذهبت لسناء حتى تعجلها من كثرة اتصال أمل عليها منذ الصباح. في نفس الوقت كانت تفتح سناء باب شقتها لتذهب لضحي، فتحدثت وهي مبتسمة لرؤية صديقتها بخير، فهتفت قائلة: "صباح الخير على عيونك حبيبتي، عاملة إيه دلوقتي؟ كنت لسه جايه أطمن عليكي."

قبلتها ضحي على وجنتها: "صباحك ورد وياسمين حبيبتي، مطمئنة إياه عليها، ثم سألتها: "هاه خلصتي حبيبتي؟ أحسن أمل مش بتبطل اتصال بتقول عايزين نكون هناك من أول اليوم عشان ننزل البحر." تحدثت سناء بتأكيد: "جهزت خلاص." أكملت حديثها قائلة: "أنا عاملة حسابي وجايبة المايوهات يا عمري، إن شاء الله هيكونوا تلات أيام حلوين نعوض فيهم الكبت اللي عندنا." ابتسمت ضحي ودعت ربها أن يحدث ذلك.

صفحت كلاً منهما والديهما، ثم ترجلا إلى أسفل حاملاً كل واحدة حقيبتها الخاصة. تفاجأت ضحي عندما رأت يحيي واقفاً أمام السيارة التي سينطلق بها إلى العين السخنة، وتقف معه أمل في انتظارهما. أما والدتهما الحاجة سعاد فتجلس في المقعد الخلفي للسيارة. حدثت حالها لتنفي ما أتى ببالها: "أكيد هيطمن عليهم ويطلع يكمل نومه." فحزنت قليلاً لأن ذلك ما سيحدث. اقتربت منهما ومعها سناء مردفتان بابتسامة على ثغرهما: "صباح الخير."

ردا يحيي وأمل الصباح، وكذلك الحاجة سعاد. فتحدث يحيي بسعادة ولكن لم يظهرها على وجهه حتى لا ينكشف أمره أمام شمسه: "يلا اطلعوا العربية يا بنات عشان الحق أوصلكم بالسلامة وأرجع على طول أحسن بكرة عندي شغل مهم." تراقص قلب ضحي فرحاً، فهذا ما تتمناه بعقلها عندما رأته أمامها. فنظرت إلى السماء وشكرت ربها بصمت. انشرح صدر يحيي عندما رأى الفرحة بعينيها، فهو من فعل ذلك حتى يرى تلك النظرة الجميلة.

أخذ يفكر طوال الليل إلى أن توصل لذلك. اتصل على الأسطى محروس سائق سيارة والده، طالباً منه أن يعتذر للحاج رشاد عن عدم مجيئه اليوم لمرضه، فبذلك لم يقدر على السفر. إلى جانب الحاج رشاد لم يحب قيادة السيارات، وعمرو لديه محاضرة مهمة بالكلية اليوم. فمن غيره المتواجد لحل تلك المعضلة؟ فالتأكيد هو يحيي. وهذا كان بالاتفاق مع أمل، فهي من دلفت لوالدها واقترحت عليه أن يطلب من يحيي توصله.

مناداة والده وأخبره بذلك، انصاع وخضع لأمر وكاد قلبه أن يخرج من صدره من شدة السعادة. ما أجمل الحب. فتح يحيي الصندوق الخلفي للسيارة ليضع بها حقائب الفتاتين بجانب أغراض أمل ووالدتها، ثم أغلقه، فتحدث قائلاً: "يلا يا أمل اطلعي العربية." أردفت أمل بالاتفاق المسبق بينهما: "أنا هقعد ورا مع ماما أصلي طالعة لها مش بحب أقعد قدام وأنا مسافرة." فغمزت ليحيي فابتسم له على أدائها الجيد.

فكادت ضحي أن تتحرك لتجلس بالخلف، إلا وأمسكت أمل يد سناء وتحركا سوياً ليجلسا مع بعضهما بجوار والدتها. فنظرت لضحي قائلة: "يلا يا دودي اقعدي إنتي قدام عشان عايزة سنسن في موضوع مهم." أردفت الحاجة سعاد متحدثة بسعادة داخلية هي أيضاً: "اطلعي يا حبيبتي عشان نتحرك." وأخيراً استقلوا جميعاً السيارة وانطلق يحيي بها لخارج حي الغمري، وبجانبه شمسه وحبيبة قلبه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...