أعتادت على عملها حتى أنها كوّنت صداقات مع الموظفين، وبدأ الكل يُقدرها ويُحبها. شهر قد مر دون أن تشعر به. لم يتغير شيء بحياتها، إلا أنها بدأت تقرأ أكثر عن دينها وعن قصص الصحابة والأنبياء، وظهرت ابتسامة دافئة على شفتيها. وهي ترى نظرات رامي المحبة لمنار، فيبدو أنها ستُعاصر قصة حب وستنتظر بلهفة النهاية السعيدة. مدّت قدميها بعد أن خلعت حذائها. -طلوع السلم من أوله طلع صعب. لتسمع منار عباراتها فتضحك.
-أنا مش عارفة إزاي تسيبي لندن وتيجي هنا تجربي حظك مع طلوع السلم. فأقترب رامي منهما بعد أن أعد بعض المشروبات لبعض الموظفين. -من حظها ونصيبها الحلو. فتعالت ضحكات منار. فضحك رامي وهو يتأملها. لتغمز حياة له بعينيها. -أتريقوا، أتريقوا. وهتفت ببعض الكلمات الإنجليزية. لينظر إليها رامي. -آه، هنبتدي بقى نلطم بالإنجليزي. أنا خريج معهد اللاسلكي اللي هنا، يعني الإنجليزي بعافية شوية يا آنسة حياة.
وكانت هذه هي حياتها معهم. رغم كل ما بها، إلا أنها كانت تضحك من قلبها. وانتفضوا بفزع بعد أن سمعوا صوت أحد الموظفين يُرحب بأحدهم. -أهلاً عمران باشا. وقف من بالمكان احترامًا له، يُطالعوه بغرابة، فمن النادر أن يهبط نحو ساحة الموظفين. وسار عمران بخطوات مُنمقة ورائحة عطره تملأ المكان. فهمست منار. -من حظي ومن نصيبي أتعامل مع عمران العمري فيس تو فيس. محدش فيكم يقرب، ادوني فرصتي.
لم تتمالك حياة ضحكتها ووضعت بيدها على فمها تكتم صوتها. وهذا ما جعل عمران ينظر إليها بنظرات جامدة. وأقتربت منه منار بعد أن عدلت هندامها، ورامي يُحدق بها بضيق بسبب فعلتها. -تشرب إيه يا فندم؟ لم يرد عليها، ونظراته كانت تخترق حياة التي ألتفت بجسدها تُداري ضحكتها التي لم تنقطع. ففعلت منار قد ذكرتها بمشهد معتاد رؤيته بالأفلام. ورحل كما دخل دون كلمة. ومدير أحد الفروع معه يُحادثه بأمر يخص العمل.
-أحم، أحم. ها يا منار، أخدتي فرصتك؟ فدفعته منار برفق. -فرصة وجتلك لحد عندك. أتريقي. *** أندمجت فرح في حياتها الجديدة وهي ترسم ابتسامة الأطفال وهم يتجمعون حولها. بل وأصبح الصغار بالعمر ينادونها بـ "ماما". حتى عمتها أصبحت تأتي للملجأ في بعض الأيام. وأصبحت حياتها هنا هادئة. وبدأت تتعلم عمل المخبوزات والفطائر. وجاء بذهنها صورة أمجد. فرفعت هاتفها تُفكر هل تُهاتفه أم تنتظر أن يُهاتفها هو. ***
ابتسمت نهى وهي تضع أمامه مشروب الكاكاوالساخن وتجلس بجانبه على الأريكة تُخبره بمواعيد اليوم وتعرض عليه التقارير التي طلب منها مراجعتها. كان مندمجًا في أحد التقارير. ودون قصد منه دفع المشروب الساخن فسقط عليها. فأنتفضت نهى تتلوي من الألم. فأقترب منها بفزع. -أنتي كويسة؟ فحركت رأسها نافية. لينظر إليها أمجد وهو لا يعلم كيف يتصرف. -ادخلي الحمام طيب. اتصرفي، شوفي هتعملي إيه.
فسارت من أمامه بحرج بعد جملته الأخيرة. ووقف هو يُحرك يده على شعره بتوتر. وبعد دقائق خرجت من المرحاض الذي بداخل غرفته بعد أن ارتدت أحد قمصانه الذي يبدو أنه قد خلعه أمس. فرائحة عطره ما زالت عالقة به. وتقدمت منه تهتف باسمه. فألتف نحوها وقد صعقه هيئتها. فقد ارتدت قميصه الذي لا يتخطى ركبتيها، وتتآوه من الألم. وقد تعمدت أن تظهر أمامه بهذه الهيئة. ونظرت إلى ملامحه فوجدته يبتلع ريقه بصعوبة. وهمست برقة.
-أنا آسفة إني لبست قميصك، بس معرفتش ألبس إيه. وخطى باتجاه غرفته. ليعود ومعه مرهم للحروق. فوجدها جالسة على الأريكة ترفع طرفي قميصه وتنحني نحو موضع الحرق وتنفخ بأنفاسها عليه. كان مظهرها يُشعل الرغبة بداخله. فأغمض عينيه بقوة. وهو يسب نفسه عندما جعلها مساعدته الشخصية. وأقترب منها وتنحنح بحرج. فهتفت. -الحرق بيوجعني أوي. فأشارت إلى البقعة الحمراء الملتهبة. وقد تعمدت فعل ذلك. صحيح أن المشروب كان ساخنًا، ولكن لم يكن مؤذيًا.
وأعطاها المرهم قائلاً. -تحبي أعملك إيه يا نهى؟ لو عايزة أوديكي المستشفى، أوك. ألجمه أسلوبه الفظ الذي تعمد إظهاره حتى يُداري ارتباكه من تأثيرها الذي أصبح طاغيًا عليه. وسقطت دموعها بمهارة. فتنفس بضيق وجلس بجانبها. وفجأة وجدها تحتضنه وتبكي، متشبثة به بقوة. لحظات مرت وهي بتلك الوضعيّة وهو رافع ذراعيه بعيدًا عنها. إلى أن استسلم لرغبته واحتواها بين ذراعيه. -هش، خلاص. قوليلي بتعيطي ليه دلوقتي.
وعندما شعرت بيديه على ظهرها، علمت أن البداية قد بدأت. ورفعت وجهها نحوه، ليُطالعها بنظرات مشوّشة. هـيئتها قد ازدادت إثارة خاصة عندما ازدادت وجنتاها احمرارًا ودموعها انسلبت على وجهها. وأقتربت شفاههما وكادت أن تتلامس، إلا أنه انتفض وابتعد عنها بعد أن سمع رنين هاتفه. *** جلس على مكتبه بغضب. وكلما لاحت صورتها أمام عينيه وهي تضحك، ازداد حنقه منها. فهو قد وظفها بتلك الوظيفة حتى يكسرها ويقضي على ذلك اللمعان الذي في عينيها.
ولكن لا شيء يؤثر بها. في منزله جعلت الخدم يحبونها ويعتبروها شقيقة لهم. وهنا اندمجت مع زملائها وكونت صداقات. وصرخ عاليًا وهو يضرب بقبضتي يديه على مكتبه. -أكسرك إزاي يا بنت محمود؟ وبينما هو يفكر في كسرها، كانت تضع هاتفها على أذنيها تدعو الله أن لا يكون الرد كما اعتادت. ولكن كان كما لم ترغب. فهاتف صديق والدها ما زال مغلقًا. حتى فرح لم تعد تفتح حسابها الشخصي. ***
وضعت مها أمامه الأوراق وهي تتمنى أن يرفع عينيه التي أسرتها ويتطلع بها. ولكن منذ فترة وهو أصبح يتجنب النظر إليها. حتى ملاطفته التي ظنتها يومًا أنها كلمات غزل، ولكن الحقيقة التي عرفتها مؤخرًا هو معتاد على تلك الملاطفة مع الجميع، ليس هي فقط. -شكرًا يا مها. اتفضلي أنتِ. فوقفت مرتبكة قليلاً، ثم غادرت على استحياء. فالبعض بدأ يلاحظوا نظراتها له، حتى عمران. ولكن هو لا شيء يتحرك به.
وبعد أن غادرت، رفع مروان وجهه عن حاسوبه الشخصي. -كده أحسن يا مها. المعاملة الرسمية بتريح الدنيا. ولا واحدة تيجي تقولك بحبك ولا تفتكر إنك عشمّتها بحاجة. وعاد إلى متابعة ما كان يُركز عليه. وقلبه ما زال ساكنًا. ما هي كانت جالسة تقضم أظافرها تُفكر لما أصبح يتعامل معها هكذا؟ *** صعدت الدرجات بتعب وهي تحمل دلو الماء بيد، وباليد الأخرى دلو آخر تحمل به المنظفات. ووقفت تُطالع الممر الطويل الذي عليها تنظيفه.
وبدأت تُنظف والعرق يصب من فوق جبينها. وشعرت بألم قدميها، فهي ما زالت في بداية المهمة. وقف يُطالعها. فاليوم تعمد أن يراها هكذا. يريد أن يرى كيف تتألم وهي تعمل. وأقترب منها، فكانت تُعطيه ظهرها مُنهمكة فيما تفعله. وفجأة صدح رنين هاتفها. لتُخرجه من جيب زيها الخاص بالتنظيف، فهي لم تتركه وسط حاجتها الشخصية وقررت وضعه بملابس العمل. ونظرت إلى المتصل بفرح. -كوكو. لقد نسيتني بعد أن عاد الحب إليكِ مجددًا يا جميل.
وضحكت وهي تستمع لتوبيخها تارة وخجلها تارة أخرى. وكان هو يستمع إلى الحديث بصمت. يُتابع حركتها ومرحها. إلى أن ارتسمت ابتسامة ساخرة على محياه. بعد أن سألتها من تُحادثها عن عملها، لتُخبرها حياة بكذب حتى لا تجعلها تقلق عليها. -العمل جميل وممتع يا كوكو. إنني أجلس على مكتب خاص بي ولدي سكرتيرة أيضًا. سأصبح صاحبة المكان بعد مدة قصيرة عزيزتي. كانت تتحدث وتضحك. إلى أن انتهى الحديث. وألتفت بجسدها قليلاً كي تُتابع عملها.
وشهقت بفزع وهي تراه يقف على مقربة منها. ويضع يديه في جيبي سرواله ويقف يتأملها ساخرًا. ثم عاد من حيث أتى. لتضرب هي جبهتها. -غبية يا حياة. أكيد سمعك دلوقتي. *** ضم والدته بحب وهو يُداعبها بحديثه المرح. -يا ماما، هتفضلي لحد إمتى شايلة هم عمران. ابنك يا ستي عاجباه حياته كده. تنظر ليلي إليه وتنهدت بحسرة. -أخوكي بيكبر والعمر بيجري يا بني. نفسي أفرح بيه وأشيل عياله. هتف أمجد بدعابة. -طب ما تجوزيني أنا وأفرحي بعيالي.
وعند آخر جملته، أردفت فرح نحوهم. فطالعها أمجد بغمزة، فأرتبكت. لتبتسم ليلي وهي تتمنى أن يحدث ما ترغب به. وظنت فرح أنه يقصدها هي كما ظنت والدته. وشعرت بالطمأنينة. وهم لا يدركون أنه جالس شارداً بأخرى. *** أكلت طعامها بنعاس. ورغم أن الوقت ما زال مبكرًا، إلا أن العمل اليوم كان مرهقًا بشدة. فربتت منيرة على ظهرها بحنان وهي تُطالعها. -يا حبيبتي يا بنتي. بتتتعبي في الشغل أوي.
فنظرت أمل ونعمة إلى بعضهما. وهم يتأملوا حياة التي تأكل بنصف عين. ثم انفجروا ضاحكين. لتتسأل نعمة. -اشمعنى الأيام دي اللي في الأسبوع بتتأخري فيها يا حياة؟ والأيام التانية بتيجي بدري. فانتبهت حياة لسؤال نعمة. وما أنقذها من الإجابة هو صوت عمران القوي وهو يهتف باسم نعمة. فتنهض نعمة. وتنظر إليهم وهم يكملوا طعامهم. فتتمتم بشبع. -الحمد لله. لتتعجب أمل من نهوضها وهي بالكاد أكلت القليل من طعامها. -رايحة فين يا حياة؟
أنتي لسه مكملتيش طبقك. فتأتي نعمة في تلك اللحظة تضرب كفوفها ببعضها بضيق. -الست نيرة جاية دلوقتي. ونعمل حسابها في العشاء معاها. فأتقع وجه أمل. ونظرت إليهم حياة بدهشة لكرههم لها. -انتوا مبتحبوهاش ليه؟ فجلست نعمة على مقعدها مجددًا. -لأنها متتحبش أصلًا. وكادت أن تنصرف بعد أن شعرت بعدم تحملها أكثر. -تصبحوا على خير بقى يا قطاقيط. فضحكوا على ما نطقته. لتهتف أمل.
-عشان قطاقيط، دي إن عملتك الكيكة اللي وصفتهالي من وصفات الست كوكو. فشهقت حياة غير مصدقة. -عملتيها بالشيكولاتة؟ فابتسمت أمل وهي تمضغ طعامها. وأشارت نحو شيء. فنظرت حياة إلى ما تُشير، فكانت الكعكة ما زالت تنضج. -عشر دقايق بس. وغمزت بعينيها. -ولا عايزة تروحي تنامي؟ فحركت حياة رأسها كالأطفال وعينها بأيديها كي تزيل نعاسها. -أنام مين؟ لاء، أنا هقعد أهفهف.
ضحكت منيرة. وبعد دقائق كانت نعمة تُحضر ما عليها تحضيره لأجل الضيفة والسيد عمران. ونهضت أمل تنظر إلى الكعكة بسعادة لإتمامها المهمة بنجاح. -أمل تعالي ساعديني، عشان نحضر السفرة. نظرت أمل إلى حياة الجالسة وقد نسوا جميعًا ما أمر به عمران. -روحي ساعديها يا حياة الله يسعدك. لحد ما أجهزلك الكيكة.
فابتسمت حياة. وبدأت تُساعد نعمة. وأردفت إلى داخل الحجرة الواسعة الخاصة بالطعام. ولم تنبهر قط لأنها كانت معتادة على رؤية ذلك قديمًا. وبدأت تذهب وتأتي وهي تحمل ما تُحضره نعمة. ونظرت إلى ما فعلته برضى. وخرجت تتأمل أثاث المنزل حولها. فهي لم تدخله إلا عندما أتى بها صديق والدها. ومن يومها حدودها نحو المطبخ ومن الباب الخارجي ليس أكثر. وأنصدمت بجسد صلب. فشهقت مبتعدة.
فظل عمران ساكنًا بملامح جامدة دون أن يهتم بأنها كانت من الممكن أن تقع. وتمتمت باعتذار. -ما أخدتش بالي. فسألها بجمود. -كنتي بتعملي إيه هنا؟ -كنت بساعد نعمة. وأشارت نحو حجرة الطعام. فأدرك مقصدها. وأنصرفت من أمامه وهي تشعر بالخجل من حماقتها. فلولا شرودها ما كانت اصطدمت به. ليقف عمران يزفر أنفاسه بغضب. ثم صدح صوته عاليًا. -أمل. فتأتي أمل على صوته سريعًا. ونظرت إليه بقلق. واتبعته وهو يتجه نحو مكتبه. ليهتف بنبرة حازمة.
-أنا مش قولت البنت دي متدخلش البيت هنا خالص. وحدودها المطبخ بس. وكادت أن تتحدث أمل لنسيانها الأمر. إلا أنه. -البنت دي أكلها يروح لها في أوضتها. مفهوم؟ مش عايز ألمحها هنا تاني. فصعقت أمل من أمره وتمتمت. -يا فندم. وتمنت أن تخبره أن هي السبب. ولكن نظراته الباردة جعلتها تخشاه. فحركت رأسها بالإيجاب. وذهبت وهي تفكر بتلك الأخرى. وخرجت مطأطأة الرأس. فيُحرك بيده على ذقنه بغضب. ووجد نيرة تدخل إليه بملامح متعجبة.
-مالك يا عمران؟ إيه اللي حصل؟ *** حدقت أمل بحياة التي تأكل الكعكة وتضحك مع كل من منيرة ونعمة. ونعمة تضع لها بالمزيد فتأكل حتى أصبحت لا تستطيع التنفس. ورفعت بوجهها نحو أمل المُرتبكة. -تسلم إيدك يا أمل، طعمها طلع يجنن. هقول لكوكو إنك تفوقتي عليها. وضحكت وهي تتخيل ملامح العجوز كريستين عندما تخبرها بهذا. -ممكن تركبي أول طيارة على مصر وتيجي تعملك اختبار قدرات. فتعالت ضحكات كل من منيرة ونعمة. وأبتسمت أمل وداخلها يتساءل.
-ليه بيعاملها كده؟ ده حتى البيه اللي جابها وصى عليها. عمران بيه عمره ما عامل حد بالطريقة دي. ده ولا كأنه قلبه حجر. وتأملت ملامح حياة. ونهضت حياة من على مقعدها واتجهت إليها تُقبلها ثم وضعت بيدها على بطنها. -مش قادرة أتنفس. ربنا يسامحك يا أمولة. وأخذت كوب الشاي الذي كان موضوع أمامها. وبدأت ترتشفه وهي تُشاكسهم. فقد طار النعاس وذهب وجع جسدها مع كل هذا الدفء الذي أصبحت تشعر به بينهم.
وبعد وقت ليس بالقليل ودعتهم بمرح كعادتها. لتنظر منيرة نحو أمل التي تقف مرتبكة منذ مدة وكأنها تُريد أن تقول شيئًا. -مالك يا أمل؟ هو البيه قالك حاجة ضيقتك؟ فتَحمل أمل الأطباق المتسخة كي تنظفها. -عمران بيه أمر إننا نبعت لحياة الأكل في أوضتها. فعم الصمت في المكان متعجبين من هذا الأمر. -وقال مش عايز ألمحها جوه الفيلا هنا تاني. *** وقفت تتأمل الحديقة الواسعة بأستمتاع. وشعرت بوجع في معدتها بسبب ما أكلته.
وأنحنت نحو بطنها تدُبّب عليها بيدها. -لازم تتفجعي أوي كده؟ أهو مش قادرين نتنفس. ونظرت إلى المسافة التي بينها وبين حجرتها. وألتفت حولها فلم تجد أحدًا. وركضت ذهابًا وإيابًا لثلاث مرات. كان يقف أمام شرفة مكتبه يتأملها. ففي البداية كان متجه ليجلس على المقعد الذي خلف مكتبه. ولكن رؤيتها هكذا جذبته. فبدأ يُطالعها ونيرة تتحدث معه عن أحوال الشركة، الصفقة التي لابد أن يستعدوا من أجلها.
ف نيرة أصبحت تُدير شركة الأدوية بعد أن توفي مازن شقيقه، وهو أصبح مراقبًا ليس أكثر. فمجال الأدوية لم يستهويه يومًا. وبسبب ثقته بها ومعرفته لقدراتها ما كان عرض عليها ذلك. بجانب أنها ابنة أعز أصدقاء والده رحمه الله. فوجد أنها الأنسب، فهي تعد من العائلة. كما أنها أتمت دراستها بأمريكا حتى حصلت على الدكتوراه. وضحك بخفوت. لتتعجب نيرة التي وقفت خلفه لتُطالعه على أمر ما في الأوراق. -بتضحك على إيه يا عمران؟
فألتف عمران إليها. ووقف أمامها بطوله الفارع وجسده الذي ينبض رجولة ووقار. فأرتبكت قليلاً. لينظر إليها عمران وهو يطرد من عقله ما رآه وجعله يضحك دون شعور. فبعد أن أنهت ركضها، عادت تنظر يمينًا ويسارًا وهي أمام حجرتها. هيئتها وهي تميل مُلتفة هنا وهناك جعلتها أشبه بالسنجاب. ورغم بعد المسافة، إلا أن الإضاءة التي أمام حجرتها جعلتها مرئية بالنسبة له. وأنتظرت نيرة رده، إلا أنه لم يجيب عليها إلا بما يتعلق بالعمل. ***
وقفت فرح أمام المزرعة الفخمة التي لا تقل فخامة عن مزرعة عائلة العمري. وأقتربت من الحارس الجالس أمامها متسائلة. -ممكن أقابل صاحب المزرعة. نظر إليها الحارس بملامح باردة وهو يرتشف من كوب الشاي الذي تتصاعد أبخرته. -مسافر. تنهدت فرح بضيق من تلك الطريقة التي يُحادثها بها ذلك الرجل. وعندما لاحظ نظراتها نحوه، ربت على بندقيته. لتهتف داخلها. -فكرني هخاف من البتاعة دي.
وحاولت أن تستجمع كل هدوئها من أجل الحديث مع ذلك الرجل العجيب الذي بدأ يُداعب شاربه. -وهييجي إمتى؟ ممكن أعرف؟ نظر إليها بنظرات ضيقة وهتف بقرف. -معرفش. فصدح صوتها عاليًا بعد أن لم تعد تحتمل. -الصبر يا رب.
وألتفت بجسدها قليلاً. ثم عادت تنظر إلى الجالس بكل غطرسة وغلظة وهي تفكر كيف ستصل إلى صاحب تلك المزرعة. فهي تحتاج الأرض التي بجانب الملجأ كي تعمل على توسيعه. وعندما سألت عن صاحبها علمت أنها ملك عائلة القاضي. صاحب تلك المزرعة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!