احتضنتها عمتها بفرحة عندما أخبرتها بأنها ستتولى إدارة الملجأ الذي أنشأته عائلة زوج عمتها الراحل. ومنذ أن فتح الله عليها، لم تكن عمتها إلا داعمة لها بشدة. "فكرة جميلة يا فرح." فابتسمت فرح بشحوب وهي تخبرها أنها ستذهب. كان ذهابها بمثابة صدمة لها ولمدير الملجأ الحالي. تأملت ساحة الملجأ وكيف الأطفال يعملون بثياب رثة ويحملون القمامة بأيديهم. وداخلها يتساءل: هل هذا ما يتلقاه هؤلاء الأيتام من معاملة طيبة؟
هي تعلم أن ابن عمتها يبعث الأموال دوماً ويتكفل بكل صغيرة وكبيرة. ولكن، كالعادة، الطمع هو سيد أي شيء، حتى لو كان على حساب اليتيم والمحتاج. وبدأت تلتقط بعض الصور بهاتفها قبل أن يراها أحد. لتجد يدًا تربت على كتفها. "أنتِ يا آنسة، هاتي تليفونك ده. أنتِ شكلك صحفية ولا إيه؟ فالتفتت فرح إلى صاحبة الصوت وقد ظهر الاشمئزاز على وجهها. "آه صحفية، وهوديكم في ستين داهية." فأخذت منها الهاتف بقوة. وداسَت عليه تحت قدميها.
لتنظر فرح إلى هاتفها بغل، وكادت أن تهجم عليها لفعلتها الوقحة. إلا أن أحدهم اقترب سريعاً من تلك الواقفة هامساً. "دي قريبت عيلة العمري، هتودينا في داهية يا غبية." وبدأ القلق يظهر على ملامح المرأة. وخرج صوتها باضطراب. "منورة يا هانم! *** جلسوا بالمطبخ يفكرون من الذي سيصطحبها للعمل. فالسيد عمران، بعد أن علم من أوصلها أمس، تبدلت ملامحه وأمر صالح أن لا يصطحبها مجدداً بالسيارة.
الكل أصبح يشعر بوجود شيء عجيب بسيدهم، لم يكن قاسياً لتلك الدرجة. فحتى هم لم يُعاملهم يوماً هكذا، رغم أنهم خدم لديه. لتخبرهم أمل بعد تفكير. "وصلها أنت يا عم صالح، وعرفها الطريق إزاي. البيه كده كده بيسوق أغلب الوقت عربيته بنفسه، واحنا كمان مش محتاجين حاجة النهارده منك." فأطالَعها صالح بعد أن أطوى الجريدة مفكراً. "مع إن الطريق متعب، بس أمري لله." فتتجه نحوهم نعمة بلهفة بعد أن لمحت حياة تقترب من الباب الخلفي للمطبخ.
"محدش يجيب لها سيرة اللي قاله الباشا. بلاش نجرحها." وبالفعل قد صمتوا. لتردف إليهم حياة كي تتناول فطورها معهم. "صباح الخير! وابتسمت ابتسامتها الهادئة. وانضمت لهم تمزح معهم بطيب خاطر، بل وبدأت تسأل كل واحد منهم عن حاله. الكل بدأ يحبها كما لو عرفوها منذ سنين. وانتهى الفطور. فحملت حياة حقيبتها وهي تتمنى أن تتأقلم على تلك الوظيفة. فطيلة الليل كانت تضمد جراح قلبها، تخبره بالصبر والتحمل.
فحياة الدلال والرفاهية قد انتهى زمنها، وقد اعتادت على حياتها تلك. فهي الآن تبحث عن قوت يومها. وسارت للخارج تنتظر صالح الذي أخبرها أنه سيوصلها لمقر عملها. وقد ظنت أنها ستركب كالأمس تلك السيارة الفخمة. ولكن وجدت صالح يقودها خارجاً لتبدأ رحلة المواصلات العامة. فلم تسأل عن السبب وفضلت الصمت. لتتصل للشركة بعد إرهاق. فيبتسم لها صالح قائلاً. "أتمنى تكوني حفظتي الطريق يا حياة يا بنتي." لتُحرك حياة رأسها بيأس.
وعندما وجدت علامات التعب على ذلك الرجل الطيب. "بس هتعلم يا عم صالح، متخافش عليا." فابتسم لها صالح بود وهو يتساءل داخله. "ليه عايز تبهدلها كده يا عمران بيه؟ البنت طيبة وشكلها بنت ناس ومش وش بهدلة." وفاق من شروده على صوت حياة. "قولي بس أركب إيه وأنا راجعة." وأخرج لها مفكرتها الصغيرة. ليُدون لها اسم المجمع السكني الذي يضم الطبقة الثرية التي تقطنها حالياً. "لما تخلصي شغلك.. اطلعي على الطريق ده." وأشار اتجاه الطريق.
وأكمل. "وخدي تاكسي أفضل ليكي من بهدلة المواصلات العادية." وتساءل بقلق. "معاكي فلوس مش كده؟ فابتسمت حياة كعادتها. "آه معايا، متقلقش." ويودعها صالح. فتخطو بخطوات سريعة نحو الشركة التي أتت بها بالأمس وهي تظن أنها ستحصل على ما تتمنى. ولكني يبدو أن الحياة ليست هينة. *** كان الكل يحييه باحترام وهو يسير بزهو كالنجوم. لتقع عيناه عليها وهي تسير مع أحد الموظفين يُحادثها عن طبيعة عملها ودوامها. فابتسم وهو يرى ابتسامتها.
"قريب قوي هتختفي ابتسامتك دي." *** ربت على كتف مساعده الشخصي بود وهو يخبره. "مش مهم يا طارق، شوف لي حد غيرك. وياسيدي مبروك على الوظيفة الجديدة." ليبتسم المدعو طارق لمن كان رئيسه. "حاضر يا أستاذ أمجد." وجلس أمجد على مقعده وهو يقرأ بعض الأوراق. فهو من يدير القناة الفضائية التي يمولها أخيه عمران، بجانب أنه لديه برنامجه الخاص. فيعلو رنين هاتفه. لينظر إلى رقم المتصل بقلق. "أيوه يا ست الكل." تابع دون تصديق. "فرح!
تخبره فرح بكل ما حدث معها اليوم بأنفاس متقطعة. فيهب من جلسته وهو يلقي الأوراق جانباً. "أنا جاي حالا البلد." وبدأ يسب بألفاظ لم تسمعها منه من قبل. لتنظر لها عمتها متسائلة. "ماكلمتيش عمران ليه؟ كان هيحلك الحكاية في مكالمة تليفون." وعندما وجدت صمت ابنة أخيها، علمت أن الصغيرة ما زالت ترى أمجد بطلها كما اعتادت. *** انتهت استراحة عمل الموظفين وجاء وقت استراحتهم هم أيضاً.
لتنظر إلى طيف آخر موظفة بهيئتها المنمقة تغادر القاعة المخصصة لاستراحة الموظفين. ثم وقعت عيناها بألم على الزي الخاص بالعمل الذي تلبسه. فكانت تتمنى أن تكون مثلهم. لتفيق على صوت زميلتها. "حياة، هتتغدي معانا؟ فحركت رأسها بالإيجاب وهي تتمتم. "أنا جعانة جداً يا منار." فضحكت منار وهي تتأملها. "طب يلا تعالي نتغدا إحنا بقى، قبل ما تاكليني أنا والواد رامي." منار ورامي كانوا خريجي معهد.
ولكن حالهم كما أخبروها في بداية تعارفهم في الصباح. إنه حال جميع الشباب: "لا أحد يعمل كما يتمنى أو يحب." ومرت الساعات المتبقية وانتهى الدوام. وطلبت من رامي ومنار أن يساعداها بإيجاد سيارة أجرة كي تذهب لمنزلها. في البداية ضحك كل منهما قائلين. "شكلك هتخلصي فلوسك على النزاهة، ومرتبك هيضيع أول بأول." ولكن ساعداها كما رغبت. وبالفعل قد دفعت أجرة لا بأس بها عندما علم السائق بوجهتها التي لا يقطنها سوى الأثرياء. ***
تمتمت أمل بضيق لا يسمعه سواها بعد أن وضعت الطعام. "ما يتجوزها ونخلص بقى." ليقترب عمران مع ضيفته التي عزمت نفسها من أجل أن تناقشه في بعض الأعمال. ولم تكن سوى "نيرة". وتنحت أمل جانباً بعد أن دخلوا غرفة الطعام. وطالعت نيرة بضيق. وسريعاً ما رسمت ابتسامة على شفتيها عندما أمرها عمران. "خلاص يا أمل، اتفضلي أنتِ." وأنصرفت أمل. وذهبت نحو المطبخ. فوجدت حياة تجلس تتناول طعامها. فجلست تتساءل بفضول. "احكيلي عملتي إيه في أول يوم؟
وتابعت بحالمية. "يااا، التعليم حلو يا ولاد. أكيد طبعاً ليكي مكتب وقاعدة تحت التكييف يا حياة." فضحكت حياة وهي تبتلع طعامها بصعوبة. فماذا ستخبرها؟ هل ستخبرها أنها تعمل مثلهم، ولكن الاختلاف في المكان ليس أكثر؟ فخجلت من أن تحكي حقيقة وضعها. وفضلت أن تقول عبارة مختصرة حتى لا تكون كاذبة. "آه شغل زي أي شغل يا أمل، وما فيش شغل مريح." وأشارت نحو المكيف بالمطبخ. "ما أنتي قاعدة في التكييف أهو يا حقودة." فضحكت كل من منيرة وأمل.
"والله يا حياة أنا مش عارفة إنتي إزاي كنتي عايشة كل السنين اللي فاتت في بلاد الخواجات وبتتكلمي عادي زينا." فردت ضاحكة. "لسة برضه مبقتش بنت مصرية أصيلة، محتاجة كورس مكثف منكم." ووضعت نعمة بطبق طعام آخر أمامها. "والله يا حياة يا أختي، في ناس بتتمنى تغير الجنسية أصلاً." فتساءلت ببلاهة وهي تمضغ الطعام. "ليه بتقولي كده يا نعمة؟ وبدأوا يحكون لها عن المعاناة التي يعيشونها من غلو الأسعار وسوء المعيشة.
فكانت تسمعهم وهي تشفق على حال كل منهما. وقد نسيت حالها وحياتها. *** ضم أمجد والدته بذراعيه. وبدأ يقص عليها ما فعلته ابنة أخيه. "وانتي كنتي فاكرة فرح يا ماما سكتت ليهم؟ مش عايز أقولك عملت إيه في المديرة." وتابع وهو يتأمل ملامح ابنة خاله. ثم نظر إلى والدته التي تنتظر أن يتابع حديثه. "دي عضتها يا ماما." فنهضت فرح من جلستها وقد كسا وجهها معالم الغضب.
"لو كانوا سابوني عليها كنت موتها. دي بتشغل الأطفال وبتضربهم وتحرقهم، وبتاخد فلوس التبرعات ليها وللموظفين اللي مشغلاهم معاها. دول عصابة." فابتسم أمجد وهو يطالعها. وهتف بدعابة. "يا واد يا متشرد إنت يا جامد." لتنظر إليه فرح بغل. فتبتسم عمتها على أفعالهم. وفجأة صرخ أمجد وهو يشعر بشيء يصدم وجهه. "بتضربيني بالمخدة يافرح؟ أما أوريكِ." وركض خلفها. لتركض هي الأخرى. وعمتها تطالعهم وداخلها تتمنى أن تراهم زوجين. ***
أنهت جلستها الدافئة وخرجت كما دخلت. وسارت نحو غرفتها. لتقع عيناها على فتاة ترتدي ثياباً فخمة وتقف بجانب سيارة حمراء أنثوية. وأمامها عمران يتحدثان وهي تبتسم مع كل كلمة تخرج من فاها. إلى أن حان وقت انصرافها. فأقتربت منه تُقبل وجنتيه وقد أطالت قبلتها. فأَطرَقَت رأسها بخجل وأكملت طريقها لتتطفل عليهم. فالفتاة قد رأتها. وأشارت نيرة اتجاهها. "مين دي يا عمران؟ فنظر عمران نحو ما تُشير إليه. فضاقت عيناه ببرود.
"ومن إمتى وإنتي بتسألي في حاجة متخصكيش يا نيرة؟ ألجمتها عباراته. ولكنها أصبحت معتادة على أسلوبه هذا. وأبتسمت بحرج وهي تصعد سيارتها. "أوك، تصبح على خير." وقف يُطالع الغرفة التي تسكنها حياة. وزفر أنفاسه بضيق. والقسوة تتغلل داخل قلبه. *** استيقظ من نومه على جرس الباب. فنظر إلى هاتفه فوجد الوقت قد تخطى الحادية عشر. ونهض بتكاسل. فسفره إلى المزرعة ورجوعه في نفس اليوم قد أرهقه. وأخذ يفرك عيناه ثم خصلات شعره.
وقبض على مقبض الباب وهو يلعن الطارق بداخله. ونظر بصدمة إلى التي تقف أمامه. "نهى! فتصنعت نهى الخجل وطأطأت رأسها لأسفل. "أسفة إني صحيت حضرتك من النوم." فطالعها أمجد بتساءل عن قدومها العجيب إليه. "خير يا نهى؟ انتي عرفتي عنوان شقتي من مين؟ فأرتبكت بتصنع. "هو طارق مقلش لحضرتك؟ فزفر أمجد أنفاسه بضيق. وأشار لها بالدخول. فوقفتهم هذه ستطول وهو أصبح يشعر بالملل. "نهى، أخلصي قولي إنتي جاية ليه، طارق مقليش حاجة."
فأزداد ارتباكها. "أنا المساعدة الشخصية لحضرتك بدل طارق." فطالعها أمجد هاتفاً بدهشة. "نعم، أنا قولت لطارق عايز راجل مش بنته." وأردف بخطوات سريعة لغرفته كي يجلب هاتفه. وخرج مجدداً لها. وقبل أن يُهاتف طارق. أقتربت منه. "أنا محتاجة الوظيفة دي يا مستر أمجد، أرجوك! فبدأ ينظر لها. فكيف لفتاة مثلها ترتدي ثياباً تحمل الماركات وتريد مثل تلك الوظيفة.
وبدأت تحكي له عن رغبتها في العمل ليس من أجل المال، ولكن من أجل أن تبتعد عن المشاكل الأسرية مع زوجة أبيها. وسقطت دموعها وهي تترجاه بأن العمل هو الشيء الوحيد الذي يُنسيها زواج والدها من أخرى بعد أن توفت والدتها منذ تسعة أعوام. ونظرت إليه بتوجس تتمنى أن ترى في عينيه الموافقة. ووجدت بالفعل ما تمنت. ليزفر أمجد أنفاسه بتأفف. "خلاص يا نهى، بس افهمي أنا في شغلي مبحبش الدلع ومعنديش تجاوز في أي حاجة ولا بحب الإهمال، مفهوم؟
فابتسمت بعد أن مسحت دموعها. فأول خطوات قربها منه قد بدأت. هي لم تكذب عليه بشأن حياتها. ولكن خطتها في القرب منه كان هو هدفها الأساسي من هذا العمل. وهتفت سريعاً. "متقلقش، طارق فهمني كل حاجة وأوعدك هكون عند حسن ظن حضرتك." فضحك عقب جملتها الأخيرة. وتحرك نحو غرفته مجدداً. "طب يا نهى، ممكن تعمليلي فنجان قهوة لحد ما أجهز؟ وما كان منها سوى الانصياع لطلبه وهي تتمتم بداخلها بحالمية.
"مش متخيلة في يوم ممكن أكون مرات أمجد العمري." *** جف حلقها وهي تستمع إلى عبارات منار تخبرها بأن بعد إنهاء الدوام لديهم دوام آخر وهو العمل في قسم النظافة. فتنظيف الشركة مسؤولية عليهم. صحيح أن تنظيف الأدوار والمكاتب لا يكون يومياً، ولكن يوم بيوم وهذا هو اليوم المخصص. فصعقت حياة وهي لا تستوعب شيئاً. فقد أخبرها أن عملها هنا ليس أكثر. ونهضت من فوق مقعدها وسارت بخطي سريعة نحو مكتبه بعد أن تجاهلت نداء منار عليها.
"ممكن أقابل عمران بيه؟ فتأملت السكرتيرة زي عملها الخاص بعمال البوفيه. "لو في مشكلة معاكي، بلغي بيها شئون العاملين." وتجاهلتها وعادت لتفحص الحاسوب الذي أمامها. فاندفعت حياة داخل مكتبه. لتسرع الأخرى خلفها. "أنتي يا آنسة." ولكن بالفعل قد أصبحت داخل المكتب. ليرفع عمران رأسه نحو التي اقتحمت مكتبه دون إذن. ثم أشار لسكرتيرته. "اخرجي أنتي يا نجوى." فأنصاعت نجوى لأمره. ونظر إلى التي تقف أمامه بوجه محتقن.
"دخولك بالطريقة الهمجية دي ميتكررش تاني." ثم تابع بقسوة. "قولي اللي عندك لأني مش فاضي." فطالعته بكره، لم تعرفه يوماً. "إنت قولتلي إني هشتغل في البوفيه مش في النضافة." فنهض عمران من فوق مقعده. ووضع بكلتا يديه في جيبي سرواله. وهو يستنكر جملتها. "الكلام ده تتكلميه مع شئون العاملين يا آنسة. اتفضلي لأني مش فاضي للكلام ده." وكادت أن تتحدث إلا أنه أشار بيده أن تنصرف. فشعرت بالحرج من تصرفه وانصرفت وهي تقاوم ذرف دموعها.
وسارت في الممر الطويل بعيداً عن مكتبه وهي تخرج هاتفها. فقد قررت أن تهاتف عمها حسام. فلم تعد تتحمل ذلك القاسي الذي استأمنه عليها وأخبرها أنها في مأمن إلى أن يعود. ولكن الرد كان "الهاتف مغلق". ووقفت تمسح وجهها بضعف. ثم تذكرت صديقتها فرح. وكانت الإجابة كما اعتادت "أن الهاتف أيضاً مغلق". *** استقبلتها منار ورامي بقلق. "روحتي فين ياحياة؟ فنظرت إليهم والكلام الذي سمعته من شئون العاملين مازال يتردد صداه في أذنيها.
فهم أخبروها أن هذا العمل ضمن عملها وأن ذلك يزيد راتبها ويحسن منه. وعندما لم تجد منار رداً منها. مازحتها بلطافة. "كنا زيك كده بس اتعودنا. يا حياة، أكل العيش مر ومش عايز كبر." ثم هتف رامي بأسى. "لو اعترضتي هيقولولك مع السلامة. إحنا روحنا أو جينا مجرد عمال مش أكتر." لم تجد رداً تخبرهم به. فصمتت. كل يوم أصبحت تتعلم وترى أشياء لم تراها من قبل. وبدأت تخبر نفسها "حياة الرفاهية والغطرسة انتهت يا حياة."
وأفاقت على جملة منار الأخيرة. "متقلقيش، محدش بيشوفنا من الموظفين غير بتوع الأمن، لأننا بننضف الشركة بعد انتهاء العمل." وكأن هذا ما كانت تنتظره وأرادت منار أن تطمئنها به. فلم يكن ذلك الأمر يشغلها، ولكن أصبح ما باليد حيلة وستتحمل إلى أن يأتي عمها حسام ويأخذها لبيته. ثم كما وعدها بوظيفة مرموقة بشركته التي سينشأها هنا. *** ابتسمت فرح بظفر بعد أن أمر عمران بإقالة كل العاملين. وجلب آخرين يكونون تحت إشرافها.
ونظرت إلى المبنى الخاص بالملجأ وهدفها الجديد قد بدأ. فستعطي لهؤلاء الأطفال كل الحنان الذي فقدوه. ستمحي عنهم قسوة الأيام وستنسي معهم وجعها. فقد أخبرت عمتها صباحاً أنها لن تعود للقاهرة حالياً. ولو أرادت الرحيل فترحل. ولكن عمتها الحنونة أخبرتها أنها لن تتركها. كما أن الحياة الهادئة والهواء الجميل هنا قد أراحها وستظل معها. فالمسافة أيضاً بين المزرعة والقاهرة لا تتخطى الساعتين. *** وصلت حياة أنهكتها غرفتها.
فلم تعد تشعر بقدميها ولا يديها. لتسرع أمل نحوها. "أتأخرتي كده ليه يا حياة؟ قلقنا عليكِ." فابتسمت لها حياة بضعف. "متقلقيش يا أمل، كان عندي شغل إضافي في الشركة." فربتت أمل على ذراعها. فتأوهت. "أنا آسفة يا حياة، ماله دراعك يا حبيبتي؟ فلم تعرف بما ستجيبها. أتخبرها أنها كانت تنظف الغبار وتمسح الأرضيات؟ فتمتمت بهدوء وهي تفتح نور غرفتها. "لأ، هو وجعني لوحدي. مش عارفة، يمكن أكون اتخبطت فيه من غير ما آخد بالي."
فطالعتها أمل بحنو. "هتيجي المطبخ تتعشي ولا أجيبلك الأكل هنا؟ فابتسمت لها وهي تخلع حذائها. "لو مش هتبعك يا أمل، ممكن تجبهولي هنا." فأتسعت ابتسامة أمل. ورحلت وهي تهتف. "تعبك راحة يا حياة." *** أغلق حاسوبه بضيق وصورتها اليوم تقتحم عقله. وكلما رآها تذكر والدها فيزداد مقته عليها. ونهض من فوق مقعده. ووقف أمام شرفة مكتبه يُطالع الحديقة الواسعة.
إلى أن وقعت عيناه على أمل تحمل صنية طعام وتتجه نحو غرفة تلك التي تظن أنها هانم هنا. "فاكرة نفسك هانم يابنت محمود." وعزم داخله أن يخبرهم غداً أن لا أحد منهم يذهب لها بطعام. فإذا أرادت شيئاً تأتي لتأخذه. فهي ليست بهانم وهم خدمها. أما هي جلست تتناول طعامها بنعاس. وحمدت ربها أنها صلت فرضها. فالنعاس يُغلبها. لتضحك أمل على هيئتها. "شكلك تعبتي النهارده يا حياة." وتسألت. "أومال هتعملي إيه لو كنتي بتشتغلي زينا؟
فأرتشفت حياة الماء وهي تود أن تخبرها أن لا فرق بينهم. ولكن كما اعتادت الصمت هو الأنسب دوماً. "شكراً يا أمل، الحمد لله شبعت. تسلم إيدك." فحملت أمل الطعام وودعتها. لتذهب هي نحو فراشها. وضمت وسادتها إليها وشرعت في البكاء إلى أن غفت.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!