بحثت عن هاتفها جانبها. نظرت إلى الساعة، فوجدت أن وقت أذان المغرب قد اقترب. أخذت تعقد شعرها وهي تقاوم تعبها، فالعمل مع الصيام شيء مرهق. نهضت من فوق الفراش تُهندم ملابسها التي نامت بها عندما جاءت من عملها، ثم أخذت تبحث عن حجابها. بعد دقائق، كانت تخرج من غرفتها تنظر للسماء وقد غابت الشمس. سارت نحو المطبخ، كالعادة، كي تأكل مع منيرة، فنِعمة وأمل يرحلون قبل أذان المغرب كي تفطر كل منهن مع عائلتها.
وقفت تنظر إلى السيارات الواقفة وهي متعجبة، ثم لمحت المنضدة المعدة في الحديقة وبعض الأشخاص يجلسون يتحدثون. عمران يجلس بجانب سيدة يضمها إليه، وأمجد بجانبه، وبجانبه مروان والفتاة التي تراها دائمًا هنا، وبجانبها شخصان. لم تكن تعلم أن اليوم به عزيمة لضيوفهم. ابتسمت وهي تراهم مجتمعين هكذا والبسمة تعلو أفواههم. شردت بحزن على حياتها وتمنت لو أن لها أهلًا تجتمع معهم. أكملت سيرها لتجد نِعمة تُسرع في حمل الأطباق متمتمة:
"كويس إنك جيتي يا حياة، ساعديني الله يخليكي. جمال زمانه جاي ياخدني، وأمل مشيت عشان ابنها تعبان." فحركت حياة رأسها وابتسمت: "حاضر." ذهبت نحو منيرة المنهمكة في وضع الطعام بالأطباق: "طب مقولتليش ليه يا ماما منيرة؟ كنت جيت ساعدتك." فابتسمت منيرة لها بحب وهي تستمع لكلمة "ماما منيرة" التي أصبحت تقولها لها حياة: "يا حبيبتي، قولت إنك تعبانة من الشغل. يلا خدي ساعدي نِعمة بق."
قَبّلتها حياة، وأخذت منها الأطباق وبدأت تساعد نِعمة، التي كانت تأخذ منها الأطباق وتضعها على الطاولة. أمجد ينظر إلى شقيقه الذي يجلس يُركز في زوجته. التفتت ليلي فجأة وقد رأت حياة: "هي دي البنت اللي جابها حسام؟ فانتبه عمران لسؤال والدته بعد أن كان كل تركيزه على حياة: "آه." عاتبته ليلي: "طب ليه بتساعدهم؟ دي ضيفة يا بني." فلم يجد عمران إجابة. اقترب أمجد من والدته بمقعده وقبّلها: "بس البت فرح ضيعت اللمة دي."
فضحكت ليلي بعد أن جذبها لحضنه، ثم تذكرت شقيقها بحزن: "ما أنت عارف يا أمجد السبب." فهم أمجد وطأطأ رأسه بأسى: "ربنا يرحمه يا ماما." انتهت حياة من مساعدة نِعمة. وقفت نِعمة تمسح عرقها وتعدل من حجابها وهي تمسك هاتفها وحافظة نقودها باستعجال، وودعتهم وأسرعت للخارج حيث خطيبها الذي ينتظرها. وضعت منيرة الطعام لها ولحياة مع أكواب العصير، وانتظروا إلى أن بدأ صوت الأذان يعلو.
نظرت فرح إلى المائدة الطويلة المُجهزة بأشهى الأطعمة وكيف يلتف الأطفال حولها يبتسمون ويأكلون بنهم. وقعت عيناها على أدهم الذي يحمل صغيره الذي يشبهه في الملامح، ويأكل وسط الأطفال، بل ويساعدهم ويضع الطعام في أطباقهم. لأول مرة تترك عيناها تتأمله، ولكن لم تكن تتأمل ملامحه بل تتأمل أفعاله. فهو من أعد تلك المائدة وقرر أن يجلب طعام اليوم للأطفال والعاملين هنا.
رفع أدهم عينيه نحوها، فالتقطت عيناهما بصمت، فأشاحت وجهها سريعًا ونظرت إلى الأطفال، ثم نهضت نحو إحدى الصغيرات التي لا تعرف تأكل وبدأت تطعمها. وهو مازالت عيناه عليها. امرأة بعد أن جعلته يرى مساوئ النساء، جاءت أخرى تعلمه كيف تكون النساء بحق إذا ربطت بين دينها ودنياها. انتهوا من تناول الطعام وبدأ الجميع يُثرثر وهم يجلسون في الهواء الطلق. وكعادة نيرة، بدأت تجذبهم بالحديث نحوها بما تفعل، فهي دائمًا تحب أن تكون نجمة لامعة.
مروان وأمجد ينظرون لها ويضحكون بخبث وهم يرونها عالقة بعمران. نظر أمجد لمروان وهمس وهو يضع يده على فمه: "هتفضل لازقة ليه طول القعدة دي؟ حدق مروان بالآتية خلفه على استحياء مع منيرة. فالتف أمجد ليرى ما يُطالعه، فوجد حياة ومنيرة يقتربون منهم بالحلوي والعصائر مجددًا. مازح أمجد منيرة وهو يضع بيده على بطنه: "حرام عليكي يا منيرة، أنا كده محتاج يوم كامل أجري فيه." فابتسمت منيرة له: "ألف هنا يا ابني."
ثم نظرت نحو ليلي التي تُطالعها بابتسامة مُحبة. اقترب أمجد يحمل من حياة المرتبكة العصائر، وابتسم لها بلطف. بدأت منيرة تجمع المائدة، واقتربت حياة منها تُساعدها. فلا يوجد أحد غيرها مع منيرة. وعندما كانت قريبة من ليلي، نظرت لها ليلي بحنان: "شكرًا يا بنتي." فحركت حياة رأسها باحترام وأكملت عملها. وعادت ليلي لحديثها مع والدي نيرة. كان عمران يتابع كل ذلك بصمت، غير منتبه لثرثرة نيرة.
عيناه كانت متنقلة مع التي تتحرك كالفراشة تحمل الأطباق للمطبخ ثم تعود ثانية. حتى انتهت. اقترب مروان من أمجد الذي كان يُتابع ما تفعله حياة بحنق من شقيقه لأنه يترك زوجته حتى لو مجرد اتفاق. هتف أمجد: "دي كأنها خدامة هنا، والبه قاعد ولا همه." فلم يجد مروان شيئًا يقوله، ففضل الصمت. انتهت جلستهم خارجًا، لينهضوا للداخل يكملوا جلستهم مع احتساء القهوة. ذهب أمجد نحو عمران وكاد أن يتحدث، فأشار له عمران بأن يصمت.
وقبض عمران على يده بقوة وهو يتذكر حياة وهي تُخدم عليهم وتنظف المائدة وكأنها خادمة وليست زوجته. لأنه علم أنها زوجته. زوجته التي هي مجرد عقد سينتهي مع وجود طرف آخر. اتجه نحو المطبخ ليجدها تُساعد منيرة في جلي الأطباق. ونظر إلى منيرة وتمتم: "ممكن كوباية مايه يا منيرة؟ فأعطته منيرة كأس الماء، وهي ترى نظراته على حياة التي تعطيهم ظهرها. وهتف بتساؤل: "أومال فين أمل ونِعمة؟
فشرحت له ظروفهم، فقبض على يده بقوة وحياة تقف بصمت تُكمل عملها دون أن تتحدث. تمتم بغضب: "لو محتاجة حد يساعدك في المطبخ قوليلي." وفهمت منيرة ما يقصده: "والله يا عمران يا ابني حياة أصرت تساعدني، وأوعدك مش هيتكرر تاني." وعندما شعرت حياة أن الحديث بدأ يدور حولها وأن عمران يصب غضبه على منيرة، التفتت إليه: "أنا اللي طلبت أساعد، ومفيهاش حاجة لما أساعد." وطالعته بنظرة غاضبة لحديثه الغليظ مع منيرة. لينظر لها عمران بقوة وينصرف.
وكادت منيرة أن تتحدث، فقبلتها بحب: "يلا بقى نخلص اللي ورانا بسرعة عشان نتفرج على المسلسل بتاعنا." فضحكت منيرة بعد أن كانت تشعر بالضيق. خرجت حياة نحو الحديقة كي تستمتع بجمال الظلام والهواء. فغدًا عطلتها ولا مانع من أن تسهر إلى أن يأتي موعد السحور. سارت بخطوات بطيئة تستنشق الهواء، وتنظر حولها متذكرة تلك الأريكة المنعزلة التي اكتشفت وجودها بالمصادفة في الجهة الخلفية من المنزل. خطت بخطواتها نحوها.
وانصدمت وهي ترى عمران جالس عليها يضع ساقًا فوق ساق ويُدخن بشرود. وعندما رفع وجهه وجدها تقف على مقربة منه. تمتم بهدوء: "تعالي يا حياة." فأقتربت منه: "مكنتش أعرف إن في حد هنا." والتفتت بجسدها: "هرجع أوضتي." فجذبها من يدها، وأجلسها زافرًا أنفاسه بحنق. ثم سحق سيجارته بحذائه بعد أن عدل من وضع جلوسه: "اقعدي، مش هاكلك أنا، متخافيش." فطالعته بحنق: "ومين قالك إن إني خايفة؟ فضحك عمران:
"تعرفي إن بقي ليكي صوت وبتعرفي تردي كويس." فأشاحت بوجهها بعيدًا عنه وصدمته من ردها: "أنا ليا صوت ديما وبعرف أرد كويس، بس للأسف مينفعش الضيف يقول غير حاضر ونعم ويسكت من غير ما يعترض." فحدق بها بندم: "انتي فهمتي ردي غلط يا حياة، ده مجرد هزار." فضحكت بتهكم وهي تُطالعه: "عمران بيه بيهزر؟ مش معقول." فشعر عمران بتهكمها، وابتسم وهو يُطالعها: "ومينفعش أهزر ليه؟ فحركت رأسها وهي تُطالعه بتفكير:
"يمكن بالنسبالك الهزار مضر بالصحة." ولم يجد نفسه إلا ينفجر ضاحكًا. فتعجبت، ثم ابتسمت وهي تُحدق به. وانبعثت رائحته داخل أنفها. وتنهد بصوت مسموع لتفيق هي من رائحة عطره: "لأ، بهزر عادي يا حياة." ثم أشار بإصبعه بتحذير وبدعابة في نفس الوقت: "بس بحدود وفي أوقات محددة." فبسطت يدها ورفعت إصبعها من يدها الأخرى وكأنه قلم ستكتب به: "قولنا إيه بقى الأوقات دي يا عمران بيه؟ فضحك وهو يكتشف بها جانب آخر من شخصيتها. وأخذ يدها
وهو يتأمل ملامحها الجميلة: "هاتي إيدك كده." فأرتبكت. ليبتسم وهو يفعل نفس فعلتها ويكتب على يدها: "مثلًا زي وأنا قاعد كده، أو مثلًا وأنا مبسوط منك، أو مثلًا... وكاد أن يكمل حديثه. فنهضت بخجل من جانبه هاتفة وهي تتحرك بخطى سريعة: "يا خبر! هحضر السحور لماما منيرة، عايزاها تصحى تتفاجئ! وما كان من عمران إلا أنه عقد كلا ساعديه خلف رأسه المسنود على الأريكة الخشبية، واسترخى بجسده وهو يتنفس ببطء ويبتسم. أطرقت
باب حجرتها حتى أتاها صوته: "ادخل." فدخلت نهى بوجه يشع أملًا. وعندما رفع وجهه نحوها، ابتسم لهيئتها الجديدة. فقد ارتدت اليوم تنورة واسعة طويلة مع قميص أبيض. واقتربت منه بخفة. ليتضح له أن قميصها شفاف، فأشعة الشمس قد أوضحت كل شيء عندما سقطت عليها من نافذة غرفة مكتبه. وتبدلت ملامحه للعبوس، وطالعها بجمود: "إيه الزفت اللي انتي لابساه ده؟ ففنظرت نهى إلى هيئتها ثم طالعته: "ماله اللبس؟ مفيهوش حاجة."
فأقترب منها ليجذبها نحو إحدى المرايا الموجودة في غرفة مكتبه، وأشار على قميصها: "جسمك باين يا هانم من تحت القميص." وبدأ يصف لها ما يتضح بجمود حتى يجعلها تخجل من نفسها. وبالفعل خجلت، ولأول مرة تكتشف أن أمجد حين يغضب يصبح وقحًا فظًا. وأطرقت رأسها أرضًا: "كفاية خلاص." وابتعدت عنه وهي تبكي: "انت ليه بتحب تجرحني؟ أنا كده ومش هتغير." فطالعها بجمود: "هتتغيري يا نهى، وأنا هعرف أعدلك." وزفر أنفاسه بقوة: "نهى... فرفعت وجهها
نحوه وظنت أنه سيراضيها: "روحي يا نهى عشان اليوم يعدي من غير مشاكل." وكادت أن تعترض، إلا أنه أخرسها بإشارة منه: "كلامي يتنفذ، وخدّي الباب في إيدك عشان ورايا شغل." والتفت بجسده عائدًا إلى مكتبه: "مش عايز ألمحك في القناة النهارده." وضربت الأرض بحذائها العالي، وتمتمت بكلمات قد سمعها وانصرفت حانقة من تصرفاته معه. ارتدت مها نظارتها الطبية وهي تُطالع بعض المتقدمات لوظيفة أعلنتها شركتهم. وتنهدت بسأم وهي تتفحص من يجلسون،
وتتساءل داخلها: "ده لو عرض أزياء مش هيعملوا كده، استغفر الله العظيم." ثم تابعت وهي تزم شفتيها: "ده إحنا في رمضان يا ناس، إيه اللبس ده." وعادت تنظر إلى الأوراق التي أمامها. إلى أن سمعت صوت مروان وهو يُلقي السلام. وأردف لداخل مكتبه بعد أن أشار إليها بأن تتبعه. وقفت تنتظر أوامره، ولكنه بدأ يخلع سترته ثم جلس خلف مكتبه باسترخاء وفتح حاسوبه يُتابع بعض الأشياء. كان يفعل ذلك متعمدًا كي يزيد حنقها.
لا يعلم لماذا بدأ يفعل هذا معها، فبعد أن بدأت تتحكم بمشاعرها وأيقنت أن من ترك شيئًا لله عوضه بأحسن منه. داخلها يتمناه بشدة، ولكن اختارت أن تترك كل شيء لله. وتساءلت بحنق: "أدخل المتقدمين للوظيفة يا فندم؟ ولا أستنى لما تفضى؟ فرفع مروان وجهه نحوها وتمتم ببرود مصطنع: "خمس دقايق." وانصرفت بعد أن عاد لمطالعة حاسوبه. لتقف مها أمام الفتيات بحنق. إلى أن وجدت إحداهن تقترب بخجل وترتدي ملابس محتشمة:
"أنا جايه عشان إعلان الوظيفة." فابتسمت مها ثم ذهبت نحو مكتبها لتعطيها بعض الأوراق كي تدون بياناتها، وهمست بارتياح: "يا أخيرًا لقيت حد يفتح النفس." وانتظرت أن تُنهي الفتاة ملء بياناتها. ورغم أنها جاءت آخرهم، إلا أن مها أدخلتها هي أولًا: "اتفضلي يا آنسة." ونظرت إلى طيفها وهي تردف داخل الغرفة. وسمعت همسات الاعتراض والحنق. تأتي حياة وتنظر حولها متسائلة: "مالك يا مها واقفة كده ليه؟ فالتفت مها إليها ثم جذبتها نحو مكتبها:
"مضايقة يا حياة، مضايقة أوي." فضحكت حياة على تعبيراتها وتسألت بدعابة: "ومضايقة من إيه يا مها؟ فقضمت شفتيها بقوة وهي تُطالع الفتيات: "انتي شايفة الدنيا صيام وهم عاملين إيه في نفسهم." وأشارت بيدها نحو غرفة مروان: "أدخلهم ليه دلوقتي؟ انتي مسمعتيش قالوا إيه عليه أول ما دخل مكتبه؟ ده قالوا عليه عينه حلوة وجنتل مان يا حياة." فلم تتمالك حياة ضحكاتها، فمها أصبحت مفضوحة بالفعل.
تُداري مشاعرها منه، ولكن بمفردها أو معها يبدأ كل شيء بالظهور. فحدقت بها مها بحنق، لتعتدل حياة في وقفتها وهي تتنحنح: "أنا بقول أرجع أشوف شغلي بقى." وانصرفت من أمامها وهي تكتم صوت ضحكاتها. لتخرج أول واحدة من غرفة مكتب مروان، فتتبعها أخرى، إلى أن جاء دور أجملهم وأقصرهم في الملابس. فنظرت لها بقوة وهي تهمس داخلها: "مبقاش فاضل غيرك، أخليكي بعد مين أنا طيب." وأشارت إليها بوجه عابس: "اتفضلي يا آنسة." فتمتمت الأخرى بدلال:
"ميرسي." وقررت مها أن تدخل خلفها، ولكن انتظرت حتى لا يحرجها مروان. وظلت تنتظر خروج الفتاة إلى أن نهضت من فوق مكتبها وجمعت بعض الأوراق: "لأ ماهي كده طولت بقى." وأطرقت الباب ودخلت دون أن تنتظر رد، لتجد مروان يضحك مع الفتاة، بل ويسألها عن بعض الأشخاص الخاصة. فيبدو أنها من معارفه. وانتهت المقابلة. فمدت الفتاة يدها لتصافح مروان، فصافحها بابتسامة لم يبتسمها لها طوال عملها معه.
وانصرفت الفتاة بدلالها ورقتها بعد أن ودعها مروان وطلب منها أن توصل سلامها لشقيقها ووالدها. ونظر إلى مها التي وقفت تُطالعه تارة، ثم تُطالع ظهر الفتاة وهي تُغادر. "مها." فالتفت إليه بفزع: "ها، نعم." وحدق بها بجمود وداخله يضحك على ملامحها: "في حاجة يا مها؟ فتسألت بغباء: "أكيد هتعين أول بنت في الوظيفة؟ فضحك مروان وهي يُطالعها: "هو فعلا الاختيار وقع عليها وعلى نادين برضوه." فعادت تسأله: "مين نادين دي؟ فرفع
قلمه يحركه بين أصابعه: "اللي لسه خارجة قدامكوما." وما كان منها إلا أن اتسعت عيناها بصدمة: "إيه ده؟ هتشتغل؟ ثم تابعت بغيره: "هي أصلًا فاضية لغير تقف قدام المرايا؟ فتنهد مروان وهو يكتم أنفاسه حتى لا يضحك: "أظن إن ده مش من اختصاصك يا مها." فشحب وجهها من كلماته التي أحرجتها، وطأطأت رأسها بارتباك: "فعلا عندك حق." جلس شارداً يُطالع الظلام الذي أمامه ويزفر أنفاسه ببطء.
يتذكر حديث أستاذه الجامعي الذي جاء إليه بالقناة من أجل أن يطلب منه حضور ندوة طلابية. فطلابه لم يصدقوا أن "أمجد العمري" الإعلامي المشهور كان طالبًا بجامعتهم وأنه كان أستاذه. وبعد حديث طويل دار بينهم وفخره به لما حققه، سأله عن نهى التي لمحها بالصدفة عندما أراد مقابلته. ليُخبره أمجد أنها تعمل لديه مساعدة شخصية. وأغمض عينيه وهو يشرد بذلك اللقاء: "مش معقول نهى مساعدة ليك؟ فطالعه أمجد وهو لا يفهم مغزى كلامه:
"مش فاهم حضرتك تقصد إيه." وبدأ الرجل، ويدعى "فارس"، يخبره عن التفافها حوله عندما كانت في سنتها الأولى بالجامعة إلى عامها الثاني، وبعدها أوقعته بحبها وكأنها امرأة لعوب وليست فتاة قد خطت أعتاب مراهقتها. وعندما سأله كيف اكتشف أنها تتلاعب به، كان الصدمة: "إنه اكتشف أنها كانت تتواعد مع زميل لها أيضًا ابن أحد الرجال السياسيين."
"احترس منها يا أمجد، نهى دي عاملة زي الأفعى، تفضل تلف حواليك لحد ما توقعك وتاخد كل اللي عايزاه منك، وبعدين تدور على صيدة جديدة." وفاق من شروده عندما اقتربت فرح منه بهدوء وهي تشك بصمته العجيب. فأمجد دائمًا يضحك ويمزح وليس ذلك الرجل الذي يجلس أمامها. وتذكرت اليوم عندما تفاجأت بوجوده ليخبرهم بأنه سيمكث معهم في المزرعة بضعة أيام، فهو يحتاج للهدوء. وشعر بخطواتها، فالتفت نحوها متسائلًا: "لسه منمتيش يا فرح؟
فزفرت انفاسها وهي تجلس على أحد المقاعد التي بالحديقة: "مجاليش نوم." ثم تابعت بتساؤل وقلق: "مالك يا أمجد؟ فتمتم دون أن يُطالعها: "متقلقيش يا فرح، أنا كويس." وقررت أن تُمازحه كي تخرجه من ذلك الصمت، ولم تجد إلا تلك الدعابة التي هدمت كل أحلامها: "أوعى تكون بتحب." وغمزت إليه ضاحكة: "هو مافيش غيره اللي بيعمل كده." فابتسم وهو يعتدل في جلسته ويتذكر من شغلت عقله وقلبه بألاعيبها وهو كان كالأحمق: "للأسف." فلم تستوعب اجابته،
فحدقت به وقد جف حلقها: "انت فعلًا بتحب يا أمجد؟ فلم يعد يعلم هل مازال يُحبها أم لا. ولم يجد إجابة يخبرها بها، ففضل الصمت. وشعرت بأن المكان يضيق بها. وأرادت أن تنهض كي تفر هاربة من أمامه قبل أن تسقط دموعها، ولكن قدماها أبت أن تتحرك. واندهش من صمتها: "مالك يا فرح؟ انتي كويسة؟ فابتلعت ريقها بصعوبة وأخذت تفرك يديها بتوتر: "آه، متقلقيش."
وشعرت بقلبها وهو يدق بألم كأنه يريد أن يخبرها أنه لم يتحمل الصدمة، فهي السبب في كل هذا. وتسألت وهي تُحارب دموعها وتغرز أظافرها في كفوفها: "هي مين؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!