أرتدت حذائها بسرعة بالغة كي تلحق موعد الإفطار معهم ثم تذهب إلى عملها. حملت حقيبتها الصغيرة بعد أن هندمت حجابها واتجهت نحو باب الغرفة كي تفتحه، لتجد نعمة تحمل صينية فطور وكانت للتو واقفة أمام باب الحجرة. تأملتها حياة بدهشة ونظرت إلى أطباق الطعام. "لمين الفطور ده؟ فابتسمت نعمة وهي تردف لداخل الغرفة، وأعادت الحديث الذي اتفقت عليه مع كل من أمل ومنيرة كي لا يخبراها بالسبب الحقيقي.
"حبينا ندلعك شوية يا حياة ونجبلك الأكل لحد عندك." وألتفت نحوها بعد أن وضعت صينية الإفطار. "ولا أنتي مبتحبيش الراحة؟ فأقتربت منها حياة مبتسمة دون أن تعي شيئاً. "بس أنا بحب الأكل معاكم في المطبخ، ولو على الدلع فأنا مش عايزة أدلع." تأملتها نعمة قليلاً، لتجد أن الأمر الذي سينقذها أن تتحجج بعملها. "معلش يا حياة لازم أرجع المطبخ عشان أحضر فطار البيه." وسارت بخطوات سريعة هاتفة: "افطري وسيبي الصينية، هاجي أخدها متقلقيش."
واختفت نعمة من أمامها قبل أن ترد. نظرت حياة إلى الطعام، وجلست تأكل دون شهية ولكن لم تفكر بالأمر، فاعتبرته تدليلاً منهم. *** قبلت فرح عمتها الجالسة في الحديقة تحتسي كوب الشاي خاصتها وتستمتع بالهواء النقي. فابتسمت ليلي بحنان. "رايحة الدار يا فرح؟ فجلست تحتسي فنجان القهوة معها. "أيوه يا عمتو." زفرت أنفاسها بارتباك.
"عمتو لو عايزة ترجعي القاهرة وقلقانة عليا، ارجعي. أنا اتعودت على العيشة هنا وحاسة براحة ومعنديش استعداد حالياً أرجع." مالت ليلي بجسدها، وربتت على يدها بحنو. "مين قالك إني عايزة أرجع؟ ما أنا قولتلك إني حبيت العيشة هنا. ولو على عمران وأمجد، فمدام أنا مرتاحة في مكان هما كمان بيبقوا مرتاحين." فازدادت سعادة فرح، برغبة عمتها في العيش هنا. *** سارت نحو سيارتها وهي تعبث بهاتفها، ووضعت الهاتف على أذنها لتنتظر رده.
ليأتيها صوت أمجد الناعس. "عايزة إيه يا مزعجة؟ فابتسمت فرح وبدأ قلبها يخفق بهيام وهتفت بمزاح وهي تقف بجانب سيارتها. "المزعجة عايزة خدمة صغيرة أد كده." فضحك أمجد بقوة، بعد أن اعتدل بجسده. "أنا قولت برضه كده، أنتي متعرفنيش غير عشان مصايبك. قولي يا هانم." فضحكت وبدأت تقص عليه حكاية الأرض التي تريد شراءها، واسم صاحب المزرعة تلك. تنهد أمجد بعد أن استمع إليها.
"حاضر يا فرح، كل اللي انتي عايزاه هيحصل. هتكلم مع عمران والأرض هتكون ليكي." وعندما أخبرته أنها ستشتريها من حسابها الخاص، صدح صوت أمجد. "اقفلي يا فرح بدل ما أزعلك." وابتسمت بعد أن أغلقت معه الهاتف، فأبناء عمتها دوماً كانوا فخرها. وتلك التربية تعود إلى جدهم الرجل الصعيدي ووالدهم، فكانوا رجالاً حتى وهم أطفال. وجاء بذهنها صورة أمجد، وقلبها بدأ يتمنى أمنيته المعتادة. ***
كانت تركض على الدرجات الخاصة بمدخل الشركة، وفي تلك اللحظة كان يسير هو موازياً لها، وخطت بخطوات سريعة فتجاوزته، لتنصدم بكتف أحد الرجال دون قصد منها. فيعتذر الرجل، وتبتسم وهي تقبل اعتذاره، فهي أيضاً مخطئة ولم تكن تعي تلك النظرات القاتمة التي يُطالعها بها عمران، فهي من الأساس لم تراه بسبب هرولتها كالأطفال. وقبض على يده بقوة. "متهورة."
وأكمل خطاه المتعجرفة ونظرات موظفينه تخترقه، وخاصة النساء، فلا أحد يصدق أن هذا الرجل لم يتزوج إلى الآن رغم كل ما يمتلكه من مال. *** وقفت مها تستمع إلى كلماته الحازمة، فمروان الرجل الذي أحبته ووقعت بغرامه قد تحول وأصبح نسخة لرجل لا تعرفه. أصبح لا يبتسم بوجهها حتى، ولطافته في الحديث لم تعد. وشعرت بوخز بقلبها، وجمعت الأوراق التي وضع إمضاته عليها، فهو الآن أصبح مديرها المباشر بعد أن ألقى عمران على كاهله كل الأعمال.
وغادرت الغرفة وهي تحارب دموعها، وعقلها يخبزها: "انتي من رسمتي أوهامك بنفسك، فلتتحملي." فهي من ترجمت نظراته وابتسامته لها كأنها خاصة بها وحدها، كأنها نظرات عاشق، ولكن هو كان يتعامل بطبيعته. وعندما غادرت نظر مروان إلى طيفها. "انتي بالذات يا مها، لاء." فمنذ أن عملت معه وهو يراها كالملاك، رغم أنها بدأت تتغير تدريجياً لتصبح مسخاً من هؤلاء النسوة اللاتي يعرفهن. ***
خرج أمجد من غرفته وشعره مازال رطباً من أثر الاستحمام، لترفع نهى وجهها نحوه بعد أن وضعت طعام الفطور الخاص به، فمن مهمتها كمساعدة شخصية أن تأتي في العاشرة لتعد له الفطور وتبدأ بمراجعة أعماله اليومية. وعندما شعر بنظراتها الشاردة نحوه، اقترب منها يفرقع أصابعه أمام عينيها. فارتبكت نهى، ليضحك أمجد. "صباح الخير يا نهى." فابتسمت نهى وهي تتجه نحو المطبخ مجدداً كي تجلب قهوته. "صباح الخير يا فندم."
وقفت تنتظر إعداد القهوة من الماكينة الخاصة بها، وهي تتساءل متى ستصل لغايتها. ولم تشعر به داخل المطبخ، فقد جاء ليجلب له كأس ماء له بعد أن هتف باسمها مراراً، ولكن بسبب شرودها لم تسمعه. شهقت بفزع وهي تسمع صوته القريب منها، ليضحك أمجد على هيئتها. "آسفة يا فندم، أصلي سرحت شوية." فتناول أمجد كأس الماء وبدأ يرتشف منه. "مش مهم خلاص."
وقبل أن يكمل كلامه كانت القهوة تفيض من الكوب الموضوع أسفل الماكينة، لترتبك بعد أن سمعت صوته يلفت انتباهها. وأسرع يغلق الماكينة ثم جلب المناديل، يُجفف ما فاض. فأقتربت منه تشتم نفسها على غبائها. "آسفة، مكنتش أقصد." فتمتم بهدوء بعد أن جفف يديه. "مفيش مشكلة." ونظر إليها وهي مرتبكة، فقد كان ارتباكه يقوده لمشاعر لا يريدها أن تحدث. وخرج سريعاً من المطبخ كي يصرف عيناه عنها.
فتأملته وهو يغادر بضيق، فكلما شعرت بأنها نجحت، خاب أملها. وأنهت تنظيف ما سببته ثم أعدت له القهوة من جديد. فوجدته جالس يتناول إفطاره، وينظر إلى الجهاز الإلكتروني يتصفح أخبار اليوم ويشاهد آراء متابعينه عن حلقة أمس. ووضعت القهوة أمامه، وجلست تخبره عن أعماله اليوم.
لا يعلم لماذا أراد أن يظل يتأملها وهي هكذا، وتأملها بصمت وهو يحتسي قهوته. وعندما رفعت عيناها عن الجهاز الخاص بعملها توترت قليلاً وهي تراه يُحدق بها. وسقطت خصلة من شعرها المصبوغ وكادت أن ترفعها. فأقترب هو منها ولامس وجهها ثم رفع تلك الخصلة وهو يطالعها. "لون شعرك الحقيقي إيه يا نهى؟ تمتمت نهى بحرج، ويداه مازالت على وجهها. "أسود." فأبتسم وهو يطالع ملامحها. "هيكون أحلى على فكرة."
فتسعت ابتسامتها لا إرادياً، ليجد نفسه دون شعور يدنو منها يُقبل وجنتها برقة. وكانت هذه أول خطواتها نجاحاً. *** أنهت حياة عملها وقررت أن تتجول قليلاً قبل أن تعود لمكان إقامتها. وعندما عرضت على منار ذلك كانت الأخرى سعيدة، فهم اليوم ليس لديهم وردية ثانية والتي تنهكهم بسبب تنظيف الشركة. "هديكي أفخم حتت للهدوم بس هنتفرج بس." تابعت ضاحكة. "مش هنقدر إحنا على الأسعار دي."
فابتسمت وتذكرت حياتها السابقة والثراء الذي كانت تعيش فيه، وكيف كانت ملابسها جميعها تحمل العلامات التجارية الفخمة. وتجولوا وهم يأكلون المثلجات ويطالعون الملابس المعروضة بفيتارين المحلات، لتهتف حياة بمنار. "منار، إيه رأيك في الفستان ده؟ فحدقت منار بسعر الفستان بصدمة. "حلو بس غالي أوي يا حياة على ناس زينا." وجذبتها من ذراعها وهي تتابع. "بلاش تتفرجي على حاجات مش قدنا وتتحسري." فوقفت حياة وهي تلتف للمحل مرة أخرى.
"وأتحسر ليه؟ أنا مش هتحسر، أنا هجمع المبلغ وأشتريه بس بعد شهرين كده." فنظرت إليها منار قليلاً ثم ضحكت. "والله يا حياة أنا ساعات كتير بحسك طفلة." وتسألت. "انتي قولتيلي عندك كام سنة؟ فابتسمت حياة وهي تسير أمامها. "عيب تسألي ليدز عن سنها، ثم تابعت ضاحكة. "على العموم 23." وما كان من منار ثم أن انفجرت ضاحكة. "ماشي يا ست ليدز، يا اللي جيالنا من بلاد بره."
وانقضى اليوم وهم يمزحون ويتجولون، فذهبت كل منهما بطريقها المختلف. وكانت لأول مرة منار تسألها عن مكان إقامتها، وعندما علمت بالتجمع الذي تعيش فيه كان ردها. "طلعتي غنية من ورايا يا حياة." ولكن حياة أفهمتها وضعها بأنها تعيش مجرد ضيفة إلى أن يعود صديق والدها دون أن تخبرها بهوية من تعيش معه، ففي النهاية هو صاحب الشركة التي تعمل بها. ***
جلست حياة على فراشها بإنهاك وهي تخلع حذائها، ثم بدأت تفرك قدميها بتعب، وتمددت على الفراش وهي تتذكر الفستان الذي أعجبها تصميمه ولونه، حتى أنها بدأت ترسم نفسه به وهي ترتديه، فقد كان فستان للمحجبات ذات تصميم عصري محتشم.
وتذكرت سعره، وبدأت تحسبه بعقلها من مال تقضيه ومال توفره، فقررت أن توفر كل شهر من راتبها الذي يأخذ أكثر من نصفه سيارة الأجرة التي تأخذها في الذهاب والعودة، فهي تجهل الطرق ولا تعرف كيف تركب المواصلات العامة كما أخبرتها منار سابقاً أنها أوفر لأمثالهم. وضربت جبهتها وهي تتذكر الهدية التي ستجلبها لمنيرة، فعيد الأم على مقربة، وكل من نعمة وأمل أخبرتها أنهم يجلبون لها هدية في تلك المناسبة لأن منيرة ليس لديها أطفال.
فمنيرة الوحيدة التي تعيش هنا منذ أن كان زوجها يعمل سائقاً لوالد عمران إلى أن توفاه الله. وقطع شرودها صوت طرقات على باب غرفتها، لتذهب لفتحه متذكرة موعد العشاء، ووجدت أمل تحمل صينية الطعام. وأردفت للداخل دون كلمة ثم وضعت الطعام. فنظرت حياة إلى الطعام ثم إليها. "أوعي تقوليلي زي نعمة إنكم بتدليلوني وعايزين راحتي."
فابتسمت أمل بارتباك وهي تشعر بالضيق من هذا القرار، ولأول مرة تشعر بالحنق منه، وأكثر ما يحيرها أن هذا ليس من طباعه، فلو كانت السيدة ليلي هنا لقد أفهمتهم سبب تصرفه، حتى أنها لن تسمح بهذا، فهي طيبة القلب تكرم ضيوفها بشدة، ولكن هذا الأمر به شيء عجيب. وأقتربت حياة من أمل وصرخت بوجهها، لتفزع أمل من تصرفها الطفولي، فأنفجرت حياة ضاحكة. لتوقظها أمل بخفة. "الأكل أه، عايزاكي تخلصيه كله." وخطت بخطوات سريعة نحو الخارج.
"وزي ما نعمة قالتلك بندلعك يا برنسيسة حياة." *** قضمت فرح أظافرها وهي تزفر أنفاسها بغضب، فأمجد وعدها أن يأتي اليوم وقد أخلف وعده لأول مرة. ورفعت هاتفها كي تهاتفها، فموعد برنامجه قد انتهى منذ ساعة وأكثر، وبدأ الرنين يعلو ولكن لا مجيب.
نظر أمجد إلى هاتفه الذي يهتز، ولم يُكلف نفسه عناء بأن يرى المتصل، ذهب حيث الأريكة المفضلة لديه وأخذ أحد كتب الأدب الإنجليزي وبدأ يقرأ، ومع كل صفحة يطويها، كان يتذكر ما حدث اليوم وقربها منه. *** تجلس على فراشها الصغير بالغرفة المشتركة مع شقيقتها الصغرى وعيناها مثبتة بالفراغ، تسمع ضحكات شقيقتها الصاخبة ثم همساتها وهي تحدث خطيبها وكأنها تخاف أن تستمع لحديثهما. وأغمضت عيناها وهي تحاول أن تغفو ولكن النوم أبى أن يأتيها.
وعندما سمعت همس شقيقتها لخطيبها وهي تخبره بأنها تحبه أيضاً، تمنت أن يأتي يوم وتسمع تلك الكلمة. وبدأت تشعر بوخزة مؤلمة في قلبها عندما تذكرت مديرها الذي أصبح متباعداً بشدة بعد أن أعطاها بصيصاً من الأمل أن يكون يبادلها نفس المشاعر، ولكن طار كل شيء وأصبح كالطيف الجميل. وشعرت بجفونها تتثاقل إلى أن سقطت في نوم حالم. أما هو، كان يجلس في صخب عالٍ يضم إحداهن لأحضانه، ويهامس معها بكلمات محببة. فتضحك تلك وهي تقبله على أحد خديه.
"تعرف أكتر حاجة شدياني ليك؟ فضحك مروان بشدة، ونظر إلى كأسه ثم بدأ يرتشفه دفعة واحدة. "قولي يا روحي." فتبتسم وهي تطالعه. "عينيك." فصدحت ضحكات مروان، وتابعت وهي تتأملهما. "عينيك لونهم غريب أوي." وأكملت وهي تحدق بعينيه. "شبه لون السما وهي صافية." وبدأ السكر يظهر عليها. فيضحك على تعلثمها وينهض بها قائلاً: "كفاية شرب بقى، يلا عشان أوصلك." وكانت هذه حياته، عمل بالنهار كالإله، وليلاً شخصاً آخر. ***
تقلبت على فراشها وهي لا تستطيع النوم، فهي أصبحت تشعر بالقلق من عدم مهاتفة صديق والدها إلى الآن، وبدأت تخاف أن يصيبه مكروه، فلولاه ما رحلت من لندن. ونهضت من فراشها وهي تزفر أنفاسها، ثم قررت أن تخرج للحديقة، فبالتأكيد الكل نائم ولن يرى أحداً هوايتها الطفولية.
ووضعت الحجاب على رأسها وارتدت فوق منامتها جاكيت صوفي طويل يصل لقبل قدميها بقليل، ثم ارتدت حذائها المسطح، ونظرت للساعة المعلقة، فالوقت في الثانية صباحاً وستُرح وحدها دون خجل. وخرجت تنظر للسماء الصافية وتستنشق رائحة الزرع، وسارت بخطى هادئة وهي تستمتع بنسمات الهواء المنعشة. وعندما وصلت إلى المكان المرغوب به، خلعت حذائها وبدأت تسير على الحشائش لتشعر بملمس البرودة في قدميها، فتبتسم وهي مغمضة العينين.
كان يشعر بالأرق رغم أنه متعب الجسد، فنهض من فوق فراشه وقرر أن يخرج للشرفة الخاصة بغرفته، ليتنفس الهواء قليلاً وأخذ يُشعب خصلات شعره بإرهاق. ووقعت عيناه عليها وهي تخلع حذائها ثم تسير حافية وتبتسم وكأنها ترى متعة بما تفعله. وظل يتأملها لأول مرة دون كرهه لوالدها الذي يراه فيها. فحظها كانت تلك البقعة التي تمرح بها هي الجزء الذي تطل عليه شرفته. ولاندماجها بما تفعله لم تفكر أن ترفع وجهها قليلاً.
وبدأت أنفاسه تعلو وهو يتأمل كل تفاصيل وجهها وجسدها. ملامحها كانت شرقية ناعمة بها لمسة غربية بسيطة، وأكثر ما يميزها هو وجهها المتورد دائماً. وعندما وجد نفسه يطالعها بنظرة رجل لامرأة، أردف لداخل غرفته بإزعاج وأغلق الشرفة بإحكام. ولولا ما حدث لحسام لكان قد بعثها له، فهو لا يطيق وجودها هنا. وتنهد بضيق وهو يتذكر الخبر الذي علمه أمس. فحسام قد حدث له حادث ودخل بغيبوبة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!