الفصل 38 | من 48 فصل

رواية وبك القلب يحيا الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم زوزو مصطفى

المشاهدات
19
كلمة
4,775
وقت القراءة
24 د
التقدم في الرواية 79%
حجم الخط: 18

صمتت أمل تفكر لثواني ثم أجابته قائلة: الصراحة يا سامر مش هقدر أسافر، سامحني. حزن سامر بداخله لكنه لم يظهر ذلك، فتحدث وهو يحاول رسم الابتسامة على ثغره حتى لا يحزنها، فكفى ما مرت به الأيام السابقة. براحتك يا مولي، المهم تكوني مش زعلانة، وعشان خاطري سامحي أمي، هي ندمانة إنها زعلتك لدرجة ما بقيتش أشوف بعينيها من كتر الحزن والعياط. تأثرت أمل كثيراً لما وصلت إليه أم زوجها، ولكنها لم تعلق. فأكمل سامر حديثه:

ده غير كمان أبويا زعلان أوي عشانك وساب البيت وقال مش هرجعه غير لما أنتي تسامحي أمي. فواصل الحديث كي يغلق هذا الحوار نهائياً عندما أحس من صمتها لا فائدة منه. خلاص يا أمل، مش هضغط عليكي، المهم خلصتي الحلقة ولا لسه؟ أجابته وهي شارده قليلاً كأنها تفكر بشيء: آه، خلاص الحلقة خلصت، ومواعيد البرنامج زي انهارده من كل أسبوع. أحس سامر من طريقتها في الحديث أنها تائه ونسيت نجاحها في أولى خطوات تحقيق حلمها، فأردف بسعادة حقيقية:

بس بجد يا مولي، كنتي هايلة، ولا كأنك مذيعة من سنين، موفقة يا قلب سامر. ابتسمت أمل بحنو يمحو هموم الدنيا الساكنة بوجدانها، رغم وجود صراع داخلها بين القلب والعقل. فـ علقها لا يريد الذهاب إلى من أحزنتها كل تلك الأيام الماضية. أما قلبها يريد أن تسافر معه دون تفكير لأجل عيون ذاك الرجل الحنون الذي لا يتمنى أي شيء في الكون سوى وجودها بجانبه وسعادتها العمر بأكمله. هتفت وهي تتساءل بسعادة: بجد يا سامر، يعني كنت كويسة؟

أنا ما بثقش في رأي حد قدك، عشان عمرك ما هتخدعني. أكد لها بأنها كانت رائعة، فأكمل سامر حديثه وهو يخرج هاتفه من جيب سرواله. قبل ما نتحرك من هنا، لازم أتصل على عمي رشاد عشان أعرفه إني هوصلك للبيت. ضربت أمل على مقدمة رأسها لتذكرها شيئاً مهماً. يا خبر، أنا نسيت أكلم عمرو، لا وكمان هيجي يلاقيِك واقف معايا، طب هيقول إيه عليا لما يشوفك؟ خلاص، امشي أنت دلوقتي وأنا هاروح لوحدي، وبعدين نتقابل في البيت عند بابا.

قهقه سامر بصوت عالٍ على طريقتها العفوية التي أنسته بعضاً من أحزانه. رفع يده اليسرى أمام وجهها مشاوراً على إصبع البنصر الساكن به خاتم زواجهما الفضي. صدقيني، إنتي مراتي. فواصل حديثه حتى تهدئ. ما تقلقيش، عمرو مش هيجي، اتصلت عليه وأنا جاي في الطريق عشان أطمن أنه معاكي، وعرفته إني هكون هنا وقولتله هروحك البيت كمان. هاه، اطمنتي يا زوجتي العزيزة؟ ابتسمت له على ما فعله وعلى ما تفوه به، ولكنها مازالت حائرة وتسأل حالها.

ماذا أفعل؟! فتح سامر هاتفه وأتى برقم عمه رشاد، ضغط على زر الاتصال. لحظات قليلة وفُتح الخط، فالقى السلام. رد الحاج رشاد السلام عليه سائلاً عن حاله. ازيك يا سامر، عامل إيه؟ أنت لسه في إسكندرية زي ما قولتلي امبارح؟ أجاب سامر بقلق خوفاً أن يغضب منه. الحقيقة يا عمي، أنا في القاهرة من حوالي تلات ساعات، وحالياً مع أمل. الصراحة يا عمي، مقدرتش ما أكونش معاها في يوم زي ده.

تحدث الحاج رشاد وهو يشكره، فقد تناسى كلياً موعد أولى حلقات برنامج ابنته اليوم. بجد يا سامر، الحمد لله إنك كنت معاها، الله يباركلك يابني، أنا نسيت خــــــالص الميعاد بسبب واحد الله يسامحه. فنظر إلى يحيي معاتباً إياه على ذلك. تأسف يحيي بعينه مستعطفاً والده. فأومأ الحاج رشاد برأسه. لـ ولده كعلامة لا شيء عليه، فقد حدث ما حدث. واصل حديثه متسائلاً. اتكلمتم مع بعض ولا لسه يا بني؟

أنا عارف إنك عمرك ما هتزعلها زي ما وعدتني، ومتأكد إن بنتي فاهماك غلط. يا ريت تقعدوا مع بعض في أي مكان وتخرجوا كل اللي جواكم، وبعدين تعالوا على البيت نتعشى مع بعض. سعد سامر لثقة عمه اتجاهه، ومعرفته بمدى حبه الذي وصل لحد العشق لابنته غالية القلب. كل هذا ومازالت أمل تفكر ولم تركز بحديثه مع والدها، لأنها لن تستقر حتى الآن على قرار. أتذهب معه لتطمئن على والدة زوجها؟ أم تعود إلى منزل أبيها حتى يأتي هو من زيارة عائلته؟

واصل سامر حديثه لـ عمه معتذراً. للأسف يا عمي، مش هقدر أجي انهارده أتعشى مع حضرتك، خليها يوم تاني عشان مسافر البلد أطمئن على والدتي تعبانة شويه، يعني يا دوب الحق أودي أمل حي الغمري وبعدين أرجع على شقتي أغير هدومي وأتحرك على طول. تساءل الحاج بقلق حقيقي. خير يا سامر، والدتك مالها؟ طب بقولك إيه، تعالي على البيت عندي وأنا هجهز نفسي وهسافر معاك. تحدث سامر سريعاً، فهو يعلم جيداً صدق حديث عمه.

متتعبش نفسك يا عمي، أنا هسافر أطمئن عليها وهرجع على طول، ولو في حاجة هكلم حضرتك تيجي البلد. تمام يا سامر، وأنا في انتظار اتصلك تطمني عليك أول ما توصل وعلي حالة والدتك. الله يبلغك السلامة يابني، سلملي على والدك وإخوات. تحدث سامر بتأكد. يوصل يا عمي، وإن شاء الله هكلم حضرتك أول ما أوصل، مع السلامة يا عمي. خرجت من شرودها على صوت سامر وهو يحدثها. روحتي فين يا سيادة المذيعة؟ يلا عشان أروحك وبعدين أسافر أنا.

أومأت برأسها فتحدثت قائلة. طب ادخل أجيب شنطتي من جوه وكمان أسلم على سوزان ونمشي على طول. بالفعل دلفت أمل للداخل لتحضر حقيبتها الشخصية، وبعد حوالي عشر دقائق كانت أمام سامر الذي أمسك يديها بتملك عاشق حد النخاع. وهذا ما جعل أمل هائمة من جمال تلك اللحظة لاشتياق روحها إليها كأنها محرومة من عشقه منذ سنين عدة. فـ تحركت معه واستقلا سوياً السيارة، وبعدها انطلق إلى وجهتهما.

بعدما أغلق الحاج رشاد الهاتف مع سامر، نظر إلى ولده يحيي القابع أمامه على المقعد المقابل له في منزل عم جرجس، فتحدث باهتمام. كمل يا يحيي، عملت إيه بعد ما اتبعتلك الفيديو اللي فيه ضحى واقفة في الشارع مع راجل غريب؟ أجاب يحيي على والده. طبعاً، مافيش كلمة قالها الحقـ... ير، أنا صدقتها، حتى الفيديو اللي بعتهولي مافيهوش أي حاجة جواه تدين ضحى، بالعكس، كانت بتتكلم عادي، واللي واقف قدامها كأنه بيسألها على عنوان أو مكان.

لكن كل اللي ضيقني وقتها إن في حد بيراقبها، وده اللي جنني أكتر. وأنا قاعد في العربية، جه في بالي يوسف أخو سيف، هو مهندس إلكترونيات وبيعرف في مواضيع الموبيلات، اتحرك بالعربية واتصلت عليه وقولتله إني عاوزة ضروري، روحتله البيت وسيف كان معانا. حاول يعرف تفاصيل عن صاحب الرقم اللي كلمني، مين أو أي معلومة عنه، لكن للأسف، الو*قـ...

ح كان عامل كل احتياطاته ومكلمني من رقم خاص صعب على أي حد يعرف يوصل له، وده اللي شككني أكتر إن في حد قاصد يعمل كده. وعاوز يفرق بيني وبين ضحى. ساعتها يوسف لما شافني مضايق، طمني إننا إن شاء الله هنلاقي ثغرة نعرف منها مين، لأنه أكيد هيغلط عشان هو من الأساس إنسان مش صح. في نفس الوقت، وليد ابن خالة ضحى رن عليا، كان عاوزني ضروري. فسمع صوتي متغير، عرف إيه في إيه. حكيت له وعرف أنا فين، فطلب مني أستأذن سيف عشان يكون معانا.

وحاول نساعدني ويكلم معارفه، فعلاً بدأ يتصل بيهم ويلفتوا نظرنا لحاجات، ويوسف تواصل معاهم وكونوا فريق مع بعض. وسط ده كله، نسيت أسأله وليد كان عاوزني في إيه. وخلال اللي بيحصل معايا واعصابي المتوترة من مكالمات وشرح خطوات عشان يوصلوا لحاجة، ضحى اتصلت عليا، معرفتش أكلمها، اضطريت أقفل الموبيل خالص لأني مش عاوز أقلقها معايا.

ولما رجعت البيت تاني يوم الصبح، لقيت ضحى بترن عليا، قولت أرد عليها بطريقة هي مش متعودة عليها مني، عشان أبعدها عني شوية ومتحسش بالضغط النفسي اللي أنا فيه. ابتسم والده متحدثاً. ويا ترى أنت قدرت على بعدها قبل منها؟ تنهد يحيي بحزن. للأسف يا حاج أنا تعبت أكتر في بعدها ولسه ما عدش يوم بس هحاول استحمل عشان خايف حد يأذيها وما قدرش ساعتها أعمل حاجة. وده اللي خلاني أحكي لعمي محسن كل حاجة بصراحة عشان نشوف حل نوصل ليه.

والحمد لله عمي تفهم موقفي واتفقنا تسافر عند خالتها فترة لحد ما نعرف مين اللي بيعمل كده. وكمان قولت لعمي ياخد من ضحى الموبيل بتاعها ويديها الموبيل بالرقم الجديد اللي اشترتهم، لأني قلقان يكون الشخص عديم الأخلاق ده مراقب موبايلها وبكده ممكن يأذيها بسهولة. واليوم اللي حضرتك طردتني فيه من البيت، نزلت أنا وعمرو قعدنا قدام المخبز ومعانا مينا.

ساعتها يوسف رن عليا وبلغني إنه قدر هو والفريق اللي وليد عرفه بيه يحددوا المكان اللي ضحى كانت واقفة فيه بالفيديو. روحت ليوسف على طول ووصلنا للمكان وشوفنا الفيديو كاملة من كاميرا مراقبة بمحل كان قريب منها. بعد ما اتكلمنا مع المدير وشرحنا له خطورة الموقف، وافق يوريه لنا. وزي ما توقعت، كان بيسألها عن عنوان أو بالأصح كان بيدعي ده عشان يتصور إنهم كانوا بيتكلموا وعارفين بعض.

بس للأسف وشه ما ظهرش أو أي حاجة مميزة تخصه زي ماركة عربيته أو رقمها، كأن عامل حسابه وقصد ده. حس الحاج رشاد بما داخل ولده من خوف وقلق على عزيزة قلبه، فقام واقفاً من جلسته. ففعل يحيي مثله واقترب من والده الذي ربّت على كتفه ليوصل له الدعم الكامل ومساندته إلى النهاية حتى يعرف من فعل كل تلك الأفعال الوضيعة. فهتف بصوت يملاه الثقة بولده قائلاً...

أنا معاك يا يحيى في أي حاجة هتعملها، لأني واثق فيك وعارف إنك ماشي صح. ولو عاوزني معاك في أي شيء، ما تترددش لحظة. هذه الكلمات أراحت يحيى كثيراً. احتضن والده داعياً الله أن يرزقه العمر والصحة ويجعله سنداً له مدى الحياة. وبعد حوالي ربع الساعة، نادى يحيى على عم جرجس ليجلس معهما. وبعد وقت قليل، قام اثنيهما من المجلس وغادرا المنزل. ***

أوقف وليد سيارته أمام شاليه المنتزه الخاص به، ثم ترجل منها. وبعد ذلك التف ليفتح باب السيارة لخالته. أما ضحى كانت تنظر إلى الشاليه من شباك السيارة وهي مستغربة المكان. ففتحت الباب وهبطت، واضعة قدميها أرضاً، ناصبة قامتها.

ثم نظرت إلى الخلف ورأت البحر الذي تعشقه، فشقت ابتسامة صغيرة على ثغرها وهي تغمض عينيها، ساحبة نفساً عميقاً حتى تحبس رائحة البحر داخل رئتيها لتنعش قلبها الذي مهما كان به أحزان يسعد لرؤيته. فأردفت قائلة.... إيه الجمال ده يا وليد؟ المنظر روعة بجد، كنت محتاجة المكان ده أوي. ابتسم وليد على سعادتها ومزح بثقة... أي خدمة. عشان تعرفي إني بفهمك من غير ما تتكلمي.

أصل حسيت وجود البحر مهم أوي ليكي الفترة دي، لأنه هيكون قدامك على طول يعني أي وقت حابة تنزلي المياه أو تقعدي على الشاطئ براحتك. هتفت ضحى شاكرة إياه على هذه الفكرة الرائعة، وكذلك خالته نادية التي سعدت لابتسامة ابنتها الوحيدة. ثم دلفوا جميعاً إلى الداخل حتى يصافحوا السيدة مديحة. *** بعدما تحرك سامر بسيارته ومعه زوجته متجهان إلى حي الغمري. وهما في الطريق، طلبت منه أمل أن تذهب لشقتهم أولاً لأنها تحتاج لأغراض خاصة بها.

وافقها على الفور وغير مسار السيارة، وهما الآن داخل الشقة. دلف سامر المرحاض الخارجي بعدما طلب من أمل أن تحضر له حقيبة ملابس تكفيه لمدة يومين. حتى ينتهي من أخذ حمام دافئ ليواصل قيادة سيارته إلى أن يصل لمحافظة سوهاج. فهو متعب للغاية، ولكن لم يقدر على البقاء بعدما علم بحالة والدته. بالفعل أحضرت أمل ما طلبه، ولكن فعلت شيئاً آخر دون علمه.

خرج سامر من المرحاض وهو ينشف رأسه بالمنشفة، فوجد حقيبتين بجانب بعضهما في بهو الشقة. لم يبالي، ظناً منه بأن تلك الحقيبة الأخرى سوف يأخذها أمل معها لمنزل والدها. دلف إلى غرفة النوم فلم يجدها، ولكنه سمع صوت الماء داخل المرحاض المتواجد بالغرفة، فعلم بوجودها بالداخل. وجاء ليتجه للخزانة فالقى نظرة على الفراش، فوجد ملابسه قد أحضرتها أمل له بالكامل. ابتسم على اهتمامها به رغم أنهما لم يتصافيا كلياً.

لبس ثيابه ومشط شعيراته ونثر عطره، فهو الآن جاهز للسفر. جلس على مقعد التسريحة الخشبي منتظراً تلك الأميرة التي تربعت على عرش قلبه منذ نعومة أظافرها. فتحت أمل الباب وخرجت وهي مرتدية برنس الحمام وعلى وجهها منشفة تمسحه بها. فأرتجف جسدها مع شهقة عالية عندما سمعت صوت سامر مردفاً بحنو... حمام الهنا يا مولي. مكملاً حديثه وهو يتجه إليها.... اتخضتي كده ليه حبيبتي؟ تحدثت أمل وهي واضعة يدها على قلبها من زيادة ضرباته السريعة....

ما كنتش أعرف إنك هنا، افتكرتك لبست وطلعت بره في الليفنج. أدخلها سامر بأحضانه، مربتاً على ظهرها حتى تهدأ..... اهدي حبيبتي، أنا آسف إني ما نبهتكيش قبل ما تخرجي من الحمام. ثم أخرجها من حضنه ونظر لعينيها متحدثاً بوقاحة لطيفة... بس إيه القمر ده؟ هو إنتي بتكوني حلوة كده بعد كل شاور؟ واصل حديثه وهو يصطنع انزعاجه من درجة حرارة الغرفة العالية....

يااااه على الصهد اللي في الأوضة، اقلعي يا مولي، اقلعي. إنتي مستحملة الحر ده إزاي؟ فكي على نفسك. فمد يده حتى يفك حزام البرنس الموضوع على خصرها بإحكام. فامسكت أمل يده حتى لا ينزعه، مردفة بتحذير مقنع.... ســـامر. إحنا ورانا سفر، مش وقته اللي في دماغك ده. صمت سامر لحظة يستوعب كلمتها تلك سائلاً بترقب.... مولي إنتي قولتي ورانا؟ إنتي هتسافري معايا؟

أومأت أمل رأسها بنعم وهي مبتسمة. أمسك سامر رأسها مقبلاً إياها واردف قائلاً.... حبيبتي يا مولي، طول عمرك قلبك مليان حب لكل اللي حواليكي وبتسامحي بسرعة. أنا مش عارف أوصفلك سعادتي دلوقتي قد إيه. فأكمل حديثه وهو يتجه إلى الخارج... أنا هكلم عمي رشاد، هعرفه إنك مسافرة معايا. قبل أن تجيبه أمل، تذكرت ما حدث منذ قليل بعد دلوفه المرحاض بدقائق. اتصلت على والدها حتى تستشيره فيما وصلت إليه بعد تفكير دام فترة كبيرة.

أول ما فتح والدها الاتصال، سألته أمل بحيرة وتنتظره منه الإجابة التي تتمناها.... بابا أنا عايزة أسافر مع سامر أطمن على والدته، بس في نفس الوقت هي اللي كانت السبب في الزعل بيني وبينه. أجابها والدها إجابة مباشرة تدل على أصالة ذاك الرجل.... مهما كانت اللي عملته، التعب يمحو أي حاجة بينكم. وعشان إنتي بنت راجل رباكي على الأصول صح، فمن الواجب عليكي تروحي مع جوزك وتنسي أي زعل مهما كان حجمه.

وبعد ما تقوم بالسلامة، اتكلموا عشان تصفوا قلوبكم من الزعل. شكرت أمل والدها، فهي بالفعل كانت تريد الذهاب مع زوجها، وبذلك أكد لها والدها على ما تريده أنه الأصح. ثم بعد ذلك أغلقا الاتصال معاً. أوقفته أمل متحدثة سريعاً..... ما تتصلش بـ بابا، أنا كلمته وقولتله وأنت بتاخد شاور، وأكد عليا إنك تكلمه لما نوصل بالسلامة. رجع سامر إليها مرة أخرى وتحدث بحنو..... طب أحبك أكتر من كده إيه؟ تهللت أساريرها واردفت بفرحة قائلة...

أنا مش عايزة أكتر من كده، وكل اللي طلباه من ربنا تفضل معايا وجنبي لآخر العمر. أدخلها بأحضانه مرة ثانية داعياً الله أن يجعلها ساكنة قلبه العمر بأكمله. خرجت من حضنه تحثه على العجلة حتى يلحقا السفر. فهتف إليها بأنه متعب جداً، ولكنه لم يقدر على البقاء هنا ووالدته مريضة هكذا. دعت أمل الله أن يشفيها ويعفو عنها. ثم أتت إليها فكرة تريح زوجها من تعب السفر وبنفس الوقت يسافر ليطمئن على والدته، فهتفت قائلة...

إيه رأيك نسافر بالطيارة عشان ما تتعبش من السواقة وكمان نسافر أسرع؟ وافقها سامر على هذا الاقتراح، فهو بحاجة لتلك الفكرة التي لم تخطر على باله. وبالفعل أمسك هاتفه واتصل على إحدى شركات الطيران. ليحجز تذكرتين على الطائرة المتجهة إلى محافظة سوهاج. أبلغته الموظفة بأن الطائرة ستقلع خلال ساعتين من الآن ومتواجد بها أماكن فارغة.

أكد سامر على الحجز، وبعد حوالي نصف الساعة كان يستقل سيارة أجرة متجهاً إلى مطار القاهرة الدولي ومعه أمل حياته. هما الآن داخل الطائرة يستعدان لتحلقها فوق السحب متزامناً مع تحلقهما في سماء حبهما الأبدي. فامسك سامر يد أمل التي بدلته بابتسامة لن تزورها منذ فترة كبيرة. فحدثت حالها وهي تضع رأسها على صدره ناحية القلب قائلة.... يا فرحة قلبي يا هنايا وحبيبي جنبي ويايا رجعت لي روحي تاني من بعد ما ماتت معايا

مابقاش مكان للحزن في قلبي وهعيش معاك أجمل أيام يا عمري خليني في حضنك دايما وما تبعد عني حتى لو ثانية اتجه عادل إلى منزل والده لكنه لم يكن هناك، فعلم من والدته بتواجده في الشركة، فأضطر أن يجلس معها أولاً قبل أن يذهب إليه، لتخبره كل ما حدث منه ومن ذلك المحامي عديم الضمير ضد زوجة عمه وبناتها.

وبعد ما يقرب الساعتين من جلسة عادل مع والدته، ذهب إلى شركة والده وتحدث معه ولكن بلا جدوى، لاقتناعه الشديد بما فعله مع ابنتي أخيه المتوفي، والدتهما دون تأثر، حتى عندما أكد له عادل بأنه اتصل على عدد من أقربائهم وسأل عليهم ولم يجدهم نهائياً، ولا أحد يعلم عنهم أي شيء، بجانب أنهم ليس لديهم مأوى ليحتموا به، وأن كل ما فعله معهم سيحاسب عليه من الله.

طرده والده من مكتبه وأبلغه عدم المجيء هنا مرة أخرى أو بالمنزل، فليس من حقه أن يحاسبه على فعلته تلك، متحججاً بأنه طلق زوجته دون علمه أو مراجعة في قراره هذا. فبسبب ما حدث تأثرت مشاركته مع والد سارة. ترك عادل الشركة وهو لا يعلم أين يذهب، لحظات قليلة وجاء بباله مكان كان من المفترض عليه أن يتجه إليه أولاً. استقل سيارته في عجلة وانطلق بها إلى وجهته.

يقف عادل الآن أسفل الشركة التي تعمل بها غادة، وسأل موظف الاستقبال عن مكتبها، فبعدما أخبره صعد الدرج وقلبه يسبقه لرؤيتها، فقد اشتاق إليها كثيراً. طرق على باب إحدى المكاتب ثم دلف بعد سماحه بالدخول، سائلاً عن غادة حسين، أهذا مكتبها؟ أجابته الموظفة: بالفعل هو. فنظر بعينه على المكاتب المتواجدة فلم يجدها نهائياً.

رأت الموظفة الحيرة على وجهه، فوقفت من مجلسها واتجهت إليه، ثم أخبرته أنه كان مكتبها، فهي أتت صباح اليوم وقدمت استقالتها. انصدم عادل مما سمعه، فأضاف سؤالاً آخر لعل هذا يريح قلبه: أكانت تعلم بمكان سكنها الجديد؟ أجابته بـ لا، مع استفسار صغير: من أنت؟ أجاب عادل على ذلك السؤال، مع خروج بطاقته الشخصية من محفظته الموضوعة في جيب سرواله،

حتى تطمئن وتبلغه إياه: أنا ابن عمها وكنت مسافر بره ولسه راجع من يومين، ومعرفش عنوانها الجديد وموبيلها مقفول. اعتذرت الموظفة له لأنها لم تكن لديها علم أنها تركت منزلها من الأساس. شكرها عادل ورحل، رغم عدم إفادته بأي شيء، إلا أنها استقالت من عملها فقط لا غير. أحس عادل أن القدر يعانده بشدة ولا يريد جمعه مع من أحبها دون غيرها.

تجلس ضحى على الشاطئ أمام البحر، ومن ورائها الشاليه، ويوجد أيضاً من يراقبها دون أن تشعر من إحدى الهواتف المحمولة بيد شخص يقف في شرفة الشاليه القريب منها، ومن غير يحيي، فقد ألح على وليد إعطائه رقم أحد الحراس حتى يطمئن على شمسها، فقد خرجت من الشاليه دون أخذها هاتفها الجديد.

فيحيي قد طلب من يوسف أن يضع على الهاتف خاصية التنصت قبل أن يعطيه لوالدها، ليكون معها على مدار اليوم، فحدث حاله وهو يراها أمامه بتلك الهيئة المزرية الحزينة، وتمنى لو كان بجوارها الآن، فقال: وقتما ذكرت كلمة الفراق سقط قلبي أرضاً مثل لوح زجاج بعثر لأشلاء.

كانت ضحى تنظر إلى البحر وهي شاردة، تتذكر ما حدث بينها وبين من كسر قلبها في ليلة وضحاها، فتلألأت الدموع بعينيها، ومشهد خروجه من باب منزله اليوم ومعه غادة يعود أمامها الآن، فحدثت ذاتها وهي لم تستوعب بما خيم على قلبها من أوجاع: لم يخطر في بالي يوماً أن تأتي لحظة بدونك لم أتخيل ستكون عليّ قاسياً أن تمحي حبي وتحي ظنونك قلبي لا يقدر أن ينساك لكن لم يقبل أبداً جرحك سأشكي آلامي وأحزاني لمن يسمعني ولن يراني أتيت إليه لكي أحكي

وأرمي به همي وأوجاعي فهو لن يغدر بي أبداً لأنه صديقي الوفي ومن غيره بحر همومي. داخل مكتب صبري أشقر بمبنى جريدة الحقيقة الذي يديرها، يجلس خلف مكتبه الخشبي، ويجلس مقابلاً له شاب صحفي يعطيه ورقة مدون بها طلب إجازة لمدة أسبوع. أخذ منه صبري هذه الورقة وسأله باهتمام، كأنه ولده أو أخيه الصغير: عاوز إجازة تسافر البلد ليه يا شريف؟ طمني والدك تعبان أو حد من عائلتك فيهم حاجة؟

أجاب شريف وهو متأثر: للأسف يا ريس، البلد عندنا بقى لها أسبوع البيوت فيها بتولع لوحدها، والمشكلة إن محدش عارف السبب إيه، لدرجة الجيران بدأوا يسيبوا بيوتهم ويمشوا من القرية. لكن والدي رفض تمام يسيب بيتنا، والدتي كلمتني عشان أقنعه لكنه مصمم يقعد فيه حتى لو هيموت جواه. وبعد تسائلات من صبري لشريف عن الأسباب المحتملة لذلك، ربما بسبب شرار كهربائي أو من شدة درجة الحرارة هناك.

نفى شريف تلك الاحتمالات، لأن أهل القرية فكروا بهذا، ولكن لم يجدوا أي أثر للحريق بجانب أكشاك الكهرباء بخارج المنازل أو بداخلها، ودرجة الحرارة عادية ليست عالية حتى تحدث تلك الحرائق في بعض المنازل بنفس الوقت. استغرب صبري أشقر بما يحدث في تلك القرية، فالأمر مريب وليس بهين، ويجب على سكانها معرفة السبب سريعاً. مضى صبري على الإجازة لشريف، وأبلغه إن تطلب الأمر أن يذهب إليه يهاتفه وسيأتي له على الفور.

وقف شريف من جلسته وشكره، ثم ذهب إلى مكتبه لينهي ما لديه من أعمال حتى يسافر إلى والده فجر اليوم، لأنه قلق كثيراً عليه وعلى كل من يتواجد بالقرية. أتى الليل مع وصول سامر وأمل إلى منزل العائلة، دلفا اثنيهما من البوابة الحديدية إلى أن وصلا إلى باب الدار الداخلي، دق سامر الجرس، لحظات قليلة وفتحت لهما أنعام وهي لم تصدق أن أمل أمامها الآن، فأخذتها بأحضانها وهي تربت على ظهرها، معتذرة لها عما تفوهت به والدتها إليها.

بدلتها أمل مثلما فعلت، مردفة بحنو بعدما خرجت من حضنها والابتسامة على وجهها، قائلة: يا أنعام ما تعتذريش على حاجة، نطمن الأول على ماما ناهد، وبعدين نبقى نتكلم. المهم دلوقتي هي عاملة إيه؟ أجابتها أنعام أنها بحال أفضل عما كانت عليه، وبالأخص عندما أخبرتها بقدوم سامر، وأضافت قائلة: وهتكون أحسن لما تعرف إنك نورتينا يا ست البنات. تحدث سامر مصطنع الغضب بقلب سعيد لما يراه من أخته حبيبة قلبه اتجاه أميرته:

أنا بقول آخد الشنط وأمشي من هنا. ابتسمت اثنتهما على حديثه، فأردفت أنعام قائلة: وه وه وه، كيف هتقولي أكده يا خوي؟ ده إنت الخير والبركة، مهما كان تعالي في حضن خيتك يا غالي. بدلها سامر بحنو، فأنعام لها مكانة خاصة بقلبه لتقربهما الشديد لبعضهما منذ الصغر، فدخل الدار ومعه أمل، سائلاً إياها عن والدته بتأثر: قوليلي بصراحة يا أنعام، أمي بقت أحسن ولا لسه تعبانة؟

هتفت أنعام ببشاشة: والله يا خوي أول ما سمعت إنك هتتدل البلد فرحت جوي جوي، وجالتلي اعملي كل الوكل اللي بيحبه خيك. حمد ربه كثيراً، وسأل عن الجميع، وأولهم والده، أخبرته أنه على نفس الحال ومازال بالقاعة الشرقية من الدار، أما شادي وحكمت أشقائه وباقي أفراد العائلة فهم غافون. فجاء ليصعد الدرج حتى يرى والدته ويطمئن عليها، أوقفته أنعام وأخبرته أنها نائمة الآن بعدما أخذت دواءها ولم تستيقظ، بل بالصباح.

فأكملت حديثها قائلة: اطلع أوضتك أنت ومراتك ارتاح شوية على ما النهار يشجشج حبيبي. وافقها سامر الرأي وحمل الحقائب، ووراءه أمل، إلا واحست بدوار، ففقدت توازنها وتأرجحت على الدرج وكادت تقع، فجرت عليها أنعام التي كانت واقفة بالأسفل وتنظر إليهما حتى يصعدان لغرفتهما، فسندتها وهي تهتف بخوف: اسم الله عليكي يا خيتي، مالك حبيبتي؟

التف سامر على صوت شقيقته ورأى تلك المشهد، ألقى ما بيده وهبط الدرج حاملاً أمل، واضعاً إياها على أقرب أريكة ببهو الدار، متحدثاً بقلق: أمل حاسة بإيه؟ طمنيني عليكي. في نفس الوقت تحركت أنعام سريعاً إلى المطبخ، وأتت بكوب ماء. ناولته لأخيه حتى يسقي زوجته. ارتشفت أمل القليل منه، ثم تحدثت بصوت ضعيف حتى تطمئنهما: ما تقلقوش، أنا كويسة، هو شوية إرهاق بس، اليوم كله توتر وإجهاد مش أكتر. فوضعت يدها على وجنة

سامر الذي ينظر إليها بخوف: حبيبي أنا بخير صدقني. هنا خرج شادي شقيق سامر من غرفته يترجل الدرج، فرأى أخيه بالأسفل، أسرع في الهبوط وتحدث بلهفة باسم أخيه. قام سامر من جلسته عندما سمع صوته وصافحه بشدة، سائلاً عن حاله، أجابه شادي على الفور أنه بخير. تفاجأ شادي من وجود أمل، فهو قد علم بما حدث ولم يتوقع أنها ستأتي، ولكنه عندما وجدها متمددة على الأريكة سأل بقلق: خير، أمل مالها؟ طمأنته وهي على نفس جلستها:

حبة أرهق يا شادي، ما تقلقش، هرتاح شوية وهكون أحسن إن شاء الله. حملها سامر وصعد بها الدرج لتستريح بالغرفة، حتى تكون على راحتها. فصعد وراءه شادي حاملاً الحقائب، فأخبره سامر أن ينتظره بالأسفل ليتحدثا سوياً، ثم يذهبا إلى والدهما بالقاعة الشرقية بالدار.

استرخت أمل على الفراش لتستعد للنوم، بعدما بدلها سامر ملابسها بأخرى بيتية، ثم بدل ملابسه هو الآخر مثلها، فسمع طرقاً على الباب، وكانت أنعام تطمئن على أمل، وحاملة أيضاً صينية بها كوب من الحليب وبجانبه عشاء خفيف. أخذها سامر منها، ثم هبطت أنعام للأسفل، فطلب من أمل أن تأكل حتى يعود إليها بعد انتهائه مما هو ذاهب إليه. ***

انشق نهار يوم جديد في السماء، وبدأ الضوء يتسلل لغرفة سامر وأمل، التي تململت على الفراش، فوجدت من يجلس بجانبها شارداً بالفراغ. اعتدلت في جلستها ونادت عليه بصوت ناعس قليلاً: "سامر، أنت لسه صاحي لغاية دلوقتي؟ ما نمتش حبيبي؟ انتبه هو على صوتها وابتسم لها قائلاً: "صباح الخير حبيبتي، أنا صليت الفجر مع أبويا وشادي، وطلعت بصيت على أمي، لاقيتها لسه نايمة، فجيت نمت ساعتين ولسه صاحي من شوية على صوت العصافير."

ابتسمت أمل وهي تنظر ناحية شباك الغرفة لتراهما، فقد سمعت صوتهما أيضاً، لذلك قامت من نومها لأنها تحبهما كثيراً. فنظرت إليه مرة أخرى سألته باهتمام: "مالك يا سامر؟ شكلك مش طبيعي، في حاجة حصلت؟

أجاب وهو يخرج زفيراً قوياً يدل على شيء بداخله يزعجه كثيراً: "أبويا زعلان من أمي أوي، حاولت أقول له إنك مش زعلانة منها عشان يهدي، بردو مصمم تعتذر لك قدام الكل. دخلت على أمي لاقيت نايمة ووشها باين عليه الحزن، وأنا بصراحة مش عارف أعمل إيه، ولا قادر أجبرك تعملي حاجة غصب عنك." أمسكت أمل يده، تحدثت بصدق خالص: "سامر، أنت مكبر الموضوع كده ليه؟

أنا هروح لعمي وأقول له اللي حصل، مش مستاهل ده كله، أنا بحب ماما ناهد ومش عايزة أفتكر حاجة زعلتني منها. ممكن بقي ما تفكرش في أي حاجة وتضحك عشان أنا بعشق ضحكتك." فدخلت بحضنه. نسي سامر كل ما أحزنه منذ أن علم بما حدث من والدته لحبيبته، ورفع يدها الموضوعة على صدره مقبلاً إياها، وأردف بحنو: "ده أنا اللي بعشقك كلك على بعضك، متحرمش من وجودك في حياتي يا كل حياتي." أخرجها

من حضنه وتحدث بسعادة: "يلا عشان نفطر مع أمي، ديه هتكون أحلى مفاجأة ليها." أحست أمل أنها طائرة من السعادة عما فعله سامر وقاله، فقد أعطى لها جرعة حنان وحب تكفيها لعام قادم. فجاءت لتقوم من الفراش وتذهب إلى المرحاض حتى تفطر مع أم زوجها، إلا وتأرجحت مثل أمس. قام سامر واتجه إليها بلهفة وتحدث بعتاب خفيف: "بردو حصلك زي امبارح؟

على فكرة كده ما ينفعش، أكيد حضرتك مهملة في أكلك. بإذن الله أول ما ننزل القاهرة هعملك تحليل كامل عشان أطمن عليكي." هتفت أمل بهدوء وهي مازالت جالسة: "يا سامر يا حبيبي بلاش قلقك ده، أنا بأكل كويس، بس عشان لسه صاحية من النوم حصلي كده، عموما أنا بقيت أحسن، اديني بس خمس دقايق وأكون جاهزة نفطر مع ماما ناهد." *** في دار ناجي خال سامر، استيقظت فاتن من نومها وهي سعيدة للغاية لرؤية سامر اليوم.

فتذكرت ما حدث بالأمس بدار عمتها ناهد عندما كانت هناك، وأسمعت دون قصد أنعام وهي تتحدث مع سامر بالهاتف عن حالة والدتهما، فأبلغها أنه قادم غداً بمفرده ليطمئن على والدته. قبلت ولدها معتز الغافي بجانبها على الفراش وهي تحدثه قائلة: "بابا سامر تلاقيه فاجئ دلوقت من النوم يا قلب أمك، شكلنا هنبقى إحنا التلاتة مع بعض من انهاردة." ثم قامت لتحضير الفطور لمن بالدار حتى تذهب في أسرع وقت إلى دار عمتها.

خرجت من غرفتها ونزلت أسفل، تاركة ولدها بالفراش. *** نهضت ناهد من غفوتها وهي تنتظر ولدها سامر حتى يفطر معها، وتجلسا بجانبها حكمت وأنعام، وينظران لبعضهما بصمت. ثوانٍ وسمعوا ثلاثة يدقون على باب الغرفة، فسمحت حكمت للطارق بالدخول: "أدخل." دلف سامر للداخل، فصاحت والدته بصوت يملؤه البهجة: "ولدي الغالي، اتوحشتك جوي حبيبي، كيفك يا دكتور؟ توجه سامر إليها وارتمى بأحضانها.

وتحدث بحنو: "سلامتك يا أمي، وآنتي كمان وحشاني يا ست الكل." ربتت على ظهره وهي تعتذر له عما قالته لزوجته، وجاء ليجيب سامر. إلا وسمعت صوت أمل تهتف إليها قائلة: "أنا مش زعلانة منك يا ماما ناهد، المهم دلوقتي تقومي لنا بالسلامة." بكت ناهد وهي تقوم من فراشها، فتحركت أمل إليها مسرعة وحضنتها بحنو قائلة: "ما تفكريش في حاجة غير إنك تخفي بسرعة عشان كلنا قلقانين عليكي."

اعتذرت ناهد لها بعدما سمعت حديثها هذا التي لم تتوقعه أبداً، فلم يخطر على بالها أن يكون ذلك رد فعلها. تحدثت حكمت قائلة: "أمل بنت أصول يا أمي، وبتحب كل حبايب سامر. حدّثي صح يا خوي؟ أجاب سامر وهو يقترب من أمل ووالدته مردفاً: "صح جداً يا حكمت. ثم وجه حديثه لاثنتيهما: يارب ما تحرم منكم أبداً." وبعد ذلك جلس سامر وأمل يتناولان الفطور مع ناهد. وهبطت حكمت ومعها أنعام للأسفل ليتناولان الفطور مع أزواجهما وأولادهما.

أما شادي فقد أخذ الفطور وذهب إلى والده ليفطر معه بالقاعة الشرقية. *** وبعد حوالي ساعة ونصف، انتهت فاتن من أعمالها بالدار متوجهة إلى غرفتها لتحضر حالها لملاقاة من أحبته حد الجنون. فوجدت ولدها معتز، صاحب الثلاث سنوات وبعض الشهور، استيقظ من نومه ويجلس على الفراش. اقتربت منه وهي مبتسمة، ثم حضنته بشدة، بدلها هو أكثر منها، أردفت قائلة: "يلا يا ضي عيني مشان نروحو على جدتك ناهد وبابا سامر."

ابتسم معتز وهو يصفق بسعادة، رغم أنه لم يفهم ما تقوله. قامت فاتن من جانبه وتوجهت إلى خزنتها لتخرج أجمل ما لديها من ثياب لترتديه حتى تكون في أبهى الصور وتلفت نظر سامر لها. فتحت درج الكمود المتواجد بجانب الفراش وأخرجت منه علبة مصوغات ذهبية خاصة بها لتأخذ منها السلسال والأسورة اللذان اشترتهما من فترة قريبة، ثم وضعتهما أعلى الكمود، تاركة الدرج مفتوحاً. ونظرت لولدها

وتحدثت إليه محذرة إياه: "استناني اهنه يا زيزو، ما تروحيش في مكان، هدخل أستحم عشان نلحج اليوم من أوله مع بابا سامر." ضحك الصغير وأومأ برأسه دون صوت، أخذت هي ثيابها ودلفت للمرحاض.

ثوانٍ قليلة ونزل معتز من على الفراش ليلعب بألعابه، فلم يجد عربته البيضاء الصغيرة، اتجه إلى الكمود وبعث بالدرج على العربة، فوجد شيئاً لفت نظره، مد يده وأمسكه، وكانت عبارة عن زجاجة شفافة صغيرة وبها شيء يشبه الماء، حركه الفضول ليعرف ما هذا السائل الشفاف، كأي طفل فتح الزجاجة وأفرغها داخل فمه، لحظات بسيطة ووقع أرضاً، ووقعت تلك الزجاجة الملعونة بجانبه.

بعد ربع الساعة، خرجت فاتن بعدما انتهت من حمامها، فالقت نظرة على الفراش فلم تجد ولدها، ظنت أنه هبط إلى الأسفل لدى والديهما، فأقسمت أن تعاقبه على عدم سماع حديثها إليه، فقررت أن تكمل ارتداء ثيابها وبعد ذلك تترجل عند ولدها.

التفتت الناحية الأخرى من الفراش لتأخذ السلسال والأسورة من على سطح الكمود، إلا وقدامها خبطت بشيء صغير، فنظرت لتري ماهو، فوجدت ولدها الوحيد فلذات كبدها ملقى على الأرض، جثت سريعاً وقلبها يسبقها ليعرفا ما به، التقطته بين يديها وبدأت تهز جسده وتضربه على وجنته، وهي لم تعِ بما تفعله، فالخوف سيطر عليها تماماً، فأمسكت زجاجة مياه بجانبها تحاول أن تسقيه منها، ولكنه لم يتقبل، فحاولت أن تلقي على وجهه قطرات منها أيضاً، لم يفق.

أخيراً، استوعبت أن ولدها ضاع من بين يديها، فأطلقت صرخة مدوية استمعها إليها كل من بالدار وهي تنادي باسم ولدها قائلة: "معتــــــــــــــز."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...