الفصل 3 | من 21 فصل

رواية ودق القلب الفصل الثالث 3 - بقلم سهام صادق

المشاهدات
48
كلمة
3,290
وقت القراءة
17 د
التقدم في الرواية 14%
حجم الخط: 18

كل شئ مر سريعا دون أن تشعر. غادرت لندن، هي الآن في موطن والدها، وطنها الذي أحبته عبر صديقتها فرح. وعندما تذكرتها تمنت لو أنها استطاعت التواصل معها، ولكن فرح اختفت كما اختفى كل شيء جميل بحياتها. فأبتسمت بشحوب عندما وجدت نظرات صديق والدها تُطالعها. ربت على كتفها بحنان، وهو يبادلها بابتسامة أبوية دافئة. "يلا يا بنتي." نظراته الحنونة كانت تُطمئنها. أحبت هذا الرجل منذ صغرها، ولكنه اختفى فجأة عنهم، ليعود ويظهر من جديد.

وبعد ساعة، كانت السيارة تردف داخل بوابة ضخمة. تحدقت بالمنزل الفخم الذي أمامها، فهو يشبه منزلها عندما كانت من الأثرياء. فطالعت المكان وتذكرت حديث صديق والدها وهو يُخبرها أنها ستُقيم هنا في منزل أحد معارفه القريبين منه، ويعتبره بمثابة ابن له إلى أن يعود مجدداً بعد أن يُصفي حساباته، وتعيش معه وتعمل في شركته الخاصة التي سيُنشئها.

ورغم قلقها من عيشها في منزل لا تعرف أصحابه، إلا أن مزاح صديق والدها خفف عنها. وبعد وعده بأن لن تطيل سفرته وسيعود سريعا، أطمئنت أكثر. ومع كل تلك الدوامة، لم تشعر بنفسها وهي تجلس بالصالون الفخم بعدما رحبت بهم الخادمة. وذهبت لتُخبر سيدها بوجود الضيف.

فيدخل عمران بهيبته المعتادة، ويتقدم من حسام بترحيب واحترام، فهو كان صديق خاله مراد وشاكر رحمهم الله. ولارتباطه الشديد بأخواله، كان بالطبع يرى هذا الصديق دائمًا. فضمه الرجل بمحبة وقدم تعازيه بأسى على موت شاكر الذي علم به مؤخرًا. وكانت هي تجلس تُشاهد كل هذا بتوتر، تفرك يديها ببعضهما وقلبها يخفق بقوة. وداخلها يُخبرها أن هذا الرجل له هيبة ووقار مفرط.

وبعدما تبادلوا بعض الأحاديث، طلب حسام من عمران الانفراد في غرفة مكتبه. وابتسم لحياة الجالسة مطأطأة الرأس بخجل، ونظر إلى العصير الذي وضعته الخادمة للتو أمامها. "اشربي عصيرك يا حياة يا بنتي، لحد ما أتكلم مع البشمهندس شوية." سار من أمامها بعد أن حركت له رأسها بتفهم. فطالعها عمران بنظرات باردة خالية من أي شيء. فأزداد توترها أكثر. ونظرت إلى كأس عصيرها وبدأت ترتشفه بشرود. *** نهض عمران من فوق مقعده بقسوة وهو يهتف:

"بتقول بنت مين؟ لدرجة دي انت نسيت الراجل ده عمل فينا إيه؟ نسي احترامه لهذا الرجل الذي سانده بتوسيع علاقاته خارج البلاد. واقترب من حسام الجالس بتوتر على مقعده. "يا عمران يا ابني افهمني، حياة مش زي محمود صدقني." فضحك عمران ساخرًا: "الزبالة عديم الشرف هيخلف إيه؟ أكيد زبالة زيه." تنهد بضيق عندما نهض حسام من مقعده: "أنا كنت فاكر يا ابني إن لسا العيلة دي فيها ولاد الأصول." قطع عمران حديثه: "انت ناسي عمل إيه؟

ناسي ولا أفكرك؟ ضحك بقسوة: "وكمان سماها حياة... يا بجاحته." تمتم حسام بتفهم: "يا عمران يا ابني أنا فاهم شعورك كويس، ولولا عارف كرمك مكنتش جبتها هنا. للأسف يا ابني أنا متورط في شوية مشاكل بره البلد ولازم أخلصها." تنهد عمران بضجر، وظل يفكر قليلاً إلى أن لمعت عيناه بخبث أخفاه سريعا. "موافق تقعد هنا." جلس على مقعده بهدوء يليق به. "بس جوه البيت ده لأ."

"وسامحيني لأني مقدرش أدخل بيتي بنت الراجل اللي ماتت عمتي بسببه وحسر جدي وولدي." نظر إليه حسام بتفهم وتسأل وهو يتمنى أن لا يُخيب عمران ظنه. "طب وهتعيش فين؟ حياة أول مرة تيجي مصر ومتعرفش حد ولا حاجة هنا. حتى أهل أبوها لسا متعرفهمش ومتوقعش هيقبلوا بيها بعد اللي عمله محمود فيهم." فقبض عمران على يده بقوة وهو يتمتم: "في أوضة في الجنينة، هخلي الخدم ينضفوها ليها." وعندما رأى نظرات الخيبة في عين حسام، أكمل حديثه:

"على فكرة الأوضة دي والدي الله يرحمه كان عاملها للضيوف اللي بيجولنا من البلد، عشان ياخدوا راحتهم. ومتقلقش متقلش فخامة عن شكل الفيلا." فابتسم له حسام براحة: "ريحتني يا ابني. دي أمانة عندي ومش عايز أبهدلها. موصيكش عليها يا عمران." ثم تابع: "واتمنى تلاقي ليها شغل كويس في شركاتك. حياة درست اقتصاد في لندن." تمتم بجمود: "تمام."

وبعد أن أنتهى الحديث عن تلك الجالسة بالخارج تجهل ما يدور في خلد من تجلس ببيته. تساءل عمران بهدوء عن حياة محمود بعد أن أفلس. فحكى له حسام كل ما يعرفه. ليتمتم عمران: "جدي كان عنده حق. العادل حي لا يموت." كان في عمر التاسعة ولم ينسَ قط ما كسر ظهر جده وأبيه، في موت ابنتهم المدللة بعد أن تزوجها محمود عرفيًا ثم تركها بعدما علم بحملها. ***

وقفت تنظر إلى الغرفة التي أصطحبتها إليها الخادمة خارج الفيلا. فقد كانت غرفة متوسطة الحجم بمرحاض ملحق بها تطل على الحديقة الواسعة. أعجبتها الغرفة بشدة فقد كانت مفروشة بأثاث عصري وبسيط. وجدت خادمة أخرى تلحق بهما وتحمل شراشف نظيفة بيدها. وأسرت تعد السرير لصاحبته الجديدة. ابتسمت بلطافة بعد أن أعدت الخادمتان الحجرة، وقبل أن ينصرفوا هتفت: "هتمشوا قبل ما نتعرف."

ومدت يدها نحوهم كي تُصافحهم. فنظرت الخادمتان لبعضهما متعجبين من فعلتها. "أنا اسمي حياة." وسريعا زال ذهول الخادمتان، فصافحوها بحبور واهتمام. وقالت إحداهن: "أنا اسمي نعمة." وأشارت نحو صديقتها: "وديه أمل." وتساءلت نعمة: "انتي بتتكلمي عربي كويس؟ لأ ولغتنا العامية عادِ." فضحكت حياة برقة. وبدأت تقص عليهم صديقاتها اللاتي تعرفت عليهن بالمنتديات العربية وكيف كانت تبحث عن أهل وطنها. إلى أن جائت سيرة فرح.

فقصت عليهم أن لها صديقة غالية هنا وتتمنى أن تلتقي بها. وانتهى الحديث وذهبت الخادمتان بعد أن تهامسوا لبعضهم عن لطافتها وجمالها الشرقي الهادوء. وقفت أمل بفزع عندما سمعت صوت عمران يُناديها: "أمل." وألتفت نحوه بأحترام. وتقدمت منه قائلة: "أفندم يا عمران بيه." هتف عمران بجمود: "البنت اللي بره دي متدخلش الفيلا خالص. رجليها متعتبش هنا مفهوم." فتساءلت أمل بحيرة: "بس يافندم." عمران بأمر: "كلامي يتسمع." تابع بقسوة قد أدهشتها:

"وجبات الأكل تيجي تاكلها معاكم في المطبخ. وأوضتها بعد كده تنضفها هي بنفسها." وقبل أن تهتف الخادمة بحرف، ذهب بأعصابه. لتقف تضرب كفًا بكف: "غريبة. أول مرة البيه يعامل ضيف كده." واتجهت نحو المطبخ، لتجد رئيسة عملها تجلس تريح أقدامها وتحتسي قهوتها. فأقتربت منها نعمة هامسة: "البيه كان عايزك في إيه؟ فبدأت أمل تحكي لها ما طلبه. لتنظر إليها نعمة بدهشة متسائلة:

"لأ فعلا غريبة. أول مرة عمران بيه يعامل حد كده. وخاصة لو كان ضيف عنده." وسريعًا ما نطقت بعد تفكير: "ما يمكن مش عايزها في الفيلا عشان الهانم الكبيرة مش هنا. وهو راجل أعزب إزاي بنت حلوة زيها تقعد معاه وهو لوحده." فطالعتها أمل باقتناع. وقبل أن ترد عليها هتفت منيرة: "هتفضلوا تتسيروا كده؟ شوفوا شغلكم يلا قبل ما كل واحدة فيكم تروح على بيتها." ***

تسطحت حياة بجسدها على الفراش بإرهاق وهي مازالت لا تُصدق أنها هنا بمصر. وأن عمها حسام قد رحل وتركها في منزل ذلك الغريب الذي أوصاه عليها. ونظرت إلى الأموال التي أمامها وقد أعطاها لها حسام قبل رحيله وأعطاها لها رقمه الخاص وودعها إلى لقاء قريب. وزفرت أنفاسها. وتذكرت أنها لم تسأل أمل أو نعمة صديقاتها الجدد عن قبلة الصلاة. "غبية يا حياة. أممم بكره لازم أسألهم." وغابت في ثبات عميق وهي لا تعلم بما سينتظرها هنا.

أما هو، فوقف في شرفته يُدخن بشرود، يُطالع حجرتها. "حظك وقعك تحت إيدي." ويضحك ساخرًا: "سماكي حياة على اسمها. لأ حقيقي عنده ضمير." *** أنهى برنامجه وبدأ يضحك مع مُعدين حلقة اليوم. إلى أن جائت إحداهن ترسم على محياها البراءة والضعف. وهتفت: "مستر أمجد." فألتف أمجد نحوها بابتسامة واسعة. فتلك مُتدربة جديدة قد طلب منه أحد معارفه أن تتلقى تدريب بعد تخرجها مباشرة. "تقرير النهاردة هايل يا نهى."

وأخذ زجاجة الماء من يد مساعده. وسار من أمامها وهي تسير خلفه. "هيكون ليكي مستقبل حلو لو استمريتي على كده." وقبل أن تنطق بشيء، وجدت إحداهن تقترب منه بدلال وتُحادثه. لتقف في مكانها بضيق وهي تعلم أن الوصول إليه مازال صعب. *** أشرقت شمس الصباح بنورها الهادئ. لتفتح حياة شرفتها وهي تتذكر العجوز كرستين وسماء لندن. وهتفت بشوق: "وحشتيني يا كوكو." وبسطت يدها تُقبل راحة كفها. ثم نفخت بأنفاسها كما لو ستطير قبلتها عبر الهواء.

"هبعتلك كل يوم قبلة الصباح يا كوكي." لتسمع طرقات خافتة على الباب. فتسرع لرؤية من جاء إليها. "إزيك يا أمل. وتسألت بنصف عين." "أمل مش كده ولا أنا غلطت." لتضحك أمل على بساطتها المحببة: "صح يا ست حياة." فتُكشر حياة وجهها بطريقة مُضحكة. وهي تهتف: "اسمي حياة يا أمولة فاهمة." وأقتربت منها تُقبل وجنتها: "صباح الخير بقي يا أمولة." فابتسمت أمل بسعادة وهي لا تُصدق طيبة روح تلك الفتاة.

"أنا جايه أقولك إحنا مستنينك على فطار أنا ونعمة وست منيرة." حياة: "منيرة مين دي؟ فأجابت أمل بهدوء: "دي مدبرة المنزل والرئيسة بتاعتنا. هتتعرفي عليها لما تيجي. يلا أنا بقي عشان أحضر الفطار للبشوات." وكادت أن تنصرف أمل. فهتفت حياة: "أمل استني." وتسألت وهي تنظر للحجرة: "هي فين اتجاه القبلة عشان أصلي." لتُخبرها أمل بالاتجاه وتنصرف مع ابتسامة طيبة على وجهها. فتذهب حياة إلى المرحاض وتبدأ بطقوسها الذي ستعتاد عليه يوميا. ***

جلست ليلي بجانب ابنة أخيها في الهواء الطلق. فجو المزرعة كان يبعث في الروح الهدوء. وربتت على يد فرح بحنو. "هتفضلي لحد إمتى كده يا حبيبة عمتو؟ فين فرح اللي كلها طاقة وروح." فطالعتها فرح بشحوب: "كله راح يا عمتو مع موت بابا." فتأملتها ليلي بحزن فهي أيضًا روحها تتألم على أحبابها. فقد رحل شاكر كما رحل أخيها مراد وزوجها الحبيب ومازن ابنها الأوسط قرة عينها. وهتفت داخلها: "الصبر من عندك يا رب." وعادت تنظر إلى فرح الهائمة:

"وجع الفراق صعب يا بنتي. وبالذات لما يكون الفراق موت. يعني مش هنشوفهم تاني ولا هنشم ريحتهم. بس إحنا مؤمنين وعارفين إن اللي بيروح عمره ما هيغلى على اللي خلقه." وناولتها المصحف الذي كان بجانبها وهي تنهض: "صبري قلبك بكلام ربنا يا فرح." وأنصرفت وهي تدعو لأبنة أخيها ولها بالصبر. *** أنهت حياة فطورها بالمطبخ وسط أمل ونعمة ومنيرة وايضًا السائق صالح الرجل الطيب. واندَمَجَت معهم بالحديث.

لتنهض أمل من على مقعدها بسرعة تعد القهوة متذكرة بأن ميعاد قهوة سيدها المنضبط بكل مواعيده. فطالعتها حياة بغرابة بسبب فعلتها التي لم تعهدها بعد. ونظرت إلى منيرة تسألها: "مالها أمل قامت من على الأكل بسرعة." فربتت منيرة بطيبة على يدها. فقد أحبت تلك الفتاة رغم أنها ليست من الأشخاص الذين يحبون الغرباء سريعا. "ده ميعاد قهوة عمران بيه. وأمل المسئولة عن كل حاجة تخصه."

فحركت رأسها بتفهم. وبدأت ترتشف عصيرها بهدوء وهي تُجاوب على أسئلة نعمة عن حياتها في بلاد الإنجليز كما سمتها منيرة المرأة الأربعينية. *** هتف عمران بجمود وهو يُطالع الأوراق التي أمامه: "ادخل." فأردفت أمل للداخل وهي تحمل فنجان قهوته. وبعدما وضعت القهوة أمامه. كادت أن تنصرف إلا أن صوته أوقفها. "الضيفة فطرت." فحركت أمل رأسها بالإيجاب: "أيوه يافندم." فمد يده بورقة. لتقترب أمل وتأخذها منه بعد أن أشار إليها بأن تتقدم.

"تديها الكارت ده. تجي لي الساعة عشرة الشركة مفهوم." فنظرت أمل للكارت المسجل به عنوان الشركة الأم الخاصة بالمقاولات وذات سيط معروف. وذهبت إلى حيث عملها الذي ينتظرها وحياة التي ستخبرها عن أوامر سيده. ليتذوق من فنجان قهوته بعد أن أنصرفت. وعيناه تلمع بوميض من القسوة. ***

ارتدت حياة أفخم ثيابها وأبسطهم. فقد ارتدت بنطال من الجينز الواسع يعلوه بلوزة طويلة تصل إلى قبل ركبتيها. ووضعت حجابها ولفته ببساطة على خصلاتها التي تشبه عيناها بنية اللون. ورغم عدم رضاها على هيئتها، فهي تعلم أن الحجاب يلزمه التزام وحشمة أكثر لا تلائمه ملابسها. وزفرت أنفاسها بقلق فهي ستعمل بشركة كبيرة كما أخبرها عمها حسام. وظلت ترسم أحلام جميلة لعملها. إلى أن دق باب غرفتها. وهتفت وهي بالداخل:

"حاضر يا نعمة أنا جايه أهو." فتحت الباب. لتبتسم لها نعمة قائلة: "ربنا يوفقك يا ست." وقبل أن تُكمل، عدلت حديثها وهي ترى إصبع حياة نحو وجهها: "قصدي يا حياة بس من غير ست." فضحكت حياة بغرور مصطنع وخرجت من غرفتها قائلة: "أيوه كده." وظلت تتذكر عبارات فرح إلى أن هتفت: "ناس مبتجيش غير بالعين الزرقا." فضحكت نعمة بقوة وهي لا تقدر على التنفس: "قصدك بالعين الحمرا." فابتسمت حياة برقة: "أهي كلها ألوان." ***

أطال عمران اجتماعه قدر المستطاع في شركة الأدوية التي أسسها جده لأخيه مازن رحمه الله بعد أن تخرج من كلية الصيدلة. ورغم أن الاجتماع لا يستحق كل هذا الوقت إلا أنه فعل ذلك متعمدًا. وها هي الساعة الثانية عشر ظهراً. وانتهى الاجتماع لتقترب نيره منه قائلة برقة لا تفعلها إلا معه: "الموظفين محتاجين ديما رقابتك ومتابعتك يا عمران. حاول تيجي الشركة أكتر من كده." لينهض عمران من فوق مقعده هاتفاً بجدية:

"انتي موجودة بدالي يا نيره وأنا واثق في قدراتك. ولا إيه يا دكتورة." فابتسمت نيره بعلو وهي تراه يمدح بها. فعمران ابن صديق والدها وحلم حياتها بأن تقترن به. ولكن مع عمران العمري لن يكون إقناعه في فخ الزواج أمرًا سهلاً. *** نظرت إلى ساعة يدها فهي جالسة منذ الساعة العاشرة والآن قد تخطى الوقت الثانية عشر. شعرت بالملل ولكنها وضعت الأعذار لمديرها. واتجهت مرة أخرى نحو سكرتيرته تتساءل: "إمته عمران بيه هيجي."

وكادت أن تُخبرها سكرتيرته بردها المعتاد. ولكن رئيسها قد جاء وسار بخطى واثقة أمامهم. "أوراق الصفقة الجديدة تيجي على مكتبي حالا يا نجوى." فلملمت نجوى أوراقها سريعاً. وأتبعته. وكادت أن تهتف حياة باسمها إلا أنها اختفت خلف مديرها. ذلك الرجل الذي أصبحت تهابه. وعادت تجلس على مقعدها ثانية. تعد الأرقام كي لا تشعر بالملل أكثر من ذلك. وخرجت نجوى من مكتب عمران بعد خمسة عشر دقيقة كما عدتهم هي: "عمران بيه مستنيكي. اتفضلي."

فسارت حياة بخطوات متوترة. وهي تحلم بوظيفتها الجديدة. وأردفت داخل مكتبه الفخم. وطالعته وهو يجلس بهيبة تليق به. وأنتظرت أن يرفع وجهه عن الأوراق ويُحادثها. إلا أنه ظل يُطالع أوراقه. فتنحنحت حرجاً. فرفع عمران وجهه عن الأوراق. وطالعها ساخرًا وبدأ يعدل من وضع جلسته حتى أصبح يجلس بزهو على مقعده. وأشار بأصبعه لها بأن تتقدم وتجلس على المقعد الذي أمامه.

فتقدمت نحوه. وجلست بهدوء وأخرجت أوراقها سريعا من حقيبتها. فلابد أنه سيرى شهادة تخرجها الجامعية كما يفعل الرؤساء. ومدّ أوراقها إليه قائلة بخفوت: "تفضل دي أوراقي." كان الحماس يطل من عينيها. وهذا ما زاده قسوة بأن يكسرها ويحط أحلامها. وداخله يخبره أليست هذه العدالة؟ فأبيها قد حطم قلب عمتك وحطم حلم جديك وأباك بأن يفرحوا بأبنتهم وهي تزف لعريسها وليس.

وعندما بدأ شريط الماضي يمر. أخذ الأوراق منها بقوة وقذفهم أمامه على المكتب. فتعجبت من فعلته. ونظرت إليه بحرج. إلى أن: "مش محتاجين الورق ده. لأن أظن انت لسه متخرجة جديد والشركة هنا عايزة ناس خبرة." فحدقت به دون فهم. ليُكمل عمران حديثه بجمود: "آنسة حياة في الشغل معنديش واسطة. خبرتك هي اللي بتحكم." وتابع حديثه بتساؤل: "اشتغلتي قبل كده! فابتسمت حياة: "كنت بشتغل نادلة في مطعم." فضحك عمران بتهكم. فهي قد وضعت وظيفتها بنفسها.

"يبقى خلاص شغلك مش هيتغير. إحنا محتاجين موظفة في بوفيه الشركة." فأنصدمت ونظرت إليه بذهول. هل هذا هو حلمها؟ وأبتلعت غصة بحلقها وهي ترى القسوة التي تلمع بعينيه ولا تعلم سببها. "بس أنا كنت فاكرة." فقبض عمران بأنامله على قلمه وبدأ يمضي على بعض الأوراق التي أمامه دون أن يهتم. "ده عرض الشغل بتاعنا. وأظن الإنسان لازم يبدأ السلم من أوله. ولا إيه يا آنسة حياة." فحركت رأسها بشحوب. ونهضت من فوق مقعدها. وبدأت تُطالعه

وهي تتساءل داخلها: "أطلع السلم من أوله؟ أشتغل نادلة تاني." وأبتلعت غصتها مجدداً. وقبضت بيديها على حقيبتها. ثم نظرت إلى حذائها الذي لمعته بفرحة طفلة. هتف هو بجمود: "ها يا آنسة." عبارة صغيرة قد نطقتها هدمت معها حلم جميل تساقطت ورقته من غصن شجرتها الصغير. "موافقة." وأرتسم النصر على فم الجالس بزهو.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...