الفصل 7 | من 21 فصل

رواية ودق القلب الفصل السابع 7 - بقلم سهام صادق

المشاهدات
35
كلمة
3,233
وقت القراءة
17 د
التقدم في الرواية 33%
حجم الخط: 18

أندفعت من غرفتها راكضة بعد أن قضمت إحدى اللقم، وأمل تقف تحمل صينية الإفطار الخاصة بها وتضحك عليها. فاليوم قد تأخرت عن موعد استيقاظها، وهذه كانت النهاية. الهرولة كي تحصل على وسيلة مواصلات وتذهب في موعد دوامها. ابتسم لها الحارس الذي يقف أمام البوابة الإلكترونية، ثم حياها بابتسامة لطيفة.

خرجت وهي تنظر حولها، لعلها تجد سيارة أجرة تمر، ولكن لا شيء. وأخذت تزفر أنفاسها بقوة، وسارت بخطى سريعة، لعلها تجد سيارة في الطريق أمامها. كان يفتح له سائقه الخاص الباب الخلفي للسيارة. لينظر عمران إلى ساعته الفخمة، ويتأمل الوقت. فقد تأخر اليوم في استيقاظه، وهذا بسبب أرقه ليلة أمس. وبدأ يتصفح جهازه الإلكتروني ويُطالع مؤشرات البورصة. أما هي، فكانت مازالت تقف تنتظر سيارة تقلّها إلى عملها. وجففت العرق الذي على جبهتها.

فاليوم، ولحظها، كانت الشمس ساطعة بحرارتها، رغم أن فصل الصيف لم يبدأ. وبدأت تيأس من مرور سيارة. وأنبت نفسها: "عشان تسهري تاني.. والنتيجة أهي صحيتي متأخر." وزمت شفتيها كالأطفال، وأخذت تلتف يميناً ويساراً. لتقف سيارة سوداء على مقربة، وسائق يهبط منها ويتجه نحوها. وشخصاً جالس بالخلف يُطالع هاتفه دون النظر إليها، ولكنها عرفته. وبعد أن أخبرها السائق أن السيد عمران هو من أمره أن يقف إليها.

ابتسمت حياه للسائق، وفي تلك اللحظة رفع عمران رأسه ليرى ابتسامتها التي توزعها دائمًا على كل الأشخاص. وركب السياره. وهي تحمد الله أنها وجدت من يوصلها. وتمتمت بخفوت: "شكرًا." فتجاهل شكرها، وأمر السائق أن يُكمل طريقه. وأرخت بجسدها على المقعد المجاور للسائق، وهي تشعر بالمتعة. فمنذ زمن لم تركب سيارة فاخرة كتلك، فيبدو أنها حديثة الطراز.

وفتحت حقيبتها ونظرت إلى ما بداخلها، لتجد بسكوتها المملح. فأخرجته من حقيبتها ونظرت إلى السائق. فهتفت بلطافة: "أتفضل." فنظر إليها الآخر وهو يشعر بالحرج من سيده الذي يجلس بالخلف. ثم نظر إليها ولم يستطع إحراجها، حتى لو وبخه سيده فيما بعد. فهي فتاة جميلة ورقيقة. وأخذ منها واحدة وابتسم: "شكرًا يا آنسة." فابتسمت حياه: "حياه! "وأنا اسمي محمود." وبدأ يأكل من البسكوت. ثم رفع وجهه للمرآة الأمامية ليرى نظرات عمران القاتمة.

فأخفض رأسه بحرج. وأكمل قيادته بتوتر، إلى أن وصلت السيارة أخيرًا إلى الشركة. ليترجل سريعًا، ويفتح لعمران الباب ويبتسم له باحترام. ونظر إلى حياه التي ترجلت من السيارة وتُطالع جسد عمران وهو يسير برشاقة. "مغرور." فضحك محمود الذي سمعها. "هو مغرور فعلاً، بس الشهادة لله إنسان محترم، ويعتبر أحسن حد اشتغلت معاه من الوسط ده." فنظرت إليه حياه، فهو يبدو أنه في الثلاثين من عمره.

وأكمل محمود: "أنا خريج تجارة على فكرة، وبشتغل هنا ضمن سواقين الشركة." فابتسمت حياه بلطافة وضحكت، وهي ترى خجله من عمله مع شهادته، وأرادت أن تهونها عليه. "وأنا بشتغل هنا في البوفيه.. قهوة، شاي." فلم يستطع محمود أن يكتم ضحكاته. وشهقت بفزع وهي ترى أنها تأخرت عن عملها. "فرصة سعيدة يا محمود." وخطت بخطوات سريعة نحو الشركة، لتجده يقف في بهو الشركة يُحادث أحد المدراء بجدية. وعندما وقع نظره عليها، ارتبكت وسارت نحو عملها. ***

نظر لها رامي وهي تتقدم نحوهم، وهتف بمزاح: "تأخير ربع ساعة، وعقابًا لكِ هتقدمي القهوة لعمران بيه النهارده." فأتسعت حدقتي حياه بدهشة وهي تُطالع منار التي تضحك. "إنتي عارفة؟ رامي يعتبر أقدمنا، وهو الريس بتاعنا.. متبصليش كده.. ماهو بيعاقبني أنا كمان." فكشرت حياه بطريقة طفولية وهي تستعطفهم. "عمران بيه ده لأ.. أنا بخاف منه." فوقظتها منار بذراعها. "حد يخاف من القمر ده."

وعضت شفتيها بحالمية، لتنظر حياه نحو رامي الذي أمتقع وجهه وأبتعد عنهم. وداخلها يهتف: "غبية يا منار." *** نظرت فرح إلى أمجد بامتعاض، فضحك أمجد على هيئتها. "الجميل زعلان ليه؟ فأشاحت وجهها بعيدًا عنه، ثم عادت تُطالع الأوراق التي أمامها. فجلس أمجد على المقعد الخشبي الذي أمام مكتبها في الملجأ. "شكلك وحش على فكرة." وحرك شفتيه بطريقة مضحكة، لتبتسم فرح على فعلته. "بس بقي يا أمجد."

وقبل أن تبدأ في معاتبته، دخل بعض المشرفين في الدار وعلى وجوههم ابتسامة متسعة. وقالت إحداهن: "أستاذ أمجد، حضرتك متعرفش إحنا مبسوطين إزاي بوجودك هنا." وأخرى تحدثت بهيام: "أنا بحب برنامج حضرتك قوي." وأخرى مدحته، وأخر بدأ يُطالبه أن يتحدث عن قريته وحاجتها. كان أمجد يسمعهم وهو يُحرك رأسه بابتسامة تعود على رسمها دوماً.

فكانت تجلس تتأمله بفخر، وقلبها يخفق بقوة في حب هذا الرجل الذي لم يشعر بحبها يومًا. فهي ترى الحب في عينيه، ولكن كشقيقة ليس أكثر. وانتهى الترحيب الحافل، وطلبت منهم فرح بلطافة أن ينصرف كل منهم لعمله. فطالعها أمجد بهدوء: "أنا مجبتش هدايا للأطفال للأسف." ثم أخرج من جيب سترته دفتر شيكاته، ووضع رقمًا وهو يتساءل: "قليل ولا أزود؟ وأغمزت بعينيها بمكر. "لأ زود يا ابن العم."

فضحك وهو يضع برقم آخر، وأعطاها الشيك، لتنظر إليه برضى ثم مازحته. "لا ينقص مال من صدقة على فكرة." فابتسم وهو يعلم ذلك. فهذه تربية جدهم ووالدهم ووالدتهم الحبيبة. فهم عائلة، رغم ما حصدوا من مال طائل واسم مرموق ومكانة عالية، إلا أنهم تربوا على قواعد دنيوية طاهرة ترسخت داخلهم. وعادت فرح إلى جديتها: "أنا عايزة الأرض دي يا أمجد، أتصرف." وتابعت بيأس: "الحارس بتاع المزرعة كل ما أروح أسأل عن صاحبها يقولي مسافر."

وتذكرت تذمره منها: "تحس إنه بيكرهني." فضحك أمجد وهو يغمز لها: "مين ده اللي يكرهك؟ ده انتي ست البنات." وتحولت جلستهم لمزاح لطيف يعرف قواعد الحدود. ثم هتف أمجد بوعد: "أسبوع والأرض تكون ملكك." فأشارت له بأصبعها: "خدها بالمعروف يا أمجد، وادفع حقها كامل." فحرك أمجد رأسه بتفهم: "أكيد يا فرح، متقلقيش." ونهض لتنهض هي الأخرى. "طب يلا بقي عشان أروح لست الكل، أصلها وحشاني أوي." ثم وضع بيده على أذنه وأكمل بمزاح:

"ووحشني قرصانها." *** نهض مروان من فوق مقعده وهو يفتح ذراعيه بطريقة مسرحية. "عمران باشا، أخيرًا افتكرتنا." فابتسم عمران وهو يتقدم منه، وجلس على المقعد الذي أمامه. "البركة فيك بقي." فأشار له مروان: "تعالى اقعد مكانك، انت البوص الكبير." فضحك عمران: "اقعد يا مروان، أنا وانت واحد على فكرة."

فجلس مروان وهو يبتسم بحب لصديقه، الذي رغم طباعه الباردة الجامدة، إلا أنه يعلم أن بداخله رجلاً حنون. ولكن المسؤولية التي دوماً كانت على عاتقه بسبب أنه الحفيد الأكبر جعلت منه رجلاً هكذا. وبعد حديث دام عن العمل والصفقات الجديدة الخاصة بالشركة. زفر عمران أنفاسه وهو يرخي من ربطة عنقه. فهتف مروان بقلق وهو يتقدم منه ليجلس أمامه: "خد لك إجازة يا عمران وارتاح شوية.. انت لو بتعاقب نفسك مش هتعمل كده.. حياتك كلها شغل في شغل."

وتساءل وهو يغمز له: "أخبار نيرة إيه صحيح؟

فتجمدت ملامح عمران. فالكل يسأله عن نيرة ومتى موعد الزواج، وكأن شيئًا بينهم. نيرة كفرح ابنة خاله، لا فرق بينهم. هو يعلم بأن نيرة تلتف حوله كالعلقة كي تجذبه إليها، ولكنه أخبرها مرارًا أنه لا يفكر في الزواج، وأن عليها أن تقبل بعروض الزواج التي تتقدم إليها. ولكن في النهاية مازالت تنتظر، وكأنه سيتيقظ ذات يوم من نومه ليجد نفسه يحبها. فهو يعرف نيرة منذ طفولتها بحكم أنها ابنة صديق والدها، ومشاعره نحوها ظلت ثابتة لم تتغير.

وعندما لاحظ مروان صمته، ضحك. "خلاص بلاش نيرة." "تعالى اسهر معايا بليل واعرفك على شوية... وقبل أن ينطق بالكلمة، عدل عنها لأنه يعلم طباع عمران. وأنحنى عمران قليلاً نحوه. "بما أن سيرة السهر جات، مش هتبطل اللي انت فيه يامروان؟ فنهض مروان من فوق مقعده بتأفف. فدروس عمران ستبدأ الآن. "اللي يشوفك الصبح.. ميعرفش انت إيه بليل.. سهر وسكر وبنات." فأمتقع وجه مروان وهو ينفض كلام صديقه من عقله.

"عمران، انت عارف كويس أن عمري ما خلطت شغلي بحياتي الخاصة، ولا حتى اتعديت بكلمة على موظفة هنا. هنا أنا راجل محترم، أما بره الشركة حياتي وأنا حر فيها." فهز عمران رأسه بيأس ونهض هو الآخر من فوق مقعده. ثم اقترب منه ليبات على كتفه بأخوة. "عارف يامروان ده كويس.. بس من واجبي كصديق وأخ إني أنصحك.. انسى يامروان اللي فات." وعدل من ربطة عنقه وهتف وهو يُغادر: "على فكرة مها بتحبك فعلاً.. مش عشان فلوسك! ***

كان عائدًا من المزرعة بإرهاق، يقود سيارته بتمهل وهو يحلم بالفراش الذي سيضم جسده. فاليوم كان مرهقًا، فبعد أن ساعد فرح في معرفة هوية صاحب المزرعة والأرض التي لم تعد ملك للمالك القديم الذي كان يعرفوه مسبقًا. وما جعله يشعر بالراحة عندما علم بهوية المالك الجديد، فهو كان أحدى معارف أخيه عمران، وبالتأكيد الأمور ستصبح سهلة معه.

وأخيراً قد وصل بسيارته أسفل البناية التي يقطن بها المشاهير. ليعطي للحارس مفاتيح سيارته كي يضعها في مكانها المخصص. وسار بخطى هادئة نحو المصعد وهو يتمتم: "دايمًا تعباني يا فرح." وصل أخيراً إلى الطابق الذي به شقته، ليجد آخر شخص يتوقعه الآن. فقد كانت نهى تجلس على الدرج وتنتظره وعيونها منتفخة من البكاء. وأقترب منها بقلق: "نهى! *** نظرت حياه إلى الطعام الذي جلبته نعمة، وهي تتساءل داخلها:

"هما ممكن يكونوا مش عايزيني آكل معاهم؟ وطردت تلك الأفكار من عقلها. "لأ مش معقول.. أكيد زي ما بيقولوا عايزين يريحوني." وعادت تحدق بالطعام بحزن وهي تُحادث نفسها. "بس أنا بحب آكل معاهم." وجلست على فراشها وبدأ شريط حياتها القديمة يسير أمامها. إلى أن ابتسمت فجأة وهي تتذكر تلك الجملة التي رأتها اليوم على زجاج إحدى سيارات الأجرة. "ما ضاقت إلا لفرجت."

وأخذت ترددها وهي تجهل معناها. فهي مازالت تجمع كل معلوماتها على دينها وتفهم ما يُحرمه الله وما يُحله. فللأسف حياتها السابقة كانت تشبه الغرب، رغم أنها كانت تبحث عن كل ما يخص الإسلام وعادات وطنها. ولكن كانت الحياة هناك تجذبها لتكون مسلمة بالاسم فقط. فلا والد ينصح ولا أم موجودة.

وفاقت من شرودها على صوت هاتفها، وهي تأمل أن يكون صديق والدها أو فرح التي افتقدتها. ولكن كانت المتصلة هي كرستين. وأتسعت ابتسامتها، فتلك المرأة تشعر بها دوماً وتبدل حزنها لسعادة وهي تسمع نبرة كرستين الدافئة. *** وضع أمجد كأس الماء أمامها، ثم جلس بجانبها وهو لا يعلم سبب بكائها هذا. وتمتم بهدوء رغم إرهاقه: "مش كفاية عياط وقوليلي سبب وجودك هنا." فنظرت إليه بحرج، ونهضت وهي تحمل حقيبتها الصغيرة. "آسفة.. عن إذنك."

وسارت من أمامه، فهتف أمجد باعتذار: "نهى، مقصدش صدقيني.. كل اللي أقصدُه سبب وجودك في الوقت ده بره البيت." فتأطأت برأسها أرضًا، وهي تتذكر ما حدث معها اليوم من مشاحنة مع زوجة أبيها ولم تجد غير أمجد الذي فكرت به. فمشاعرها نحوه بدأت تخطو خطوات أخرى. ففي البداية كانت تراه صيدًا ثمينًا ترمي شباكها عليه، ولكن مع الوقت بدأت تشعر بمشاعر لم تعرفها من قبل، وانقلب السحر على الساحر.

وأرتجف جسدها وهي تتذكر الكلام القاسي الذي ألقته زوجة أبيها على مسمعها وهي تخبرها أن والدتها كانت زانية وقد ماتت مع عشيقها، وأنها ستصبح مثلها مجرد عاهرة فاسقة. والدتها لم تكن إلا امرأة طيبة أحبت رجلاً لم يعرف معنى للرحمة، وفي النهاية كانت ضحية للعبة قد لعبها هو. ولا تعلم إلى الآن كيف كانت لعبته التي أنهت حياة والدتها بالحسرة. وأقترب أمجد منها بعد أن رأى أرتجافها. "نهى، اهدي."

وأرتمت على صدره تبكي وتتشبث به وتقص عليه معاملة زوجة أبيها لها وكلامها الجارح دون أن تخبره عن كلامها عن والدتها. ليشعر أمجد بالشفقة نحوها. فضمها إليه وهو يوشوش لها بأن تهدأ، حتى بدأت تأخذ أنفاسها ببطء ومازالت بين ذراعيه. ليبعدها عنه قليلاً، فيرى دموعها وهي تتساقط على وجهها. وبدأ يزيل دموعها بابتسامة هادئة. "ماسورة دموع وانفجرت."

فابتسمت لا إراديًا لممزحته، وداخلها يُخبرها أن هذا الرجل لا يقع بشباك إحداهن، بل هن من يقعن بشباكه. ***

أخذت تنظف حجرتها وتمسحها. فاليوم هو إجازتها الأسبوعية، وبما أنها أصبحت ماهرة في التنظيف، قررت أن تجعل حجرتها تلمع من النظافة. ووضعت يدها على ظهرها بألم، فهو أصبح يؤلمها. ولكنها تلاشت وجعها ونظرت إلى زجاج الشرفة وبدأت تلمعه. وتعلقت عيناها بالعمال الذين يُعدوا الحديقة لعشاء اليوم الذي سيضم أشخاصًا مهمين. وما علمته من أمل صباحًا، بأن أحد الوزراء قادمين ورجال من الطبقة الراقية والمهمة.

وعندما سألتها هل سيوجد موسيقى ونساء وشراب كما كانت في حفلات والدها، ولكن أمل أخبرتها أن حفلات السيد عمران لا يوجد بها موسيقى، وعندما يكون بها نساء تكون زوجاتهم أو من العائلة ليس أكثر. فكل ما يهتم به سيدهم هي الضيافة الحسنة والطعام الفاخر والجو اللطيف الذي يصنعه بالحديقة ويجلب من أجله أفضل منظمي الحفلات. وتمتمت بإرهاق بعد أن أنهت حملة التنظيف. "هرتاح شوية وهروح أساعدهم."

فهي عرضت على أمل المساعدة، ولكنها أخبرتها أنهم يقومون بتقديم المأكولات والحلويات والعصائر ليس أكثر. فكل شيء يأتي من أفخر الفنادق وما عليهم سوى الضيافة فقط. ونظرت إلى ملابسها المبتلة وبدأت تعطس، فهي منذ الأمس تشعر ببوادر البرد. وقررت أن تنام قليلاً وحين تستيقظ ستستحم وتبدل ملابسها المبتلة ثم تذهب للمساعدة. ***

وفي بلدًا أخرى، يخرج أحدهم من إحدى المحاكم وهو يحمل صغيره الذي لم يتجاوز العامين. فيركض سائقه نحو السيارة ليفتح له بابها. فيردف للداخل بحذر وهو يضم طفله، وينظر خارجًا نحو تلك التي تقف بأناقة وكأنها لم تنل للتو طلاقها ولم تبيع صغيرها بالمال. وأغلق زجاج السيارة المعتم وهو يُشيح وجهه بعيدًا عنها. ويقود السائق السيارة ببطء. ***

أستيقظت حياه بتعب ونظرت حولها فوجدت أن الغرفة غارقة بالظلام. فأدركت أنها نامت ساعات وليس ساعة واحدة كما رغبت. ونهضت من فوق الفراش وهي تشعر بألم حلقها، وسخونة أنفاسها. وأتجهت نحو المرحاض كي تستحم وتصلي ما ضاع من فروضها. وبعدما أنهت كل ما كان عليها فعله، أرتدت حجابها وقررت أن تذهب إلى المطبخ كي تساعدهم.

وخطت بخطوات بطيئة وهي تتأمل الحديقة المضاءة والتي أصبحت مبهرة ومجهزة للضيوف. وأسرعت بخطاها عندما أدركت أن لا مجال للتمتع الآن بالمنظر، فبالتأكيد الضيوف على وشك الوصول. ولمحتها أمل وهي تقف مع المنظمين الذين أنهوا أعمالهم وسيُغادرون. وعندما تذكرت أمر عمران بأنه لا يريد أن يلمحها بالمنزل وحدودها هي غرفتها فقط، فألتزموا بأوامره دون أن يخبروها بشيء. وكان كل ما يقولوه أنهم يُدللوها حتى لا يجرحوها إذا علمت بنبذها.

وأسرعت أمل بخطواتها المتوترة وهي تحمد ربها أنه مازال بالأعلى وليس هنا. وذهبت نحوها هاتفة: "حياه." فنظرت إليها حياه بابتسامة شاحبة بعض الشيء. "جيت عشان أساعدكم في المطبخ." ومازحتها بمرح: "بدل ما أنا قاعدة فاضية ومبعملش حاجة." فابتسمت أمل بتوتر وهي تلتف حولها يمينًا ويسارًا. ثم جذبتها من مرفقها برفق. "روحي ارتاحي انتي في أوضتك النهارده أجازتك.. واحنا ياستي مخلصين كل حاجة غير إننا مش هنعمل حاجة غير التقديم."

وسمعت صوت أحد الأشخاص يناديها، فنظرت إلى حياه التي تقف تُطالعها بحيرة بسبب رفضها لمساعدتها. "حياه روحي أوضتك، الضيوف قربوا يوصلوا والـ بيه منبه إنه مش عايز يشوف حد في الجنينة." وسارت أمل نحو من يُناديها ومازالت عيناها على حياه الساكنة في مكانها ولا تفهم سبب رفضها. وألتفت بجسدها كي تعود إلى غرفتها المنعزلة، ولكنها شهقت بفزع عندما رأت أمامها أحدهم. فضحك أمجد على هيئتها. "انتي مين؟

فنظرت إليه بخجل وهي لا تعلم بما ستُجيب عليه. ويصدح صوت عمران مُهاتِفًا: "أمجد." فأرتبكت من سماع صوته، وتطأطأت رأسها بتوتر. وأبتسم أمجد على هيئتها وسار مبتعدًا عنها ومازحها. "أنا أمجد.. أخو الوحش اللي كان لسا بينادي." فابتسمت وهي تُطالعه. فشتان بينه وبين شقيقه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...