تكلمت الحاجة سميحة في أذن سناء وقالت: "عشان ما تداريش عن سمسم حاجة تانية، ديه قرصة ودن صغننة يا آخرة صبري." تحدث الحاج سمير قائلاً: "تعالي اقعدي يا سناء جنبي." تحركت وهي خجلة من الموقف ومن وجود سيف معها في نفس المكان، فجلست مثلما طلب منها والدها. فتحدثت والدة سيف، السيدة محاسن، قائلة: "إزيك يا سنسن، عاملة إيه حبيبتي؟ ردت سناء بعدما نظرت إليها بكسوف، فقد لمحت نظرات سيف لها، فهو يجلس بجانب والدته:
"الحمد لله يا طنط، حضرتك عاملة إيه؟ فأكملت والدة سيف: "أنا بخير الحمد لله حبيبتي، أدام شوفتك." فردت سناء بكل رقة وصوت هادئ: "ميرسي يا طنط، متحرمش من حضرتك." كل هذا وسيف جالس لم يتكلم، بل يستمع لصوت حبيبته ويود أن يجلس بجانبها ويمسك يديها ويقبلها ويعتذر عن عدم رده عليها بالأمس، ولكن لم يقدر أن يفعل غير ذلك وإلا لم يكن جالس الآن أمام حبيبة قلبه.
خرج من شروده على صوت الحاج سمير وهو يوجه الحديث لابنته، فهو علم من زوجته صباح اليوم بعد رجوعه من المطار بعدما أوصل الأستاذ محسن وزوجته بأن ابنته موافقة على العريس، فقال: "سناء، ماما بلغتني إنك موافقة على سيف، صح حبيبتي؟ نظرت سناء لوالدتها، فأومأت والدتها بعينها حتى لا يراها أحد، ففهمت سناء. ولكن لم يجد والدها ردًا على سؤاله. هنا قلق سيف، فقد أخاف أن تكون سناء غيرت رأيها، فنظر لوالدتها يتساءل بعينه ماذا يحدث؟
أجابته بأنها لا تعرف. السيدة محاسن لن تقلق من عدم إجابة سناء، بل أحست أنها تعاقب ولدها عن ما فعله بها أمس، واليوم فقد أخبرها سيف بكل شيء حتى تساعده، وبالفعل ساعدته. اتصلت على والدة سناء وحددت معها موعد لهذا اللقاء العاجل. ألقت نظرة على سيف فرأته مثل طالب الثانوي عندما ينتظر نتيجته، فربتت على يده ثم ابتسمت له حتى تطمئنه، فهدأ قليلاً ولكن ما زال متوتراً. كرر الحاج سمير السؤال على ابنته قائلاً:
"موافقة يا سناء على سيف ولا لأ؟ رفعت سناء رأسها وخطفت نظرة إلى سيف الذي بدأ وجهه يتعرق، فأحست أن جزء من حقها قد رجع، ولكن ليس بنفس حجم ما فعله بها. فصبراً عليها أيها السيف الجارح، سأنال منك لأخذ حقي كاملاً، فالأيام بيننا. ثوانٍ ودق جرس الشقة، قامت الحاجة سميحة لتفتح الباب بعدما استأذنت من الجالسين. وما زال سيف يختلس النظرات لذات القلب القاسي بالنسبة له، لأنها لم تنطق حتى ترحم قلبه. فحدث حاله قائلاً:
"تكلمي أيتها المشاغبة الصغيرة، قلبي لا يتحمل كل هذا الوقت حتى تقولي كلمة واحدة تطمئن فؤادي وتسعده. تكلمي أيتها القاسية، فأنا لا أعلم ماذا أفعل لو قلتي عكس ما أتمناه." دلفا إلى الغرفة أخوات سناء، سعد وسيد، سلما على الجالسين وجلسا معهم. وجه الحاج سمير الحديث لسيف ووالدته قائلاً: "أحب أعرفكم بولادي، سعد الكبير وسيد اللي أصغر منه، وفيه كمان سحر متزوجة." تفتت والدة سيف:
"ربنا يبارك لك فيهم يا حاج وتفرح بولادهم إن شاء الله." أمنت وراءها الحاج سمير وزوجته. بعدها وجه الحاج سمير الحديث لأبنائه الرجال: "أنا اتصلت بيكم عشان تكونوا حاضرين معايا." أردف سيد بوجهه البشوش: "خير يا حاج؟ فأخبره والده: "المهندس سيف متقدم لـ سناء، وأنا من ناحيتي موافق، وأختكم سناء مـ.... لم يكمل حديثه بسبب تدخل ابنه سعد مردفاً: "بعد إذنك يا حاج، كنت عاوزك في حاجة مهمة." نظر إليه والده وحدثه بصوت منخفض:
"بعدين يا ابني، الناس قاعدة." صمم سعد على رأيه قائلاً: "وأنا عاوزك لنفس السبب، بعد إذنك." استأذن الحاج من الجالسين مردفاً: "آسف يا جماعة، البيت بيتكم. هكلم سعد في حاجة ضروري تخص الشغل وجاي على طول." فخرج اثنيهما من الغرفة ودخلا غرفة النوم، فهي بعيدة عن مجالسهم.
تسامر في الحديث سيد وسيف، ولا يخلو الحوار بينهما من اختلاسات سيف للنظر لـ سناء وهي تتحدث مع والدته ووالدتها، وفي نفس الوقت انزعج سيف من ذلك السعد الذي جاء في وقت غير مناسب تمام بالنسبة لها. أيضاً تجلس سناء غاضبة من شقيقها، فهي استشاطت غيظاً من فعله هذا، بجانب أنها لم تراه يوماً أخاً حنوناً عليها مثل شقيقها سيد.
بدأت تقلق الحاجة سميحة من تأخر زوجها على الضيوف. لحظات وسمعت صوت زوجها يعلو عن الطبيعي، ولكن لن يسمعه غيرها، فهي تجلس بالقرب من باب الغرفة. أشارت لولدها سيد دون أن يراها أحد بأن يذهب إليهما ليعرف ماذا يحدث بالضبط؟ كانت تجلس ضحى في غرفة سناء ماسكة الهاتف تتصفح به حتى تضيع الوقت لحين ذهاب سيف ووالدته. رن هاتفها وكان المتصل يحياها، الذي عندما ترى اسمه فقط يسعد قلبها. ضغطت على زر بدء المكالمة: "يحيي، عامل إيه؟
أخبرها بنفس اللهفة: "الحمد لله بخير، وحشتني الكام ساعة دول. أنتي عاملة إيه وعم محسن وخالتو كلموكي؟ أجابته بسعادة: "أنا الحمد لله بخير ولسه قافلة مع بابا وماما من ربع ساعة كده." فأكمل سائلاً: "طب بتعملي إيه دلوقتي؟ "أبداً بقلب في فوني من الزهق، سناء قاعدة مع سيف ومامته ومعاها مامتها وعمو وأخو.... لم تكمل ضحى باقي الحديث عندما سمعت صوت عالي، فميزت الصوت وكان للحاج سمير ولده سعد. أحست بخوف يتملك قلبها، كسا على صوتها.
استغرب يحيي من نبرة صوتها، فاردف قائلاً: "ضحى، مال صوتك؟ خايف ليه كده حبيبتي؟ تحدثت بصوت باكي: "مش عارفة في إيه يا يحيي، كل اللي سمعاه عمو سمير بيزعق وصوت أبيه سعد بيتكلم معاه، بس مش عارفة بيقولوا إيه." ثم بدأت تشهق وصوتها كله خوف. اعتدل يحيي من جلسته وذهب ناحية شباك غرفته كي يطمئن عليها وهي واقفة بجانب شباك سناء: "طب اهدئي، أنا هلبس وجايلك حالاً." تفوهت ضحى وهي ما زالت تبكي:
"لا يا يحيي، أنا هكون أحسن عشان خاطري ما تنزلش، أنا هبقى كويسة، مش عاوزين نكسر فرحة سناء وسيف." مكملة: "بص خلاص، أنا هقفل على نفسي وهبطل عياط." كانت تتحدث وهي تمسح دموعها. مسح يحيي بيده على شعره حتى يهدأ، فاردف بصوت يكسوه الغضب من ذلك السعد: "طب خلاص، مش هنزل بس خليكي على اتصال بيا لو حسيتي إن لسه الدنيا ما هديتش، كلميني تمام؟ "يحيي؟ أجاب بصوت أهدأ مما كان عليه: "عيونه."
"عشان خاطري ما تتصلش بـ سيف ولا سناء، خليهم يفرحوا، ديه أحلى لحظة في حياتهم." أردف يحيي وهو مبتسم على قلب حبيبته التي تفرح لجميع من حولها وتتمنى لهم السعادة دائماً قائلاً: "حاضر، مش هتصل بيهم." بعد ذلك أنهى سوياً المكالمة، ولكن ما زال غاضباً، فقد أوقفته حبيبته عن الترجل، فضرب بيده على الطاولة الموضوع بغرفته وتحدث وهو يجز على أسنانه مردفاً: "لو ضحى جرالها حاجة بسببك يا سعد، مش هسيبك صدقني."
بداخل غرفة الحاج سمير، ما زال يتحدث مع ولده سعد بغضب شديد بسبب حديثه معه. فدلف سيد عليهما الغرفة، وكان وقتها والده ثائر للغاية، فاغلق الباب سريعاً حتى لا يسمعهما أحد بالخارج واتجه ناحية والده الغاضب سائلاً: "خير يا حاج، حضرتك مضايق كده ليه؟ أجاب والده وهو متجه إلى المقعد وفي قمة غضبه: "تعالى شوف البيه أخوك الكبير العاقل اللي المفروض يكون بعدي، عاوز يبوظ فرحة اختك عشان نفسه." وقف سيد أمام أخيه الكبير بتساؤل:
"أبويا قصده إيه بالكلام ده؟ أنت عاوز إيه من سناء يا سعد؟ ثار سعد هتف بانفعال قائلاً: "هكون عاوز إيه يعني يا سيد؟ أنا اللي محتاج أفهم إيه الفرق بين هيثم ابن أخوه فاروق صاحبي وبين سي سيف ده كمان؟ واشمعنى ده اللي وافقت عليه؟ ما ياما اتقدم لها عرسان وهي تقول لأ، المفروض أستنتج إيه دلوقتي؟ صمت يجوب وجه سيد من مغزى حديث أخيه الكبير، فكلماته تلك يقصد بأن يوجد شيء سيء بين سناء وسيف. أيعقل هذا؟ فأكمل ليتأكد
حتى لا يظلم أخيه بتساؤل: "معنى كلامك ده يا سعد؟ أجاب مؤكداً: "كلامي واضح يا سيد، أكيد في حاجة بين اختك والآفندي اللي قاعد بره ده." هنا لم يقدر والده أن يسمع أكثر من ذلك، فقد طفح الكيل منه ومن أسلوبه الفظ هذا، فقام واتجه إليه قائلاً: "بص يابني، أنا مش همد إيدي عليك لأن المفروض إنك راجل وكبرت على ده، واللي زعلان عشانه وعاوز تجوزه اختك ليه؟ عشان مصلحتك؟ ما يلزمنيش لأن سمعته سبقاه. شرب وسهر وحريم، وما خفي كان أعظمه."
تفوه سعد بهجوم على حديث والده: "مين اللي قال لك كده؟ ضحك والده بتهكم على أسلوبه: "وأنت فاكر إن لما حد يتقدم لبنتي، مسألتش عليه الأول؟ ولا فاكر إن هسمع منك وخلاص؟ "خلصت الكلام، أنا موافق على سيف لأن بنتي كمان موافقة، وأنا مش عاوز أكتر من كده." تحدث سعد بطريقة مفتعلة: "يعني ده اللي سألت عليها؟ جاب الحاج سمير بكل هدوء عن ما سبق: "طبعاً سألت، أومال زيك؟
عمك رشاد ويحيي، الكلمة منهم ثقة وعمرهم ما يغشوني. وبرضه عمك رشاد عشان يطمن قلبي أكتر بعت وسأل، وانهارده على العصر جالنا الراجل وحكى لنا كل حاجة عنه وعن أهله." "عرفت بقي أب وأخ البنت المفروض عليهم يعملوا إيه؟ "كلمنا كتير وسايبين الناس بره، أظن ما يصحش نسيبهم أكتر من كده. يلا يا سيد عشان شكل أخوك مش عاوز يقعود معانا." فهم ليخرج، ولكن رجع مرة أخرى ونظر إليه قائلاً:
"أوعى تفكر إنك تزعل اختك، محدش هيقف لك غيري. يلا يا سيد يا ابني." وخرج بالفعل. نظر سيد لـ سعد بنظرة عتاب وتحدث قائلاً: "انت غلطت يا كبير، وأبوك مش هيسامحك بسهولة. حاول تراضي أبوك، وأوعى تمشي قبل الجماعة ما يمشوا. اسمع كلام أخوك الصغير." ثم تركه ليلحق والده.
كل هذا الوقت وسناء لم تعطي الفرصة لـ سيف حتى يتحدث معها. فكانت تتحدث في موضوعات كثيرة مع والدته ويضحكان سوياً، والحاجة سميحة سعيدة بما يحدث، وسيف كاد يجن منها ومن أفعاله. دلف عليهم الحاج سمير الغرفة مرة أخرى ومعه سيد وراءهما سعد ووجهه غاضباً بعض الشئ. جلس واعتذر عن التأخير، ثم بدأ الحديث قائلاً:
"شوف يا سيف يا ابني، أنا سألت عنك، ده غير شهادة الحاج رشاد ويحيي فيك، وعشان كده بقول لك إننا موافقين على خطوبتك من بنتي سناء." فرح الجميع ما عدا سعد، ولكن لن يقدر أن يعترض على قرار والده، وإلا سيغضب عليه باقي حياته. تحدثت والدة سيف وسط فرحتها: "إحنا نتشرف والله يا حاج، ويا ريت نحدد ميعاد حفلة الخطوبة، وبعدين حضرتك تقول لنا مطلوب من سيف ابني إيه."
سيف جالس لم يقدر على الحديث من فرحته، وسناء طائرة من السعادة، ولكن لن تظهرها عنداً في سيف الذي ينظر لها بين الحين والآخر حتى لا يلاحظ أحد من الجالسين. ولكن لا يهم، إنها ستكون خطبتي وقريباً زوجتي وأم أولادي، وهذا ما أتمناه. أردف الحاج سمير على حديث الحاجة محاسن قائلاً:
"والله يا حاجة، خير البر عاجله. بكرة إن شاء الله أول يوم رمضان، كل سنة وأنتم طيبين، نفطر مع بعض وبعد صلاة التراويح نتجمع احنا وحبايبنا ونقرأ الفاتحة، وعلى العيد نعمل شبكة والفرح انت اللي تحدده يا باشمهندس." انتبه سيف على حديث والد حبيبته وقطته الشقية وزوجته المستقبلية، فهو لم يقدر على التحدث من سعادته، ولكن لابد أن يجيب، فأردف قائلاً:
"وحضرتك طيب يا عمي، بس بجد مش هنقدر نفطر معاكم بكرة، خليها يوم تاني لأن عمي وبناته معزومين عندنا، وبعدين لازم أعرفه عشان يكون موجود بكرة معايا." نظرت إليه سناء وهي غاضبة منه، وحدثت حالها قائلة: "من متى وأنت لديك بنات عم؟ صبراً يا سيفي، سيأتي اليوم الذي أجلسك فيه على كرسي الاعتراف وتقر لي بتفاصيل حياتك وما حدث فيها قبل أن أنيرها." تفوه الحاج سمير رداً على حديث سيف:
"تمام يا بني، مش هقدر أعرضك لأن لازم عمك يكون موجود، هو طبعاً في مقام والدك الله يرحمه وكبيرك. عموماً ينور الدنيا كله." أردف سيف: "الله يبارك لنا في عمرك يا عمي، بس كان ليا طلب عند حضرتك." سمح له بالحديث قائلاً: "اتفضل يا ابني، قول." فأكمل سيف: "بعد إذن حضرتك، كنت حابب على العيد تكون شبكة وكتب كتاب مع يحيي وضحي." هنا تحدث سعد وهو منفعل ودون استئذان: "وليه كتب كتاب؟ مش لما نشوف الخطوبة هتكمل ولا لا؟
انصدم الجميع مما تفوه به هذا السعد، ونظر إليه والده نظرة غاضبة. وحاول أن يصلح ما أفسده ولده الذي لا يحسن الحديث مهما كبر عمره قائلاً: "سعد ابني قصده أن فترة الخطوبة بتكون عشان العريس والعروسة يتعرفوا على بعض وبعد كده يحصل كتب الكتاب. بس شهادة لله يا سيف، أنت دخلت قلبي والحاجة والدتك الطيبة والأصول ظاهرين في وشها وكلامهم بجد أنتم ينطبق عليكم الآية الكريمة (سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم)
صدق الله العظيم. وأنا موافق يا ابني على بكرة، الله ربنا يسعدكم ويصلح ما بينكم." سرور عم على وجوه الجميع ما عدا سعد. ثم وقف سيد مقبلاً رأس سناء وبارك لها، وبعد ذلك اتجه ناحية سيف وبارك له أيضاً. قامت سناء، حضنت والدها فربت على ظهرها وهو يبارك لها. ثم ذهبت باتجاه والدة سيف وقبلتها، فبدلتها والدته بالمثل وحضنتها بحنان وباركت لها. واتجه سيف ناحية الحاج سمير وسلم عليه، وبعدها اتجه ناحية حماته العزيزة سمسم، فأردف قائلاً:
"ربنا ما يحرمني منك يا ست الكل، بجد من غيرك ما كانش هيحصل ده كله." ربتت على كتفه قائلة: "ربنا يسعدكم يا ابني ويجعل لك سندها ويجعلها وش الخير والسعد عليك." فأكملت وهي مبتسمة: "روح سلم على عروستك أحسن تاخد مخلفة منها." فضحك سيف قائلاً: "تصدقي صح، بجد حضرتك غالية عليا أوي." ثم ذهب سيف إلى مكان سناء وسلم عليها قائلاً: "مبروك يا عروسة." نظرت له وهي مبتسمة: "الله يبارك فيك يا عريس." فاخفضت صوتها قليلاً وأكملت:
"حسابنا بعدين." تحدثت الحاجة سميحة قائلة: "هحضر العشاء خفيف عشان يبقى بينا عيش وملح يا أم سيف." اعترضت والدة سيف قائلة: "مش هينفع يا أم سعد، انهارده خليها وقت تاني أحسن. يوسف على وصول جاي من الشغل ياخدني أروح عشان أحضر لعزومة بكرة. كل سنة وأنتي طيبة." هتفت والدة سناء: "كان نفسنا يوسف يكون موجود، بس هنقول إيه، الله يعينه على شغله. إن شاء الله نشوفه بكرة." ردت والدة سيف:
"إن شاء الله. مكملة، نستأذنكم يا جماعة، نشوفكم بكرة على خير." فوجه الحاج سمير الحديثه لـ سيف: "أدام يوسف جاي ياخد الحاجة، ما تخليك قاعد معانا." فرح سيف من حديث حماه العزيز، فأردف قائلاً: "أنا موجود معاك يا عمي، هكون تحت عشان يحيي عاوزني معاه، لو احتاجت أي حاجة قول." ليربت على كتفه قائلاً: "متحرمش منك يا بني." وهم لخرج من الغرفة، فوقف سعد أخيراً ومد يده ليصافح سيف، أردف دون أي تعبير بوجهه: "مبروك." فقط لا غير.
استغرب سيف من طريقته، فحدث حاله قائلاً: "لا يهم، المهم إن قطتي أصبحت خطيبتي، وهذا ما أريده." ثم خرج من باب الشقة ووراءه والدته. وكان يوسف ينتظر أسفل العمارة حتى تهبط والدته ويأخذها ويذهب، وأثناء وقوفه رأى إيناس وهي تشتري شيئاً من السوبر ماركت، دق قلبه وسعدت عينه لرؤيتها، ولم يلاحظ وقوف والدته وسيف بجانبه، فنظروا في اتجاه ما ينظر إليه، فعلموا لماذا ينظر لهناك.
فنظر سيف لوالدته وابتسما على حال يوسف. فوضع سيف يده على كتف شقيقه حتى ينتبه له، فتحدث قائلاً: "شكل النداهة ندهت علينا في حي الغمري يا صاحبي." التفت يوسف والابتسامة على وجهه، فقد فهم مقصد أخيه، فأردف قائلاً: "شكلها يا كبير، بس طمني عملت إيه." أخبره سيف أن غداً قراءة الفاتحة بمشيئة الله، والشبكة وكتب الكتاب في العيد، والزفاف سيتم خلال شهرين أو ثلاثة بالكثير. حضر يوسف أخيه وأردف بسعادة:
"ألف مبروك يا كبير، ربنا يتمم لك على خير يا حبيبي." بدله سيف وحضنه إياه مردفاً: "عقبالك يا حبيبي." مكملاً حديث بوجه مبهج: "بس البنت حلوة وتستاهل." ابتسم يوسف وتحدث قائلاً: "دعواتك لأخوك." سعدت والدتهما لهما كثيراً وتفوهت قائلة: "الله يسعدكم يا ولادي." وبعد دقائق قليلة تحرك يوسف ومعه والدته واستقلا السيارة، تركا حي الغمري. هتف سيف بـ يحيي حتى يهبط إليه، ولكن هاتفه مشغول. فبعث له رسالة مكتوب بها:
"اخلص ياعم الحبيب أنا تحت بيتكم." كان يحيي بغرفته يتحدث مع ضحى للمرة العشرين على التوالي حتى يطمئن أنها بحال أفضل عما كانت. فاطمأنته أنها بخير، فالأجواء في المنزل باتت مستقرة. ثوانٍ ودلفت سناء لها بسعادة وهي تجوب الغرفة، ثم دارت حول ضحى مردفة إليها: "بارك لي يا دودي، بكرة سيف هيقرأ فاتحتي وكتب كتابي معاكي في العيد." قفزت ضحى وتركت هاتفها على الطاولة، ثم مسكت يد سناء ودارت معها، وبعد ذلك صراخ وضحك اثنتيهما بسعادة.
قهتفت ضحى قائلة: "مبروووك يا سنسن." توقفت سناء عما تفعله واردفت قائلة: "الله يبارك فيكي حبيبتي. ويارب تكوني أحلى لأجدع يحيي." عند ذكر اسمه، يحياها، انتبهت ضحى لتركها للهاتف، فاتجهت إلى الطاولة وأمسكت الهاتف معتذرة، فيحيي ما زال على الهاتف ويقهقه من قلبه، وبجانبه سيف فقد قرأ رسالته وهبط إليه، واستمعا اثنيهما ما تفوه به الفتاتان. أحرجت ضحى وسناء مما سمعاه يحيي وسيف، فتحدث إليها حتى ينهي ذلك الحرج عليهما قائلاً:
"كل سنة وأنتم طيبين، دار الإفتاء أعلنت إن بكرة إن شاء الله رمضان. أنا وسيف وعمر وشهاب وأوبرا هنعلق النور والزينة. اقفوا في البلكونة شوفونا يلا." هتفت ضحى قائلة: "حـ... " ولم تكمل كلمتها فقد دق هاتف سناء برقم أمل. فاستأذنت ضحى منه بأنهما سيتحدثان مع أمل، وبعد ذلك سيشاهدان ما يفعلاه بالأسفل من شرفة الشقة. وبالفعل تحدثا الفتاتان مع أمل، فبدأت سناء المكالمة قائلة: "مولي حبيبتي، وحشاني." أردفت أمل قائلة:
"حبيبتي يا سنسن، عاملة إيه يا قلبي." مكملة حديثها: "اومال ضحى مشغولة مع مينا؟ ابتسمت سناء قائلة: "مع يحيي القلب طبعاً، سيدي يا سيدي. وانتي عاملة إيه يا سنسنتي؟ فتحت سناء ميكروفون هاتفها ثم أخبرتها قائلة: "أنا قراءة فاتحتي بكرة على سيف وكتب كتابي مع ضحى." صرخت أمل بسعادة قائلة: "أمنيتي استجابت يا بنات، لما كنا في السخنة فاكرين؟ الحمد لله يارب، ألف ألف مبروك يا روحي، ربنا يتمم لكم على خير." تحدثت ضحى إليها قائلة:
"مولي، في صوت موسيقى ودوشة عندك، خير حبيبتي؟ ضحكت أمل قائلة: "ده فرحي، عقبالكم. أصل عمو حسن عمل لنا فرح تاني من عوايدهم هنا بيعملوا كده. ده إحنا من الصبح على كده، من ساعة ما صحينا، دبايح وأكل للبلد كلها، وبليل الفرح ومعازيم وهدايا. فاتسحبت منهم عشان أكلمكم. كل سنة وأنتم طيبين حبايبي." بعدها بحوالي ربع ساعة، أغلقن الفتيات الهاتف ووقفتا اثنتهما مثلما طلب يحيي منهما.
كان يقف بالأسفل يحضر الزينة واللمض، كلاً من سيف وعمرو وشهاب ومينا وأوبرا وبعض شباب الحي. بحثت ضحى بعينيها عن يحيي فلم تجده. دقائق قليلة ورن هاتفها وكان الاتصال من يحيي. أول شيء قالته بعدما ضغطت على زر بدء المكالمة سائله إياه: "فينك يا يحيي؟ سعد قلبه لهفتها عليه، فأردف قائلاً: "بصي كده عند مكتبة أستاذ فتحي." فكان يقف أمامها مباشرةً.
ابتسمت ضحى عندما رأت ما بيده، فكان فانوسين في غاية الروعة، وكل فانوس مكتوب عليه حرف. فانوس ضحى، أول حرف من اسمها Y، والآخر لـ سناء عليه حرف S. فأكمل يحيي: "نزلي السبت عشان تاخديهم، وعلي فكرة فانوس سناء سيف اللي جايبه." أخذت الفانوسين اللتان سعدت بهما كثيراً.
وقف الشباب وقد بدأوا في تعليق اللمض، فكل شابين يقفان مقابل بعضهما في شرفات العمائر ليربطون أفرع النور. وبعد حاولي ساعة ونصف قد انتهوا من تزيين الحي والإنارة أيضاً، وهذا ما جعل حي الغمري في أبهى صورة وهو يستقبل ذلك الشهر الكريم وسط فرحة عارمة من جميع سكانه، الكبير قبل الصغير. تحدث يحيي بإذن سيف قائلاً: "هو أنت يا ابني مش عندكم شارع ما تروح تعلق فيه؟ إيه الغتاته دي؟ نظر سيف له مصطنع الحزن والكسرة، أردف قائلاً:
"بتطردني من شارعكم عشان ما عندناش حد بيعلق كده؟ ما كانش العشم يا صاحبي." يهتف يحيي مردفاً: "مش هتصعب عليا برضه." فتغيرت نبرة سيف للثقة: "على فكرة ده شارع خطبتي اللي هتبقى مراتي، يعني ليا فيه زيك بالظبط. مش بيقولوا بلدك فين يا حاج؟ قال اللي فيها مراتي." قهقه يحيي بصوت عالي، ثم صمت مرة واحدة، فسأله سيف ما به؟ أجاب يحيي وهو ينظر عكس الاتجاه قائلاً: "الغتت جاي، قصدي أخو خطيبتك."
نظر سيف ليرا من فيهما، فوجده سعد، فتحدث قائلاً: "مش مرتاح له، بس هو عملك إيه؟ يحيي لا يريد إخباره بما حدث وهو بمنزل سناء، فحاول تذكر شيء آخر يخبره به، فأردف قائلاً: "فاكر الخناقة اللي حصلت من فترة هنا لما بنات اتعكسوا في شارعنا؟ أردف سيف: "آه فاكر." أكمل يحيي: "البنات كانوا ضحى وسناء." تفاجئ سيف بذلك، فتحدث وهو يربط المواقف ببعضها:
"تصديق، بعد كام يوم لما مسكنا العيلين دول وضربناهم جامد، سألت نفسي ليه بضربهم بحرقة كده؟ أتاري قلبي كان حاسس يا جدع. بس برضه سعد ماله بده؟ أخبره يحيي مردفاً: "يا سيدي، مش ضحى تعبت في اليوم ده؟
لم روحت جري أجيب الدكتور كان بسبب سعد. ساعتها اتخانق مع سناء ووصلت أنه مد إيده عليها. واتهم البنات إنهم السبب في المشكلة، وجات ضحى تفهمه. بابها ما عجبهوش أسلوب سعد، زعق في ضحى عشان تدخل شقتهم، فمن خوفها أن يحصل مشكلة تاني، أغمى عليها." لاحظ يحيي اقترب سعد منهما، فحدث سيف قائلاً: "ده قرب علينا." أردف سيف بخنق من هذا السعد: "سيبهولي، هجيب لكم حقكم دلوقتي، أصل متغاظ منه أوي الصراحة."
بالفعل اقترب سعد من يحيي، فتحدث قائلاً: "كل سنة وأنت طيب يا يحيي، إيه يا جدع لسه زعلان مني؟ رمضان كريم يا عم وحقك عليا." لم يجد يحيي ليجيب عليه، إلا واشعل سيف ثلاث صواريخ وألقى بهم تحت قدم سعد، الذي قفز وفزع من صوتهم. ضحك كل ما كان متواجد بالمكان، ضحى وسناء أيضاً. هدأ سعد قليلاً من فزعته، وألقى نظرة حوله ليرا من فعل ذلك، فرأى سيف يتحدث مع أطفال واقفون ومعهم صواريخ كثيرة، فهتفهم قائلاً:
"كده ينفع بجد، عيب عليكم إزاي تفزعوا عمو بالطريقة دي؟ يلا العبوا بعيد." هنا لم يقدر يحيي، أمسك أعصابه من الضحك عما فعله سيف، فنظر لـ سعد وتحدث حاله قائلاً، فكفي ما حدث له: "وأنت طيب يا سعد، حصل خير." فاتجه سعد إلى المعرض، واستكمل الشباب باقي تنظيف الحي من بقايا ما كانوا يفعلونه، وانتهوا أخيراً، ثم بعد ذلك تسحروا جميعاً، فاليوم أول سحور لشهر رمضان المعظم.
ذهب سيف لمنزله وصعد يحيي لشقة العائلة، وغفت سناء مع ضحى في شقتها مثلما اتفقا اليوم بأكمله. مع سناء في شقتها وعند النوم يذهبان لشقة ضحى.
أشرقت شمس أول صباح بشهر رمضان على حي الغمري، بل على العالم أجمع. ومن عادات حي الغمري، أول يوم من شهر رمضان كل عام، الفطور يكون جماعي بشارع الحي، يشارك جميع سكانه بالتكلفة، كل منهم حسب مقدرته، والنساء والفتيات يطهون الطعام وعمل الحلويات والمشروبات في عمارة الحاج رشاد بالشقة المتواجدة بالدور الأرضي، بينما الرجال والشباب يضعون الطاولات بطول الحي. أما النساء فلهن ركن خاص جلوسهن مغلق عليهن بخيمة حتى لا يراهن أحد، فالجميع يساعد بقلب.
بدأت النساء تتوافد حتى يبدأ لتجهيزات الفطور الجماعي، فكل سيدة تعرف ما دورها التي تقوم به مثل كل عام من ذلك الشهر العظيم وتعمل بكل حب وفرحة، فهذا الضيف عزيز لدي الجميع. فعليهم استقباله أحسن استقبال. بالخارج بدأ الرجال أيضاً بتجهيز الحي بالطاولات ووضع كل المحتويات عليها. بالداخل عند السيدات، تحدثت الحاجة سعاد لجمع السيدات قائلاً: "كل سنة وأنتم طيبين ويارب دايماً نكون مع بعض وحبايبنا معانا."
تفوه الجميع بالتهنئة داعين الله أن يبارك في صحتها ومعها زوجها وأولادها. دلت للتو الست عنايات وهي حاملة بعض الأكياس وبها خضار ووراءها مجموعة من الفتيات يحملن أيضاً أكياس كثيرة مليئة بالخضروات والفواكه لتحضرها، فتحدثت قائلة: "كل سنة طيبة يا حاجة، يارب يفرحك بعوض أمل وبالليلة الكبيرة لـ يحيي وعروسة عمرو إن شاء الله." أمنت وراءها الحاجة سعاد وجميع الجالسات: "آمين." ذهبت إليها ضحى واحتضنتها بكل حب وتحدثت قائلة:
"كل سنة وانتي طيبة يا خالتي." بدلتها والدة يحيي حضن أمومي حنون وأردفت: "وإنتي طيبة يا عروسة ابني." ظهر الخجل والكسوف بوجه ضحى، فربتت والدة يحيي على ظهرها قائلة: "ربنا يسعدكم حبيبتي." مكملة: "بصي بقا بعد أذان المغرب إن شاء الله نصلي ونفطر ومالكيش دعوة انتي وسناء بالتنضيف ولا المواعين، كل اللي عليكي تاخدي العروسة وتطلعوا على الشقة تجهزوا نفسكم عشان قراءة الفاتحة، تمام حبيبتي." هزت ضحى رأسها بالموافقة وأجابت قائلة:
"حاضر يا خالتي." آذن صلاة العصر، صلوا جميعاً. كما انتهوا من وضع جميع المأكولات والعصائر والحلويات على الطاولات، وباقي على أذان المغرب ربع ساعة تقريباً، فكان ميكروفون المسجد يصعد منه إذاعة القرآن الكريم على سورة آل عمران والجميع يستمع في خشوع. دقائق قليلة وصدق شيخنا الجليل عبد الباسط عبد الصمد رحمه الله. ليه جاء الصوت المحبوب لدى الجميع قائلاً (مدفع الإفطار أضرب)
آذن المغرب وذهبوا للصلاة في المسجد، والسيدات صلوا داخل الشقة والباقي في الخيمة المخصصة لهم. دقائق واتى الجميع وبدأوا في تناول الإفطار وسط أغاني شهر رمضان الجميلة. انتهوا من الإفطار وقام شباب الحي في إزالة الطاولات وتنظيف الشارع لاستقبال الاحتفال بـ سناء. بعد مرور ساعة ونصف من صلاة التراويح، أتى بالفعل سيف ووالدته وأخيه وعمه فضل وزوجته وبناته، وكان الجميع يظهر على وجهه السعادة لهذه الخطبة، إلا اثنين.
كان يحيي بغرفته يتحدث مع ضحى للمرة العشرين على التوالي حتى يطمئن أنها بحال أفضل عما كانت. فاطمأنته أنها بخير، فالأجواء في المنزل باتت مستقرة. ثوانٍ ودلفت سناء لها بسعادة وهي تجوب الغرفة، ثم دارت حول ضحى مردفة إليها: "بارك لي يا دودي، بكرة سيف هيقرأ فاتحتي وكتب كتابي معاكي في العيد." قفزت ضحى وتركت هاتفها على الطاولة، ثم مسكت يد سناء ودارت معها، وبعد ذلك صراخ وضحك اثنتيهما بسعادة. قهتفت ضحى قائلة: "مبروووك يا سنسن."
توقفت سناء عما تفعله واردفت قائلة: "الله يبارك فيكي حبيبتي. ويارب تكوني أحلى لأجدع يحيي." عند ذكر اسمه، يحياها، انتبهت ضحى لتركها للهاتف، فاتجهت إلى الطاولة وأمسكت الهاتف معتذرة، فيحيي ما زال على الهاتف ويقهقه من قلبه، وبجانبه سيف فقد قرأ رسالته وهبط إليه، واستمعا اثنيهما ما تفوه به الفتاتان. أحرجت ضحى وسناء مما سمعاه يحيي وسيف، فتحدث إليها حتى ينهي ذلك الحرج عليهما قائلاً:
"كل سنة وأنتم طيبين، دار الإفتاء أعلنت إن بكرة إن شاء الله رمضان. أنا وسيف وعمر وشهاب وأوبرا هنعلق النور والزينة. اقفوا في البلكونة شوفونا يلا." هتفت ضحى قائلة: "حـ... " ولم تكمل كلمتها فقد دق هاتف سناء برقم أمل. فاستأذنت ضحى منه بأنهما سيتحدثان مع أمل، وبعد ذلك سيشاهدان ما يفعلاه بالأسفل من شرفة الشقة. وبالفعل تحدثا الفتاتان مع أمل، فبدأت سناء المكالمة قائلة: "مولي حبيبتي، وحشاني." أردفت أمل قائلة:
"حبيبتي يا سنسن، عاملة إيه يا قلبي." مكملة حديثها: "اومال ضحى مشغولة مع مينا؟ ابتسمت سناء قائلة: "مع يحيي القلب طبعاً، سيدي يا سيدي. وانتي عاملة إيه يا سنسنتي؟ فتحت سناء ميكروفون هاتفها ثم أخبرتها قائلة: "أنا قراءة فاتحتي بكرة على سيف وكتب كتابي مع ضحى." صرخت أمل بسعادة قائلة: "أمنيتي استجابت يا بنات، لما كنا في السخنة فاكرين؟ الحمد لله يارب، ألف ألف مبروك يا روحي، ربنا يتمم لكم على خير." تحدثت ضحى إليها قائلة:
"مولي، في صوت موسيقى ودوشة عندك، خير حبيبتي؟ ضحكت أمل قائلة: "ده فرحي، عقبالكم. أصل عمو حسن عمل لنا فرح تاني من عوايدهم هنا بيعملوا كده. ده إحنا من الصبح على كده، من ساعة ما صحينا، دبايح وأكل للبلد كلها، وبليل الفرح ومعازيم وهدايا. فاتسحبت منهم عشان أكلمكم. كل سنة وأنتم طيبين حبايبي." بعدها بحوالي ربع ساعة، أغلقن الفتيات الهاتف ووقفتا اثنتهما مثلما طلب يحيي منهما.
كان يقف بالأسفل يحضر الزينة واللمض، كلاً من سيف وعمرو وشهاب ومينا وأوبرا وبعض شباب الحي. بحثت ضحى بعينيها عن يحيي فلم تجده. دقائق قليلة ورن هاتفها وكان الاتصال من يحيي. أول شيء قالته بعدما ضغطت على زر بدء المكالمة سائله إياه: "فينك يا يحيي؟ سعد قلبه لهفتها عليه، فأردف قائلاً: "بصي كده عند مكتبة أستاذ فتحي." فكان يقف أمامها مباشرةً.
ابتسمت ضحى عندما رأت ما بيده، فكان فانوسين في غاية الروعة، وكل فانوس مكتوب عليه حرف. فانوس ضحى، أول حرف من اسمها Y، والآخر لـ سناء عليه حرف S. فأكمل يحيي: "نزلي السبت عشان تاخديهم، وعلي فكرة فانوس سناء سيف اللي جايبه." أخذت الفانوسين اللتان سعدت بهما كثيراً.
وقف الشباب وقد بدأوا في تعليق اللمض، فكل شابين يقفان مقابل بعضهما في شرفات العمائر ليربطون أفرع النور. وبعد حاولي ساعة ونصف قد انتهوا من تزيين الحي والإنارة أيضاً، وهذا ما جعل حي الغمري في أبهى صورة وهو يستقبل ذلك الشهر الكريم وسط فرحة عارمة من جميع سكانه، الكبير قبل الصغير. تحدث يحيي بإذن سيف قائلاً: "هو أنت يا ابني مش عندكم شارع ما تروح تعلق فيه؟ إيه الغتاته دي؟ نظر سيف له مصطنع الحزن والكسرة، أردف قائلاً:
"بتطردني من شارعكم عشان ما عندناش حد بيعلق كده؟ ما كانش العشم يا صاحبي." يهتف يحيي مردفاً: "مش هتصعب عليا برضه." فتغيرت نبرة سيف للثقة: "على فكرة ده شارع خطبتي اللي هتبقى مراتي، يعني ليا فيه زيك بالظبط. مش بيقولوا بلدك فين يا حاج؟ قال اللي فيها مراتي." قهقه يحيي بصوت عالي، ثم صمت مرة واحدة، فسأله سيف ما به؟ أجاب يحيي وهو ينظر عكس الاتجاه قائلاً: "الغتت جاي، قصدي أخو خطيبتك."
نظر سيف ليرا من فيهما، فوجده سعد، فتحدث قائلاً: "مش مرتاح له، بس هو عملك إيه؟ يحيي لا يريد إخباره بما حدث وهو بمنزل سناء، فحاول تذكر شيء آخر يخبره به، فأردف قائلاً: "فاكر الخناقة اللي حصلت من فترة هنا لما بنات اتعكسوا في شارعنا؟ أردف سيف: "آه فاكر." أكمل يحيي: "البنات كانوا ضحى وسناء." تفاجئ سيف بذلك، فتحدث وهو يربط المواقف ببعضها:
"تصديق، بعد كام يوم لما مسكنا العيلين دول وضربناهم جامد، سألت نفسي ليه بضربهم بحرقة كده؟ أتاري قلبي كان حاسس يا جدع. بس برضه سعد ماله بده؟ أخبره يحيي مردفاً: "يا سيدي، مش ضحى تعبت في اليوم ده؟
لم روحت جري أجيب الدكتور كان بسبب سعد. ساعتها اتخانق مع سناء ووصلت أنه مد إيده عليها. واتهم البنات إنهم السبب في المشكلة، وجات ضحى تفهمه. بابها ما عجبهوش أسلوب سعد، زعق في ضحى عشان تدخل شقتهم، فمن خوفها أن يحصل مشكلة تاني، أغمى عليها." لاحظ يحيي اقترب سعد منهما، فحدث سيف قائلاً: "ده قرب علينا." أردف سيف بخنق من هذا السعد: "سيبهولي، هجيب لكم حقكم دلوقتي، أصل متغاظ منه أوي الصراحة."
بالفعل اقترب سعد من يحيي، فتحدث قائلاً: "كل سنة وأنت طيب يا يحيي، إيه يا جدع لسه زعلان مني؟ رمضان كريم يا عم وحقك عليا." لم يجد يحيي ليجيب عليه، إلا واشعل سيف ثلاث صواريخ وألقى بهم تحت قدم سعد، الذي قفز وفزع من صوتهم. ضحك كل ما كان متواجد بالمكان، ضحى وسناء أيضاً. هدأ سعد قليلاً من فزعته، وألقى نظرة حوله ليرا من فعل ذلك، فرأى سيف يتحدث مع أطفال واقفون ومعهم صواريخ كثيرة، فهتفهم قائلاً:
"كده ينفع بجد، عيب عليكم إزاي تفزعوا عمو بالطريقة دي؟ يلا العبوا بعيد." هنا لم يقدر يحيي، أمسك أعصابه من الضحك عما فعله سيف، فنظر لـ سعد وتحدث حاله قائلاً، فكفي ما حدث له: "وأنت طيب يا سعد، حصل خير." فاتجه سعد إلى المعرض، واستكمل الشباب باقي تنظيف الحي من بقايا ما كانوا يفعلونه، وانتهوا أخيراً، ثم بعد ذلك تسحروا جميعاً، فاليوم أول سحور لشهر رمضان المعظم.
ذهب سيف لمنزله وصعد يحيي لشقة العائلة، وغفت سناء مع ضحى في شقتها مثلما اتفقا اليوم بأكمله. مع سناء في شقتها وعند النوم يذهبان لشقة ضحى.
أشرقت شمس أول صباح بشهر رمضان على حي الغمري، بل على العالم أجمع. ومن عادات حي الغمري، أول يوم من شهر رمضان كل عام، الفطور يكون جماعي بشارع الحي، يشارك جميع سكانه بالتكلفة، كل منهم حسب مقدرته، والنساء والفتيات يطهون الطعام وعمل الحلويات والمشروبات في عمارة الحاج رشاد بالشقة المتواجدة بالدور الأرضي، بينما الرجال والشباب يضعون الطاولات بطول الحي. أما النساء فلهن ركن خاص جلوسهن مغلق عليهن بخيمة حتى لا يراهن أحد، فالجميع يساعد بقلب.
بدأت النساء تتوافد حتى يبدأ لتجهيزات الفطور الجماعي، فكل سيدة تعرف ما دورها التي تقوم به مثل كل عام من ذلك الشهر العظيم وتعمل بكل حب وفرحة، فهذا الضيف عزيز لدي الجميع. فعليهم استقباله أحسن استقبال. بالخارج بدأ الرجال أيضاً بتجهيز الحي بالطاولات ووضع كل المحتويات عليها. بالداخل عند السيدات، تحدثت الحاجة سعاد لجمع السيدات قائلاً: "كل سنة وأنتم طيبين ويارب دايماً نكون مع بعض وحبايبنا معانا."
تفوه الجميع بالتهنئة داعين الله أن يبارك في صحتها ومعها زوجها وأولادها. دلت للتو الست عنايات وهي حاملة بعض الأكياس وبها خضار ووراءها مجموعة من الفتيات يحملن أيضاً أكياس كثيرة مليئة بالخضروات والفواكه لتحضرها، فتحدثت قائلة: "كل سنة طيبة يا حاجة، يارب يفرحك بعوض أمل وبالليلة الكبيرة لـ يحيي وعروسة عمرو إن شاء الله." أمنت وراءها الحاجة سعاد وجميع الجالسات: "آمين." ذهبت إليها ضحى واحتضنتها بكل حب وتحدثت قائلة:
"كل سنة وانتي طيبة يا خالتي." بدلتها والدة يحيي حضن أمومي حنون وأردفت: "وإنتي طيبة يا عروسة ابني." ظهر الخجل والكسوف بوجه ضحى، فربتت والدة يحيي على ظهرها قائلة: "ربنا يسعدكم حبيبتي." مكملة: "بصي بقا بعد أذان المغرب إن شاء الله نصلي ونفطر ومالكيش دعوة انتي وسناء بالتنضيف ولا المواعين، كل اللي عليكي تاخدي العروسة وتطلعوا على الشقة تجهزوا نفسكم عشان قراءة الفاتحة، تمام حبيبتي." هزت ضحى رأسها بالموافقة وأجابت قائلة:
"حاضر يا خالتي." آذن صلاة العصر، صلوا جميعاً. كما انتهوا من وضع جميع المأكولات والعصائر والحلويات على الطاولات، وباقي على أذان المغرب ربع ساعة تقريباً، فكان ميكروفون المسجد يصعد منه إذاعة القرآن الكريم على سورة آل عمران والجميع يستمع في خشوع. دقائق قليلة وصدق شيخنا الجليل عبد الباسط عبد الصمد رحمه الله. ليه جاء الصوت المحبوب لدى الجميع قائلاً (مدفع الإفطار أضرب)
آذن المغرب وذهبوا للصلاة في المسجد، والسيدات صلوا داخل الشقة والباقي في الخيمة المخصصة لهم. دقائق واتى الجميع وبدأوا في تناول الإفطار وسط أغاني شهر رمضان الجميلة. انتهوا من الإفطار وقام شباب الحي في إزالة الطاولات وتنظيف الشارع لاستقبال الاحتفال بـ سناء. بعد مرور ساعة ونصف من صلاة التراويح، أتى بالفعل سيف ووالدته وأخيه وعمه فضل وزوجته وبناته، وكان الجميع يظهر على وجهه السعادة لهذه الخطبة، إلا اثنين.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!