الفصل 17 | من 48 فصل

رواية وبك القلب يحيا الفصل السابع عشر 17 - بقلم زوزو مصطفى

المشاهدات
17
كلمة
5,621
وقت القراءة
29 د
التقدم في الرواية 35%
حجم الخط: 18

لم تكمل كلامها عندما وجدت يد تربت عليها وصوت يقول: "بتكلمي مين وأنتي واقفة كده؟ التفتت سناء وهي مرتعبه بأن يكون قد اكتشف أمرها، فقالت: "بـ بـ بـكلم ضحى يا ماما، هي بتستعجلنى عشان اتأخرت عليها بس كده." كل هذا كان يسمعه سيف على الهاتف، فسناء كانت خائفة من صوت والدتها فلم تغلق الهاتف.

ربعت سميحة يدها أمام صدرها، ثم ابتسمت نصف ابتسامة تدل على عدم تصديقها بما قالته ابنتها. فهمت سناء نظرات والدتها لها وأنها بذلك مهلكة لامحالة، فوالدتها مهما تحبها لم تغفر لها ذلك. فتكلمت سميحة أخيراً: "بتكدبي عليا يا آخرت صبري؟ هو ده اللي اتفقنا عليه." ادعت سناء أنها لم تفهم مقصد كلامها، بل أحست بأن والدتها تعرف شيئاً ولكنها كانت تود أن تحدثها هي من تلقاء نفسها، فقالت: "بتقولى إيه بس يا سمسم؟

مش فاهمة قصدك، طب بصي أنا هروح لـ ضحى عشان بتستعجلني ولازم أشوفها عايزة إيه." بالفعل تحركت وهي خائفة أن تنهار من نظرة والدتها لها. فأوقفتها سميحة بنبرة حادة قائلة: "استني عندك." التفتت سناء وقد بدت عليها العرق من شدة الخوف. فاكملت والدتها وهي ناظرة في عين سناء فقالت:

"ضحى لسه كانت هنا بتسأل على ساعتك لأنها بترن عليكي وفون حضرتك مشغول عشان تقولك إنها هتاخد شاور ومامتها وباباها راحوا يجيبوا خالتها من محطة مصر وما فيش حد يفتح لحضرتك. ممكن أفهم كنتي بتكلمي مع مين من غير كدب، والا إنتي عارفاني ممكن أعمل إيه؟ هنا بعثت رسالة لهاتف سناء على الواتس، وكانت من سيف، فهو أغلق الهاتف لعدم سماعه ما يجري لها، وكان قلبه خائفاً أيضاً عليها. همت لترد على والدتها، فلحقتها وقالت:

"أنا بحذرك للمرة الأخيرة من غير كدب." تجاهلت سناء الرسالة ولم تفتحها لأنها أحست بُعثت من مَن. ولكن الحاجة سميحة لم تمررها مرور الكرام، فقالت: "قبل ما تقولي أي حاجة افتحي الرسالة اللي جاتلك دلوقتي." نظرت سناء لوالدتها وهي مرتبكة، فقالت: "ليه يا ماما؟ مش ضروري، تلاقيها رسالة من جروب واتس مشتركة فيه، أصل مش بحب أفتحهم في وقتها."

لم تنتظر الحاجة سميحة باقي كلام ابنتها، فهي إلى الآن لم تخرج منها بشيء مفيد بل تجادلها فقط. فامسكت والدتها الهاتف منها، ثم فتحت الرسالة بعدما قرأت اسم الراسل "سيفو" ومكتوب بها: "طمنيني عليكي ضروري." فوضعت الهاتف أمام عيون سناء وملامحها لم يمكن تفسيرها لأي شيء، فتحدثت قائلة: "ممكن أفهم ده معناه إيه ومين سيفو ده كمان؟

هنا وصلت سناء إلى فراشها لأنها لم تعد تقدر على الوقوف، لأن قدميها لم تتحملها أكثر من ذلك، فأحست أيضاً نهايتها قد اقتربت وأن القادم سيكون أصعب والأيام الآتية لم يكن بها حياة لأن سيف لم يتواجد بها. فنطقت بصوت منخفض يكسوه الخوف والقلق معاً: "أنا آسفة يا ماما، بس والله ما في أكتر من الرسايل ومكالمات بيطمن فيها عليا، ومن يوم ما عرفته ما خرجناش لوحدنا، هو ده كل الموضوع."

كانت تتحدث وهي تبكي، لأن بذلك فقد انتهى سيف من حياتها، فوالدتها بهذا الشكل لم تقبل أن يهاتفها مرة ثانية. جلست والدتها بجانبها على الفراش قائلة: "أفهم من عياطك إنك ندمانة؟ ردفت سناء وهي تمسح دموعها بظهر يدها مثل الأطفال: "أكلمك بصراحة يا ماما؟ تفوهت الحاجة سميحة بجدية: "وأنا مش عايزة غيرها، قولي لي يلا." تحدثت سناء بتلعثم:

"أناااا بعيط عشان مش هكلم سيف تاااني لأان حضرتك ممش هترررضي، وأاانا الصراااحه اتعودت اسسمع صوته أوو أشوف رساالته كل يووم، بس خلاص مشش هينفعع تاااني." ثم بدأت في البكاء بصوت عالي، ولكنها توقفت عن ما تفعله وهي جحظت العين فاتحة الفاه سائلة والدتها: "بتقولي إيه يا ماما؟ أجابتها وهي مبتسمة: "بقول لك يا آخرة صبري، مين قال لك إنك مش هتشوفيه ولا هتسمعي صوته تاني؟ فاقت سناء سريعاً من حالة الحزن تلك، وامسكت

يد والدتها وأردفت بتساؤل: "ماما إنتي بتتكلمي جد؟ يعني مش زعلانة مني؟ تحدثت الحاجة سميحة وهي تقف من مجلسها تاركة يد ابنتها بوجه حزين بعد الشئ، متحركة باتجاه شباك الغرفة قائلة: "من ناحية زعلانة، فأنا فعلاً زعلانة منك لأنك ما جيتيش تقولي لي كل ده من غير ما أسألك، مع أننا اتفقنا قبل ما تروحي السخنة مع أمل إنك أول ما يحصل معاكي حاجة تقولي لي ونكون أصحاب. بس إنتي خلفتي كلامك معايا صح."

جريت سناء ناحية والدتها ممسكة بيدها مرة أخرى مقبلة إياها، وبعد ذلك احتضنتها مردفة: "حقك عليا يا سمسم." مكملة: "أول مرة في حياتي يحصل معايا كده وكنت خايفة أتكلم معاكي، اعذريني يا ماما، أنا آسفة بجد ومش هكررها تاني وهحكي لك كل حاجة بعد كده وده وعد مني." ثم تحدثت والبسمة تزين وجهها قائلة: "بحبك يا سمسم." ثم ارتتمت بحضنها. شدت الحاجة سميحة في احتضان صغيرتها وآخر صبرها التي تحبها كثيراً مردفة:

"بس لو خلفتي وعدك هقلب على الوش التاني." تحدثت سناء بعدما وضعت قبلة على جبين والدتها: "ماتحرمنيش منك يا سمسم، أنا ما أقدرش على زعلك ولا الوش التاني الصراحة."

ضحكا سوياً بعد ذلك. نظرت سناء من وراء الشباك. في ذلك الوقت كان سيف يقف بنفس مكانه وينظر إلى الشباك، بين الحين والآخر والشباب ينادون عليه حتى يتناول الإفطار معهم، ولكن أخبرهم أنه لا يريد الإفطار الآن وأن تناولوا هم، أما هو فما بعد. اتجه إليه يحيى ليطمئن عليه، فحال صديقه تبدل بالنقيض عن ما جاء منذ ساعات قليلة، فتحدث إليه سائلاً بعدما وضع يده على كتفه مردفاً: "سيف مالك؟ في حاجة مضايقاك؟

نظر إليه سيف وهو يشق على ثغره ابتسامة اضطر لذلك، رغم أنه قلق كثيراً على قطته الشقية، ولكنه أحب ألا يبلغه حتى لا يعكر صفو صاحبه، لأن هذا اليوم من ينتظره منذ سنين عدة ولا يريد أن يزعجه معه، فردف قائلاً: "أبداً يا يحيى، دي مشكلة بسيطة في الشغل وحلتها، ما تشغلش بالك، خليك في يومك، عاوزين نفرح النهاردة وعقبال الليلة الكبيرة حبيبي." تفوه يحيى رغم عدم اقتناعه بما حدثه به قائلاً: "يعني أنت متأكد أن ما فيش حاجة تانية؟

قول وما يهمكش، يمكن أساعدك." ربت سيف على كتف صديقه مردفاً: "ربنا ما يحرمني منك يا صاحبي." فسيف لا يريد إخبار يحيى لأنه سيتأثر بأي شيء يخصه. فأكمل يحيى: "هحاول أصدقك بس تمام، تعالي بقى افطر معانا قدام خلاص المشكلة اتحلت." تحدث سيف بهدوء بعض الشئ: "هعمل مكالمة وهاجي وراك على طول عشان أطمن إن كل حاجة تمام."

إضطر يحيى أن يتركه ويذهب، فحالته لا تتحمل الضغط عليه أكثر من ذلك، فهو متأكد عندما يهدأ صديقه سيأتي إليه ويقصه ما بداخله. في نفس اللحظة كانت سناء ووالدتها ناظران من وراء الشباك وشاهدا سيف ويحيى وهما يقفان بجانب بعضهما ويتحدثان، ولكن لم يسمعا شيئاً. تحدثت الحاجة سميحة قائلة: "شكله قلقان عليكي يا سنسن، باين عليه بيحبك وبيخاف عليكي، أنا حسيت منه بده يوم فرح أمل وامبارح واحنا بنشتري شبكة ضحى." نظرت سناء لوالدتها:

"بقي كده يا سمسم؟ يعني أنتي واخدة بالك وعارفة وما قولتيليش؟ تفوهت والدتها وهي مازالت تنظر باتجاه سيف، فهي سعيدة لمظهره هذا لأنه يدل على حبه لابنتها وصدق مشاعره إليها، فالآباء دائماً يشعرون بما يقترب من أبنائهم إذا كان صادقاً أم كاذب، فتحدثت قائلة وهي مازالت ناظرة له: "ده على أساس إنك قولتي لي." "بطلي رغي واتصلي عليه، الواد يا قلب أمه شكله قلقان عليكي يا آخرة صبري."

لم تجب سناء على والدتها، فهي محتارة ماذا تخبره عن إنهاء الحديث معه دون إنذار. أخرجتها والدتها من التفكير قائلة: "قولي له الحقيقة." استغربت سناء من حديث والدتها، فتساءلت قائلة: "إزاي يا ماما أقول له إنك عرفتي كل حاجة؟ أجابت سميحة قائلة: "ده على أساس إني عرفت. إنتي هتضحكي عليا، أنا قصدي اكتبي له رسالة وقولي له ماما كانت عايزاني في حاجة وبس. وبعدين تعالي احكي لي الموضوع من أوله بدل ما أقلب عليكي." ضحكت سناء

ثم قبلت والدتها قائلة: "هحكي لك من طاطا لغاية ما قفشتني، ماتحرمنيش منك يا سمسم يا قمر." وبالفعل بعثت سناء إليه الرسالة مثلما أخبرتها والدتها، ثم جلست بجانبها على الفراش وبدأت تقص لها من ذلك اليوم الذي رأته به أمام باب عماراتهم، وبعد ذلك في شاليه السخنة حتى وقتهما هذا. قرأ سيف الرسالة واطمأن قلبه، ثم ذهب للشباب حتى يأكل معهم ووجهه مبتسم، فالقلق ذهب والحمد لله. ***

أمام محطة مصر تقف السيدة نادية مقابل باب الخروج سانده على السيارة الأجرة، والأستاذ محسن بداخل المحطة منتظر قدوم قطار الإسكندرية التي تستقله السيدة مديحة أخت زوجته.

نادى عامل المحطة في السماعات الداخلية على وصول قطار الإسكندرية على رصيف نمرة خمسة، وبالفعل اقترب محسن من الرصيف حتى يرى السيدة مديحة، فهي آتية بمفردها هذه المرة، فابنها الرائد وليد لديه مهمة بالقاهرة، فهو يعمل في مديرية أمن الإسكندرية، لكن استدعي من حوالي أسبوع لأمر هام خاص بعمله، لذلك جاء الأستاذ محسن وزوجته لاستقبالها.

خرجا اثنيهما من المحطة بعدما رأى الأستاذ محسن أخت زوجته وهي تخرج من باب القطار وتسحب حقيبة السفر بيديها وباليد الأخرى تحمل حقيبة صغيرة خاصة بها اتجاه إليها سريعاً، ثم أمسك الحقيبة بعدما صافحها وتحركا سوياً حتى وصلا إلى السيارة التي تقف أمامها نادية. استقبلت أختها بالأحضان، ثم استقلوا ثلاثتهم السيارة وتحركت بهم إلى المنزل. كان يجلس محسن بجانب السائق، وفي الخلف تجلس نادية وشقيقتها. تحدثت مديحة باستفسار من نادية قائلة:

"أول مرة تيجي تستقبلني لما أكون جايه لوحدي؟ حاولت نادية الحديث بعدما تحمحت كثيراً، فهي لا تعرف بماذا تخبرها، قائلة: "أبداً يا مديحة، عادي حبيبتي، يعني بلاش أجي أستقبل لك." ثم أدارت وجهها الناحية الأخرى. امسكت مديحة وجه شقيقتها حتى يكن مقابل لها وتساءلت بقلق: "في إيه يا نادية؟ عينيكي مليانة كلام، مالك حبيبتي طمنيني، ضحى كويسة؟ أجابت نادية بتلعثم قليلاً: "ضحى بخير حبيبتي، بسـ بسـ أصل يعني...

ولم تكمل حديثها. قلقلت مديحة أكثر، فوجهت حديثها لـ محسن قائلة: "طب طمني أنت يا أبو ضحى، في إيه؟ أنا أعصابي تعبت، أنتم مخبين عليا إيه؟ التف محسن إلى الخلف ونظر إليهما قائلاً:

"ما تقلقيش يا أم وليد، كل الحكاية أن النهاردة خطوبة ضحى، ونادية خافت تزعلي منها وجات تقبلك بنفسها عشان توضح لك ظروف الخطوبة، لأنها مش عايزة يحصل بينكم كلام قدام ضحى، انتي عارفة ضحى مرت بأيام صعبة بعد وفاة اختها رضوى الله يرحمها ومصدقنا رجعت زي الأول، ولو اتناقشتي إنتي ونادية قصدها هتتعب مننا وممكن يجرا لها حاجة أكتر اللي حصلها وما نعرفش نرجعها تاني." تفوهت مديحة بوجهها حزين: "يعني أنا هرضى يحصل لها حاجة؟

ضحى مش بنتكم أنتم بس، ده بنتي أنا كمان وأفرح لها زيكم بالظبط، وإذا كان على موضوع وليد فكله قسمة ونصيب، بس اللي يزعلني إني أعرف زي الغريب، وياريت أبقى زي الغريب، ده تلاقي حي الغمري كله عارف قبلي كمان." سعدت نادية كثيراً، فقد زال القلق والتوتر الذي استحوذ عليها منذ أمس خوفاً من زعل شقيقتها، فنادية تعلم علم اليقين أن مديحة تتمنى ضحى لـ وليد، ولكن ما باليد حيلة والقلب وما يريد. فردفت على حديث شقيقتها قائلة:

"الصراحة في دي عندك حق، حي الغمري كله عارف من امبارح." نظرت لها مديحة بوجه غاضب قائلة: "يعني كلامي صح وهما أهم عندك من لم تكمل الحديث عندما أوقفتها نادية وهي تمسك يديها حتى تهدئ من غضبها قليلاً: "لا يروحي ما فيش حد عندي أهم منك، هما عرفوا قبلك عشان العريس من الحي بردوا." بالفعل هدأت مديحة عندما سمعت هذا ونظرت لشقيقتها بحيرة سائلة: "مين يا نادية؟ حد أعرفه؟ فمهما كان تحب ضحى، فهي ابنة شقيقتها الوحيدة.

أجابت نادية بسعادة: "طبعاً تعرفيه حبيبتي، هو يحيى ابن الحاج رشاد." سعدت مديحة لأنها تعزه كثيراً وتحب والدته أيضاً: "بجد يا نادية؟ ألف مبروك حبيبتي، ربنا يتمم لهم على خير، يحيى زينة الشباب والله، ربنا يسعدهم يا أختي وتشوفي أولادهم يارب." ثم احتضنا بعضهما بكل حب صادق وسعادة خالصة. "أنا متأكدة إنك ورايا." نظرت نادية وراءها ثم أردفت قائلة: "عقبال ما تفرحي بـ وليد يارب ويرزقه ببنت الحلال اللي تفرح قلبه عن قريب."

تفوهت مديحة قائلة: "يارب يا أختي يارب." وبعدها خبطت على رأسها لتذكرها شيئاً فتحدثت قائلة: "يا نهااار أبيض ده أنا نسيت أكلم وليد أطمنه، زي ما قالي الكلام معاكي لهاني. هتصل عليه أطمنه وبالمرة أعرفه إن خطوبة ضحى النهاردة، أحسن يزعل لما يجي بليل ويتفاجئ. وبعدها احكي لي الخطوبة جت إزاي." أردفت نادية قائلة: "حاضر يا ديحة."

فامسكت مديحة الهاتف ثم اتصلت على وليد لتخبره بوصولها، بدأت تقص على ولدها ما حدث من وقتما خرجت من الإسكندرية حتى رأت خالته وزوجها. وأثناء محادثة مديحة في الهاتف مع وليد، التف محسن إلى الخلف ناظراً لزوجته وهو مبتسماً، فنظرت إليه بنفس الابتسامة، فهو يعلم جداً أن زوجته كانت قلقة كثيراً من هذه المواجهة، ولكن الحمد لله عدت بسلام. ***

هاتف يحيى ضحى للمرة الثالثة على التوالي كي يطمئن عليها، فهو قد رأى والديها وهما خارجان من الحي يستقلان سيارة أجرة، ولكن كان بعيداً عنهما ولم يلحقهما. فأخيراً أجابت عليه قائلة بصوته الجميلة: "السلام عليكم." تفوه يحيى بصوت هادئ برغم غضبه وخوفه عليها لأنها لم تجب على اتصالاته الماضية، فاردف قائلاً: "وعليكم السلام." مكملاً: "ما بترديش عليا ليه؟ أنا بقي لي أكتر من ساعة برن عليكي وقلقلت جداً وكنت خلاص هطلع أشوف في إيه."

ردفت ضحى قائلة: "حقك عليا، أصل كنت بـ بتوضأ وبعدين صليت الضحى وشغلت السشوار أنشف شعري وممسكتش الفون خالص، بجد آسفة ما تزعلش مني." فهم يحيى أنها كانت تأخذ حماماً ومحرجة أن تخبره بذلك. سعد قلبه، فهي خجولة للغاية، فتحدث قائلاً: "مش زعلان خلاص أدام سمعت صوتك حبيبتي." "المهم باباكي ومامتي راحوا فين؟ ما لحقتش أكلمهم، ركبوا العربية ومشوا على طول، خير في حاجة؟ أردفت بتلقائية ولن تعلم بما سيحدث بعد حديثها هذا:

"ما تقلقش، بابا وماما راحوا يجيبوا خالتو مديحة من محطة مصر." لحظة صمت مرت على يحيى، ثم تفوه بهدوء حدا ما سائلاً: "يعني وليد جاي عندكم دلوقتي؟ أجابت ضحى مسرعة: "لا، وليد جاي بليل لأنه عنده مهمة من أسبوع في القاهرة، عشان كده بابا وماما راحوا يجيبوا خالته." نطق يحيى وهو يجز على أسنانه قائلاً: "وحضرتك عرفتي المعلومات القيمة دي كلها عن الأستاذ وليد إزاي؟ تفوهت ضحى برقة:

"أصل كان بيكلم ماما من يومين وقالها إنه في القاهرة وقالها تعالي، قالها مش هينفع عشان عنده شغل كتير وانه هيجي قبل السفر يسلم عليه." تحدث يحيى وقد أوشك صبره النفاذ قائلاً: "وحضرتك كلمتيه؟ هنا فهمت ضحى مقصد يحيى وأحست أنه سيخرج لها من الهاتف بسبب انفعاله الشديد، فهذا يدل على غيرته التي تظهر من نبرة صوته. فأردفت سريعا لتوضيح الأمر: "أنا كنت نايمة وماما اللي حكتلي لما صحيت، ادي كل الحكاية، أنت متعصب ليه دلوقتي؟

استغفر ربه ثم مسح وجهه بكف يده حتى يهدأ قليلاً، فهو يعلم جيدا أن ضحى لم تكذب عليه، فالصدق صفة من صفاته المستحبة إليه، فتحدث قائلاً: "بجد أسف لو اتعصبت عليكي، بس ده من غيرتي عليكي والصراحة ومش عاوز حد يشوفك ولا يكلمك غيري." سعدت ضحى كثيراً وأخبرته بكل تلقائية ولم تعلم كيف خرجت من فاهها قائلة: "يحيى أنا بحبك أنت ولا يمكن أفكر ولا أشوف حد غيرك، أنت حياتي وعمري اللي جايين ليك ومعاك."

صمت يحيى فقد تفوقت عليه شمس حياته في الحديث ووصفت مشاعرها بكل هدوء، ولكن لم يستحق عليه السكوت بعد كل هذا، ولكن نطق القليل ولكنه يحمل الكثير قائلاً: "ضحى ربنا يقدرني وأخليكي سعيدة العمر كله وأكون سندك وضهرك إن شاء الله. أسيبك تحضري نفسك عشان عاوز أشوفك أحلى وأجمل عروسة النهارده، ربنا يحفظك ليا ويباركلي فيكي يا شمسي."

ثم أغلقا الهاتف معاً وقلوبها تتراقص من فرط سعادتهما، فبقي القليل وسوف يتوج اليوم بذاكرتهما مدى الحياة. فدعيا ربهما أن تتم فرحتهما على خير. *** جاء الليل أخيراً وبدأت أنوار الزينة تترقص على أصوات الموسيقى التي تصعد من الدي جي المتواجد بشقة الأستاذ محسن، وبدأت المدعوون يتوافدون حتى امتلئت الشقتين. جلس الرجال بشقة الحاج سمير، والنساء وكوشة العروسين في شقة الأستاذ محسن.

أتى يحيى ووالديه وشقيقه عمرو وشهاب والمعلم علي ومينا ووالده عم جرجس وعدد آخر من سكان حي الغمري، فالجميع سعيد بهذه المناسبة، فيحيى وضحى محبوبان لديهم جميعاً. استقبلهم الأستاذ محسن وزوجته، ثم دلفوا غرفة الجلوس وانضم إليهم الحاج سمير وأولاده، ثم بدأوا في قراءة الفاتحة على ما اتفقوا عليه.

قام محسن وحضن يحيى وبارك له، ثم أمسك يحيى يد والده وقبلها وتحدث إليه والده بعد ربت على ظهره داعياً له بالسعادة. وبعد ذلك تلقى التهنئة والمباركات من الجميع، ثم اتجه ناحية والدته وقبل يديها فدعت له بالزواج المبارك، وسلم على والدة ضحى مقبلاً رأسها، ثم سلم على خالتها مديحة، الفرحة من قلبها فهي تحبه هو وضحى كثيراً.

بدأت السيدات بالزغاريط وسط فرحة عارمة. خرجت ضحى من غرفتها طالة ساحرة وفستانها الستان الجميل ذات اللون الذهبي وحجاب نبيتي ومكياجها الرقيق الذي يتناسب مع حجابها، فظهرت مثل الملكة الحسناء التي لا مثيل لها. اعتدل يحيى في وقفته لكي يستقبلها، وكان مرتدياً قميص نبيتي وبنطلون أسود، فقد أخذت عقله بعد طلتها هذه. ثم نظر لـ والد ضحى يستأذنه حتى يذهبان إلى المكان المخصص لهما بالجلوس، فاتاه الرد بالموافقة.

تحركا بالفعل وجلسا أيضاً، ثم أتى إليهم الحضور حتى يهنئهما. وبعد ذلك بدأ أصوات الأغاني تعلو بمكان. كانت تقف سناء بجانب ضحى، فهي سعيدة كثيراً لها. ثم أتى سيف ووقف بالمقابل لها بجانب يحيى كي يبارك للعروسين. نظر لـ سناء قائلاً لها: "عقبالنا يا قطة." فرحت سناء بما قاله، ولكنها أبعدت وجهها عنه ولم تجب، فهي خائفة أن يراها والدها أو أحد من أخويها، فمالت على أذن ضحى قائلة:

"قولي لـ يحيى يخلي سيف يسكت، أنا مرعوبة أن حد ياخد باله ونفسي النهاردة يعدي على خير." ربتت ضحى على كف يدها طمئنتها: "ما تقلقيش حبيبتي، إن شاء الله هتعدي على خير، خليكي متفائلة." ابتسمت سناء لها قائلة: "إن شاء الله حبيبتي وهتكون أحلى ليلة، ده فرح أغلى الحبايب." ثم قبلتها وذهبت ناحية والدتها التي تراقب سيف جيداً. مازالت المعازيم تتوافد. وبدأ مينا الشهير بـ أوبرا الغناء بعدما طلب منه يحيى ذلك، فأمسك الميكروفون وسأله:

"ماذا تريد أن تسمع؟ أجاب يحيى: "لم يكن شيئ ببالي الآن، لذلك سأترك لك الخيار يا فنان." على صوت الموسيقى ومعه صوت أوبرا قائلاً: "شو حلو حبيبي شو حلو هالقمر شوفوا ما أجمله، بس أنا ع بالي دللو وحياتي ما حدا يبقى يزعله."

كان ينظر يحيى لـ ضحى ويرسل لها بعينيه كل حرف وكلمة بالاغنية، كأنها نابعة من قلبه الذي يحبها حد الجنون، وكانت ضحى طائرة من السعادة التي بداخلها، فهي الآن تغوص في بحر العشق مع من اختاره قلبها منذ نعومة أظافرها، وهو أيضاً لم يحب أحداً مثلها، فكل منهما عرف الحب وتعلمه من أجل الآخر وليس لأحد غيره. مازال يغني أوبرا: "واسمحوا إذا تسمحوا واستحوا مابقي تجرحوه، لو زعل أنا بصالحه حبيبي بالقلب صاير مطرحه."

وكان أيضاً سيف الحب ينظر لمن احتلت قلبه وعلقه بل كل كيانه، سناء التي ساطعة في حياته المظلمة كضوء مصباح أضاء له ليرى طريقه، وكانت سناء هي الأخرى تختلس النظرات إليه بين الحين والآخر، فهو قد اقتحم قلبها بكل قوة راسخاً بأعماقه، ولكن بإرادتها وهي فاتحة ذراعيها له كمن يستقبل شخصاً عزيزاً عليه لا يلتقي به منذ زمن بعيد. فأكمل مينا الأغنية وقال:

"ليلي ليل يا ليل، ياليل ياليل ياليلي آه آه، ما إله غيره أنا إلي وما إله غيري، ما إليه بقبلوا بلا ما حلله بصراحة بعشقه ما بقا تسألوا." انتهت الأغنية وتركا سعادة على وجوه جميع الحضور.

بعد ذلك بدأ الدي جي تشغيل أغاني أخرى وسط فتيات وشباب الحي، من بينهم عمرو وشهاب ومينا. وكانت تجلس سمية وأختها إسراء وبجانبهما إيناس وبنات أخرى من الحي، وبالمقابل تجلس السيدات الحاجة سعاد والحاجة سميحة والسيدة عنايات والدة سمية ومديحة خالة ضحى والحاجة اعتماد. أما السيدة نادية والدة ضحى ومعها والدة مينا وأشخاص آخرون يوزعون على المدعوين علب المياه الغازية وأطباق الجاتوه.

انتهى التوزيع وجاء وقت ارتداء الشبكة. بدأت تصعد صوت أغنية "يا دبلة الخطوبة عقبالنا كلنا" بصوت المطربة شادية. فكانت سناء تحمل الشبكة في علبة زرقاء قطيفة على صنية فضية، فاخذ يحيى الدبلة وأمسك يد ضحى وألبسها لها، ثم بعد ذلك المحبس والخاتم ويليهما الغوايش. بعد ذلك أخذت ضحى الدبلة الفضية وأسكنتها لـ يحيى بإصبع البنصر، وبعد الانتهاء من ارتداؤهما الشبكة، تعالت صوت الزغاريط. فتحدث الشاب الدي جي بالميكروفون الواقف قائلاً:

"ممكن العروسين يقوموا يقفوا في النص عشان الأغنية الجاية يرقصوا مع بعض عليها." وقف يحيى وتحدث قائلاً: "لحظة يا جماعة قبل الفقرة دي في فقرة أهم." انتبه الجميع بما فيهم ضحى. فأكمل مردفاً: "أنا هسأل ضحى سؤال ولو جاوبت صح هتكسب دهب." صعدت أغنية "دهب دهب دهب" من الدي جي. استغربت ضحى حديثه، سألت إياه قائلة: "سؤال إيه يا يحيى ودهب إيه اللي هكسبه؟ أجاب وهو مبتسم: "سؤال بسيط، يلا نبدأ."

الجميع انتابه الفضول ليعرف ماذا سيحدث، وهم الآن منتظرين السؤال والإجابة حتى يروا ماهي الجائزة الذهبية هذه، ما عدا شخصان: عمرو وسيف. تحدث يحيى وهو مصطنع الجدية على وجهه، فأردف قائلاً: "ركزي معايا وفكري كويس، الجايزة تستاهل." ابتسمت ضحى على طريقة حديثه تلك بقلب يملأه السرور، فيحيى جعل يومهما هذا مميز بما يفعله. فأكمل يحيى مردفاً: "ياريت سكوت عشان ضحى تركز."

وكان والده وجميع الرجال الجالسين معه منتبهين إليه، رغم إنهم بالشقة المقابلة له. ابتسم الحاج رشاد على ما يفعله ولده، فهو يعلم به، فقد أخبره عنه قبل مجيئهم مباشرة. فقال يحيى السؤال هو: (يكون لوني بالحقل أخضر ولكني عندما أكون في السوق يكون لوني أسود، أما عندما أذهب إلى المنزل تجد لوني أحمر، فمن أنا؟ احتاروا الجميع بلا استثناء، حتى ضحى ظلت تفكر ويحيى صامت منتظر منها الإجابة. تفوهت سناء دون سابق إنذار قائلة: "الشاي."

تحدث يحيى مردفاً: "برافووو، إجابة صحيحة. يلا ادخلي اعملي لنا كوبايتين وشوفي مين عايز بالمرة." ضحك الجميع، ثم تحدثت سناء وهي مصطنعة الغضب: "مليش فيه، أنا عايزة الهدية." مال على أذنها قائلاً: "هديتك خديها من سيف." صمتت ولم تتفوه بكلمة أخرى. فأكمل يحيى وهو يأخذ العلبة من أخيه عمرو وينظر لـ ضحى: "أما إنتي كسبتي طقم الكوليه ده، وقبلة قلبي يا شمس حياتي، مبروك عليكي."

صفق الجميع وسط دموع نادية، فقد رأت الفرحة بعيون ابنتها التي لم تراها من فترة كبيرة، فدعت الله أن يديمها على ابنتها ويجعل يحيى خير زوج وسند لها. مال يحيى عليها ليلبسها الطقم. فتحدثت ضحى إليه قائلة: "كده كتير أوي يا يحيى." أخبرها وهو ناظراً بعينيها مردفاً: "ولا مال ودهب الدنيا، تكتر عليكِ." ثم بدأت الغنوة لكي يرقصا عليها سوياً:

(صدقني خلاص من بين الناس حبيتك واخترتك ليا، طول ما أنا وياك قدامي ملاك، خلتني ما غمضتش عنيا، الله ياسلام في عينيك أحلى كلام.) كان يرقصان في حدود المسموح. فاتى سيد الشقيق الأوسط لـ سناء ورقص معها، فهي تحبه كثيراً وهو يبادلها أيضاً ذلك، عكس شقيقها سعد الأكبر الذي دائماً يعاملها بقسوة في أي شئ يحدث بينهما. كان هذا يمر تحت عيون مشتعلة من الغيرة لأنها ترقص مع غيره حتى لو كان شقيقها.

أوقف عمرو والدته جلستها حتى يرقص معها، ويليه شهاب أمسك يد الحاجة اعتماد كي يسعدها، فهي أمه حتى وإن لم يعجب ولدها الشاهين. جلست الحاجة سعاد فقد تعبت من الرقص. قام عمرو يد السيدة نادية حتى ترقص معه بعد محاولات كثيرة منه، فمرة واحدة وقفت الحاجة سميحة واتجهت لـ سيف قائلة: "يعني جات عليا؟ تعالي ارقص معايه." انتبه إليها ولحديثها، فهو كان شارداً في من سلبت عقله وهي ترقص مع شقيقها ولم تعير له أي اهتمام. أجاب مسرعاً:

"ده أنا ليا الشرف والله." ثم أمسك يدها ومازالت الغنوة تصعد. فردفت إليه قائلة: "عقبالك." تفوه وهو مبتسم: "شكراً يا طنط، عقبال سناء." أردفت الحاجة سميحة بذكاء قائلة: "يارب يا ابني، بس هي اللي مش عايزة، ده لسه امبارح جاي لها عريس قريب بابها وقبلها بيوم واحدة طلب عريس تاني إيديها من أخوها يجي للمرة السابعة وهي ترفض، مش عارفة أعمل معاها إيه." أكملت حديثها حتى تعرف أيفكر بجدية الارتباط بابنتها أم يشغلها للتسلية.

"يلا هعمل إيه، كله بأوانه." "أنا بقول كفاية عليك كده تعبتك معايا، تعالي بقى وصلني للكرسي أقعد أحسن رجلي وجعتني." كان يستمع سيف لحديثها الأخير ويتحرك معها ليجلسها، ولكنه يفكر بما قالته في أول حديثها. فحدث حاله قائلاً: "أيعقل أن تكون سناء لغيري؟ لا لا لم تكن لغيري، فهي لي، فقد أسميتها على اسمي وحسم الأمر، ولن اتنازل عنها أبداً، لأن قلبي اختارها لتكون زوجتي وأم أولادي، بل وكل حياتي."

فنظر إلى الحاجة سميحة نظرة طويلة بعدما أجلسها، فتحدث أخيراً قائلاً: "طنط أنا عاوز أتجوز سناء."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...