وقف عمران من بعيد يُطالعها وهي تقف على أحد المقاعد تعقد ربطة الزينة التي انقطعت. أبتسم وهو يراها تصفق بيديها بعد أن أنجزت مهمتها. بدأ عقله ينشغل بها حتى أن عيناه بدأت تلتقط كل كبيرة وصغيرة تفعلها. تحركت قدميه لخطوة كي يقترب منها، ولكنه تراجع سريعاً. عاد إلى المنزل بخطوات حازمة وصعد الدرجات نحو الأعلى. انتبه لصوت منيرة: "هتفطر هنا ولا بره؟ التف عمران لها ليُطالعها بملامح جامدة بعض الشيء: "هفطر بره يامنيرة."
أكمل صعوده وداخله صراع بين قلبه وعقله. فالقلب يريد أن يحيا من ظلمته وسكونه، أما العقل فيقف أمامه كالمعلم. *** جلست فرح على فراشها وهي شارده في تلك الليلة التي أخبرها فيها أمجد عن حبيبته. لم تكن تعلم أن الحب مؤلم هكذا. زفرت أنفاسها بأسى ورفعت وسادتها تضمها إليها. حبها الصامت لم يُجني نفعاً وقد أخذت حلمها أخرى. أحياناً صمتنا يكون هو سبب خسارتنا، وأحياناً أخرى يكون هو نجاتنا من هلاك لا نعلمه.
مالت بجسدها على الفراش وأغمضت عيناها بقوة تمنع دموعها. غفت دون شعور، ذاهبة لعالم آخر به الهدوء. *** الأيام تمر والكل يسير بحياته كما اعتاد. من يسير نحو حلم جديد، ومن يودع حلم عاش به طويلاً. وقفت نهى أمامه تنتظر منه أن ينتبه إليها، ولكن أمجد الذي أصبح عليه الآن لا تعرفه. منذ أن عاد من إجازته التي أخذها لبضعة أيام، عاد جامد الملامح يتحدث معها كأن لم يحدث بينهم شيء.
تذكرت لحظاتهم الجميلة رغم أنها قليلة، ولكنها أجمل ما عاشته بحياتها المظلمة. تمتمت بارتباك: "السكرتيرة قالتلي إنك عايزني." انتظرت للحظات إلى أن رفع وجهه نحوها وألقى بكلماته بقسوة لم تراها منه من قبل: "هتتنقلي لقسم العلاقات العامة." كادت أن تتكلم إلا أنه لم يعطها فرصة للحديث، ليشير إليها بجمود: "ده قرار نهائي ولو مش عجبك تقدري تقدمي استقالتك." عاد إلى مطالعة أوراقه. لتقترب منه قائلة بنبرة باكية: "أنا عملت إيه طيب؟ فزفر
أنفاسه بقوة وهو يرفع وجهه: "آنسة نهى، اتفضلي على شغلك." لتقف حائرة ونظرت إليه وأرادت أن تتكلم، ولكن أشار بيده نحو الباب، لتنصرف في صمت. وبعدما رحلت ظل يدور بمقعده بجمود وهو يدرك حقيقة واحدة أنه أحبها حقاً ووقع في فخها كما وقع الآخرين. *** رأت سيارته من شرفتها وقد عزمت أن تذهب إليه كي تتحدث معه وتسأله عن صحة حسام وهل استيقظ من غيبوبته أم مازال كما هو.
ارتدت حذاءها ونظرت إلى ساعة هاتفها لتجد أن الوقت تجاوز العاشرة مساءً. خرجت من غرفتها متجهة نحو المطبخ لتجد منيرة جالسة بمفردها تتثاوب. فمنذ بداية ذلك الشهر ونعمة وأمل يرحلون إلى منازلهم مبكراً قبل موعد الإفطار. نظرت إليها منيرة: "مالك واقفة كده ليه؟ شكلك جعانة يا حبيبتي." تابعت بأمومة: "ما أنتي مبتفطريش كويس يابنتي." ونهضت كي تعد لها الطعام، فأوقفتها حياة: "أنا جيت أشرب معاكي الشاي."
فقد خجلت أن تخبرها أنها تريد أن تستأذن لها كي تقابل عمران. قررت أن تؤجل حديثها معه إلى أن تراه صدفة. فلا داعي للانتظار. وصنعت منيرة الشاي وجلسوا يشربونه سوياً ويثرثرون. عادت تتثاوب منيرة ومسحت على وجهها. لتشفق عليها حياة: "شكلك تعبانة وعايزة تنامي." ونهضت كي تتركها، ولكن جاء صوت عمران وهو يردف لداخل المطبخ: "ممكن فنجان قهوة يامنيرة." انتبه لوجود حياة ولكنه تجاهلها وهو يصارع رغبته في تأملها.
ونهضت منيرة تصنع له فنجان القهوة. وقبل أن يغادر المطبخ هتفت حياة: "ممكن أتكلم معاك دقيقة." فألتف عمران إليها. ونظرت لها منيرة وهي تعد القهوة: "ابعتي القهوة معاها يامنيرة." وانصرف بعنجهيته التي اعتادت عليها. فكشرت بملامحها لمعاملته تلك، فضحكت منيرة. وبعد دقائق أنهت منيرة إعداد القهوة وأعطتها لها: "أهي القهوة ياستي." وتابعت وهي تربت على كتفها: "هروح أرتاح في أوضتي شوية قبل ميعاد السحور."
فحركت حياه رأسها وتقدمت أمام منيرة وكل منهما ذهب لاتجاهه. طرقت الباب طرقات خافتة وبعد أن أذن لها بالدخول. أردفت بارتباك وتمتمت بخفوت: "أحط القهوة فين؟ فألتف عمران لها وقد كان يتحدث في هاتفه وأشار إليها بأن تنتظر لحظة. أنهى مكالمته. ونظر إليها طويلاً ولم يعلم لما أراد أن يرى حنقها منه ويُشاكسها قليلاً: "هاتي القهوة." وقبل أن تقترب منه بها، اتجه نحو الأريكة يجلس عليها بغرور ويسترخي بجسده.
فزفرت أنفاسها بحنق تكاد تنفجر به. واتجهت نحوه ثم وضعت صينية القهوة على الطاولة المستديرة القريبة من موضع جلوسه. ليهتف عمران ساخراً: "هنقعد ساعة عقبال ما تديني القهوة." ومدّ له يده وداخله يضحك على هيئتها الحانقة. وتنهدت بقوة وهي تحمل فنجان القهوة كي تعطيه له وتخبره بما جاءت وتنتهي تلك الجلسة قبل أن تسكب عليه تلك القهوة. وحدث ما أرادت. فسقطت عليه بالقهوة بعد أن تعرقلت قدماها بطرف ثوبها الطويل. لتبتعد سريعاً عنه، فينهض
وهو يفك أزرار قميصه بضيق: "أنا قولت تديهاني مش تحرقيني." واتسعت عيناها وفتحت فمها كالبلهاء وهي تراه عاري الصدر أمامها بعد أن خلع قميصه. وضعت يدها على عينيها وهي تتمتم: "البس هدومك، مينفعش كده." كان عمران يطالع موضع الحرق دون أن ينتبه لها. ورفع عيناه نحوها ليجدها تقف تعطيه ظهرها وتُخبئ عيناها بيديها: "أنا هجيلك في وقت تاني." وتحركت خطوة من أمامه، ليمسك ذراعها حانقاً واراد أن يستفزها: "يعني تحرقيني وتمشي؟
فتمتمت حياة بخجل: "عيب، أفضل هنا معاك وانت كدا." استفزته كلماتها فنطق بحنق: "حياة، أنا جوزك على فكرة." وأزالت أحد يديها عن إحدى عينيها: "ها! هيئتها هذه أنسته حنقه منها وما فعلته. حتى ألم الحرق لم يعد يشعر به. "ولا انتي نسيتيه؟ وتابع وهو يراها تبتلع ريقها بصعوبة: "عالجيني بقا." كلمته الأخيرة جعلتها تفيق من غيبوبتها المؤقتة. ودفعته بيدها وركضت من أمامه.
لتعلو ضحكاته وهو لا يصدق أنها خجلت منه رغم أنها عاشت سنين عمرها في المجتمع الغربي. *** رفعت مها عيناها نحو التي تقف أمامها. وظلت تتفحصها من قدميها إلى رأسها. فنادين أصبحت فاتنة الشركة منذ تعيينها. لتهتف نادين بوقاحة: "انتي يا آنسة." وبدأت تعدل من شعرها بيديها: "بشمهندس مروان عايزني، ممكن أدخله بقى؟ تمتمت مها ببعض الكلمات المبهمة. ونهضت حانقة: "اتفضلي." وسارت أمامها والأخرى تتباطأ في خطواتها. طرقت
الباب ثم أردفت وهي تخبره: "الآنسة نادين يا فندم." فأبتسم مروان ونظر إلى نادين التي تتقدم نحوه: "تعالي يا نادين." وأشار إليها ببرود عكس تلك: "اتفضلي انتي يا مها." فوقفت للحظات تنظر إليهما. إلى أن انصرفت وقلبها يخبرها أنه إذا فُتن بإحداهن فستكون هي نادين. وجلست على مكتبها تُلملم الأوراق بعنف. فهي تريد أن تخرج غضبها بأي شيء.
أما هو جلس مع نادين بعملية يُخبرها عن المشروع الذي ستعمل به واختارها لأن المشروع مشابه لمشروع تخرجها. ونادين كانت تجلس أمامه بهدوء لا تفكر بشيء سوى عملها. *** تسير شارده في الحقيقة التي علمتها. حقيقة مؤلمة ولكن جعلتها تفيق من أحلامها. وسمعت صوت سيارة خلفها ولكنها لم تقف وأكملت سيرها. ليخرج أدهم من سيارته ويذهب نحوها: "آنسة فرح." فأنتبهت فرح لصوته والتفت إليه بوجه شاحب. لينظر لها أدهم بقلق:
"شكلك تعبان، فيكي حاجة تحبي أوديكي المستشفى؟ لتخفض فرح رأسها أرضاً لعلها تُداري بؤسها: "لأ أبداً، أنا كويسة." وأشارت نحو طريقها: "أنا رايحة الملجأ." وتقدم أمامها وهتف بود: "طب تعالي أوصلك." فنظرت إلى طريقها وتمتمت برقة: "لأ شكراً، اتفضل انت." وأكملت سيرها بخطى بطيئة. فهي تريد أن تسير لأكبر مسافة ممكنة لعلها تجد في إرهاق قدميها مسكن لقلبها. وقف ينظر إليها بقلق ثم عاد إلى سيارته وداخله مشاعر كثيرة نحوها.
كلما رآها نسي أنه لا يريد أن يقع في فخ الحب مجدداً. *** أنهت حديثها مع مها بعد أن أكدت عليها موعدهم بعد انتهاء دوام عملهم. وسارت للأمام ثم ألتفت نحو مها مرة أخرى: "هستناكي بره قدام باب الشركة، أوعي تتأخري." وشهقت فجأة عندما وجدت نفسها تنصدم بجسد أحدهم. ورفعت عيناها نحو الذي وقف يُطالعها بصمت. واتسعت حدقتي عيناها وهي تجد عمران أمامها. ومها تقف أمام مكتبها تكتم صوت ضحكاتها: "آه يا راسي."
وكاد عمران يبتسم ولكن منع ابتسامته وظل ينظر إليها. فارتبكت حياة وأبتعدت عن طريقه. وقبل أن تتخطاه وجدت عمران ينحني نحوها: "سلامتك." ثم تابع بخبث: "أعتبريها ضريبة عن القهوة." وتابع خطواته وأبتسم. لتقف مها تُطالع الموقف وهي لا تُصدق أن عمران العمري يبتسم. *** وقفت نهى تُطالعه من بعيد. وكلما تقابلت عيناه كان يشيح بوجهه نافراً وكأنه لا يطيق رؤيتها.
وذهبت لتجلس على مكتبها وهي مطأطأة الرأس تتذكر أي شيء فعلته يجعله ينفرها هكذا، ولكن لم تجد. وأدمعت عيناها ولأول مرة تُدرك أن للحب ضريبة. وتنفست بصعوبة وهي تمسح دموعها. فالشخص الوحيد الذي أحبته قد تركها بعد أن فتحت معه صفحة جديدة مع الحياة ونسيت ماضيها المؤلم من والد يتهم زوجته باطلاً بل ويأتي برجل لها كي يحكم خطته ويثبت أنها عشيقته ويجعلها تتنازل عن كل أملاكها من أجل أن لا يفضحها. وعادت الذكريات تخنقها.
فسحبت حقيبتها من على مكتبها وخرجت تركض من مقر عملها دون أن تشعر بشيء حولها. ونظرات آخر يقف من بعيد يُطالعها. *** كان شعور حياة مختلف وهي تنهض من فوق فراشها بحماس. فالعيد قد أتى ولأول مرة تشعر بفرحة هكذا. وظلت تدور بحجرتها وتُدندن بالأغنية التي سمعتها أمس في هاتف نعمة: "العيد فرحة وأجمل فرحة تجمع شمل قريب وبعيد." وقفت تتذكر باقي الكلمات ولكن تلك الجملة الوحيدة التي تذكرتها من الأغنية. ورن هاتفها لتركض نحوه.
وابتسمت وهي تهتف بسعادة: "كوكو الجميلة." *** وضعت منيرة القهوة أمام كل من عمران وأمجد. وانصرفت نحو المطبخ تعد وجبة الإفطار لها ولحياة. أخذ أمجد فنجان قهوته وارتشف منها: "أنا مش عارف ماما وفرح هيفضلوا لحد إمتي في المزرعة." فتنهد عمران وهو يعبث بهاتفه: "مدام مرتاحين يا أمجد يبقى خلاص." ونهض من فوق مقعده: "أنا هقوم أجهز قبل ما أسافر." وحرك يده على لحيته. فضحك أمجد: "وياريت تحلق كمان." فأبتسم عمران وتابع سيره.
ليزفر أمجد أنفاسه وهو ينظر إلى هاتفه فيجد رسالة من نهى. فتحها كي يقرأها ولكن أغلق هاتفه وأكمل احتساء قهوته. *** وقفت حياة تستمتع بالحديقة وهي ترتدي ثوبها الجديد. وأكملت سيرها نحو المطبخ، فوجدت أمجد يقف بجانب سيارته يتحدث في هاتفه. وعندما لمحها أشار إليها أن تقترب منه. فأقتربت منه بأرتباك وهي تعبث بيديها بفستانها. وأنهى أمجد مكالمته وابتسم لها: "عيد سعيد يا حياة."
فأتسعت ابتسامتها فهي كانت تظن أن بعد لقائهم الأخير سيعاملها وكأنها لا شيء. "عيد سعيد ليك أنت كمان." فأبتسم أمجد ومازحها قليلاً. ولا يعلم لما شعر بالضيق من عمران وسألها بود: "هتعملي إيه في العيد؟ فنظرت حولها وهي لا تعلم الإجابة وحركت يداها بعفوية: "هقعد مع ماما منيرة في المطبخ." فضحك أمجد: "يعني هتقضي أيام العيد في المطبخ مع منيرة؟ فأرتبكت من ضحكته وحركت رأسها: "آه." نظر إليها بتمعن وهتف بجدية:
"ما تيجي معانا المزرعة أنا وعمران." وعلى اسم عمران جاء الآخر بوسامة لم تراها فيه من قبل. فقد حلق لحيته وأصبح عمره أصغر. كما أن ملابسه منمقة كالعادة ورائحة عطره تملأ رئتيها. ووقفت تتأمله وقلبها يدق بعنف. وعندما وجدت عيناه تتفحصها طأطأت رأسها أرضاً. ونظر أمجد إلى شقيقه بهدوء: "كنت بقول لحياة تيجي معانا المزرعة يا عمران، إنت إيه رأيك؟ وغمز له بعينيه بأن يوافق. ولكن عمران ظل يُحدق بحياة.
فرفعت حياة عيناها نحوه وعندما وجدته هكذا خشيت من ردة واحراجها: "لأ، أنا مبسوطة كده. أنا وماما منيرة عندنا خطط كتير هنعملها." وتحركت من أمامه بعدما استأذنتهما. ليهتف أمجد به: "حرام عليك، أحرجتها. كنت أتكلمت ولا قولت حاجة، البنت خافت لترفض لي." ليضع عمران نظارته على عيناه ويتحرك نحو سيارته: "يلا عشان منتأخرش." ركب سيارته وهو يشعر بالضيق من تصرفه معها ولكن هكذا أفضل لها وله فطرقهم مختلفة. ***
ضحكت حياة وهي تُشاهد إحدى المسرحيات وتحمل طبق الحلوى ومنيرة تجلس بجانبها وتضحك أيضاً. ووضعت بيدها على بطنها التي قد انتفخت من طعام منيرة الشهي: "أنا بقول كفاية أكل كده." لتضحك منيرة وهي تتأملها: "ومين اللي هياكل الكيكة اللي أنا عملتها؟ فشهقت بألم في معدتها: "لأ كفاية كده." وتابعت بدعابة: "فينك يا أمل انتي ونعمة؟ فوكزتها منيرة بخفة: "حد يقول لأكل منيرة لأ." وظلوا هكذا طيلة اليوم إلى أن حل الظلام. ***
جلسوا يتمازحون مع والدتهم وكل منهما عاد وكأنه طفلاً صغيراً. ومال أمجد على كتف والدته ينام عليه. وعمران جالس بجانبها يتصفح هاتفه تارة وتارة أخرى ينهض ليُجيب عن اتصالات المعايدة. فنظرت إليه ليلي بحنان: "كفاية كده وأقفل تليفونك اللي مبطلش رن من الصبح." فضحك أمجد وهو يطالع عمران: "أنا ريحت نفسي وقفلت التليفون يا ست الكل." فـ"ـربتت" ليلي على شعره بحنان: "طول عمرك مريحني ياحبيبي." فضحك عمران وهو يرفع يدها يقبلها:
"بقي كده يا ست الكلب؟ أبتسمت ليلي وضمته إليها: "مش ناوي تتجوز وتفرحني بيك؟ فتمتم عمران بحنق: "إن شاء الله." فتنهدت ليلي بضيق منه. ليعتدل أمجد في جلسته وينظر إلى عمران ويغمز له بمكر. نظر إليه عمران بقوة. ليضحك أمجد: "أنا بقول أدخل أشوف البت فرح أحسن بدل ما أفضح الدنيا." ليقبض عمران على يده وهو يتوعد له. ونظرت ليلي إليه: "هو في إيه؟ انت وأخوك مخبين عني حاجة؟ فأسترخى عمران بجلسته: "تفتكري إحنا نقدر نخبي عليكي حاجة؟
فحدقت به وهي تتساءل: "إيه رأيك في نيرة يا عمران؟ أنا صحيح مش راضية عن لبسها وتحررها الزايد، بس هي بنت حلوة ومثقفة وعيلتنا وعيلتها أصدقاء من زمان." فزفر أنفاسه بيأس وأبتسم وهو يحتضنها ويُقبل رأسها: "لو لقيت عروسة زيك يا ست الكل، أوعدك هتجوزها على طول." لتضيع ليلي مع كلماته وتبتسم وهي تدعو له. *** أشرق يوم جديد. وذهبت حيث مكانها الدائم لتجد منيرة تُحادث أحدهم بالهاتف. وبعدما انتهت من مكالمتها. نظرت إلى حياة التي جلست
أمامها بنظرات متسائلة: "دول أهل جوزك الله يرحمه." فأبتسمت منيرة وهي تتذكر الطفل الصغير ابن شقيق زوجها الذي سيكون عُرسُه غداً ويدعوها لحفل زفافه. وتنهدت بسعادة: "آه ياحبيبتي." ونظرت إلى حياة وهي لا تعلم أتذهب كما وعدتهم أم لا. وأخبرت حياة بإصرارهم عليها لمشاركتها فرحتهم. فأبتسمت حياة وهي تربت على كفها: "روحي افرحي. أكيد بقالك كتير متجمعتيش معاهم." وتساءلت منيرة بقلق: "طب وانتي يابنتي؟ ثم دارت بداخلها فكرة:
"إيه رأيك تيجي معايا؟ فطالعتها حياة بخجل ولم تريد أن تكون عبئ عليها: "متقلقيش عليا، أنا هخرج أفسح مع منار وكمان مها." وتابعت بحماس كي تجعل منيرة تسافر دون قلق: "أنا حكتلك عنهم، وإنتي اه بتقولي يومين وراجعة." فحركت منيرة رأسها برفض: "محدش قاعد في الفيلا، نعمة وأمل إجازة، وعمران بيه مسافر." فأبتسمت حياة: "نسيتي الحارس اللي على البوابة." وجذبت يدها: "قومي نحضر الشنطة." وأقنعتها أن تذهب كي تُرَفِّه عن نفسها.
فمنيرة نادراً ما تترك الفيلا. فعندما رأت بعينيها رغبتها في الذهاب وهي العائق الوحيد لها. قررت أن لا تجعل نفسها أنانية وتحرمها من تلك السعادة التي ستجدها مع أقاربها. وجاء صالح بالسيارة وحمل حقيبة منيرة وهو ينظر لحياة التي تقف تُطالعهم بحماس: "كويس إنك أقنعتيها ياحياة تخرج. أنا مش فاكر آخر مرة منيرة خرجت كان إمتى." وضحك وهو ينظر لمنيرة التي تُحدق به شزراً. واقتربت منيرة من حياة وضمتها إليها:
"خلي بالك من نفسك. تعالي ياحياة معايا عشان أطمن عليكي أكتر." فقبلتها على وجنتيها وهتفت بمشاغبة: "هكلمك كل دقيقة. وأوعي تنسي تصوري لي الفرح." فضحكت منيرة وودعتها وأتجهت نحو السيارة. وبعدما انطلقت السيارة. جلست على الدرج وهي تتأمل طيف السيارة والبوابة تغلق والسكون يعم المكان. *** نظر عمران إلى هاتفه وهو يدق لتنظر إليه والدته بحنق: "مش قولت أقفل التليفون ياعمران." وأخذت ليلي الهاتف وكادت أن تغلقه لتجد رقم منيرة.
"إزيك يامنيرة؟ فهتفت منيرة بود: "إزيك يا ست ليلي." وتساءلت منيرة: "هو عمران بيه موجود جنبك؟ فنظرت ليلي إلى عمران: "آه يامنيرة قاعد بيفطر، في حاجة حصلت في الفيلا؟ نظر عمران إلى والدته وهو يرتشف من كأس العصير الذي أمامه وينتظر أن يعرف منها لما هاتفته منيرة. وأغلقت ليلي الهاتف بعد أن انتهت المكالمة وعلمت سبب اتصال منيرة. وجلست على المقعد الذي بجانبه: "منيرة سافرت تحضر فرح في بلدها وتقضي إجازة العيد معاهم. يومين وهترجع."
فأكمل أرتشاف العصير وحرك رأسه بتفهم وقد نسي أمر حياة. ليقترب أمجد منهم ويُقبل والدته على وجنتيها. ويُطالع عمران: "فين فرح؟ فتمتمت ليلي وهي تضع الطعام في الطبق الخاص بها: "راحت الملجأ." فتمتم عمران وهو يتناول إفطاره: "أدهم عازمنا النهارده على الغدا في مزرعته." *** وقفت فرح تنظر إلى الأطفال وهم يرتدون ملابس العيد ولكن وجوههم ليست سعيدة. وأقتربت من أحد الأطفال تسأله: "مالك زعلان كده ليه يا كرم؟ نظر لها كرم بحزن:
"إحنا مش هنخرج في العيد يا ماما فرح. أنا نفسي أخرج." وسألها بنبرة حزينة: "هو اللي معندوش بابا وماما مبيخرجش؟ فضمته إليها بحزن وربتت على ظهره. ولاول مرة تشعر أن الحياة أعطتها الكثير وهي لا تعلم. والدتها تركتها بسن صغير ولكن والدها عوضها بكل شيء. لديها عمة تحبها وكأنها ابنتها ولديها عمران وأمجد اللذان يحبونها ويُدَلِّلونها. لديها المال والأهل فحتى لو فقدت شيئاً بحياتها. فلديها ما يعوضها. ولكن هؤلاء من سيُعوضهم؟
وأبتسمت ومسحت على وجهه: "وعد مني بكرة هفسحكم." فأنطلق الصغير يُخبر رفقائه. ووقفت هي تضحك عليه كيف تبدل حاله من مجرد وعد بسيط. وتمتمت: "أنا محتاجة مساعدة من حد في الموضوع ده." وسمعت صوت خلفها يسألها: "إيه هي بقى المساعدة دي وأنا في الخدمة." فأبتسمت فرح وهي ترى الصغير مالك بين ذراعيه. ومدت يداها له. وأخذت الصغير تُقبله وتُدغدغه. فضحك الصغير. "ها مقولتيش على المساعدة اللي محتاجاها؟
فتنحنحت فرح بحرج وبدأت تخبره عن رغبة الأطفال في التنزه. فأبتسم أدهم وهو يُفكر في أمر ما: "بسيطة يا ستي." فطالعته بتسأل: "يعني هتقدر تساعدني؟ فحرك أدهم رأسه وهو يبتسم: "بكرة الساعة تسعة جهزي الأطفال." وظهرت السعادة على وجهها: "أنا مش عارفة أشكرك إزاي." وتأوهت بألم وهي تجد مالك يصفعها على وجهه. لتضحك فيضحك ويشير لصغيره: "مالك عيب كده." فتمتم الصغير بكلمات أصبح يفهمها والده. فقبلته فرح ضاحكة ثم قرصت وجنتيه بخفة:
"بقيت عفريت." *** نظرت حياة إلى هاتفها بعد أن هاتفت مها ومنار وكل منهما اعتذر لها عن مقابلتها هذا اليوم. فمنار ستخرج مع خطيبها. ومها ستذهب إلى أقاربها. وأخذت تُطالع غرفتها وهي تشعر بالوحدة. وسقطت دموعها فالكل لديه عائلة إلا هي تجلس وحيدة. فاليوم أدركت ما معنى كلمة عائلة. ولو خيروها الآن بأي شيء تريد ستتمنى أن تحظى بعائلة. وأتكأت بجسدها على الفراش وغفت وهي تمسح دموعها. *** تغيرت ملامح نيرة وهي تجد والدها يُرحب بأحدهم.
وبدأ يُعرفها عليه ويعدد لها مميزاته ووالدتها تهتف: "ما شاء الله." ونظرت إليهم بشك فهي الآن علمت سبب هذا الجمع. وعندما وجدت والدها يدعو ذلك الرجل للجلوس معهما يقنت أنه عريس آخر. *** تعالت ضحكاتهم وهم يحتسون القهوة ويشاهدون الصغير مالك كيف يجذب فرح من حجابها ويُشاكسها إذا لم تنتبه له. كانت جلسة هادئة ودافئة. وبدأ الحديث يأخذ طريقه إلى السياسة وأحوال البلد والاقتصاد. وتعلقت عين ليلي بأمجد وهي تراه أغلب الوقت شارداً.
ثم نظرت إلى فرح لتستعجب من تجنبها له والابتعاد عنه. وأبتسمت وهي تري كيف يختلس أدهم النظرات نحو فرح. وأنتهت جلستهم التي ظلت لثلاث ساعات. وأكد أدهم على فرح لقائهم غداً. *** صعدت ليلي إلى غرفتها بعد أن جاؤوا من مزرعة عائلة القاضي. واتبعتها فرح. واتجه أمجد نحو الأسطبل لعله يجد الهدوء مع حصانه المفضل. أما عمران جلس يُدخن بعقل شارد. وفجأة أطفئ سيجارته. وألتقط هاتفه بعد أن تذكر شيئاً. ليأتيه صوت منيرة وحولها أصوات صاخبة:
"منيرة، حياة فين معاك؟ فنطقت منيرة بصوت عالٍ: "مرضتش تيجي معايا. وفضلت في الفيلا." وقبل أن تُكمل منيرة حديثها. أغلق الهاتف وصعد لغرفته يجلب مفاتيح سيارته. وعندما لمحه أمجد من بعيد أشار له بأن ينتظره: "إنت رايح فين يا عمران؟ ومالك قلقان كده؟ فأردف عمران داخل السيارة: "محدش في الفيلا، منيرة سافرت ونعمة وأمل إجازة. حياة لوحدها هناك ومافيش غير الحارس." فوضع أمجد يده على شعره:
"ما أنا قولتلك ناخدها معانا. أنا البنت دي بقت تصعب عليا. فين أهل أبوها طيب محدش ليه بيسأل عنها؟ فتمتم عمران قبل أن ينطلق بسيارته: "بعدين يا أمجد نبقى نتكلم." وظل يبحث عن رقمها وهو يقود. ليكتشف أنه لا يعرفه. وزفر أنفاسه بقوة. وهو يشعر بالخوف عليها. ودق القلب دون شعور صاحبه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!