الفصل 26 | من 48 فصل

رواية وبك القلب يحيا الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم زوزو مصطفى

المشاهدات
18
كلمة
5,772
وقت القراءة
29 د
التقدم في الرواية 54%
حجم الخط: 18

سكتت نادين عن الكلام عندما رأت خالد واقفاً ينظر لها ولم يتكلم. وبعد ذلك تحرك ناحيتها وقال: "نادين أنا… عارف كل حاجة بس زعلان منك جداً. إزاي ماكنش أنا أول واحد تلجئي له؟ مش انتي دايماً تقوليلي: أنت سندي وضهري في الحياة بعد ربنا. مش المفروض يا هانم أكون أنا كده فعلاً؟ ثم مال على رأسها وقبلها حتى تهدأ، فهي كانت خائفة ومتوترة للغاية.

بالفعل حركته هذه جعلتها تهدأ قليلاً، ولكنها تود أن تعرف التفاصيل. عرف متى وكيف، ولماذا لم يتحدث معي في هذا الموضوع كل هذه الفترة؟ كل هذا تتحدث نادين مع نفسها وهي تنظر له، وخالد جالس أمامها وناظر في عينها، فقرأ كل ما يدور في عقلها. فقال: "مش هقولك دلوقتي عشان لسه زعلان بجد." ابتسمت نادين أخيراً، فهذه الابتسامة الصافية لم تزره منذ ذلك اليوم المشؤوم بالنسبة لها. فقالت: "طب لو قولتك عشان خاطري، احكيلي عرفت كله ده ازاي؟

مش هتقولي برضه؟ مش أنا حبيبتك؟ ده أنت حتى ما لمحتيش ليا خالص." رد خالد: "لآخر العمر، مكنتش هقولك إني عرفت غير لما تقوليلي إنتي. ماحبتش أضيقك، وكنت عايزك تحسي فعلاً إني سندك وضهرك." تحدثت نادين وهي نادمة أنها لم تفعل هذا ولجأت لوالدتها التي لم تمثل هذا اللقب لأي شيء. "بجد بعتذر لك يا خالد." فنزلت دمعة من عينها. مد خالد يده ومسحها سريعاً وقال:

"نادين مش عايز أشوف دموعك نهائي. أنا مش بكلمك كده عشان تحزني، لكن عايز أكدلك إن أنا فعلاً في ضهرك ولا يمكن اسمح لحد يأذيكي أو يضرك. وعشان ما تزعليش هقولك عرفت إزاي."

"في اليوم اللي الحقير أسامة اتعرضلك فيه، أنا كنت جاي عندك البيت لما سمعت صوتك في الفون مش طبيعي. بس ماردتش أقولك إني جاي. ركنت عربيتي في شارع جنبي عشان كان قدام بيتكم مافيش مكان. ونزلت من العربية لمحت مامتك واقفة مع راجل غريب، شكله مريحنيش. قولت أروح أشوف في إيه. وأنا بقرب منهم سمعت اسمك، بعدت عنهم عشان أعرف إيه الحكاية. لأن لو كنت وقفت معاهم أكيد مامتك ماكنتش هتقولي. للأسف ماسمعتش غير كلمة فيديو. اتجننت، فقررت أستنى لما يخلص كلام مع مامتك وأمشي وراه."

"وفعلاً اتحرك بعد 10 دقايق من وقفتهم، ركبت عربيتي وطلعت وراه. لقيتنه وقف عند شركة الحقير. استغربت لثواني، بس عقلي جمع إن في حاجة حصلت تخصك هنا، بدليل إن مامتك بعتت الشخص الغريب ده. على ما ركنت العربية كان هو دخل الشركة وسأل في الاستقبال عن مكتب صاحب الشركة، لأنه جاي من المدرسة لأمر مهم يخص أولاده. وفعلًا وصله للمكتب، ولأنهم عارفين أسامة بيحب أولاده قد إيه، وصله بسرعة للمكتب من غير ما يبلغوا السكرتارية الأول. مافيش خمس دقايق وأنا كمان طلعت وفتحت الباب بسرعة. ومن حسن حظي مكنش الراجل الغريب ده قافله بالمفتاح، لقيته بيهدد أسامة بسلاح أبيض

(مطوي) وبيقوله: طلع الفيديو بتاع الآنسة نادين. أنا سمعت اسمك اتجننت، لقيت نفسي بهجم على أسامة بقوله: طلع الفيديو بدل ما أقتلك أنا. لقيته بيقولي: فيديو إيه؟ أنا مش فاهم. الراجل الغريب لما عرف إني خطيبك افتكر إن مامتك هي اللي بعتاني وراه، فسيبني أضرب الزفت براحتي. وهو فضل مصمم إن مافيش فيديو. بس وقتها عقلي رفض تصديقه. قولتلُه: طلع موبايلك. فتحته ولاقيته فعلاً موجود. وبعد ما شفت حقارته معاكي، مسحت الفيديو ونزلت فيه ضرب

لحد ما الراجل الغريب قالي: كفاية كده يا أستاذ، أنت أخدت حقك وزيادة. وراح أخد مني الموبيل وقالي: ده يلزمني عشان الست نجاة عايزة، بس هقولها إيه على الفيديو اللي اتمسح ده. أكدت عليا إن أجيبهولها الموبيل بالفيديو."

"فهمت قصده إنه عاوز فلوس عشان يسكت. قولتلُه: تعالي انزل معايا، واللي انت عاوزه هديهولك. بس أهم حاجة ماتجيبش سيرة لحد إني كنت هنا. فعلاً نزلنا، بعد ما عرفت الحقير أسامة إن علاقتنا كأصدقاء انتهت للأبد. وأديت للراجل الغريب مبلغ محترم وفهمته يقول لوالدتك إن الفيديو اتمسح منه بالغلط وهو بيشوفه موجود ولا لا. بس يا حبيبتي هو ده كل اللي حصل. ياريت تكوني اتعلمتي ماتخبيش حاجة عني تاني، عشان مافيش حد يحبك ويخاف عليكي قدي في الدنيا ديه كلها."

اعتذرت له نادين واعترفت بخطئها وأنها لن تتكرر ما حدث مرة أخرى. حمدت ربها أن ما كانت تخاف منه عدى على خير دون خسارة أغلى ما في حياتها. ***

عدى يومين داخل المستشفى التي تقيم فيها سناء وضحي منذ الحادث. فضحي تقيم في غرفة عادية لمتابعة حالتها الصحية والنفسية المتأثرة بالحادث. وسناء مازالت في العناية المركزة لم تفق حتى الآن. فهذا اليوم الثاني لها، مثلما حدد الطبيب، فباقي غداً أن لم يقف النزيف ستدخل غرفة العمليات للمرة الثانية خلال يومين.

أما سيف لم يترك المستشفى من دخول سناء بها. ذهب صباحاً للعمل لمدة ساعتين، ثم اتجه للمنزل لأخذ شاور وتغيير ملابسه، ثم رجع مرة أخرى للمستشفى. وبالنسبة ليحيى، فكان بالنهار بعمله، وبالليل يذهب للمستشفى ليجلس بجانب ضحي. فهي تصحى ليلاً من نومها مفزوعة وتصرخ باسم رضوى تارة وسناء تارة أخرى، ولم تهدأ حتى يأخذها يحيى بحضانه، فتحس بالأمان وتبكي، وبعدها تغرق في النوم بسبب المهدئ التي تعطيها لها الممرضة في المحلول المعلق بيديها.

أما باقي أفراد عائلتهما، يجلسون معهما بالنهار ويتركون المستشفى بالليل ليحيى وسيف. اليوم الثالث صباحاً، دخلت الممرضة غرفة العناية لتأخذ سناء غرفة الأشعات لعمل أشعة مقطعية على المخ لها حتى يطمئنوا إن وقف النزيف أم لا. فكان سيف جالس أمام العناية، لم يذهب للعمل في وقت مبكر. لاحظ خروج سرير وعليه سناء، فاتجه إليها. علم أين ستأخذها الممرضة فذهب معهم.

داخل غرفة ضحي، أخيراً فاقت من النوم دون صراخ. أحست بيده ممسكة بيدها، نظرت لاتجاهها، فرأت يحيى جالس على كرسي بجانب سريرها غارقاً في النوم من شدة تعبه، فهو طول الليل لم ينام خوفاً إن تصحى ضحي مفزوعة ولم يسمعها. لمست ضحي بيدها الأخرى على شعره، فكم تمنت أن تلمسه، وجأتها الفرصة اليوم وفعلتها. أحس يحيى بيديها، فقام سريعاً وهو قلق عليها قائلاً: "ضحي حبيبتي، إنتي صحيتي إمتى؟ طب إنتي كويسة؟ طمنيني عليكي." ابتسمت ضحي وقالت:

"هو أنا تعبتك معايا لدرجة دي؟ حقك عليا." قبل يداها وهو يقول: "تعبيني ولا يهمك، المهم تكوني بخير وتقومي بالسلامة. بقالي تلات أيام مش عارف أعمل حاجة فيهم عشان إنتي مش موجودة معايا. قومي يا شمسي عشان خاطري." فرحت ضحي من حديث يحيى وقالت: "بس أنت كنت معايا التلات أيام اللي فاتوا، ما سبتنيش لحظة. كنت بحسب لمسة إيدك وبحضنك بكل حاجة. متحرمش منك أبداً يا حبيبي."

"ولا يحرمني منك يا شمسي. ممكن يلا نقوم نفطر مع بعض، أحسن وحشني الفطار معاكي." ردت ضحي: "طبعاً يا حبيبي. يلا نفطر، ده أنا جعانة أوي. وكمان عشان أروح أشوف سناء، أصلها وحشاني أوي." استغرب يحيى من كلامها على سناء، فأتت في مخيلته أن تكون ضحي لم تتذكر ما حدث لهما. فقال: "ضحي إنتي فاكرة إيه اللي حـ... قطعت ضحي قائلة: "يحيى ماتقلقش، أنا فاكرة الحادثة. بس سناء هتفوق النهارده." فنظر يحيى متعجباً من حديثها. ضحكت ضحي وقالت:

"يا حبيبي أنا بخير. كل الحكاية إن رضوى جاتلي في المنام وقالتلي: خدي التفاحة ديه لسناء. قلتلها: سناء عاوزة تسيبني لوحدي. قالتلي: هي مش هتسيبك لوحدك وهتقولك ده بنفسها النهارده. وبعد كده صحيت. يلا بقا يا يحيى عاوزة أفطر وأروح لها بسرعة." تفاءل يحيى من حديثها هذا وقام سريعاً وقال: "أحلى فطار لأجمل ضحي في الدنيا، ثواني ويكون عندك." ***

يجلس الطبيب بـ مكتبه، سمع طرق على الباب، فآذن بالدخول، وكانت الممرضة ومعها نتيجة الأشعة الخاصة بـ سناء. شاهدها الطبيب ثم طلب منها أن تستدعي سيف لمكتبه. اتجه سيف بالفعل للطبيب وهو قلق للغاية. طلب منه الطبيب الجلوس وحدثه قائلاً: "باشمهندس سيف، أحب أطمئنك إن الآنسة سناء الحمد لله عدت من مرحلة الخطر والنزيف وقف. بكده ممكن تفوق بـ أي لحظة."

نزل سيف ساجداً على الأرض يحمد ربه ويشكره على استجابة دعائه الدائم بأن تقوم حبيبته بخير. جلس سيف ثانياً على المقعد وقال للطبيب المبتسم مما فعله سيف: "طب بالنسبة للعملية هنعرف نجاحها إزاي؟ بعتذر يا دكتور أنا قلقان عليها جداً." تكلم الطبيب: "من غير اعتذار يا باشمهندس، ده حقك. إن شاء الله تفوق بالسلامة. وهنحاول نمشيها ونشوف بعد كده هنعمل إيه. المهم دلوقتي إنها بخير."

شكر سيف الطبيب، فهو الآن أفضل عما سبق. فاتجه ناحية العناية وتقابل مع يحيى وضحي. سعد كثيراً عندما رأى ضحي أمامه، ووقفا يتكلمان الثلاثة. إلا وخرجت الممرضة وعلى وجهها ابتسامة وتقول: "باشمهندس سيف، آنسة سناء فاقت وبتسأل عليك وعلى الآنسة ضحي." *** عدى أسبوعاً على كل هذه الأحداث، في حي الغمري. كان يتحدث الشبح في الهاتف بعيداً عن المقهى حتى لا يسمعه أحد مما يعملون معه.

"أيوه يا باشا، الآنسة ضحي خرجت من المستشفى بقالها كام يوم، بس بتروح لـ الآنسة سناء كل يوم تقعد معاها من الصبح لحد بليل." صمت الشبح ليستمع لما يقوله شاهين، فرد قائلاً: "لا ساعتها محدش بيتكلم عن الحادثة. هنا خلاص الكل همه إن الآنسة سناء هتخرج إمتى." صمت الشبح قليلاً ليستمع، وبعدها تكلم: "تمام يا باشا، أي حاجة هتحصل هعرف ساعتها. بس كنت عاوز أسأل حضرتك سؤال، هو حضرتك ليك يد في الحادثة؟

كاد يقع الهاتف من يد الشبح عندما سمع صوت شاهين كـ زئير الأسد يقول: "الشئ اللي ما يخصكش ماتتكلمش فيه، ولم أسألك تجاوب على قد السؤال غير كده ماسمعش صوتك. اتفضل اقفل وشوف شغلك." نطق الشبح وهو في قمة رعبه: "حـ حاضر يا باشا." بعدها أغلق شاهين الهاتف في وجه الشبح دون أي كلمة. كلم الشبح نفسه قائلاً: "أنا كان مالي وماله، ما كنت سلطان زماني. ربنا يخلصني منك. ده أنت شيطان ماشي على الأرض. روح ربنا ينتقم منك." بعد ذلك أحس الشبح

بمن يربت على كتفه ويقول: "نفسي أعرف إيه السر إنك كل ما بتيجي تتكلم في الموبيل بتقف بعيد." تحمحم الشبح حتى يخرج صوته، فقد اعتقد أن أمره انتهى وسمع حديثه. ولكن أتاه شهاب بعدما أغلق المكالمة مع شاهين، فابتلع ريقه وقال: "بندق، إزيك؟ مش شايفك من الصبح، فينك يا جدع؟ رد شهاب: "كنت بشتري حاجات ليا عشان رايح مشوار مهم بعد كام يوم. بس ما قولتليش إيه هو السر؟

"أبداً يا بندق، اصل بكلم المدام. وانت عارف الستات بتخرج الرجالة عن شعورها من كتر الطلبات. فـ ببعد عن مكان شغلي عشان محدش يسمع بقول إيه." "بس كده." ضحك شهاب وقال: "وجهة نظر برضه. ربنا يقومهالك بالسلامة." رد الشبح: "هي مين؟ نظر شهاب له باستغراب وقال: "مراتك يا شبح، أنت نسيت ولا إيه؟ تلخبط الشبح مما تفوه به، وحاول أن يصلح ما أفسده. فقال وهو يضحك:

"ياااه، ده الواحد من كتر الهم والمصارف بينسي ساعات نفسه. معلش يا بندق حقك عليا. المدام قربت، فاضل شهرين تقريباً. دعواتك تقوم بالسلامة." تحدث شهاب وهو ملتمساً له العذر: "ولا يهمك يا شبح. الله يعينك. المهم تقوم بالسلامة." فحاول الشبح إنهاء الموقف هذا، فقال: "أصلًا صحيح، مشوار إيه اللي رايحه؟ شكله كده مهم." ابتسم شهاب وقال: "أهم مشوار في حياتي، رايح أخطب. دعواتك يا شبح." فرح الشبح لفرحته وقال:

"ربنا يوفقك يا بندق، أنت تستاهل كل خير." وبعدها تحرك كل منهما إلى طريقه. *** في المستشفى، أتى ضابط ومعه وكيل نيابة حتى يأخذوا أقوال سناء عن الحادث. فحالته الصحية كانت لا تسمح بذلك من قبل. ولكن ضحي تم استدعائها منذ يومين بعدما تحسنت كلياً، ومعها والدها ويحيى، وذلك بعدما طلب النقيب وليد ابن خالتها من ضابط القسم التابع لمكان الحادث تأخير أخذ أقوالها، فكانت أقوالهما واحدة بأن سيارة سوداء أتت مسرعة ولم يروا شيئاً آخر.

أمر وكيل النيابة بالتحريات مع إحضار شهود العيان الذين كانوا متواجدين في مكان الحادث. تقدم عم توفيق حجاج للنيابة ليُدلي بأقواله، وقال نفس حديث ضحي وسناء، وأضاف عليهم ماركة السيارة وأنها كانت بدون لوحة معدنية (أي لم يكن عليها أرقام) ***

مر يومين آخرين، وكانوا جلسا وسيف ويحيى وضحي وأمل، والحاج سمير وزوجته. وكان يحكي سيف عن أول مرة رأى فيها سناء، وقص عليهم ما فعلته به عندما وضعت له الملح في الشاي بدلاً من السكر، وكان الجميع يضحكون من قلبهم، فسناء معروف عنها هذه الحركات المضحكة بجانب حبها للمقالب. وحكى والدها أيضاً عن مواقف لها مع أخوتها وهي صغيرة وكيف كانت توقعهم في مشاكل وتخرج هي منها.

رن هاتف سيف، فاستأذن الحاضرين ليرد عليه، وكان الاتصال من سكرتيرة مكتب المهندس كريم، صاحب الشركة، تطلب منه المجيء للشركة في أمر عاجل. أغلق سيف وهو مستغرب من الاتصال، فالمهندس كريم دائماً يكلمه شخصياً ليست السكرتيرة. دقيقة ورن هاتف يحيى، وكان نفس الطلب الذي طلب من سيف منذ قليل. فسأل سيف يحيى قائلاً: "ما قالتش ليك هو عاوزنا في إيه؟

رد يحيى وهو ينفي أنها لم تقل شيئاً. فـ تذكر يحيى أن اليوم نتيجة المناقصة، فاستنتج سيف بأن المناقصة حسمت لشركتهم، والمهندس يريد الاحتفال معهم. وبالفعل استأذن كل منهما من الجالسين لذهابهما للشركة لأمر هام، ولم يتأخروا عليهم. في أقل من ساعة كان سيف ويحيى في مكتب المهندس كريم الغاضب مما حدث له في المناقصة، وهو يوجه حديثه ليحيى:

"ممكن أفهم من حضرتك يا أستاذ يحيى، أنا ولا الشركة قصرنا معاك في إيه عشان تبيعنا وتبعت ورق أسعارنا للشركة المنافسة؟ نظر له يحيى وهو مضيق العين كـ علامة أنه لم يفهم ما يقوله: "مش فاهم بتتكلم عن إيه يا باشمهندس؟ وضح كلامك من فضلك."

"كلامي واضح يا يحيى بيه. حضرتك بعت الشركة وجريت ورا الفلوس. قد إيه بستغبي نفسي إن اتخدعت في شخصيتك اللي انبهرت بها من أول مرة شوفتك فيها، وإد إيه والدي المهندس شفيق الله يرحمه كان بيحكي عنك وعن إخلاصك وحبك للشغل وللشركة، وإنك من أحسن الموظفين، وكان دايماً يوصيني عليك وإنك لازم تكون معايا في الشركة. بجد أول مرة نظرة والدي تطلع غلط."

هنا لم يقدر سيف عن الصمت أكثر من ذلك. حقاً المهندس كريم صديق الطفولة، حيث كان والداهما أصدقاء منذ زمان بعيد، ولكن يحيى صديقه المقرب لقلبه، ولم ولن يصدق ما يقال عنه بأنه خائن. فهذه الصفة السيئة للغاية لا يوجد مكان لها بجانب اسم صديقه لا من قريب ولا من بعيد. طفح به الكيل مما يسمعه من ذلك الـ كريم. وقف مرة واحدة وخبط بيده على المكتب حتى يكف كريم هذا الحديث قائلاً:

"كريم، مهما كانت الأخوة والصداقة اللي بينا مش هتحمل طريقتك ديه مع يحيى. عندك إثبات على كلامك اتفضل ووريهولنا، غير كده مش هسمحلك." تكلم كريم بـ غضب أكبر مما كان عليه: "وأنت أكيد عارف يا سيف إن مش هقول كلام وبالذات زي ده على يحيى من غير إثبات." فتوجه لدرج مكتبه وأخرج منه مظروف أبيض وألقاه على سطح المكتب وقال:

"اتفضلوا، ادي الإثبات. أنا لما عرفت إنهم ما اختاروش شركتنا، قولت ما فيش نصيب. بس بعد إعلان النتيجة بساعة، حد جه للأمن اللي على باب الشركة وسلموا الظرف ده عشاني." كان يحيى ممسكاً بالمظروف وهو مصدوم، هو لم يفعل هذا، ولكن ما يكون الفاعل؟ أيوجد خائن بينهما؟ أخذ منه سيف المظروف، ولكن لن يغير رأيه في صديقه. تركهم يحيى بالمكتب واتجه لمكتبه. تحدث المهندس كريم لـ سيف:

"أنا شاري خاطرك والعشرة والعيش والملح اللي بينا، عشان كده ياريت تقول لـ يحيى يكتب استقالته، أكرمله أنه يترفد، وده عشانك انت." أمسك سيف ورقة وقلم من على سطح مكتب كريم وتحدث وهو يكتب: "ومين قالك إن يحيى مش بيكتب استقالته دلوقتي؟ وعشان كده أنا كمان بكتب لك استقالتي." وبعدها مضى عليها، ثم وضعها في يد كريم. نظر كريم له ولـ الورقة التي بيده باستغراب: "أنت كده بتخسر شغل وكيان بنيته من سنين عشان واحد صاحبك."

تحدث سيف بكل ثقة: "أنا مستعد أبدأ من الصفر وأبني كيان من أول وجديد، وسهل جداً ألاقي ألف شركة اشتغل فيها، لكن من الصعب أقابل في حياتي صاحب مخلص وجدع زي يحيى. أتمنى ربنا ينور بصرك وتعرف مين اللي خانك، بس ساعتها لا أنا ولا يحيى هنقبل اعتذار منك. سلام يا… صديق الطفولة." وبعد ذلك اتجه سيف إلى مكتب يحيى الذي كان بالفعل يكتب استقالته مثلما تنبأ. وكان يحيى وجهه حزين مما سمعه من كريم لأن معنى هذا يوجد أحد يكرهه.

أحس سيف بصديقه، فحاول إخراجه من الحزن هذا، فقال: "خلصت يابني، عاوزين نلحق نرجع المستشفى الصراحة سنسن وحشتني." ثم غمز بعينه وأكمل: "وانت إيه؟ مافيش وحشتني ولا إيه؟ ابتسم يحيى لمعرفته مقصده وأيضاً لعلمه أنه يهون عليه. وقف واتجه إليه قائلاً: "طبعاً وحشتني، مش أحسن من قعدتي ديه معاك. لينا. بس هدخل أسلم على الزملاء." وتحرك بالفعل. أمسك سيف يده حتى يوقفه:

"بلاش يا يحيى، كفاية لحد كده. اديني الاستقالة وانزل استناني في العربية." ربت يحيى على يد سيف: "متقلقش يا صاحبي، أنا هسلم عليهم وأقولهم كلمتين وهنمشي على طول." دخل يحيى مكتب المحاسبين وألقى عليهم السلام. وقفوا جميعاً بحب وردوا السلام، ما عدا غادة التي لم تشعر للحظة أنها أخطأت بحق يحيى. فتقدم أحد الموظفين وقال:

"إحنا كلنا متأثرين من اللي سمعناه، وعمرنا ما نصدق إنك عملت كده، ديه أكيد مكيدة، وإن شاء الله ربنا هينصرك ويظهر الحق." ربت يحيى على كتفه بابتسامة صافية مثل قلبه: "شكراً يا أستاذ عبد العليم، وحضرتك ونعم الأخ الكبير، وكلامك عني شهادة أعتز بها. أنا جاي أودعكم وأشكرك على الفترة اللي اشتغلنا فيها مع بعض، بجد أنا بعتبركم عيلتي التانية." في نفس اللحظة كانت غادة يوجد بداخلها صراع بين الجانب الطيب والشرير، يقفان لبعضهن بتحد.

فبدأ الجانب الطيب يقول: "بقى الشخص الخلوق المتزن يعمل اللي بتقولي عليه ده؟ أنتي بجد ظلمتيه." ردت الجانب الشرير: "خليكي كده طيبة ومش فاهمة في البشر. يا بنتي الإنسان بطبيعته بميت وش. قدامك شئ ومن جواه حد تاني خالص." غضبت الجانب الطيب: "لا طبعاً الإنسان الصادق بيبان مع كل كلمة بيقولها، لكن الخبيث من أول حرف بيتعرف." ضحكت الجانب الشرير: "يعني عاوزة تعرفيني إنك بتفهمي في البشر أكتر مني؟

طبعاً لا. يحيى خاين وكداب، واللي أنا عملته فيه كان رد عليه مش أكتر. مش بيقولوا الجزاء من جنس العمل؟ يشرب بقى." أكملت الجانب الطيب: "يعني مش معترفة بغلطتك اللي اتسببت بـ سوء سمعته بين الموظفين. قد إيه أنتي شريرة." وأجابت الجانب الشرير: "أنا مش شريرة ولا غدارة، قد ما أنا عارفة الناس صح. خليكي إنتي كده طيبة وهبلة وبيضحك عليكي بسرعة." تكلمت الطيبة: "يعني مش هتعترفي إنك غلطانة؟ ربعت الشريرة يداها: "لا، أنا مصممة على رأي."

"الطيبه هتندمي." "الشريره مش هيحصل." كل هذا الصراع والحوار الداخلي وغادة ممسكة برأسها. مرة واحدة وقفت فقالت: "كفاااااااية." انتبه لها الجميع، فتقدم يحيى ليسألها ما بها، فأجابته وهي مرتبكة: "أنا بخير، كـ كنت بقول كفاية كلام وأنتم واقفين. واتفضلوا اقعدوا وأنا هروح أجيب لكم حاجة من البوفيه تشربوها."

استنتج يحيى أنها متأثرة مما حدث اليوم في الشركة كلها حزينة بسبب خسارة المناقصة بعد تعب دام أيام وشهور. شكرها يحيى لأن عليه الذهاب، ثم قال: "كلمة أخيرة للجميع، أي كان مين اللي اتسبب في كده، فأحب أقول له إنك هيجي الوقت اللي هتحس بغلطك فيا، وهتي وتعتذر، بس الله أعلم وقتها هقبل اعتذاره ولا لأ. وبرضه أنا موجود في أي وقت لو حد احتاجني، أنا زي ما أنا." كان يقف سيف عند باب مكتب الموظفين، فقال:

"خلاص كده يا يحيى، عاوزين نلحق ميعادنا." بالفعل تحركوا، وأخذ سيف ورقة استقالة يحيى وأعطاها لساعي مكتب المهندس كريم، وبعدها استقلوا السيارة متجهين إلى المستشفى مرة أخرى. *** اليوم هو الموعد المحدد لزيارة شهاب والمعلم علي وزوجته بيت أهل رودينا للتقدم لخطوبتها. جلست عائلة المعلم علي وسط ترحاب كبير من الأسطى صالح، والد رودينا، صاحب ورشة لـ تصيلح السيارات، وكذلك والدتها، فكانت سعيدة بـ شهاب وتمنت أن يكون من نصيب ابنتها.

بعد تبادل أسئلة من جانب الأسطى صالح عن معرفة ظروف شهاب، فكان يجيب المعلم علي وشهاب بكل صدق. وأكمل المعلم علي حديثه: "ولك أيضاً تحديد المدة المناسبة لتسأل عن شهاب كيفما شئت، هذا حقك وحق ابنتك." فكان رد والد رودينا: "انتظر مني اتصال يا معلم علي خلال يومين، وإن شاء الله خيراً." انتهت الزيارة، وكان الجميع سعداء بهذا اللقاء، وبالأخص شهاب ورودينا. ***

وصلا يحيى وسيف للمستشفى، ولم يتحدثا عما حدث بالشركة وهم بالسيارة نهائياً، فكفى ما قالوه اليوم. طرق سيف على باب غرفة سناء، ففتحه سعد، الذي وصل للمستشفى أيضاً من حوالي ربع ساعة. "اتفضلوا ادخلوا." سلم عليه سيف، فهم من يوم الحادث يتحدثون قليلاً ولكن أفضل من قبل بكثير. ثم تقدم سيف بالدخول، وسلم يحيى على سعد هو الآخر، ولكن مازال واقفاً بالخارج، فحدثه سعد: "ادخل يا يحيى واقف بره ليه." أجابه يحيى بهدوء:

"شكراً يا سعد، أنا جاي آخد ضحي عشان عندنا مشوار مهم." فهم سيف صديقه، واستغربت ضحي وحزنت سناء لذهاب صديقتها. فقال الحاج سمير: "مالك يا يحيى فيك حاجة؟ رد عليه ووجهه مبتسم قليلاً: "أبداً يا عمي إجهاد مش أكتر. تحب أستنى حضرتك ونمشي مع بعض؟ رد الحاج سمير: "متحرمش منك يا ابني، أنا هبات مع سنسن النهارده عشان بكرة الدكتور هيطمنا على العملية، ويمكن نرجع كلنا البيت. دعواتك يا يحيى." "إن شاء الله هتقوم بالسلامة يا عمي."

قامت أمل من مكانها، منتفخة البطن، فهي قد اقتربت من شهرها الخامس، وحركتها بدأت تثقل. فاتجهت ناحية الباب وتحدثت ليحيى: "خدني في سكتك يا ابني. سامر جاي في الطريق وه يستناني تحت." ضحك يحيى على مظهرها وقال: "من إيه ده يا مولي؟ " وهو يشير على بطنها. ردت أمل وهي تنظر له متصنعة الغضب: "أصل أكلت بطة في العشا امبارح. عقبال مراتك في بيتك يا خويا." ضحك الجميع، ما عدا ضحي التي نظرت لأسفل بكسوف. عندما نظر يحيى إليها وهو يقول:

"يارب يا مولي. وتقومنا بالسلامة حبيبتي." ثم قبل رأسها. تكلمت سناء بحزن: "كده هتمشي؟ مش قولتلي هتبات معايا النهارده." تكلمت ضحي: "حقك عليا يا سنسن، كنت ناسية مشوار يحيى قالي عليه امبارح." هو لم يوجد مشوار من الأساس، لكن يحيى عندما قال هذا أحست بأنه محتاج للتحدث معها، فأكملت حتى تبتسم صديقتها الغالية: "بكرة الصبح بدري هكون عندك ومعايا الشوكولاتة اللي بتحبيها. تمام؟ ابتسمت سناء وقالت:

"هستناكي ومعاكي الشوكولاتة، غير كده مش عاوزاكي." خبطت ضحي سناء على رأسها بخفة وقالت: "ندلة من يومك." سلموا الجميع على بعضهم، وكان سامر منتظر أمل داخل سيارته. وبعد السلام على بعضهم، تحرك سامر ويحيى بـ سيارتهما كل واحد لـ وجهته. داخل سيارة يحيى، كان صامتاً وضحي تجلس بجانبه ممسكة بيده. أحست بشيء بـ يحيى، فهذه ليست عادته عندما تكون معه. فبدأت بالحديث: "مالك يا يحيى؟ أنت مش طبيعي." أوقف يحيى السيارة بجانب الطريق وقال:

"أنا حزين أوي يا ضحي، انهارده حسيت كأن حد ضربني بـ سكينة في ضهري." شهقت ضحي عند سماع جملته الأخيرة: "بعد الشر عليك يا حبيبي، ليه بتقول كده؟ "الخسيس اللي اتسبب في أذيتي نفسيتي انهارده. فاكرني هزعل عشان سبت الشركة؟ للأسف عمره ما هيفكر إن حزني هيكون على غدره ليا، وإن طعنته أقوى من طعنة سكينة حادة." احتضنت ضحي يده بقوة وتحدثت بهدوء حتى تمتص غضبه وحزنه: "حبيبي ممكن تحكيلي إيه اللي حصل؟ رد يحيى: "هحكيلك من الأول." ***

بـ سيارة سامر، كان وجهه متغير قليلاً. لاحظت أمل هذا جيداً، فوجدته سارحاً وكأنه يفكر في شيء صعب حله نهائياً. فقالت: "اعترف يا سامر، عملت إيه غلط وخايف تقولي؟ ما تقلقش، أنا طيبة وهسامحك على طول." ضحك سامر رغم قلقه من رد فعلها، فقال: "ماما جايه القاهرة بكرة تقعد معانا أسبوع." فرحت أمل وقالت: "بجد يا سامر؟ ديه وحشاني أوي." ثم نظرت له بغرابة: "وهو ده اللي مزعلك؟ ديه ماما تنور الدنيا كلها والله." فأكمل سامر:

"هي مش جايه لوحدها." "فاتن بنت خالتي وابنها جايين معاها." أمل...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...