أسترخى بجسده وهو يطالع بعض الأوراق، ولكنه لم يجد رغبة بأى شىء. وكاد أن ينهض ويصعد لغرفته، إلا أنه وجد نيرة تقتحم غرفته بعد أن رمقت أمل بنظرات متعالية قبل حتى أن تخبره بوجودها. زفر أنفاسه وهو يعلم سبب قدومها. " كده ياعمران، أكلمك تقفل السكة في وشى.. وبعدها تقفل تليفونك." مسح على وجهه بإرهاق وتنهد بيأس.
" ما انتى يانيرة اللى بتحبى تستفزينى.. قولتلك ألغى المقابلة بتاعت النهاردة أو أعتذرى عن عدم وجودى ليهم.. وانتى فضلتِ تسألى عن السبب." تابع بضيق: " من امتى أنا متعود أقول لحد عن أسبابى." فحدقت به بارتباك، فهى تعلم طباعه ولكنها أرادت لو لمرة واحدة أن تشعر بأهميتها فى حياته ويخبرها عن سبب عدم وجوده الليلة. ولكن كما اعتادت، لا شىء.
رسمت ابتسامة هادئة على وجهها، فهى تحبه وستتحمل حتى تصل إليه. ثم.. وبدأ شيطانها يضحك وهو يخبرها أنها ستكون سيدة كل شىء فى شركاته وفى منزله. " حب خلقه المال مش أكتر." " أوكى ياعمران، خلاص فهمت." وأزاحت تلك الخصلة التى سقطت على وجهها وتابعت بدلال: " عشاء العمل النهاردة كان هايل وكان ناقصك." ابتسم عمران بعملية ومدحها. فرغم رفضه لطباعها المتحررة، إلا أنه لا ينكر أنها امرأة ناجحة بشدة بعملها.
" مدام انتى موجودة بدالى يانيرة.. عارف إن كل حاجة هتمشى زى ما أنا عايز." فأقتربت منه حتى لم يعد يفصلهما شىء وهتفت بنبرة رقيقة: " أهم حاجة تكون راضى ياعمران." *** استيقظت حياة بنشاط ومدت ذراعيها وهى تتثاءب. فقد تحسن جسدها بعد عناية دامت خمسة أيام من الاهتمام والدلال من كل من حولها. حتى عمران كان يسأل عنها يومياً من أمل، التى بالطبع كانت تخبره. بدأت تشعر بشىء عجيب يتحرك بداخلها ولا تعلم سببه.
وزفرت أنفاسها بهدوء ونهضت من فوق فراشها وقررت أن تتجاهل كل شىء. وأنهت طقوس يومها، وعلقت حقيبتها الصغيرة على كتفها. وسارت نحو المطبخ وهى تتمايل بخفة بخطواتها. وعندما رأتها أمل هكذا، ابتسمت. وتذكرت حديث عمران أمس: " حياة تقدر تيجى تقعد معاكم زى ما كانت.. وصالح يقدر يوصلها فى أى مكان حبيت تروحه." ورغم أنها تعجبت قليلاً، إلا أنها فرحت بشدة. " وأنا أقول مطبخنا منور ليه." ضحكت منيرة وفتحت لها ذراعيها. " قمر ياحبيبتى."
وتحسست جبينها بأمومة، وابتسمت عندما وجدتها على ما يرام. وتسألت عن نعمة: " فين نعمة؟ فجاءت نعمة على أثر صوتها. " كنت بدخل القهوة لعمران بيه." وجلسوا يمزحون كعادتهم وهم يتناولون وجبة الإفطار. ونهضت حياة فجأة. " كده هتأخر على الشغل." لينظروا إليها بدهشة، فهتفت أمل: " انتى لسه تعبانة ياحياة؟ فابتسمت حياة وانحنت نحوها تُقبل وجنتها. " أنا بقيت زى القرَدة أهه ياأموله." وانصرفت بعد أن ودعتهم، فابتسموا. ***
تقاطعت طرقهم، ليبتسم أدهم لها فتبادله تلك الابتسامة. ثم أكمل كل منهما طريقه. ووقف بعد لحظات والتف ليرى طيفها. فوجدها تنحنى نحو الأرض تحمل حجراً ضخماً لكي تزيله عن الطريق. وظلت تدحرجه على الأرض بسبب حجمه. كان نفس الحجر الذى رآه وهو يسير وكان سيصطدم به ولكنه تجاوزه وأكمل طريقه. ولكن لماذا هى تحاول أن تزيله من مكانه؟ فمن وضعه هو من يجب عليه فعل ذلك. أسئلة كثيرة تراود عقله وعلامات استفهام توضع دون إجابة.
وبعد أن شعر بعدم قدرتها، عاد إليها. " أنسة فرح." فالتفت فرح له واعتدلت فى وقفتها. " ممكن تساعدنى أشيل الحجر ده." كانت تتحدث بنبرة صوت دافئة وعيناها السوداء الجميلة تلمع بوميض عجيب لأول مرة يراه. وازاح الحجر. ونفض كفيه ببعضهما وأبتسم لها. فشكرته بود. " شكراً." واتسعت ابتسامته وتساءل: " بس انتى ليه وقفتى تشيليه؟ المفروض اللى حطه هو اللى يشيله." فنظرت إليه ثم نظرت نحو الحجر.
" لو كل واحد فكر كده يبقى كلنا هنبقى شبه بعض." وابتسمت وهى تتابع طريقها وهو وقف مكانه يستعجب ما قالته. *** تفاجأ عمران بما أخبرته به نعمة قبل أن يتجه نحو سيارته ليذهب للشركة. وسألها بضيق: " مش قولت ترتاح وتهتموا بيها." فارتبكت نعمة وهى تفرك يديها بتوتر. " هى اللى أصرت ياعمران بيه.. وقالت إنها بقت كويسة." وعاد يتساءل: " صالح وصلها طيب؟ فحركت نعمة رأسها بمعنى لا.
فطالعها عمران بغضب ثم تمتم بكلمات مبهمة لم تفهمها. وتابع سيره. *** خرجت من سيارة الأجرة وهى تنظر إلى الشركة ذات الصرح العالى والتى تحتل أرقى المناطق. وابتسمت فقد اشتاقت لمنار ورامي، ورغم أنها تشعر بالأسى نحو عملها فهو ليس ما تمنته. وتمتمت لنفسها بصوت هامس وهى مازالت واقفة تنظر إلى الشركة: " كل العظماء ابتدوا من الصفر ياحياة." واعتدلت في وقفتها وهى تتخيل يوماً ما ستدخل هنا بوضع يليق بها. ثم ضحكت وهى تضرب جبهتها.
" ظاهر إنى اتجننت." وكادت أن تخطو خطوة واحدة إلا أنها وجدت ذراعًا تسحبها. وأحدهم يبتسم بوقاحة وهو يتفحصها. " انتى بنت محمود الرخاوى؟ فنظرت إليه بخوف وحركت رأسها بنعم. فملامحه الجامدة قد أخافتها مع نبرة صوته الغليظ، غير ذلك الرجل الذى يقف خلفه ويطالعها بشر. وسحبها بقوة مجدداً وهتف بخبث: " تعالى معايا يابنت الغالى." فبدأت تتملص من قبضته وصرخت بصوت ضعيف: " سيب إيدى." وفجأة وجدت أحدهم يضع يديه ويزيح الرجل عنها.
فوجدت عمران الذى تبعه كلاهما سائقه ورجال الأمن. فقد كانوا يقفوا دون أن يفكروا بنجدتها، ولكن عندما جاء صاحب الشركة تغير كل شىء. ووقفت خلفه حتى أنه شعر بيديها تتشبث بسترتة من الخلف. مشاعر عجيبة شعر بها. وجز على أسنانه بقوة وهو يود أن يلكم هذا الرجل على إرهابه لها بهذا الشكل. وصاح الرجل بحبور: " عمران باشا حفيد العمري.. أهلاً ياباشا." وبدأ يعرفه بنفسه.
فنظر إليه عمران ببرود: " طب واللى حابب يعرف حد بيه.. يتصرف بالشكل ده يافؤاد باشا." فشعر الرجل بحماقة فعلته. وزفر أنفاسه ساخطاً وهو يرى حياة التى مازالت تحتمى بجسد عمران. " أعذرنى ياباشا، رجالتى مقالوش ليا إنها فى حمايتك." ونظر إلى الرجل الذى خلفه بنظرات غاضبة ثم أكمل: " تحب نتكلم فى أرضى ولا فى أرضك؟ فتسعت عين حياة الخائفة وهى تستمع لتلك الجملة التى لم تفهم معناها. فابتسم عمران بتهكم: " اللى يريحك يافؤاد باشا."
تمتم فؤاد بابتسامة ماكرة: " مدام إحنا عندك هنا.. يبقى أطلع مكتبك أشرب قهوتى معاك." فالتف عمران نحو حياة التى تنظر إليهم بخوف. " روحى شغلك ياحياة." فانصرفت سريعاً بعد أن طالعها فؤاد بنظرات مشمئزة. وأشار عمران لفؤاد بأن يتقدم أمامه، فاتجه فؤاد لداخل الشركة وخلفه رجاله. وأقترب هو من رجال الأمن التابعين لشركته. " حسابى معاكم بعدين."
وكادوا أن يبرروا له عدم اهتمامهم بالأمر فى البداية خوفاً من إثارة المشاكل، ولكن عمران انصرف وهو يشير لهم بأن يصمتوا. *** جلس فؤاد باسترخاء وهو يرتشف قهوته ببطء. ووضع فنجان قهوته على المنضدة التى أمامه بعد أن ارتشق رشفتين متتاليتين. " نتكلم بقى فى المفيد." فاعتدل عمران فى جلسته بعد أن مل. وضع ساق فوق ساق وهو يسترخى بجلسته وتمتم: " ياريت يافؤاد باشا." ونظر إلى ساعة يده بعملية ثم تابع حديثه: " لأنى عارف وقتى بفلوس."
فضحك فؤاد: " طبعاً طبعاً." وتنحنح فؤاد قليلاً وهو يحك ذقنه. " عايز بنت محمود." نظر إليه عمران طويلاً ينتظر أن يكمل عباراته. " دى بنت ابن عمى وأنا أولى بيها أراعيها." وظهرت على ملامحه المكر. فمال عمران بجسده لأمام. " عايزها عشان فاكر إن معاها فلوس من أملاك والدها.. بس اللى متعرفهوش إن محمود الرخاوى مات وهو محلتوش حاجة."
ورغم علم فؤاد بذلك من مصادره الخاصة التى تتبعت محمود بعد سقوطه فى عالم المال، إلا أنه مازال يظن بأن محمود لن يترك ابنته هكذا دون وديعة أو شىء باسمها. وقرر أن يتلاعب مادام لا يوجد مال. " وماله ياعمران باشا، أنا سمعت إن حسام نور الدين هو اللى جابها هنا أمانة ليك وبعدين سافر تانى ولسا مرجعش من بره." وصمت قليلاً ثم تأمل ملامح عمران الجامدة. " وأظن إن عيلتها أولى بيها.. ده غير إن محمود الله يرحمه كان غالى عليا."
وينطق كلمته الأخيرة بتهكم. فمحمود كان ألد أعدائه منذ أن كانوا شباباً، ولكن محمود الخبيث الماكر دائماً كان هو الأسبق فى الحصول على ما يريد.
وظل يتبعه لسنين طويلة يحقد عليه لنجاحه وثرائه إلى أن انتهى، فكانت الشماتة أول شىء فعله وارتاح قلبه الحاقد. وعندما علم من مصادره أنه توفى وجاءت ابنته لموطنه الأصلى وتعيش فى كنف عمران العمري، وأن حسام مهتم بها بشدة، بدأ يشك فى الأمر وأيقن أن محمود مازال لديه المال ومن الممكن أن يكون شريكاً مع حسام، الذى بالتأكيد يعد صفقة ناجحة مع عمران العمري. وتعلت ضحكات عمران وهو يعلم مدى كره فؤاد لابن عمه.
فيبدو أن محمود الرخاوى زرع قبل أن يرحل كرهه فى أنفس الكثير ومنهم هو. وشرد فى ما مرت به عائلته ومرض جدته بعد أن ماتت عمته. ولولا رحمة الله بهم وستره لها لكانوا عاشوا طيلة حياتهم مطأطئين الرأس. ولكن الكل يعلم أن عمته الجميلة التى كانت تتحدث عنها العائلات ماتت بسبب حادث. ونهض من مجلسه، وهو يتلاعب بأصابعه ثم نظر إلى فؤاد طويلاً. " قول اللى عندك يافؤاد من غير لف ودوران." فابتسم فؤاد وداعب شاربه.
" مدام عايزنى أكشف أوراقى، وماله يابن العمري.. انت ابن الغالى برضه." وتابع بجدية: " مدام محمود مات ومش محلتوش حاجة ولا بينه وبين حسام شراكة.. أنا عايز بنته ليا." فتسعت حدقتا عمران وهو يستمع لوقاحته. " على سنة الله ورسوله.. ولا انت كنت فاكر إيه؟ وضحك بضحكة بغيضة وأكمل: " أهى من لحمى ودمى وأستر عليها." وداخله يتمنى أن تقع تحت يديه ليذيقها معنى الذل ويشفي غليله من محمود فيها. وعاد عمران يجلس ثانية. " حياة أمانة عندى."
فضحك فؤاد بتهكم: " ما إحنا أهلها ولا يصح تقعد عندك أو عند حسام وأهلها موجودين.. ده عيب فى حقنا وإحنا صعيدة وبنفهم فى الأصول، ولا إيه يابن الغالى." كان ما يقوله حقيقة، فمكوثها لديه لا يصح. وإذا قرر فؤاد وهو يعرفه تماماً جمع عائلتهم فستكون النتيجة لصالحه. وصمت قليلاً وهو يفكر فيها، كيف سيتركه يعانى مصير هكذا؟ تتزوج رجلاً بعمر والدها ويبغضه أيضاً. هو أصبح يدرك أن كرهه لها ليس إلا لأنه يربطها دماء ذلك ال...
وعندما تذكر أنه بين يدى الله، استغفر ربه. وفاق على صوت فؤاد: " روحت فين ياعمران باشا؟ ولأول مرة شعر عمران بضعف جبهته. فلو كان حسام فاق من غيبوبته لكانوا فكروا فى حل سوياً. " انت مش شايف إن حياة فى عمر ولادك ولا إيه يافؤاد باشا؟ فالتوى فم فؤاد قليلاً. ثم أكمل عمران بخبث: " أنا سمعت إنك داخل صفقة." وتابع بمكر: " واللى شركتى برضه داخلة فيها.. وانت عارف لما شركات العمري بتدخل فى حاجة."
فشحب وجه فؤاد وهو يفكر بأنه يحتاج تلك الصفقة بشدة. " نتفق ياعمران باشا." فحرك عمران رأسه بابتسامة ماكرة بعد أن نجح فى وضع الخيوط بيده كما اعتاد. " شركتى مش هتدخل فى الصفقة الجديدة اللى هتكون مع الحكومة.. وهسيبهالك تاخدها وهساعدك كمان." فانتهل وجه فؤاد وظهرت السعادة على محياه. فعمران العمري سيتركه يربح بالصفقة بل وسيُقدم خدماته. وأكمل عمران عباراته باسترخاء: " مسألتنيش إيه هو المقابل؟ فاعتدل فؤاد فى جلسته.
وتساءل: " إيه هو المقابل؟ وصمت للحظات إلى أن... " حياة! *** نظرت نهى إليه وهو يتناول الفطور الذى أعدته له. فتلك مهمتها اليومية من ضمن مهام عديدة كمساعدة شخصية. ورفع وجهه وهو يمضغ الطعام بتمهل. " بتبصيلي كده ليه؟ أنا خايف أفسط وأنا باكل." فضحكت وهى لا تصدق أن إعلامياً مثله يخرج تلك الكلمات من فاه وكأنه فهم نظراتها. " حاولي متركزيش معايا يانهى فى حياتى.. لأنك هتلاقينى غريب عن اللى فى دماغك."
مسح فمه بالمنديل وهى مازالت تنظر إليه. نظراتها كانت نظرات عاشقة. فهى كل يوم تكتشف فيه صورة أخرى. كانت تظنه فى البداية رجلاً مغروراً يمشى كالطاووس، ولكن هذا ما كان يدفعه أكثر أن تضع شباكها عليه. ولكن عندما اقتربت منه علمت أن "أمجد العمري" رجل مختلف عن من كانت تظنه. ونهض ووقف قبالتها. وحرك يده أمام وجهها. " انتى بقيتى تمثال ولا إيه يانهى؟ أخيراً فاقت من تحديقها المخزى. " أصل.." وبدأت تتعلثم
فى حديثها وتخبر نفسها: " مالك بقيت كده يانهى؟ مبتعرفيش تجمعى كلمتين على بعض طول ما إنتى قدامه." فتحرك أمجد من أمامها وهو يتمتم: " لأ ده انتى النهاردة فى عالم تانى." *** أنهت نيرة تمرينها. وأخذت حقيبتها الرياضية. فالنادى الذى هى عضوة به يضم الأثرياء، وهذا دوماً ما تريده. وسارت بخطوات مغرورة. يطالعها البعض بإعجاب والبعض الآخر بحقد.
وجلست على أحد المقاعد لكى ترتاح قليلاً وتطلب عصير البرتقال المفضل لديها. وأرتدت نظارتها السوداء واسترخت بجسدها. لتسمع همسات إحدى السيدات: " هى لسه متجوزتش؟ تهمس الأخرى وهى تلوي شفتاها: " بيقولوا إن بينها وبين عمران العمري علاقة." فتمتمت الأخرى: " عرفت توقعه مش زى بنتى الخايبة." وشعرت بالسعادة أن الكل يظن هكذا. فعمران بماله هو حلمها. ***
كانت عائدة من عملها والإرهاق ظاهر على وجهها. واتجهت حيث تجلس والدتها دائماً. وكان صوت التلفاز عالياً بعض الشىء، ولكن الحديث الذى كان يدور بين شقيقتها ووالدتها لم يداريه. لتسمع والدتها وتأفف شقيقتها: " قولتلك قومى شيلى الهدية اللى خطيبك جبهالك قبل ما أختك تيجى." فهتفت لمياء شقيقتها بضيق: " أنا ذنبى إيه؟ أتخطبت قبله وهى لسه متخطبتش." وصرحت بقوة بعد أن وكزتها والدتها: " بكرة أختك يجيلها نصيبها وأحسن الناس كمان."
وتابعت كلامها بحسن: " ياحبيبتى راعى شعور أختك." فنهضت لمياء بتأفف. وانصدمت عندما رأت مها أمامها. فابتسمت بتوتر. وانصرفت نحو غرفتهم. لتفتح لها أمها ذراعيها. " تعالى ياحبيبتى." فأقتربت مها منها واحتضنتها وقلبها يؤلمها. هى لا تريد أن تخفي شقيقتها سعادتها كي لا تجرحها. هى راضية ومؤمنة بأن عندما يأتى النصيب سيأتى. كما أنها لا تريد أن تتزوج وكيف تتزوج بأحدهم وآخر عالق بقلبها الأحمق. ورفعت وجهها نحو والدتها.
" ماما خلى لمياء تفرح بالحاجة اللى خطيبها جيبهالها." وكادت أن تعترض والدتها إلا أنها: " انتى ربتينى إن أفرح لفرح غيرى." تمتمت والدتها: " بس يابنتى." فرفعت مها وجهها نحو والدتها تُقبل وجنتيها حتى ابتسمت الأخرى وحركت رأسها برضى. *** أنهت حياة عملها ورغم توترها فى بداية اليوم بما حدث مع ذلك الرجل الغريب الذى فهمت من حديثه مع عمران أنه من أهل والدها.
منار ورامي بمزاحهم أنسوها كل ذلك وهاهى تدفع أجرة سيارة الأجرة وتردف داخل الفيلا وتأكل من الحلوى التى بيدها. فهى تعشق نوع تلك الحلوى منذ أن كانت صغيرة وفرحت عندما وجدتها تباع هنا أيضاً فقد ظنت أنها لن تجدها سوى بلندن. كان عمران يسير بالحديقة ينتظر قدومها. وعندما وقعت عيناه عليها، هتف باسمها. " حياة."
فوقفت ولاول مرة لا تشعر بالخوف منه. فشعورها تجاهه بدأ يختلف عندما أصبح يعاملها بلطف ورفق منذ مرضها. واليوم اكتشفت أن القشرة الصلبة التى تحيط ببعض الناس أحياناً لا تكون إلا جداراً يخفى أناس آخرين.
وأقترب عمران منها ونظر إلى ما تأكله بغرابة. فكانت تشبه الأطفال فى ذلك الوضع. وندم على ما كان يفعله معها وأنه كان يقسو عليها بسبب كرهه الشديد لوالدها ورغبته فى ذلها. ومن أسباب عرضه الزواج منها أن يحميها ولعله يكفر عن هذا الذنب الذى أصبح فى رقبته من معاملته البغيضة تلك. كان حضوره بالنسبة لها يخلق بداخلها مشاعر عجيبة. فتأملته دون قصد وفاقت من شرودها على صوته. " كنت عايز أتكلم معاكى فى موضوع ضرورى." فنظرت إليه ببلاهة.
" تتكلمى معايا أنا؟ فضم حاجبيه ببعضهم وهو يتساءل: " هو فى حد واقف قدامى غيرك؟ وكعادتها. ضربته على جبهتها وأبتسمت. ولا شعورياً أبتسم. وليته لم يبتسم. وأخذت تحدق به. وأنبت نفسها على فعلتها الحمقاء. وأخفضت رأسها بتوتر. لينظر إليها عمران. " بعد ساعة تعاليلي فى مكتبي." وانصرف دون كلمة أخرى. فزمّت شفتيها بقلق. " عجيبة إنه عايزنى. ممكن يكون عشان الراجل بتاع الصبح." ثم هتفت بتمنى: " ياريت تكون إقامتى هنا انتهت."
وأكملت سيرها نحو غرفتها حتى تبدل ملابسها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!