الفصل 37 | من 48 فصل

رواية وبك القلب يحيا الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم زوزو مصطفى

المشاهدات
19
كلمة
9,544
وقت القراءة
48 د
التقدم في الرواية 77%
حجم الخط: 18

نظر الحاج رشاد إلى يحيي قائلاً: "اتفضل اطلع بره." ذهل الجميع مما تفوه به والدهم، حتى زوجته التي كانت تعسف ولدها منذ قليل، فوالدهم ليس من عادته أن يحكم دون الاستماع أولاً. جاء يحيي ليتحدث مع والده، لكنه رفض السماع إليه: "مش هكرر كلامي تاني، قدام محترمتش وجودي وأخذت قرار لوحدك وخليت والدتك بالشكل ده، يبقى مالكش مكان هنا."

حاول يحيي مرة أخرى، لعل وعسى يغير قراره، إلا وصوت والده ارتفع وهو يتجه إلى باب الشقة فاتحًا إياه، مشيرًا بيده إليه: "اتفضل من غير لو كلمة زيادة." تحدث عمرو وهو يجذب يحيي إلى خارج الشقة وهو معه: "حاضر يا بابا، هيمشي حالاً بس اهدي من فضلك." وبعد ذلك أغلق الباب وراءه. أما أمل ووالدتها فيبكين بشدة. تحدثت الحاجة سعاد وهي ما زالت جالسة: "إيه اللي حصل عشان يحيي يطلق ضحى؟ تحدث الحاج رشاد وهو ينظر إلى أمل الواقفة

بجانب مقعد والدتها: "مش لما تعرفي بنتك عايزة تطلق ليه الأول." وأكمل بغضب شديد: "وكنتي ناويه حضرتك تعرفينا امتى لما تتطلقوا؟ دلوقتي اتصلي على جوزك وقولي له عمك عايزك تيجي بكرة." تحدثت أمل بخوف من غضب والدها: "طب اسمعي يا بابا الأول." رفض الحاج رشاد السماع إليها قائلاً: "مش هسمعك لوحدك، لازم سامر يكون موجود. يلا اتصلي عليه." هتفت أمل بالرفض، فهي لا ترغب الاتصال بسامر، ولكن كان رد والدها أعنف:

"اللي قولته يتعمل من غير جدال. اتفضلي امشي من قدامي ونفذي بسرعة." تحركت أمل إلى غرفتها متأففة من قرار والدها، ولكنها لم تقدر على إرجاعه، فما قاله. جلس الحاج رشاد بجانب زوجته حتى يطمئن عليها: "عاملة إيه دلوقتي يا حاجة؟ بكت الحاجة سعاد وهي تتحدث: "ولادي الاثنين في يوم واحد، طب ليه وإيه اللي حصل معاهم وصلهم للطلاق؟ قولي يا حاج أنا قلبي وجعني أوي." أمسك الحاج رشاد يدها وهو يربت عليها:

"سلامة قلبك، اهدي مش كده. لو جرى لك حاجة أنا اللي هموت. سيبك منهم ويلا قومي خدي علاجك ونامي شوية وسيبي كل حاجة على ربنا." نطقت مسرعة: "ألف بعد الشر عليك، أنا من غيرك معرفش أعيش." فأكملت الحاجة سعاد وهي تمسح دموعها: "ونعم بالله، قادر يصلح حال ولادنا." وقفا الاثنان متجهين إلى غرفة نومهما حتى تستريح، فكفى ما حدث لها منذ قليل.

تجوب أمل غرفتها يمينًا ويسارًا دون توقف، وبيدها الهاتف حائرة بين رفضها الشديد بالاتصال على سامر، وبين غضب والدها لعدم تنفيذ طلبه. هي مشتاقة كثيرًا له ولـ سماع صوته، فـ هذا اليوم الرابع على التوالي بعيدة عنه، لذلك يوميًا تفتح تطبيق الواتساب على الرسائل الصوتية المبعوثة لها منه وقتما يتواجد خارج المنزل، حتى تستمع لصوته وحديثه معها، ظنًا منها سيعوضها فراقه، ولكن يحدث النقيض وتشتاق إليه أكثر.

وسرعان ما أتاها شعور بالتشاؤم، فتمزق أملها لرجوعهما إلى الأبد. ولكن الآن هي مرغمة لتنفيذ أمر والدها. فكرت قليلاً فوجدت الحل المناسب أخيرًا، ألا وهو أن تبعث له رسالة صوتية تخبره بالحضور، وبذلك تكون أطاعت والدها دون الاتصال به. فتحت أمل تطبيق الواتساب وضغطت على رقم سامر المسجل لديها باسم (حب عمري) وبدأت في تسجيل رسالة إليه: "لو سمحت بابا عايزك تيجي بكرة البيت."

أرسلتها وأغلقت الهاتف سريعًا، تاركة إياه على الفراش، واضعة رأسها على الوسادة. وبدأت تتذكر حديث أم زوجها القاسي. تساقطت الدموع من عينيها، فدعت ربها أن يريح قلبها من ذلك العذاب. ثوانٍ قليلة، فبُعث على هاتفها رسالة من معذب قلبها. فتحتها بلهفة لسماع صوته ولتعرف أيضًا بماذا أجاب على رسالتها؟ أول شيء تحدث إليها: "وحشتني أووووي يا مولي، مابترديش على اتصالي ليه." وأكمل بتأثر:

"أنا آسف إني مديت إيدي عليكي وصدقني مش هكررها تاني، بس قوليلي إنتي زعلانة من إيه." ابتسم وجهها عند سماع كلمة "وحشتني"، ولكن هتافه بجملة "زعلانة من إيه" عصبتها كثيرًا، معتقدة إياه بأنه يستهزئ بها وبمشاعرها ويريد إخفاء معرفته بما أبلغتها به والدته. فبدأت في تسجيل رسالة صوتية جديدة: "بلاش تتكلم معايا بالطريقة دي، أنا مش عيلة صغيرة. شوف أنت ووالدتك اتفقتوا على إيه."

استمع لرسالتها وحاول الاتصال بها، ولكن ضغطت على زر غلق المكالمة وبعثت رسالة صوتية أخرى: "سامر أنا مش هرد عليك، ريح نفسك، ورسالة بابا بلغتها لك. ولو مش حابب تيجي كلم بابا وأقول له." بعد استماعه للرسالة، أرسل هو الآخر، وبرغم غضبه منها لغلقها المكالمة بوجهه وعدم الرد عليه، حاول يكون هادئًا في حديثه: "تحمحم أولاً، مولي مش هقدر أجي النهارده، عندي بكرة مؤتمر في إسكندرية زي ما إنتي عارفة. أنا في الطريق دلوقتي."

استمعت أمل الرسالة وهي حزينة، فهو بالفعل أبلغها بذلك منذ أسبوع واتفقا سويًا أنهما يذهبان معًا إلى الإسكندرية، وبعد انتهاء المؤتمر سيأخذها بجولة رائعة داخل تلك المدينة الساحرة، عروس البحر المتوسط المعروفة بالإسكندرية، لمدة ثلاثة أيام. أحبت أن تزعجه مثلما فعل، فهي واثقة بأنه يعلم بحزنها الشديد الآن لعدم ذهابها معه. فبعثت رسالة رغم أنها تعلم جيدًا سيغضب منها:

"بالتوفيق، أنا كمان مش هكون موجودة، بكرة أول يوم ليا على قناة إنارة وهقدم البرنامج على الهوا، يعني من أول اليوم هكون برا." بالفعل سمع سامر الرسالة وغضب، لأنه كان ينوي الحضور معها ذلك اليوم ليحتفلا سويًا بتلك المناسبة، فأمل منذ تخرجها من كلية الإعلام وتمنت أن تحصل على وظيفة مقدمة برامج في إحدى القنوات الفضائية. بعث رسالة صوتية غاضبة: "والمفروض كنت أعرف امتى لما أشوفك على الشاشة؟ هو ده اتفاقنا يا أمل؟

لامت أمل نفسها كثيرًا لعدم إبلاغه، فمن المفترض عليها معرفته مسبقًا. صمتت قليلاً تفكر. هل من الممكن يحدث سامر والدها ويبلغه رفضه بذهابها؟ فهي أكدت لوالدها بالأمس أن سامر موافق على ذلك. فحاولت تغيير أسلوبها لإرضائه، فهذا حلمها التي تنتظره من سنين سيتحقق خلال ساعات قليلة: "بجد آسفة، بس سوزان أشقر كلمتني امبارح متأخر وكنت ناوية أعرفك النهارده." وأكملت باستعطاف:

"وانت عارف بحلم باليوم ده من زمان، ارجوك يا سامر، عرف بابا إنك موافق وانت بتقول له على اليوم اللي هتيجي فيه." رق قلب سامر وهو يحدثها، فنبرة صوتها أوصلت إليه فرحتها تلك، فهو لا يريد إحزانها: "حاضر يا مولي، هقول لعمي إني موافق، بس بشرط، لما أجي تعرفيني إيه اللي مزعلك مني، وكمان متروحيش لوحدك." حدثته بفرحة لتفاهمه رغم حزنها منه: "شكراً يا سامر، شكراً أوي." "متقلقش مش هكون لوحدي، عمرو قال لبابا إنه هيكون معايا."

سعد لفرحتها كثيرًا، فهذه المرة رد عليها برسالة: "بالتوفيق يا مولي." علقت هي على رسالة النصية بإيموشن قلب كتعبير بالشكر منها له. بعد ذلك أغلقا الاثنان سويًا وهما بحال أفضل عما سبق. بأسفل العمارة يجلس يحيي وبجانبه عمرو ومينا أيضًا بجوار مخبز الخبز. أتى اتصال ليحيي وهو يتحدث معهما. أجاب سريعًا بعدما أخبره المتصل بشيء ما: "بجد يا يوسف؟ مسافة الطريق وهكون عندك." استأذن يحيي من عمرو ومينا:

"تمام يا شباب زي ما اتفقنا، بس هروح مشوار وهرجع لكم نكمل كلامنا." بعد ذلك وقف من جلسته وتحرك في عجالة. في نفس الوقت كان يدلف الحاج سمير شقته وهو حزين على ما علم به بين يحيي وضحى، فهما في معزة أولاده. قابلته زوجته الحاجة سميحة في بهو الشقة وهي خارجة من المطبخ. استغربت ملامح وجهه، فاتجهت إليه وهو يجلس على الأريكة ووقفت مقابل له، سألته: "خير يا أبو سعد، وشك متغير ليه؟ في حاجة حصلت في المعرض ولا حد من الولاد عكر مزاجك؟

قالت جملتها الأخيرة وهي تجلس بجانبه: "مافيش حاجة يا أم سعد، تعبان شوية." تحدثت الحاجة سميحة وهي مبتسمة: "عليا بردو يا حاج، ده أنا أعرف أفرق إذا كنت تعبان ولا حاجة مزعلاك." فوصلت حديثها وهي تربت على قدمه بحنو: "مالك يا سمير، طمن قلبي وما تقلقنيش عليك." استغفر ربه عدة مرات، فتحدث قائلاً: "من شوية عرفت إن يحيي وضحى هيطلقوا." أصابت الحاجة سميحة بيدها على صدرها دون وعي وهي تهتف بتأثر:

"يا ساتر يا رب، حصل امتى وإيه اللي جرا؟ يا حبيبتي يا ضحى، ديه الفرحة كانت مش سايعاهم هما الاتنين يوم خطوبتهم ويوم كتب كتابهم. أكيد ديه عين وصابتهم." أكملت حديثها بحزن: "ويا ترى نادية عاملة إيه دلوقتي، بعد ما بنتها هتطلق؟ أكيد يا قلب أختها هتتجنن."

وأثناء حديثهما هذا، كانت تخرج سناء من غرفتها بخطوات بطيئة كمثل طفل صغير يتعلم المشي حديثًا، متجهة إلى غرفة المعيشة حتى تشاهد التلفاز لضيقها الشديد من الجلوس بمفردها داخل غرفة نومها. صرخت بألم عندما استمعت لحديث والدتها: "بتقولي إيه يا ماما؟ ضحى ويحيي؟ طب إزاي؟ قام والدها بلهفة من جلسته، ومن قبله والدتها متجهين إليها. فسندتها يدي الحاجة سميحة قبل سقوطها أرضًا، فقدامي سناء لم يقدر على الوقوف بعد سماع ذلك الخبر المشؤوم.

أتى والدها بمقعد خشبي من مقاعد السفرة ووضعه خلفها، متحدثًا بقلق: "اهدي يا سنسن، صحتك يا بنتي، أنتي لسه طالعة من أيام صعبة." لم تتوقف سناء عن البكاء والمطالبة بالذهاب لشقة ضحى، فهي يجب عليها عدم تركها بعدما علمت سبب بعدها عنها تلك الأيام الماضية، فكلما تتصل عليها لتعنفها عن عدم الحضور إليها لتجلس معها، كانت ضحى تخبرها بأنها مريضة بعض الشيء وقريبًا ستأتي إليها وتعوضها غيابها ولن تتركها.

وبرغم صوتها المبحوح من كثرة البكاء، لكن لم تعلق سناء لإقناع حالها بأن السبب مرضها ليس إلا. حاولت الحاجة سميحة تهدئة سناء، ولكنها لن تتوقف عن البكاء وكثرة الإلحاح بالذهاب لضحى. أسكتها والدها بأنها ستذهب إليها، وبالفعل أسندتها والدتها وتحركا سويًا باتجاه شقة ضحى. طرقت والدتها باب الشقة وما زالت ممسكة بسناء. فتحت والدة ضحى الباب وعيناها حزينتان. فأول جملة نطقتها سناء: "ضحى فين يا خالتي؟ أمسكت الحاجة نادية يد سناء قائلة:

"ادخلي يا سنسن، تعبتي نفسك ليه يا قلب خالتك." هتفت سناء بحزن: "تعبت نفسي إزاي بس يا خالتي، ديه ضحى أختي، هي فين؟ جلست الحاجة سميحة على أقرب أريكة وتركت سناء مع والدة ضحى حتى توصلها للغرفة. طرقت الحاجة نادية باب الغرفة تستأذن للدخول. أجابت ضحى بصوتها الحزين: "ادخلي يا ماما." بالفعل دلفت وبيدها سناء، التي عندما رأتها ضحى جرت عليها وأمسكت بها لتجلسها على الفراش، معاتبة إياها: "إزاي تيجي وتتعبي نفسك؟

أنا كنت هجيلك كمان شوية." هتفت سناء بقلق: "مش مهم مين راح لمين، المهم قوليلي اللي سمعته ده صح؟ معقول إنتي ويحيي... صمتت سناء عن الحديث وبكت. فهي لا تريد نطق تلك الكلمة الثقيلة على لسانها. جلست ضحى بجوارها وتركتهما والدتها مغلقة الباب وراءها. "خلاص يا سنسن، ما فيش نصيب. يحيي مابقاش يحبني وشكله هيرجع لـ غادة." بعد ذلك ارتمت بداخل أحضان سناء وانهارت باكية، فقلبها لن يستوعب تلك الصدمة.

ربتت سناء على ظهرها، فهي مثلها منهاره، وعقلها غير مصدق أن يحيي يتخلى عن حب الطفولة بتلك السهولة. فسألتها بريبة: "يحيي اللي قالك كده ولا ده استنتاج منك؟ خرجت ضحى من حضن سناء وهي تمسح دموعها المنهمرة على وجهها: "ما قالش غير مش هينفع نكمل مع بعض، بس وجود غادة في الوقت ده مع كلامه ليا أكدلي كده." أكملت حديثها بتيه:

"أنا مش عارفة أفكر ولا متخيلة حياتي من غير يحيي. هتجنن يا سنسن، نفسي أعرف إيه اللي بيحصل معايا ده، مش قادرة أصدق والله ما قادرة." أخذتها سناء بين أحضانها، ملمسة على ظهرها وهي تقرأ بعض الآيات القرآنية حتى تهدأ. بالفعل هدأَت وبدأت تغفو وهي تحدث حالها: "لا أعرف ماذا فعلت لتتركني، لكني يقيني بالله طمأنني. أنني ما زلت أعيش بداخلك، وأن حبي بقلبك ساكنك."

وبعد حوالي عشرة دقائق غفت تمام، فأعدلتها سناء بعض الشيء وغفت بجوارها هي الأخرى، داعية الله أن يزيح الهم والحزن من قلب صديقتها. وتتوالى الصدمات والحياة مستمرة. بعد حوالي ساعة، يجلس والد ضحى في بهو الشقة يتحدث بهاتفه: "خلاص يا ابني، الساعة ٨ الصبح هنكون في انتظارك. مع السلامة." اقتربت منه زوجته وعيناها ذابلتان من كثرة البكاء على ما وصلت إليه ابنتها الوحيدة. وضعت ما بيديها على المنضدة الموضوعة أمامهما، سألته إياه:

"بتكلم مين يا محسن؟ أوعى تقولي يحيي جاي الصبح عشان... صمتت لعدم قدرتها على تكملة الجملة. تحدث والد ضحى سريعًا قبل أن تبدأ زوجته في نوبة بكاء مجددًا، فكفى الأيام السابقة هي وضحي اللاتي قطعن أنباط قلبه من كثرة الحزن، فقد شاهده داخل أعينهما، مما جعل إحساسه بالعجز يراوده في كل وقت. تحدث نفيًا:

"لا يا نادية، مش يحيي اللي كان معايا على الموبيل، ده وليد ابن اختك كلمني امبارح يطمن علينا وعرف بالموضوع، فأقترح عليا ياخدك انتي وضحي إسكندرية كام يوم تغيروا جو على ما نشوف هنعمل إيه. ادي كل الحكاية." أخذت الحاجة نادية نفسًا عميقًا حتى تهدأ، ووصلت حديثها: "طمنتني يا محسن، أنا خايفة من اليوم ده أوي، بنتك مش هتستحمله." فدعت ربها أن يغير الأقدار ويسعد قلب ابنته.

تنهد الأستاذ محسن بضعف لتذكره مظهر ضحى وقتما تحدث معها يحيي وهو واقف قليل الحيلة، ولم يقدر على حجب الحزن حتى لا يصل إلى قلبها. آمن وراء زوجته متمنيًا داخل ذاته صلاح الأحوال للاثنين. فاقت سناء من غفوتها وهي بجانب ضحى التي ما زالت نائمة مثل الملاك البريء. مالت عليها مقبلة وجنتها، ثم قامت من الفراش بسكينة حتى لا تزعجها، واقتربت من باب الغرفة بخطوات بطيئة، فاتحة إياه، وبعد ذلك أغلقته بهدوء.

قبلتها الحاجة نادية ومسكت بيديها حتى خرجًا لبهو الشقة، فسألتها: "ضحى عاملة إيه يا سناء؟ لسه بتعيط؟ ربتت سناء على يدها متحدثة بابتسامة: "متقلقيش يا خالتي، هي نايمة دلوقتي وإن شاء الله هتقوم أحسن." هتفت والدة ضحى مناجية ربها أن يحدث ذلك. ثم أوصلتها إلى باب شقتها. وبعدما جلست سناء مع والدتها ووالدها لتطمئنا على حال ضحى، دلفت لداخل غرفتها وأمسكت هاتفها واتصلت على سيف وهي غاضبة للغاية. أجاب سيف على الاتصال سريعًا

وتحدث بحب: "سنسن قلبي، وحشاني حبيبتي، حقك عليا مقصر معاكي بقي لي كام يوم." مكملاً حديثه: "بس بالكتير يومين هاجي لك عشان بجد مشتاق أشوفك أوووي." هتفت بغضب أكبر دون سابق إنذار: "وأنا مفروض عليا أصدق كلامك ده؟ انسي سناء الهبلة اللي بيضحك عليها بكلمتين، خلاص راحت لحالها." "إنما من دلوقتي في سناء اللي بتفهم ولا يمكن حد يضحك عليها، سيف، أدام يحيي هيطلق ضحى يبقى طلقني."

سكون تام خيم على المحادثة الهاتفية، لا أحد ينطق منهما بكلمة. تحدثت مستفسرة: "الو، سيف أنت سامعني؟ أجاب عليها سيف بأعصاب هادئة: "سامعك يا سناء، اتفضلي كملي." استغربت سناء من ردة فعله تلك، متسائلة إياه: "أكمل إيه؟ ما أنا قلت لك طلقـ... لم تكمل تلك الكلمة التي جعلته غير واعٍ لمن حوله بالمكان، متحدثًا بصوت جهور من شدته جعل جسدها ينتفض ويقع الهاتف من يدها، ولكنها سريعًا ما أمسكته واضعة إياه على أذنها بارتباك شديد خوفًا

أن يعسفها أكثر من ذلك: "يعني قلتيها مرة وسكت، فحضرتك تهدئي؟ لا، ازاي لازم تحرقي دم أهلي وتقوليها تاني ولا همك." "مع إني منعتك تنطقيها أصلاً يوم لما اتصالحنا اللي هو من كام يوم، بس لما سمعت صوتك متعصب وقولتيها أول مرة قولت أكيد عشان زعلانة وحسيتك مضايقة على ضحى، عديتها." "لكن تتمادي وتكرريها من غير داعي، مش هسمحلك يا سناء، سمعاني؟ مش هسمحلك."

"أنا مش كتابي عليّ، كان عرض نازل على جوز يحيي وضحى، فلما يتخانقوا نتخانق أو يسيبوا بعض، فإحنا معاهم." "يا ريت تعقلي وتبطيلي شغل الجنان ده." سمع كتم شهقتها التي توحي ببكائها الصامت. انفطر قلبه عليها، فسب يحيي في سره بأفظع الشتائم. فحاول يحدثها بهدوء لعلها تتوقف عن البكاء: "سنسن حبيبتي، كلميني، ده أنا سيفو حبيبك، عشان خاطري ما تعيطيش وردي عليّ." تحدثت سناء بتلعثم شديد وهي تمسح عيناها من الدموع:

"حااا حاضر ياا سـ سيف مشش هـ هقولهاا تاااني خلاااص بـ بسس ااناا زعلانه عـ علي ضححي شـ شكلهااا حـ حزينه ا اووي." كرر سيف جملتها الأخيرة التي توصف بها حال ضحى كأنه يريد يوصل هذا لأحد يجلس معه. وهتف قائلاً: "طب اهدي عشان ماتتعبيش." "وادعيلهم ربنا يصلح ما بينهم." فواصل حديثه محذراً برفق: "قطتي الجميلة، ممكن ما تقوليش تاني الكلمة اللي بتعصبني عشان حبيبهُ ما يزعلش منه، ماشي؟

شقّت ابتسامة صغيرة على ثغرها، فهو بالفعل نجح بتلك الكلمات القليلة بإخراجها من هذه الحالة السيئة للأفضل. "آسفة حبيبي، مش هقول تاني كلمة طلقـ... سمعت صوت سيف ينطق اسمها كتحذير: "سنااااء." أجابته سريعًا: "حاضر حاضر، مش هقولها تاني آخر مرة، بس قولي هتيجي امتى؟ وحشتني." هتف بغرام أدنى قلبه: "بعد كلمة وحشتني ديه، مسافة السكة وهكون عندك. سلام مؤقت يا وجعة قلبي معاكِ." -أتى صباح اليوم التالي.

دقت الثامنة صباحًا بساعة الحائط المعلقة ببهو شقة الأستاذ محسن. فـ نادى بصوت عالٍ قليلاً: "يلا يا نادية، وليد بقي له ربع ساعة واقف تحت، ده جزاته إنه جه قبل الميعاد بربع ساعة." أجابته الحاجة نادية وهي تخرج من غرفة ضحى: "خلاص أهو يا محسن، جهزنا، كنت بقفل سوستة الشنطة بتاعة ضحى." ثم مالت بالقرب من أذن زوجها متحدثة بصوت منخفض:

"كنت بقنع بنتك على سفرنا لإسكندرية، بتقولي مش يمكن يحيي يضايق إني رحت من غير ما يعرف وكمان مع وليد." فأكملت بحزن: "يا قلبي أمها، لسه خايفة على زعله بعد ما خلاص هيطلقوا." وجاءت تبدأ في نوبة البكاء إلا واسكتها زوجها بترجي: "نادية أرجوكي، إحنا عايزين ضحى تخرج من حزنها اللي بقى لها كام يوم فيه، وبالنسبة ليحيي ما تشغلوش بالكم بيه، أنا هتصرف معاه، وبعدين أدام أنا موافق محدش له حاجة عندها." حاول إنهاء هذا

الحوار لقدوم ضحى إليهما: "خلاص يا نادية، بنتك جاية." ثم نظر لابنته بابتسامة قائلاً: "حبيبة بابا جهزت خلاص، بس إيه القمر ده؟ قابلت حديث والدها بابتسامة هادئة ورقيقة: "حبيبي اللي دايماً بيقولي أحلى كلام." فقبلت وجنته وأكملت: "ما تيجي معانا يا محسن، أصل هتوحشني أوي." وضع يده على كتفيها وأدخلها بأحضان قائلاً:

"قلب محسن إنتِ، عندي شوية شغل هخلصهم بسرعة وهحاول أجي لكم على طول، بس المهم عايزك تستمتعي بوقتك وما تفكريش في أي حاجة، إنتي عندي أهم من الدنيا وما فيها." فأخرجها من حضنه مقبلاً رأسها: "قلب بابا، مش عايز الحزن يسكن عيونك أكتر من كده، تمام؟ قبلت يد والدها وتحدثت بوجه مبتسم: "تمام يا قلب بنتك، ادعيلي يا بابا عشان أنا تعبانة أوي." "بدعيلك في كل صلاة حبيبتي، الله يحفظك ويسعدك قلبك."

خرجا من حديثهما على رن هاتفه وكان المتصل وليد يستعجلهما على النزول. بالفعل نزل الأستاذ محسن حاملاً الحقيبتين، ووراءه ضحى، وبعدها والدتها. تقدم وليد إليهم وحمل من الأستاذ محسن حقيبة، فسلم عليهم سريعًا، ثم وضعها بالصندوق الخلفي لسيارته ورجع ثانيًا وأخذ منه الحقيبة الأخرى وفعل به مثلما فعل بالأولى، ثم أغلق باب صندوق السيارة واتجه إلى الأستاذ محسن ليصافحه هو ومن معه: "إزيك يا عمي؟ تحدث إليه بوجه مبتسم:

"الحمد لله بخير يا ابني، هنتعبك معانا." هتف وليد معاتبًا: "ده كلام يا عمي، وبعدين تعبكم راحة." فأكمل السلام: "إزيك يا ضحى؟ نظرت إليه وأجابته باختصار وعيون منتفخة من كثرة البكاء: "الحمد لله بخير يا وليد، خالتو مديحة عاملة إيه؟ أجابها مبتسمًا: "الحمد لله بخير، ديه عاملة فرح من ساعة ما كلمتها امبارح وقولت لها إنكم جايين إسكندرية، اللي هتنور بيكي انتي وخالتي." هتفت الحاجة نادية:

"ده منورة بيكم وبأهلها يا ابني، عامل إيه حبيبي؟ كاد يجب وليد إلا وراء ضحى ناظرة لشيء أمامها. فنظر خلفه ووجد يحيي يخرج من بوابة عمارته وينظر لضحى أيضًا. كانت عيون ضحى تنظر له بشوق رغم حزنها منه، وكادت تذهب إليه وترتمي بأحضانة وتعاتبه إياه عن بعده عنها كل هذه الأيام وتقول له أيضًا وبقلبي جرح لكني لازلت أحبك. إلا ووجدت غادة تخرج من وراءه وتبتسم له، فتكلما سويًا، ثم تحركا اثنيهما من أمام العمارة متجهين لخارج الحي.

غرز سكين نصله حاد بقلب ضحى وهي تتابع هما بعينيها، فحقًا هذا المشهد الذي يدمي القلب، أكد لها إحساسها بأن سبب إبعاد يحيي عنها هي غادة. تغرغرت مقلتيها بالدموع وحدثت حالها قائلة: "وسط كل القلوب اختارت قلبك ليجرحني..... وبرغم كل العيوب لن أقدر على بعدك يا جارحني..... ما زال لك مكان في قلبي أتمنى أن يغلق ويهجرني..... حتى أحاول أنساك وأعيش حياتي بلاك... تابع الجميع ذلك المشهد في صمت، ثم رأوا دموعها، فحزنوا كثيرًا.

حاول وليد أن ينهي هذا، فتحدث سريعًا: "يلا يا خالتي عشان نتحرك، وإنتي يا ضحى يا ترى هنول الشرف وتقعدي جنبي ولا هتقعدي ورا؟ جلست الحاجة نادية بالخلف قبل أن تجيب ابنتها. فنظرت ضحى لوليد وأجابته وهي تزيل الدموع المتواجدة بوجهها مع ابتسامة ضعيفة بقلب مجروح تحاول مداواته: "ماما خلاص قررت." ثم التفتت خلفها وعانقت والدها كأنها تكتسب منه القوة تعويضًا عن ما سُلب منها حتى تقدر على ما هو آت، دون أن تتفوه بكلمة.

أحس هو ما تريد قوله، فبدلها نفس العناق كأنه يؤكد لها سوف يظل سندًا وعونًا طيلت حياته مهما حدث. تركا بعضهما وما زال الصمت سائدًا عليهما. فتحت باب السيارة الأمامي وهي تنظر للمكان الذي كان يقف به يحيي، محدثة حالها: "وسلامًا على الغائب عن عيني والحاضر بقلبي." ثم استقلت السيارة وأغلقت بابها. تنهد وليد بأسى واستقل سيارته هو الآخر وقادها بعدما ألقوا السلام جميعًا على الأستاذ محسن الذي دعا الله أن يبلغهم السلامة.

خرجوا من الحي متجهين إلى الطريق العمومي حتى تبدأ تلك الرحلة التي بدايتها هكذا، أما نهايتها فلا يعلمها إلا الله. قاد وليد بالسيارة أمام جراج الحي الذي يتواجد به يحيي داخل سيارته، وبجانبه غادة التي تحدثه معتذرة بأنها ستكون سببًا في تعطيله. تحدث يحيي وهو لم ينتبه لحديثها بأكمله لأنه قد شرد قليلاً، فأجاب على ما سمعه: "ما فيش تعطيل ولا حاجة، أنا كده كده هعدي على شغلك وأنا رايح شركتي. أما بالنسبة للمحامي فـ ده سيبه عليا."

"ليا واحد صاحبي محامي شاطر جدًا اسمه حمزة كامل، وبإذن الله هيعرف يجيب حقكم من عمك." "إن شاء الله، يومين تلاتة بالكتير وهيجي البيت ويقعد معاكم وتعرفوا تفاصيل الموضوع كله." شكرته غادة على كل ما يفعله معها ومع عائلتها، ولكن بداخلها تلوم نفسها ألف مرة في الدقيقة على ما فعلته به وبناء عليه تركته للعمل. حاولت كثيرًا الاعتراف له كي تريح ضميرها وتفعل ما أوصى به والدها قبل وفاته، ولكنها خائفة من ردة فعله عليها. فهدأت قليلاً

وحدثت حالها: "سأشجع ذاتي يومًا وأحكي لك قريبًا يحيي، وأتمنى أن يسامحني الله وأنت تصفح عني." تحرك يحيي بسيارته متجهين كلا منهما إلى وجهته. بعد مرور حوالي ساعة ونصف من تحرك وليد من حي الغمري، ويقف الآن بإحدى محطات البنزين المتواجدة على الطريق الصحراوي ليمول سيارته، تركها للعامل وبداخلها خالته وابنتها. وذهب هو للكافتيريا حتى يجلب منها بعض علب العصائر والبسكويت والشيكولاتة لهما وكوب من قهوة له.

اهتز هاتفه الموضوع بجيبه معلنًا بأن لديه اتصال، فهو قد جعله على وضع الصامت بسبب ذاك الشخص الذي يتصل به للمرة العشرين بعد المائة. وضع بأذنه سماعة البلوتوث الخاصة بهاتفه، ضاغطًا على زر بدء المكالمة قائلاً: "وجعت دماغي يا جدع من ساعة ما ركبت العربية، مش قد الزعل بتزعلوا غيركم ليه؟ فقهقه بصوت عالٍ مما استفز به المتصل وجعله يريد خنقه. "أنا خلص يا وليد، طمني ضحى عاملة إيه؟

كان هذا سؤال يحيي الذي يتحدث بلهفة واشتياق، وبجانبهما خوف وقلق على محبوبته الغالية، فقلبه يتمزق من وقتما رآها صباحًا والدموع داخل عينيها. هتف وليد مصطنع الجدية: "وليد حاف كده من غير ألقاب؟ اسم شركة هو." مكملاً وهو على نفس جديته المصطنعة: "ما هو العيب مش عليك، العيب عليا أنا." هذا ما تفوه به وليد حتى يهدأ يحيي من توتره. ابتسم يحيي دون إرادته لأنه يعلم لماذا يتحدث وليد هكذا:

"طب يا سيادة الرائد وليد الدسوقي، ممكن بعد إذنك حضرتك تطمني على مراتي." فأكمل ضاغطًا على أسنانه: "حلوة الصيغة دي، اخلص وانطق." أجاب وليد ضاحكًا: "الصراحة الصيغة عجبتني، ياريت تقولها دايما عشـ... لم يكمل حديثه عندما سمع صوت يحيي الذي يدل من نبرته نفاد صبره لديه: "وووليد، ما تزقش ياعم، هقولك خلاص." "ضحى مش مبطلة عياط يا سيدي، مع أنها بتعيط من غير صوت." "حاولت أكلم معاها وأشغلها، بس للأسف بترد عليا بالعافية."

"وبعد كده تحوط رأسها على إزاز العربية وتبص بره الشباك وتسرح." طبعًا في سعادتك. تنهد يحيي بألم، فهو يعلم جيدًا أن كل ما حدث بينهما لن يكن سهلاً عليها. ولكن صبرًا حبيبتي، ستمر تلك السحابة السوداء من فوقنا وتشرق شمسنا في سماء حبنا، وقتها سأعوضك عن كل لحظة حزن عشتها بأيام وسنين فرح وسعادة. عاد يحيي من شروده عندما سمع وليد ينادي باسمه. فأجابه وهو يخرج زفيرًا يدل على ضيق صدره على غاليته: "نعم يا وليد، أنا معاك."

حاول وليد إخراجه عما به: "يحيي صدقني، كله هيتصلح. واللي أنت عملته صح جدًا، وإن شاء الله هنعرف قريب مين اللي ورا الاتصالات والرسايل والفيديوهات، بس قوي قلبك شوية." "وبالنسبة لضحى، ما تقلقش، هتكون في أمان. أنا هاخدهم على الشاليه في المنتزه، محدش يعرف عنه حاجة غير اتنين صحابي موثوق فيهم."

"وعينت حراسة خاصة عليهم طول اليوم، يعني متواجدين 24 ساعة بالتبادل، هما قريبين منهم في الشاليه اللي جنبهم، كأنهم بالظبط قاعدين معاهم. ونبهت عليهم لو قدر الله حسوا بأي شيء مريب، يقتحموا فورًا ويبلغوني على طول، وبإذن الله مش هيحصل حاجة." "يحيي، كلنا معاك، وإن شاء الله هنعرف نجيب المجرم ده بأقصى سرعة." "قول ياربي." "يارب يا وليد." ثم بعد ذلك شكره يحيي كثيرًا على وقفته تلك، مؤكدًا له أنه اكتسب صديق بمقام أخ.

وجاء ليغلق معه إلا وتذكر شيئًا، فأكمل سائلًا: "صحيح، عمي محسن، أدّى لضحى الموبيل الجديد؟ أكد له وليد حدث ذلك قبل مغادرتهم من أمام المنزل بالحيف. فسأله ثانيًا: "طب الچاكت اللي اشتريته واديته لك عشان لو بردت في الطريق، لبسته؟ أجاب وليد أنها بالفعل أحست بالبرد وأعطاه لها متحججًا بأنه اشتراه من فترة كبيرة متناسيًا إياه داخل صندوق السيارة ورآه بالصدفة وهي يضع الحقائب اليوم. سعد يحيي بأنه أحضر ذلك الچاكت ولن ينسى أمره.

جاء يحيي يكمل باقي تساؤلاته التي لا تنتهي حتى يطمئن شمس حياته. إلا وصرخ به ذاك المسكين المدعو وليد وطلب منه الرحمة حتى يرتشف القليل من كوب القهوة التي بدأت تتلج أمامه. ضحك يحيي بصوت عالٍ داعيًا الله أن يرزقه بقلب يحبه حتى يقدر كل ما يحسه به الآن. آمن وراءه وليد، جاء يكمل باقي الحديث معه، إلا وسمع صوت خلفه يطلب شيئًا: "وليد ممكن بعد إذنك تعرفني مكان الحمام، عايزة أغسل وشي وأظبط حجابي."

صمت تام يجوب داخل يحيي كأن لا يوجد أحد بالعالم أكمله غيره ومعه شمسه الذي يستمع لروحها السارحة في عالمه الافتراضي الخاص بهما. حقًا مجبر على تحمل هذا البعد اللعين المغصوب عليه. يود الآن أن يراها أمامه بعد سماع صوته الحزين ليدخلها بين أحضانه ويخفيها عن ظلم الدنيا التي تسببت في جراحها. تحمحم وليد، فقد فاجأته بحضورها، فلم يعرف أيغلق مع يحيي أم ماذا يفعل؟ أحس يحيي بما يدور بذهن وليد، فتحدث بترجي:

"وليد ارجوك ما تقفلش، عاوز أسمع صوته، روح معاه، ما تسيبهاش تروح لوحدها." أجاب وليد بكلمة واحدة ليؤكد ليحيي أنه سمعه جيدًا: "تمام." فكررها مرة ثانية ردًا على طلب ضحى: "تمام، يلا أوصلك." هتفت هي بخجل: "لا يا وليد، عرفني بس أمشي منين." تحدث برفض دون نقاش: "ما ينفعش أسيبك، اتفضلي قدامي." ابتسم يحيي على شمسه الخجولة. بالفعل تحركا سويًا وكان يتحدث معه وليد لتجيب عليه ويسمع يحيي صوتها بناءً على طلب منه، فحدث حاله قائلاً:

"لا توجد كلمة عن العشق توصف حبي إليكِ... لا توجد غنوة في الحب توصف شعوري نحوكِ... أنتِ العشق والحب والهوى... أنتِ شمسي وحياتي وغرامي... سامحني لو قسيت عليكِ... فـ أنا مجبور ياشمسي.... ولكن مهما بعدتنا الأيام.... وطالت الليالي.... أنتِ حبيبة عمري وقمري الغالي..... وبعد فترة قليلة تحرك وليد بسيارته من ذلك المكان متوجهًا إلى شاليه المنتزه. بمطار القاهرة الدولي، يعلن بالميكروفون الداخلي بالصالة عن وصول رحلة رقم...

القادمة من ألمانيا. بعد حوالي نصف ساعة من وصولها، كان يقف عادل خارج المطار في انتظار سيارته الخاصة التي يقودها أحد سائقي شركته المتواجدة بمصر. لحظات قليلة وأتى السائق، فاستقل عادل بجانبه بعدما ألقى عليه السلام وسائلاً عن أحواله. أجابه السائق: "حمداً ربه على كل حال." ابتسم له عادل على الرضا الذي يظهر في حديثه ووجهه المبتسم. فشرد عادل قليلاً، ثم رفع عينه للسماء داعيًا الله دون صوت أن يوفقه فيما هو آت إليه.

ثم انطلق السائق بالسيارة بعدما أبلغه عادل المكان المتجه له. داخل حي الغمري، يجلس الحاج رشاد أمام المخبز مثل كل يوم، ومعاه أصدقاؤه الحاج سمير والمعلم علي يتحدثون في أحوال كثيرة. تقدم من جلستهم مينا ملقيًا السلام عليهم، فردوا جميعًا، ثم وجه حديثه للحاج رشاد: "عم رشاد، بعد إذنك أبويا كان عاوز يستشيرك حضرتك في حاجة، فـ بيستأذنك تيجي البيت عندنا لأنه تعبان شوية مش قادر يجي لغاية هنا." وقف الحاج رشاد سريعًا سائلًا بقلق:

"خير يا ابني، أبوك تعبان إزاي؟ وبدأت التساؤلات تنهمر على مينا من الحاج سمير والمعلم علي عن صحة أبيها. أجابهم مينا مطمئنًا إياهم أنه بخير، لكن يوجد لديه ألم أسفل قدميه لوقوفه المستمر على عربة الفول لفترة كبيرة يومًا. حمدوا الله جميعًا ودعوا الله أن يرزق عم جرجس الصحة والعافية، ثم استأذن الحاج رشاد ذاهبًا باتجاه المنزل ويسبقه مينا. تقدم مينا وفتح باب الشقة طالبًا من الحاج رشاد الدخول لداخل.

حمحم الحاج رشاد قبل دخوله قائلاً: "يا ساتر." كان في استقباله عم جرجس وشخص آخر لم يتوقع وجوده هنا، ومن غيره ولده الكبير يحيي. بمكان آخر بنفس الوقت، تتواجد أمل داخل مدينة الإنتاج الإعلامي بعدما أوصلها عمرو بسيارته على موعد لقدومه لها وقتما تنتهي من تصوير البرنامج، وعندما تهاتفه سيأتي لها سريعًا.

تجلس أمل الآن في إحدى الغرف التابعة للاستديو الخاص بقناة الإنارة، ومعها فريق الإعداد والتصوير الخاص بالبرنامج، ومعهم أيضًا المخرج يتناقشون كيف سيتم إدارة الحلقة الأولى من برنامجها، وتجلس بجوارها صديقة الدراسة والمهنة سوزان أشقر لتدعمها، فأمل خائفة كثيرًا وكانت تتمنى وجود سامر معها الآن. اقترب موعد ظهورها على الهواء وبدأ التوتر يلاحقها.

أمسكت سوزان يد أمل مربتة عليها وبدأت تحكي لها كيف كان إحساسها في أول يوم تظهر فيه على شاشة التلفاز، وكان هذا بمثابة دعم لأمل. دق هاتف سوزان، فنظرت لشاشته، ثم استأذنت أمل لتجيب عليه وتأتي لها سريعًا. أومأت أمل لها، ثم أخرجت المصحف الشريف الخاص بها من حقيبتها وبدأت في قراءة القرآن الكريم، فهَدَأَت كثيرًا عما كانت عليه. يقف يحيي أمام والده وبجواره عم جرجس الذي بدأ بالحديث حتى يقلل من توتر الموقف:

"اتفضل يا حاج رشاد، نورتنا." هتفه باحترام: "منور بأهله يا أبو مينا، خير، كنت عاوزني في إيه؟ تحدث عم جرجس وهو مبتسم: "يعني هنتكلم واحنا واقفين يا حاج، اتفضل اقعد الأول، ولا انت مش عايز تشرب شاي من إيد أم مينا؟ أجابه بوجه بشوش: "طبعًا هشرب، تسلم إيدها مقدماً." فطلب عم جرجس من مينا أن يذهب إلى والدته ليخبرها بعمل الشاي للجالسين.

وبالفعل جلس الحاج رشاد ومقابل له عم جرجس، أما يحيي ما زال واقفًا بقلق خوفًا أن لا يصفح عنه والده. فوجه عم جرجس الحديث إليه: "واقف ليه يا يحيي؟ اقعد يا ابني." أجاب يحيي وهو ينظر لوالده: "مستني الحاج يقولي." تحدث الحاج رشاد بتهكم: "من امتى بستأذن ولا حتى بتسأل قبل ما تعمل اللي انت عايزه." اقترب يحيي من مقعد الحاج رشاد وجثا على ركبتيه أرضًا مقبلاً يد والده:

"حقك عليا يا بابا، الموضوع جه فجأة ومعرفتش أقول لك، والصراحة أكتر خوفت تعترض، بس الحكاية غير اللي فهمته خالص." قام عم جرجس من مكانه مستأذنًا حتى يتحدثا بمفردهما، ثم وجه حديثه للحاج رشاد: "اتكلموا براحتكم يا حاج، البيت بيتكم." وبعد ذلك أتى مينا ممسكًا بيده صينية عليها كوبين من الشاي، واضعًا إياها على المنضدة المقابلة لهما، وتركهما هو الآخر. قام يحيي من مجثه نصب قامته أمام والده، فبدأ الحديث متلجلجًا:

"بابا،،،، الحقيقة أنا،،،، مش هطلق ضحى ولا ناوي أعمل كده لأخر يوم في عمري." قطع والده باقي حديثه بجملة صغيرة: "طب ما أنا عارف إنك ما تقدرش تعمل كدة." استغرب يحيي من حديث والده متسائلًا بحيرة: "معنى كده إن حضرتك مش مصدق اللي اتقال من الأساس؟ فأكمل بنفس الحيرة: "طب عرفت إزاي يا بابا؟ ابتسم الحاج رشاد وهو يقف أمام يحيي مربتًا على كتف ولده وأجابه:

"أنا غلطت مرة معاك زمان وحكمت عليك ظلم بسبب شاهين الله يسامحه، وقتها لمت نفسي كتير، ومن يوم الموقف ده عهدت نفسي مهما حصل منك لا يمكن أحكم عليك غير لما أسمعك الأول." أخرج يحيي زفيرًا قويًا وأخرج معه عبء ثقيل كان بداخله لتلك اللحظة: "يااااه يا بابا بجد مش قادر أقولك شيلت من عليا حِمل كتير إزاي،،،، بس قولي أومال تطردني من البيت ليه؟ تحدث والده بجدية بعض الشيء:

"أنا طردتك لسببين، الأول حالة والدتك، زعلتي أوي، والسبب التاني حبيت أقرص ودانك عشان بعد كده ما تعملش حاجة غير لما أعرف أساسها الأول، يعني من الآخر اعتبره دكتاتور." حضن يحيي والده وتحدث بسعادة بالغة: "دكتاتور إيه بس يا حاج، ده حضرتك أحسن وأحن أب في الدنيا." ربت والده على كتفه داعيًا له بصلاح الحال وإتمام سعادته مع ضحى العمر بأكمله. ثم طلبه من يحيي أن يحكي له الأمر من البداية.

-داخل استديو قناة الإنارة، سكون تام يعوم المكان. فتحدث المخرج، حيث يظهر تتر مقدمة البرنامج بالشاشة المقابلة لجلوس أمل، حيث يوجد شاشة أخرى عملاقة بجوارها، قائلاً: "3 2 1 هوا." ظهرت أمل بابتسامة مشرقة على وجهها بها سعادة لتحقيق حلمها المنتظر منذ فترة كبيرة، ويوجد أيضًا قلق وتوتر، ولكن حاولت جاهدة أن تخفيهما سريعًا. فبدأت حديثها: "السلام عليكم اعزائي المشاهدين، معاكم أمل الغمري في أولى حلقات برنامجكم (احكي يا شهرزاد)

على قناة الإنارة. البرنامج هيتكلم عن المرأة في جميع المجالات، وهنستقبل أسئلتكم واستفساراتكم عن أي شيء تحبوا تعرفوه، والتواصل هيكون خلال الأرقام الموجودة أسفل الشاشة. هيكون معانا نخبة جليلة من شيوخ أفضال من الأزهر الشريف، وأساتذة واستشاريين في مجال المحاماة، وأيضًا نخبة كبيرة من أمهر وأكبر الدكاترة في جميع التخصصات." "أتمنى البرنامج يكون مفيد لكل بيت مصري، وبالأخص الست المصرية أو من أي دولة عربية."

"نروح لفاصل إعلاني ونرجعكم على طول، ابقوا معانا." تصفيق حاد حدث بعدما نزل على الشاشة فقرة الإعلانات من جميع العاملين بالاستديو، مهنئين إياه متمنين لها مستقبلًا باهرًا في مجال تقديم البرامج. أمل لم تصدق هذا وأحست أنها كسرت الخوف بداخلها، وفي نفس الوقت جاء من يؤكد عليها ذلك. بدون أي مقدمات، ووجدت سامر يقف أمامها بيده باقة من الورد رائعة، يعطيها لها وهو مبتسم، فحدثها بحب قائلاً:

"مبروك يا أجمل مذيعة في الدنيا، ما أقدرش أسيبك في يوم زي ده وما أكونش جنبك." أمل لم تصدق ما يحدث الآن، ظنًا هذا تخيل ليس إلا، لأنها في الحقيقة كانت تتمنى ذلك. أتت سوزان صديقتها بجانبها فسألتها: "إيه رأيك في المفاجأة دي؟ سامر كلمني النهارده الصبح واتفق معايا أنه هيجي بس من غير ما أقولك." نظرت أمل لها لتتأكد مما تراه أمامها الآن: "سوزي، أنتي بتقولي إيه؟ سامر بجد هنا ولا أنا بحلم؟ ضحكت سوزان على طريقة صديقتها الرقيقة:

"ده حقيقة يا مولي، سامر قدامك أهو." فنظرت سوزان لسامر مصطنعة الجدية: "بطل ضحك يا دكتور وكلم مراتك دي، ممكن تروح مننا واحنا عاوزينها تكمل الحلقة، الصراحة." تحدث سامر بلهفة وحب وهو يمسك يديها: "بعد الشر عليها، أنا عاوزها العمر كله معايا، لأني من غيرها ما أعرفش أعيش." فأمسك رأسها مقبلاً إياها وقال: "الله يحفظك جوه قلبي وما يحرمنيش منك أبداً يا حبيبتي." فاقت أمل مما هي فيه على صوت سوزان وهي تصفق قائلة:

"سيدي يا سيدي على الغرام، الله يسعدكم ويبارك لكم في بعض." "هنا تحدث المخرج: "سكوت يلا، فاضل خمس ثواني ونكون على الهواء، اتفضلي أستاذة أمل مكانك والباقي برا الكادر من فضلكم." بالفعل خرج الجميع وتحركت أمل لمكان جلوسها بحال أفضل عما كانت عليه. وقف سامر خلف إحدى الكاميرات يتابعها بعيون كلها سعادة لسعادة حبيبتها.

بدأت أمل في تقديم الفقرة وبعد ذلك عرفت الضيوف للمشاهدين، وكلما ابتعدت الكاميرا عنها تنظر لما خلف الكاميرا الأخرى الموجودة أمامها حتى تأخذ منه الدعم، وبالفعل كان يعطي لها ببزخ. انشغلت أمل مع ضيوفها، في نفس الوقت اهتز هاتف سامر برقم أخته أنعام. حمد ربه أنه كان على الوضع الصامت. تحرك سامر لخارج الاستديو وجاء يبلغ أنعام بأن تغلق الآن وسوف يتصل بها بعد قليل، لكنه سمعها تبكي. انتفض قلب سامر رعبًا سائلًا إياها بخوف:

"أنعام أبويا جرى له حاجة؟ طب أمي؟ اتكلمي يا أنعام." حاولت أنعام تهدئ من بكائها حتى تخبر أخاها: "أمايا تعبانة جوي جوي يا سامر، عينيها ما عادتش تشوف منيهم كويس من كتر البُكا، وكل اللي عليها." "تتجول عاوز أمل، هتولي أمل." استغراب سامر من إلحاح والدته بحضور أمل إليها، ولكن السؤال الأهم، ماذا حدث لها حتى تصل عيونها لتلك الحالة؟ "إيه اللي وصل أمي لكده يا أنعام؟ صمتت أنعام، لم تعرف بماذا تجيب.

قلق سامر من صمتها، فكرر عليها ظنًا بأنها لم تسمعه. فأجابته بطريقة أدرك جيدًا يوجد شيء مريب حدث: "اصل أمايا، يعني، جالت مـ مشش عااارففه اجول إية!! ترجى سامر أخته أنعام أن تتحدث، لأنه بالفعل توتر، لم يقدر على الانتظار حتى يعرف ماذا يحدث هناك. "ارجوك حبيبتي طمنيني وقوليلي إيه السبب." طلبت منه أنعام أن يهدئ أعصابه أولاً حتى تستطيع التحدث. وافقها دون مجادلة. بدأت أنعام تقص له ما حدث:

"فاكر لما أمايا حدّثتك في التلفون وجالت لك ليه ما دلّيتش البلد لدلوقتي انت ومراتك؟ "رديت عليها وجولت لها إن أمل راحت بيت أبوها، ولما سألتك عتيجي ميتة جولت ما عرفش." أجاب سامر مستغربًا: "أيوا فاكر الكلام ده حصل من حوالي تلات أيام، بس أنا مش فاهم يا أنعام إيه دخل الكلام ده في اللي أمي فيه، ارجوكي فهميني." ابتلعت أنعام لعابها حتى تقدر على سرد ما حدث:

"هجول لك أهو، أمايا بعد ما جفلت معاك جعدت تبكي لحد ما بوي عاود من الأرض، اتضايج عشانها جوي وسألها مالك مين مزعلك، بكت أكتر، راح جال لها تعالي نطلع فوق نتكلمو براحتنا." "بعد ساعة أدل بوي وهو عمال يجول إني ما لييش عيشة أهنه في الدار والست اللي فوق ديه ما عاوزاهاشي تاني." تساءل سامر لما كل هذا؟ أجابته أنعام بوضوح:

"اللي عرفناه بعد كده من أمايا إنها حدّثت أمل وجالت لها تجولك وتجمعك تجوز لو بتحبك عشان هي ما هتخلفش واصل، ولما بوي عرف حلف ما يبقيها على ذمته اللي لما تصفح عنها أمل." جن جنون سامر لما استمع به الآن، فـ أخيرًا قد علم لماذا فعلت أمل معه كل ما حدث في هذه الليلة. هتف بغضب شديد مما جعله يريد ضرب رأسه في أقرب حائط خرساني، فتحدث بحزن: "ليه يا أنعام أمي تعمل كده؟ أنتي عارف الكام يوم اللي فاتوا عدوا عليا وعلى أمل إزاي؟

"ليه اتسببت في جرح أمل؟ هي ما تستاهلش ده كله." فأكمل بعشق لم يقدر بأي شيء في الوجود: "أمل عندي بالدنيا ومش حبي ليها اللي هيزيد بالأطفال أو هيقل من غيرهم." "أمل عندي بالدنيا، هي بنتي وحبيبتي وصاحبتي، هي حلم حياتي اللي اتمنيته من ساعة ما شوفتها يوم ما اتولدت." "أمي إزاي تفكر كده؟ فواصل حديثه بتأثر: "يا حبيبتي يا أمل، استحملتي إزاي كل الأيام دي الكلام الجارح ده." "أنا عذرتك يا قلب سامر." وبدأ التأثر بنبرة صوته.

حاولت أنعام تهدئته، ولكن طلب منها الإغلاق الآن وسوف يهاتفها بعد قليل. أغلق سامر الهاتف وما زال متأثرًا. إلا وأحس بيد تربت على كتفه وصوت حنون يحدثه: "سامر أنا آسفة إني خليتك بالشكل ده دلوقتي." فهي قد استمعت لأكثر من نصف المكالمة، فهو لم ينتبه لوجودها. أمسك يديها ووضعها ناحية قلبه قائلاً: "أنا قلبي يموت يوم ما تفكري تبعدي عنه." "أنا لا يمكن أقدر أعيش من غيرك."

"أنا آسف على كل كلمة ماما قالتها لك وكل دمعة نزلت من عينيك." "بس في طلب، وأنتي ليكي مطلق الحرية، ماما عاوزة تشوفك ضروري، تحبي تسافري معايا ولا لا؟ صمتت أمل تفكر لثوانٍ ثم أجابته قائلة: -انتهى البارت السابع والثلاثون. وبك القلب يحيا. أتمنى لكم قراءة ممتعة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...