وضعت رأسها بين ساقيها، وكل دقيقة كانت ترفع عيناها تتأمل السكون الذي يُحاوطها. اتجهت بعينيها نحو الفيلا التي أصبحت مظلمة، ثم أغمضتهما بخوف. بعد ساعات قضتها بالنوم، خرجت من غرفتها تجلس أمامها على أحد المقاعد. شعرت بالجوع، ولكن خوفها من أن تذهب للفيلا بمفردها منعها. رفعت هاتفها تريد أن تُهاتف أي حد يتحدث معها، ولكن الجميع مشغول.
ظلت تنظر يميناً ويساراً. رفعت هاتفها مجدداً وقررت أن تدق على رقم فرح، لعلها أعادت الخط. ولكن كالمعتاد، "الهاتف مغلق". تذكرت صديق والدها. "يا ريتني كنت فضلت في لندن". عادت تدفن وجهها بين ساقيها. وعندما تقلصت معدتها من الجوع، نهضت نحو الداخل تبحث بين ملابسها لعلها تجد بسكوتها المفضل. وجدت علبة، وأخذت تفتحها وبدأت تأكل منها. خرجت من الغرفة عائدة إلى جلستها. وكلما قضمت من البسكوت، تنظر حولها بضعف.
سمعت صوت سيارة وبوابة الفيلا تُفتح. لتقف غير مصدقة أن أحد قد عاد. انتظرت أن ترى من جاء الآن. فوجدت سيارة عمران. تبدل خوفها لشعور غريب لا تعلمه، ولكنها ابتسمت. عندما خرج عمران من سيارته، وجدها تقف أمام باب غرفتها، تُحاوط جسدها بشال خفيف فوق منامتها وتضع حجابها على رأسها وتُمضغ شيئاً بفمها. أقترب منها ليري ابتسامتها. "الحمد لله إنك جيت، أنا كنت خايفة أوي." لم يشعر عمران بنفسه إلا وهو يجذبها نحوه يحتضنها بقوة.
"انتي كويسة؟ فحركت رأسها داخل حضنه دون أن تتكلم، وكأنه يرى حركتها. أبعدها عنه قليلاً ليرفع وجهها بيده يُطالعها بصمت. شعر بخفقان قلبه وابتسم وهو يزفر أنفاسه براحة. فخجلت من نظراته. أما هو، كان يغوص في أعماق عينيها. *** جلس أمامها على أحد المقاعد بالمطبخ، بعد أن وضع طبق به بعض السندوتشات الخفيفة. "للأسف السندوتشات هي الحاجة الوحيدة اللي أنا شاطر فيها." فضحكت حياة وهي تلتقط واحداً وتقضمه بجوع. "طعمه جميل."
فطالعها عمران وهو يلتهم واحداً. "أكيد لازم يبقى طعمه جميل." فضحكت ليضحك هو الآخر. "مغرور! ليضم عمران حاجبيه وبجدية مصطنعة. "اسمها ثقة." وضحكوا مجدداً. لتنظر إليه بتمعن. "ما انت بتضحك أهو عادي، ليه ديما مكشر؟ وبدأت ترسم ملامحه عندما يكون عابس الوجه. فأبتسم عمران وهو يلتقط أحد المناديل ليمسح فمه. "شكلك عجبك وشي التاني." وعندما عادت ملامحه للعبوس، وضحكت وهي تنهض. "لأ خلاص، انت حلو كده."
وقفت على قدميها وبحركة عفوية قرصة وجنتيه. "أضحك، الصورة تطلع حلوة." لم يعرف عمران أَيضحك أم يُعنفها أم شيئ آخر. بدأ قلبه يريده بشدة. وتأمل شفتاها وأبتلع ريقه وهو يراها تبتعد عنه وتبتسم. "هرجع أوضتي بقى عشان عيب أفضل هنا." فلم يتمالك عمران ضحكاته. فبعد احتضانه لها ووجودهم بمفردهما واقترابهم بهذا الشكل، تخبره بأن وجودها معه لا يصح. شعرت بأستخفافه من نظراته. "أنا عارفة إن مش حرام وجودي معاك لوحدنا."
وقضمت شفتيها بخجل وتابعت. "لأنك... ولم تستطع إخراج الكلمة من حلقها. فتابع هو. "لأني جوزك يا حياة." وأكمل بهدوء: "إيه رأيك نسهر شوية قدام التلفزيون؟ وبعد أن كانت تريد أن ترحل، حركت رأسها له بالموافقة. فهي لا تعلم لماذا أحبت وجوده وقربه. ولكن الآن أهم شيء بالنسبة لها أنها لم تعد وحيدة. ***
تنهدت ليلي بيأس بعد أن أنهت اتصالها بعمران، الذي أخبرها أنه عاد للقاهرة لسبب ما لم يخبره به. ونظرت نحو أمجد الجالس بصمت يُتابع أحد البرامج. وأقتربت منه. "أمجد." فألتف لها أمجد. لتبتسم. "حاسة إن فيك حاجة من ورايا." وأحتوى كفيها بكفيه وأخذ يُقبل كل منهما. "ما فيش حاجة يا ست الكل." وضمها إليه بحنان. "وإحنا صغيرين شايلة همنا، ولما كبرنا برضوه شايلة همنا." فدفعته ليلي برفق وهي تنظر لوجهه. "اتجوز وأنا أبطل أشيل همك."
فأتسعت ابتسامته وهو يهتف بدعابة وقد نسي ما يشغله. "عمران هرب ومسكتيني أنا؟ ونهض من جانبها. "أنا بقول أهرب أنا كمان." فضحكت وهي تراه يذهب من أمامها وتتوعد له. *** رفع عيناه بأرهاق بعد مُطالعة أوراق القضية التي أمامه. فمنذ أن فتح مكتبه الخاص وأغلب القضايا المهمة تحولت إليه. فاسمه كان يتصدر دوماً الصحف الأمريكية. وأسترخى بجسده وهو يُدلك رقبته. وأبتسم عندما ظهرت صورتها أمامه. وظل يتخيلها وهو يلوم نفسه.
"تاني يا أدهم.. تاني هتجرب الحب وتمشي في نفس الطريق." وزفر أنفاسه وهو يغمض عيناه. إلى أن قرر أن ينهض كي يريح جسده. فرحلته غداً ستحتاج منه كل تركيزه. *** كان يُقلب في قنوات التلفاز بملل وهي تجلس على الطرف الآخر من الأريكة التي يجلس عليها وتفرك يديها بتوتر. إلى أن وقف عند أحد الأفلام الأجنبية لتصرخ فجأة وكأنها وجدت ضالتها. "سيب الفيلم ده شكله حلو." فترك عمران الفيلم ونظر إليها. "متأكدة إنك عايزاه؟
فأبتسمت حياة وأسترخت بجلستها وحملت طبق التسالي من فوق المنضدة التي أمامه. "أه، شكله ممتع." رغم علم عمران برعب الفيلم، إلا أنه تركه لها. فهي لاول مرة تشاهده. وبدأت تُشاهد الفيلم بأستمتاع. إلى أن أتسعت عيناها وهي تجد الرجل رأسه تنفصل عن جسده. ووضعت يدها على عينيها كي لا ترى المشهد. ثم أزاحت يدها برفق تنظر إلى الشاشة. فتري أن المقطع قد انتهى. وألتفت نحو عمران لتجده جالس بأسترخاء ويضحك على هيئتها.
فزمت شفتيها وهي حانقة منه ومن الفيلم. "كان مجرد مقطع رعب." وعقدت ساعديها على صدرها وعادت تُطالع الفيلم بمتعة. وبدأت الإثارة مرة أخرى والرعب قد ازداد. لتجد نفسها تقترب بتمهل من عمران. ومع كل مشهد كانت تقترب خطوة. إلى أن أصبحت ملتصقة به. وعمران يُشاهد كل ذلك وهو يكتم صوت ضحكاته. وأصبح مستمتع بتلك الجلسة ولا يريد أن ينتهي الفيلم. وكاد أن ينهض كي يحضر قهوة. فوجد يد حياة تمسك بذراعيه. "رايح فين؟ فأبتسم على هيئتها ونهض.
"هروح المطبخ أعمل قهوة." ونظر إلى يدها المتشبثة به. فأزاحت يدها سريعاً. "تمام. بس روح وتعالى بسرعة." فضحك وهو يربت على وجنتها كالأطفال. "حاضر." وعندما تحرك خطوة، صدح صوت صراخ من التلفاز. ليجدها فجأة أصبحت بين ذراعيه متعلقة برقبته. "أنا خايفة. حول من على الفيلم ده." كان عمران غارقاً في رائحتها وانفاسها الدافئة التي تلفح عنقه. وقربها الذي شتته. وجد نفسه يحضتنها بقوة وهو يهمس لها بدفئ وحنان بعيداً عن شخصيته الباردة.
"حياة خلاص المقطع خلص، متخافيش." فرفعت وجهها نحوه لتشهق بفزع بعد أن رأت وضعها. وأرتبكت وهي تزيح يديها من على عنقه. وطأطأت رأسها بتوتر وأبتعدت عنه كي تُداري خجلها. "هتروح تعمل قهوة؟ فحرك عمران رأسه وهو يتأملها بشعور عجيب غارق في لذته. وتمتمت بخوف. "هاجي معاك! فأبتسم عمران ومدّ لها يده. وقد أصبح هائماً بلحظتهم تلك. وسارت معه وهي تمسك يده. ووقفت خلفه كالظل وهو يحضر قهوته. ليضحك وهو يراها تتبعه مع كل خطوة.
"مكنتش أعرف إنك جبانة كده يا حياة." فأرتبكت وهي تبتعد عنه. "بخاف من الدم. اعتبرها عقدة." فحرك رأسه بتفهم وأنهى صنع قهوته. "طب يلا نشوف برنامج أو حاجة كوميدية تنسيكي الرعب ده شوية." ثم سألها وهو يخشى الإجابة. "ولا عايزة تروحي تنامي؟ فحركت رأسها وتقدمت أمامه بحماس. "لأ، عايزة أتفرج على حاجة جديدة عشان أمسح الفيلم ده من ذاكرتي."
فضحك وهو يتبعها. وجلس كل منهما على طرف الأريكة وأندمجوا مع أحد الأفلام القديمة. وكان فيلم "الشموع السوداء". وأبتسمت حياة وهي سارحة بالفيلم بحالمية. وتتنهد وهي ترى قصة الحب التي نشأت بين الأبطال. وكيف يعيق الماضي قصة حبهم من طرف البطل.
كان عمران جالس لا يفكر بشيء وينظر للفيلم بهدوء. فلم يكن يوماً يستهويه قصص الحب مهما كانت بدايتها أو نهايتها. طيلة حياته كان رجلاً مسؤولاً نشأ على أنه القدوة لإخوته. وأنه السند لوالده وجده. وأنه من سيُكمل الطريق بعدهم ويُحافظ على العائلة.
وانتهى الفيلم أخيراً وأفاق من شروده. ونظر جانبه ليجدها غافية ورأسها تميل على كتفها. وأقترب منها يتأملها بمشاعر مضطربة. ثم رفع يده نحو وجهها يُلامسه. وأزاح حجابها ومدّ يده نحو خصلات شعرها. وتنهد وهو يُقاوم تلك الرغبة التي اقتحمته. وأغمض عيناه بقوة. "من أمتي وانت ضعيف كده.. وجودها ليه وقت في حياتك وهينتهي.. أوعى تنسى الماضي اللي جمعكم."
وفتح عيناه بعد أن استطاع أن يتحكم بقلبه. ونظر إليها طويلاً. ثم حملها ليصعد بها نحو غرفته. وسطحها على فراشه. ليجدها تميل على جانبها الأيمن. وأتسعت ابتسامته وجلس جانبها ينظر إليها وغفا دون أن يشعر. *** أقتربت ليلي من فراش فرح وجلست جانبها. فأغلقت فرح الكتاب الذي كانت تقرأ فيه وأبتسمت لها. "مدام جيتي أوضتي وقاعدتي القاعدة دي يبقى في حاجة يا لولو." فأبتسمت ليلي وهي تربت على يدها بحنو. "تعرفي أنا اتجوزت عمك فاروق إزاي؟
فحركت فرح رأسها بنفي. "اتقابلنا صدفة في مستشفى. هو كان بيزور جوز عمتي وأنا في اليوم ده كنت بزوره." وتنهدت بشرود: "في اليوم ده اكتشفت إن الإنسان اللي فضلت أحبه خمس سنين من عمري كداب. كانت الدنيا كلها ضلمة في وشي. حسيت إن روحي بتنسحب وفي حاجة ناقصة. روحت أزور جوز عمتي مع العيلة رغم إني حاسة إن ماليش رغبة في الحياة، بس لبست وقررت أخفي حزني وأخرج من أوضتي." ونظرت لها فرح بتركيز وهي لا تعلم لما عمتها تحكي لها تلك الحكاية.
"بعدها بأسبوع اتقدملي عمك فاروق. في الأول رفضت. بس بعد إصرار العيلة إني أقعد معاه وأدي نفسي فرصة. وكأني ده كان طريقي الجديد. وكل حاجة حصلت من غير ما أحس. اتخطبتله وبعدها بشهور اتجوزته. كنت ابتديت أحبه فعلاً." وأبتسمت وهي تتذكر: "أنا حبيته فعلاً. حبيت حنيته ورجولته. حبيت حبه لأهله، لاحترامه ليا، حبيت كل حاجة فيه." وتنهدت بحنين: "واتعلمت
أهم حاجة في حياتي: 'هيتقفل قدامنا طريق كنا فاكرين إنه هو سعادتنا. وهيفتح طريق تاني هنلاقي نفسنا خايفين نمشي فيه. هتفضل روحنا متعلقة لا عارفين نرجع لورا ولا عارفين نبص لقدام. وللحظة هنحس إننا تايهين لحد ما قدرنا هياخدنا على طريقنا اللي هيكون في شقائنا أو سعادتنا. ويوم ما هنوصل للسعادة هنعرف إننا اخترنا الطريق الصح. وفي اللحظة دي هتعرفي أهم حاجة في الدنيا إن اختيار ربنا دايماً لينا هو الأجمل.'"
كان كلام ليلي يدور بعقلها يُذكرها بحلمها وبالرجل المجهول. أيعقل أنه هو نصيبها؟ ولم تشعر بـ ليلي وهي تُغادر غرفتها وتتركها تسبح في عالمها. *** أغمض أمجد عيناه بعد أن أغلق هاتفه. واتكأ على جانبه وهو يتذكر لحظاتهم الجميلة وكيف وقع في غرامه. نظرت نهى إلى هاتفها بيأس. فقد أغلق هاتفه ولم يرد على رسائلها. وسقطت دموعها التي لم تتوقف. وتسطحت على فراشها تضع بيديها على عينيها
تبكي بحرقة وهي تردد: "أنا حبيتك يا أمجد ليه عملت فيا كده." *** أبتسمت مها بألم وهي تقرأ أحدى الروايات. وترى نفسها بطلة تلك الرواية وكأن الكاتبة كانت تحكي معاناتها. ولكن في النهاية حصلت البطلة على أمنيتها في حب البطل لها. وتنهدت بوجع وهي تزفر أنفاسها. "ده خيال يا مها.. والخيال عمره ما كان حقيقة." كان العقل يُخبرها بهذا. أما قلبها مازال يحلم ويدق.
ونهضت من فوق فراشها كي تطمئن على والدته. لتجد والدتها تجلس وتحمل المصحف بين يديها وتنطق بخشوع. ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً ﴾ *** جالساً في وسط الضجيج. الكل يرقص ويضحك. عالم اختاره بسبب ماضي أضعفه ولم يقويه. ونسي أنه عندما خسر شيئاً بحياته عوضه الله عما فقد. أقتربت منه إحداهن تتمايل بخطواتها ثم جلست جانبه. وعندما لاحظت صمته وشروده. أقتربت منه أكثر وحركت يدها على ذراعيه.
فألتف نحوها مروان دون كلمة. لتمد يدها نحو وجهه. "وحشتيني." فضحك مروان بتهكم وهو يُطالعها. فمالت نحوه ووضعت شفتاها على شفتيه تُقبله. *** جاء الصباح بيوم جديد. فتحت حياة عيناها ببطء ومدت ذراعيها. وأتسعت عيناها بصدمة وهي تنهض من فوق الفراش متسائلة. "أنا فين؟
ونظرت إلى الغرفة الواسعة. فعلمت الإجابة. وخرجت بخطوات راكضة تلتف حولها يميناً ويساراً. وهبطت الدرج. وهي تبحث بعينيها عنه. لتجده يقف أمام الشرفة التي تطل على الحديقة ويرتشف من فنجان قهوته. وعندما شعر بخطواتها خلفه. ألتف إليها وهو يبتسم. "صباح الخير." فأرتبكت حياة وأبتسمت بخجل. "صباح النور." وحركت بيدها على شعرها وهي تلتف حولها. "أنا نمت هنا إزاي؟ فأقترب عمران منها. ومال نحوها هامساً. "نمّتي وإنتي بتتفرجي على الفيلم."
وضحك وهو يتخطاها. "شكله كان عجبك فعلاً." فأبتسمت وهي تعلم أنه يسخر منها. "كنت مستنيكي عشان نفطر سوا." فأتبعته وهي لا تُصدق بأن هذا الرجل هو عمران. الرجل الذي كانت تُعنته داخلها بألقاب عدة. فظ. وقفت في المطبخ تجد تلك الطاولة الصغيرة مُعدة. وأشار إليها بالجلوس. "وقفة كده ليه؟ وتابع وهو يجلس. "كل حاجة كانت موجودة في التلاجة. معملتش غير البيض بس." وضم حاجبيه ببعضهم. "أتمنى يعجبك."
فضحكت وهي تجلس على أحد المقاعد. وأول شئ قامت بتذوقه هو البيض. "مش بطال." فجذب عمران الطبق من أمامها وهو يُشاكسها. "مدام مش بطال. يبقى خلاص ماتكليش." فضحكت على تصرفه. ليضحك هو الآخر. كانت جلسة هادئة يملؤها الضحك الذي لم يُجربه من قبل. ومع كل ضحكة تصدر من أفواههم كانت قلوبهم تتلاقي. ووجد القلب ما كان يبحث عنه. ***
نظرت فرح بدهشة إلى الباصات التي وقفت أمام الملجأ. وأمام كل باص كان يوجد رجلين وداخله يوم السائق. وأقتربت فرح من أدهم الذي يحمل صغيرة كالعادة. والأثنان يرتدوا نفس الملابس. كانوا نسختان. ورفع أدهم نظارته وهو يبتسم لها وينظر للأطفال. "ها مستعدين؟ فضحكت فرح وهي تُشير للأطفال ليعلوا بصوتهم. "آه مستعدين! فأبتسم أدهم وهو لأول مرة يشعر بتلك السعادة. أن تمنح أحد السعادة دون مقابل. تلك هي السعادة الحقيقية.
وسار الأطفال يتقدمهم موظفين الملجأ. وفرح تتبعهم وبجانبها أدهم. "انت جايب حرس معانا؟ فحرك أدهم رأسه. "في كل باص هيكون فيه حارسين. أنا حجزت لينا مكان خاص بالأطفال." وقفت فرح تتسأل. "طب وصاحب المكان وافق؟ فضحك أدهم وهو يُشير لها أن تتحرك. فالأطفال قد صعدوا لأماكنهم. "ده منتجع فيه كل حاجة. وصاحب المنتجع معندوش أي اعتراض. متقلقيش." فأبتسمت فرح بحماس. "طب كويس. أهم حاجة الأطفال يتبسطوا."
وتابعت بسعادة: "متعرفش اللي عملته ده شيء عظيم أوي عند ربنا. هتلاقي ثمرته في حياتك قبل أخرتك." كلامها كان لأول مرة يسمعه. وكيف كان سيسمع وحياته كانت عبارة عن خمر ولهو وتحرر ليس له مثيل. *** عندما أخبرها بأنه سيأخذها في نزهة لم تُصدق. ولكن بعد ساعة ونصف ها هي ترى بعينيها.
وقفت سيارته أمام إحدى القرى السياحية. وهبط عمران من سيارته بعد أن فتح له حارس الأمن بابها مع ابتسامة مُرحبة. وأتبعته حياة وهي تتأمل روعة المكان. وهمست بتعجب. "مصر فيها أماكن حلوة أوي." فأبتسم عمران وهو يتقدمها بخطواته. "بالفلوس بتشوفي كل حاجة حلوة في مصر." فحركت رأسها بتفهم. فهي منذ أن انتقلت من حياة الثراء لحياة البسطاء. فهمت هذا المعنى.
وبدأت جولتهم في القرية. كان عمران يرى سعادتها فيشعر بأنها كالطفلة. وتجولت عيناه على ملامحها بحرية. فأكثر ما يميزها بشرتها البيضاء المتوردة. وبدء عمران يندمج معها. إلى أن تنحى عقله جانباً وأصبح قلبه في المقدمة. كان يضمها حين يُطالعها على شيئ ما. وكانت تترك له نفسها. وجلسوا على الرمل يتأملون الأمواج الهادئة. وتنهدت بسعادة. "الجو هنا جميل أوي." فتمتم عمران وهو يُطالع المياه: "فعلاً." ووجدها تلتف نحوه وتبتسم.
"إيه رأيك نتصور؟ فنظرت عمران إليها طويلاً. "تمام نتصور." وأتسعت ابتسامتها وطالعته بأرتباك. "طب ممكن تديني تليفونك؟ وتابعت بخجل: "تليفونك حديث عن تليفوني." وأخرجت هاتفها من حقيبتها التي تُعلقها على كتفها. وأخذت تحركه بين يديها. "مش هيطلع الصورة حلوة." فأبتسم وهو يعطيها هاتفه. "اتفضلي يا ستي! وتسأل دون قصد: "هتعرفي تستخدميه؟
فأبتسمت وهي تنظر للهاتف الذي كانت تملك أول إصدار منه عندما بدأت الشركة بصناعته. ولكن الحياة قد تغيرت. "أه أكيد متقلقيش." ومالت نحوه وهي تبتسم: "أبتسم." وأبتسم بالفعل لتنظر إلى الصورة بسعادة. *** وقفت فرح تنظر إلى الحديقة الواسعة وكيف يركضوا الصغار ويلعبون بالألعاب. ونظرت نحو أدهم الذي يقف مع أحد الأشخاص. ترغب بسؤاله كيف استطاع إدخالهم لمكان كهذا. وهي تعلم أنه فُتح منذ أشهر وأخذ ضجة عالية لأن مستثمره من خارج البلاد.
وأخرجت أنفاسها ببطء وهي تنظر لمالك كيف يلعب أمامها ويتعثر في خطواته. لتنحني نحو الصغير وتحمله. "كده هنوسخ هدومنا النضيفة." فضحك الصغير وهو يُداعبها بيديه الصغيرة ويُهمهم بكلمات مبهمة. "ماشي يا أبو نص لسان انت." وتقدم أدهم نحوها وهو يبتسم وأخذ منها صغيره وقبله. "حبيبي بابا." فأبتسمت فرح وهي ترى اهتمام أدهم بصغيره مهما كانت مشاغله. وتلك النقطة كانت تعجبها به بشدة وتذكرها بوالدها. ونظر لها أدهم. " سرحتي في إيه؟
فأرتبكت وأتجهت بعينيها نحو الصغار. "الأطفال فرحانين أوي. حتى المشرفين فرحانين بالمكان." وتابعت بسعادة: "أنا مش عارفة أشكرك إزاي يا أدهم." فضحك: "دي عاشر مرة تشكريني يا فرح." فداعبته بمرح: "طب كويس إنك بتعد عشان لما نوصل للعشرين تبقى تقولي." فتعلقت عيناه بها. كل يوم يكتشف بها شيئ غريب. شيئ يجذبه ويغرقه بها. وترددت في أن تسأله كيف أقنع صاحب المكان بترك لهم المكان ويهتمون بهم هكذا. ولكن عزمت أمرها وتسألت.
"شكل علاقتك بصاحب المكان قوية أوي. دول مهتمين بينا جدا." وأشارت إليه ضاحكة: "أوعى تكون في الآخر انت صاحب المكان." فضحك وهو يُحرك رأسه. "للأسف، فعلاً." فحدقت به وهي تنظر لضخامة المكان. فهي لم تظن أن أدهم غني لتلك الدرجة. وعندما رأى أدهم نظراتها للمكان. "أنا وصديق ليا شركا فيه. بصراحة في البداية كنت معترض. بس بعد ما أقنعني قولت أهي تجربة أستثمر رأسمالي هنا."
وعاد بذاكرته لثلاث أعوام مضت عندما أقنعته كاميليا بالفكره. وفاق من شروده على اعتذارها. "اسفة بس أنا دايماً عندي فضول لكل حاجة." وتابعت وهي تمازحه. "بما إنك صاحب المكان بقي هنعمل تعاقد معاكم علطول." وأشارت له بيدها وكأنه تُحذره. "ومش هندفع ولا مليم." فأبتسم أدهم وداخله يهتف: "ليه بتعملي كده.. ليه عايزة توقعيني في حبك." وحرك رأسه بأبتسامة مُحبة. "موافق! *** أنتهت رحلتهم وكل منهم يحمل ذكرى جميلة لذلك اليوم.
أوقف عمران سيارته وهو ينظر إليها. "أتبسطتي؟ فحركت حياة رأسها بسعادة ظاهرة على وجهها. "جداً. وتابعت بأمتنان: "شكراً على اليوم الجميل ده. مش هنساه أبداً." فأبتسم عمران. وتحركت بجسدها تفتح باب السيارة. وألتفت بفزع عندما وجدت يد عمران تمسك ذراعها. ووجدته يميل نحوها. ولم تشعر إلا وهو يُقبل وجنتها بدفء. وابتعد عنها. فأرتبكت من فعلته. وتمتم عمران بهدوء وهو يُصارع رغبة قلبه بها. "تصبحين على خير!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!