الفصل 8 | من 21 فصل

رواية ودق القلب الفصل الثامن 8 - بقلم سهام صادق

المشاهدات
35
كلمة
3,410
وقت القراءة
18 د
التقدم في الرواية 38%
حجم الخط: 18

أقترب من أخيه وهو يضحك كلما تذكر ملامح الفتاه وهي مُرتبكة منه. نظر عمران إلى المكان الذي كان يقف فيه أخيه معها. فحدق بها قليلاً وهو يراها تقف تُطالع الطريق الذي يؤدي إلى الباب الخارجي للمطبخ وإلى طريق عودتها لغرفتها. في نهاية حسمت أمرها وذهبت لغرفتها. لا يعلم لما أنتباه شعور بالشفقة نحوها. فيبدو أنها أصبحت تعلم مكانتها وأن وجودها في بيته تقديراً لصديق خاله ليس أكثر. وشعر بيد أمجد على ذراعيه. " سرحت في إيه ياعمران؟

تنهد عمران بحنق. "الضيوف على وصول." سار عمران نحو المكان الخاص بالضيوف فأتبعه أمجد متسائلاً. "مين البنت دي ياعمران؟ فأخبره عمران باقتضاب عن هويتها وما حدث مع حسام حينما عاد لتصفية أعماله بالخارج. وكاد أن يتحدث أمجد إلا أن أصوات بوق السيارات جعلته يتبع شقيقه بصمت نحو ضيوفهم. *** وقفت تنظر من شرفة غرفتها على السيارات وهي تسير للداخل. فتذكرت تلك المشاهد التي كانت تراها في منزل والدها عندما كان "محمود الرخاوي".

وأبتسمت بشحوب وهي تتذكر والدها وكيف أنتهت حياته. شعرت بالحزن. وأتجهت نحو فراشها تجلس عليه وأمسكت بهاتفها داعية الله أن لا تسمع نفس الرسالة. ولكن كما دوماً تسمع "الهاتف مغلق". ووضعت بيدها على رأسها لتجد أن حرارتها بدأت ترتفع. ضربت جبهتها كما اعتادت لأنها نسيت أن تسأل أمل عن علاج لها. وقررت الانتظار قليلاً. ثم تذهب إلى المطبخ مجدداً. *** جلست نيرة بتأفف وهي تستمع لمميزات العريس الذي لم يروق لها عندما علمت بوضعه المادي.

فهو يجلس أمامها يتفاخر بوضعه العلمي والبعثة التي حصل عليها. وكل من والديها فخورين بشاب مثله. ولكن هي لا ترى شيئاً مميزاً فيه. فهو ليس العريس الذي تطمح به فالمال بالنسبة لها هو الأهم. وجاء بذهنها صورة عمران وهي ترى نفسها بجانبه عروس وتصبح شركة الأدوية التي هي مديرة فيها ملكاً لها وباسمها. أحلاماً بدأت تسبح فيها وهي مُبتسمة والعريس الذي أمامها يظن بأنها تبتسم له.

حتى والديها أشرقت وجوههم وهم يظنون أن أبنتهم ستوافق على هذا الشاب الذي يروا فيه مستقبلاً باهراً. *** جلس مروان بجانب أمجد يستمعون إلى الحوار الذي يدور. ورغم أن أمجد كان يتحدث معهم بلباقة كونه إعلامي معروف إلا أنه انسحب من الحديث وظل يتحدث مع مروان الذي جاء مغصوباً بسبب إصرار عمران. "أخوك ده هيموت وهو حياته كلها شغل فشغل." تمتم أمجد وهو يطالع أخيه وكيف يتحدث.

شعور بالفخر يمتلكه نحو ذلك الجالس ولكن شعوره بالأشفاق نحوه كان أكبر. "عمران بقى شايل كل مسئولية العيلة على كتافه... نفسي يكون أناني لمرة ويفكر في نفسه." بدأت ضحكات الضيوف تعلو. ليضحك كلاهما أمجد ومروان وهم لا يعلمان لما يضحكون ولكن المجاملة قد حتمت عليهم أن يضحكوا. فالوزير يجلس أمامهم ويضحك. *** خرجت من غرفتها بخطوات سريعة. وهي تسمع ضحكات الجالسين. وشعرت بالخوف وهي ترى بعض الرجال بأجسادهم الضخمة.

وكاد أحدهم يقترب منها ليعرف هويتها. إلا أن نعمة في تلك اللحظة قد لمحتها فهي قد جاءت بالمشروبات لهؤلاء الحراس الخاصين بالوزير. فسألتها نعمة بقلق. "مالك ياحياة إيه اللي طلعك من أوضتك مش شايفة الفيلا ملغمة أزاي؟ و ضحكت بخفوت بعد أن نطقت بالكلمة الأخيرة. لتضحك حياة بشحوب قد لحظته نعمة. "انتي شكلك تعبانة... استنيني هنا هروح أشوفلك خافض للحرارة وأجي بسرعة." وبعد دقائق كانت تأتي لها نعمة بالدواء. فأخذته حياة شاكرة.

وذهبت لحيث غرفتها فقدماها لم تعد تحتمل. ومن سوء حظها كان عمران يقف يتحدث في الهاتف وقد رآها. وأقترب منها بعد أن أنهى مكالمته. "انتي بتعملي إيه هنا؟ أنا مش نبهت إني مش عايز أشوف حد النهاردة في الجنينة." فلم تجد إجابة فجسدها بدأ يأن من التعب. ورفعت يدها الممسكة بالدواء وهتفت بصوت ضعيف. "كنت باخد من نعمة الدوا ده." وسارت من أمامه دون كلمة أخرى. فهو قاسي بنظراته حتى كلامه. وسقطت دموعها دون شعور منها.

وهي تتمنى أن يأتي صديق والدها بأسرع وقت ليخلصها من هنا. ووقف عمران للحظات ينظر إليها وهي تتجه إلى غرفتها. وصورتها الضعيفة تخترق عقله. فيبدو عليها أنها مريضة فوجهها كان محمراً بشدة من أثر الحمى. *** وفي ظلام الليل كانت تقف سيارة سوداء فخمة تطلق بؤها. فأستيقظ الحارس سريعاً وهو يزيل عنه النعاس وخرج من غرفته التي بجانب البوابة ليفتح بابها على مصرعيها وهو يهتف بترحيب. "أهلاً أدهم بيه." فحرك أدهم رأسه كتحية له.

ثم أنطلق مجدداً بسيارته إلى داخل المزرعة. وقفت السيارة ليطالع أدهم المنزل فهو قد اختار أن ينعزل عن الناس لبعض الوقت حتى يعود كما كان. يعود للرجل الذي كان لا يهزه أي شيء. يعود لرجل القانون الصارم. فهو طيلة غربته بأمريكا كان من أشهر المحامين حتى أنها كان محامي لأغلب الشخصيات الهامة وما ساعده في ذلك جنسيته الأمريكية التي أخذها عن والدته. فلو كان بجنسية وطنه فقط فحكماً كانت العنصرية ستظهر.

إلا أنه عاش هناك مواطن أمريكي بأصول عربية. وخرجت مدبرة المنزل راكضة نحوه. فهي تعيش هنا منذ أن كانت تخدم جده. جده لوالده وهو من ورث عنه تلك الأملاك في هذه القرية. "أهلاً يا أدهم بيه نورت البلد كلها." تمتم أدهم بنبرة هادئة. "شكراً يا سعدية." ثم نظر إلى المربية التي تحمل صغيره وأشار إليها بأن تتبعه وهو يسأل. "كل حاجة جاهزة يا سعدية؟ فحركت سعدية رأسها وهي تجيبه.

"الأوض جاهزة يابيه.. وأوضة البيه الصغير جنب أوضتك زي ما طلبت." *** أستيقظت حياة وهي تشعر بالتعب ونهضت وهي تتحامل على نفسها كي تذهب لعملها. ونظرت إلى وجهها بالمرآة فوجدته شاحب بشدة. فأرتدت ملابسها وصّلت فرضها. فالصلاة أصبحت دواء روحها. كل يوم تتساءل داخلها كيف كانت تحيا سنين عمرها التي مضت وهي بعيدة كل البعد عن ربها. بعيدة عن تلك السكينة والقوة التي أصبحت تتخذها مع كل سجده.

من قال أن القوة هي قوة الجسد أو قوة المال والسلطة. فالقوة الحقيقية هي قوة الإيمان بأن كل ما يصيبك فهو خيراً من الله. وجاءت نعمة إليها بالفطور وهي تسألها عن حالها اليوم. وشهقت بقلق وهي تلتمس حرارتها. "انتي سخنة ياحياة.. لاء شكلك ميطمنش." تحنحت حياة بألم حاولت أن تُداريه. "أنا كويسة يانعمة متقلقيش." وعندما اعترضت نعمة على ذهابها للعمل.

"انتي مش شايفة وشك أصفر إزاي.. أنا هروح ألحق عمران بيه وأقوله إنك تعبانة و آخدلك إجازة منه." فهتفت حياة وهي ترتشف من كأس الماء وهي تتذكر نظراته لها ليلة أمس. "لاء يانعمة أنا كويسة صدقيني." ثم تمتمت: "لو تعبت في الشغل هاخد إجازة وأروح." وبعد إصرارها للذهاب للعمل. رضخت نعمة لقرارها. ونظرت إليها حياة وهي تحمل حقيبتها وغادرت متجهة إلى عملها. وصلت العمل وبعد أن شعرت بالتحسن قليلاً. عاد جسدها يأن من الألم.

فأقتربت منها منار بفزع. "مالك ياحياة؟ فجلست حياة على أحد المقاعد وهي تمسح على وجهها. "تعبانة شوية." فتأملتها منار وهي تنظر لرامي القادم نحوهم. "طب متصلتيش بيا ليه كنت أخدتلك إجازة." وجذبتها من ذراعها. "قومي يلا تعالي أخدلك إذن." وبعد جدال هتف رامي. "قومي ياحياة معاها.. بلاش عند." فأبتسمت إليهم وهي تذهب نحو خزانتها كي تجلب ملابس عملها. "لو تعبت هروح." فأمتعضت منار من عنادها. وذهب كل منهما حيث مهامه. وبعد مرور الوقت.

نظرت إليها منار بضيق. "لاء هتقومي معايا آخدلك إذن تروحي." وبالفعل تلك المرة استجابت لإصرار منار. لتخبرهم الموظفة الخاصة بشؤون العاملين أن عليهم الانتظار قليلاً. وطلبت منهم أن يعودوا إلى عملهم إلى حين تنهي بعض الأمور العالقة بالعمل. وبعد نصف ساعة يعودوا إليها. وبعدما انصرفوا. رفعت هاتف مكتبها لتجري مكالمة مع السكرتيرة الخاصة بالسيد عمران. والذي أخبرهم بأن كل شيء يخص تلك الفتاة لابد أن يعلمه.

وحولت السكرتيرة المكالمة في اللحظة التي كان يُعنف فيها عمران أحد موظفينه على إهماله. وعندما علم طلبها للأنصراف. هتف بها بصراخ. "ارفضي، أنا مش فاتحها وكالة من غير بواب." *** فتحت مها حقيبتها لتخرج المرآة من داخلها. وبدأت تنظر إلى هيئتها المنمقة فقد فعلت كما أخبرتها أختها الصغيرة. أن وضع مساحيق التجميل ورسم الحواجب من سيجعلها تجذب من أرادت من الرجال. وبالفعل نفذت كل شيء.

وأبتسمت لنفسها فقد ظهرت ملامحها وأصبحت أكثر جمالاً. وأتجهت نحو حجرة مكتبه كي تُطلعه على بعض الملفات. رفع مروان وجهه بعدما تقدمت نحوه وصوت حذائها ذو الكعب العالي يطرق الأرض طرقاً ورائحة عطرها التي لأول مرة يشتمها تفوح بالمكان. هو لم يراها عند دخوله مكتبه لأنه جاء مبكراً اليوم قبل ميعاد عملها. وتأملها لثواني ثم أشاح وجهه سريعاً وهو لا يصدق أن هذه هي مها. الفتاة التي لم يراها يوماً هكذا.

فملامحها الهادئة قد اختفت وظهرت له الأنثى التي ينفر منها دوماً. فديماً ما أوقعه في حب زوجته جمالها المصطنع وعريها. أم الأن عرف ما معنى أن تنخدع في جمال يخفي عيوب الروح. كل ليلة يتواعد مع الجميلات ويخرج معهم ويقضي أوقات ممتعة ويتأكد من شيء واحد. أن أمثالهن لا يستحقوا سوى التلاعب والتمتع. ولكن مها كان يضمها لفئة أخرى. فئة كلما رأى من أمثالها تمنى أن يخبرها أن تظل هكذا طاهرة عفيفة.

وتجمدت ملامح وجهه وهو يسمع نبرتها التي أصبحت أكثر رقة. فيبدو أنها اليوم جاءت كل تمثل دور ليس لها. وأراد أن يجرحها لعلها تفيق. "انتي إيه اللي عملاه في نفسك ده؟ فأرتبكت من كلماته. وقبضت بقوة على الأوراق التي تحملها بين يديها. ليكمل هو إحراجها. "بقيتي شبه البلياتشو." فشعرت بالمهانة تسحق روحها. فهي أرادت أن ترى نظرة الإعجاب بوجهه. ولكن تمالكت دموعها التي أوشكت على السقوط. ووضعت الأوراق أمامه ثم خرجت سريعاً دون كلمة.

فكلماته أدمت قلبها وجعلتها لأول مرة تشعر بالخزي. *** قررت فرح السير في القرية قليلاً. فالخضرة تحاوط المكان. ورائحة الليمون تُنعش الروح. وسارت تتمشى وتبتسم للأطفال وتقبل الفتيات الصغار. وتعطي الحلوى التي كانت معها لهم. وأقتربت من إحدى النسوة العجائز تحمل بيديها أكياس الخضار. فتمدت لها يدها لتساعدها. فتعجبت المرأة قليلاً ولكن لأحتياجها لمن يساعدها أعطتها ما تحمل وهي تبتسم. "شكراً يابنتي."

وبدأت فرح تُعرفها باسمها ومن أي عائلة تنتمي حتى أطمنت لها المرأة التي لم تُصدق أن فتاة المدينة بمثل هذا الاحترام. وعلى مقربة منهم كان يسير هو. يرتدي ملابس رياضية ونظارة سوداء تخفي ملامحه. فهو اليوم قرر أن يستنشق هواء القرية التي افتقدها منذ أن كان طفلاً يأتي مع والده هنا لجده حيث موطن أجداده. ووقعت عيناه عليها وهو يرى مثال آخر من النساء. النساء اللاتي كرههم بسبب زوجته. ***

رغم إصرار رامي ومنار عليها بأن لا تفعل شيئاً مهماً اليوم إلا أنها أرادت أن لا تُحمل عليهم. وانتهى دوامهم الأول. وجاء الدوام الثاني. وهو التنظيف. فنظرت منار إليها بقلق. "لاء ياحياة مش هتنضفي معانا.. أنا ورامي هنعمل كل حاجة اقعدي أنتي ارتاحي." فأبتسمت حياة وهي تتأمل نظرات رامي الحانية نحو منار. "يامنار أنا بقيت كويسة العلاج اللي رامي جبهولي من الصيدلية بدأ مفعوله." ومزحتهم كي لا تقلقهم عليها. "أنا زي الحصان أهو."

فنظر كلاهما رامي ومنار إليها وهم يتمنون أن تكون بالفعل قد تحسنت. وحمل كل منهما أدواته وساروا كل منهم نحو الجزء المسؤول عنه. وحملت حياة هي الأخرى أدواتها وهي تشعر بقليل من التحسن. ووجدت دموعها تنحدر على وجنتيها وهي تتذكر حياتها القديمة وكيف أصبحت حياتها الآن. ولكن شيئاً بداخلها يُخبرها أن كل شيء سيكون بخير. وأن عمها حسام سيأتي قريباً. وضعت الأمل داخلها. وبدأت بمهمتها.

وبعد وقت ليس بالقصير شعرت بالتعب مجدداً ونظرت إلى ما تبقى لها من عمل. واستندت على الحائط تأخذ أنفاسها. لتأتي إليها منار. "انتي لسا مخلصتيش ياحياة." وعندما نظرت إلى وجهها هتفت بغضب. "لاء انتي هتاخدي بعضك وتروحي وأنا ورامي هنكمل." وأصرت منار بشدة تلك المرة. فأنصاعت لها حياة. *** كان يستعد لحلقة اليوم ويقرأ الأسئلة التي سيطرحها على ضيفه. وبما أنها مساعدته الشخصية فكانت تجلس معه.

وأبتسمت وهي تتأمل ملامحه الجادة وكيف يصبح عندما ينشغل بشيء ويضع كل تركيزه عليه. وأتكأت بذقنها على كفيها وأندمجت بمطالعته. إلى أن رفع وجهه نحوها. ليرى نظرة لم يراها من قبل. لا يعلم أهو حب أم فخر. وأبتسم لها. فتوترة قليلاً. وكل يوم تسقط في بحور عشقه بعد أن كانت تريد إسقاطه. فهتف أمجد وهو ينهض من مجلسه. "بتبصيلي كده ليه؟ فنهضت بدورها وفركت يديها وهي تخبره بصدق. "أصل شكلك حلو أوي وانت مندمج مع الورق اللي في إيدك."

فضحك وهو يعدل من رابطة عنقه. بعد أن ترك الورق جانباً. وكادت أن تتحدث. إلا أن رنين هاتفه جعلها تتراجع. *** دخلت بوابة الفيلا وهي بالكاد تحرك قدميها. وتتمنى أن تصل إلى حجرتها. وسارت بخطوات ضعيفة وهي تدعو الله أن لا تسقط وهي تسير. وسمعت صوت البوابة تفتح مرة أخرى وتدخل سيارة عمران. كان يتحدث مع نيرة التي تؤكد عليه موعد العشاء غداً مع مدراء الشركة التي سيعقدون صفقتهم معهم.

وتطلب منه الحضور للشركة في الصباح كي تُطلعه على أوراق الصفقة مجدداً. ووقع نظره على التي تسير في الطريق الداخلي للفيلا. وفجأة وجدها تسقط على الأرض. ليغلق هاتفه سريعاً ويوقف سيارته ويترجل منها ويخطو بخطوات قلقة نحوها. ونظر إليها وهي كالجثة الهامدة على الأرض لا تتحرك. وهنا علم أن انتقامه قد حصد. أذلها وأذبل جسدها. لا يعلم لما يراها والدها. لما أصبح يتذكر عمته ودموعها التي لم يكن يفهمها وهو صغير.

وكلما سألها عن سبب بكائها كانت تخبره أن عيناها تدمع لوحدها. وماتت عمته وهو يظن أنها توفت بحادث كما سمع من جده ووالده. ولكن كلما كبر بدأت الحقيقة تظهر إلى أن عرفها بأكملها. وأرتجفت يداه للحظة وهو يرى انتقامه كيف قاده ونسي أنها أمانة لديه. وأسرع بحملها بعد أن رأى أن الندم ليس الآن. وسار بها نحو غرفتها وهو يهتف باسم الحارس الذي اقترب منه بعد أن رأى ما حدث. "انده على حد من الخدم." فركض الحارس نحو الفيلا.

لتقف نعمة مذعورة من مظهر سيدها وهو يحمل حياة. فهي كانت قادمة إليها كي تطمئن هل عادت لتجلب لها العشاء أم مازالت خارجاً. ووضعها على فراشها ونعمة خلفه. ونادى بأسمها. "حياة.. حياة." ثم وضع بيده على جبينها. فعلم لما أرادت اليوم الانصراف من العمل. فسب نفسه بضيق على ما اقترفه. وتمتمت بكلمات مبهمة وبدأ حجابها ينزاح عن شعرها لتصبح صورتها كاملة أمامه. فأغمض عيناه وألتف بجسده وهو ينظر لنعمة. "خليكي معاها لحد ما أتصل بالدكتور."

وأقتربت منها نعمة وهي تشعر بالأسى نحوها. *** نظر أدهم إلى صغيره وهو يبكي والمربية تحمله وتُدندن له كي ينام. ولكن صغيره لا يهدأ. فأقترب منها ومد ذراعيه لها. "هاتيه." فأنصاعت المربية لأمره. وأعطته الصغير. فضمه لحضنه وصغيره لم يكف عن البكاء. وظل يسير به بالغرفة إلى أن بدأ اليأس يمتلكه في إسكاته. ولم يجد حل آخر إلا أن يقرأ على رأسه بعض الآيات القرآنية كما كان يفعل له والده وهو صغير. فأستكان الصغير بين ذراعيه.

فرفعه قليلاً كي يطالعه فوجده يمضغ أصابعه. وأبتسم وهو يُحادثه. "شكلك جعان ياباشا." تمتم الصغير بكلمات غير مفهومة. فضحك وهو يُدغدغه ببطنه. "طب مش كنت تقول." فضحك الصغير على مداعبة والده التي لم يفهمها ولكنه هتف. "همهم." ولأول مرة يشعر بشعورين متناقضين. شعوره لتلك النعمة التي في يده. وشعوره بالألم لصغيره لن يحظى برعاية أم وسيكون يتيماً وأمه على قيد الحياة. ***

أنهى الطبيب فحص حياة ومنيرة تجلس جانبها على الفراش تمسد على يدها بحنو. فنعمة وأمل قد انصرفوا بعد أن أمرهم عمران بهذا. ليخرج الطبيب إلى الواقف خارجاً. واقترب منه عمران بقلق. "خير يادكتور." فبدأ يُخبره الطبيب بحالتها. فأطمأن عمران وحرك رأسه بتفهم وشكره وهو يأخذ منه الروشتة التي دون بها العلاج. وأنصرف الطبيب لتأتي منيرة إليه متسائلة. "هي كويسة يابني مش كده؟

فمنيرة لمكوثها في هذا المنزل منذ أن كان عمران في الخامسة عشر جعل بينهم ألفة لتُناديه هكذا. فطمأنها عمران. "عندها ضعف تغذية ونزلة معوية." وتابع حديثه. "هاشوف صالح يروح يجيب ليها العلاج." وأنصرف من أمامها وكأنه يهرب منها. فهو الأن يشعر بحقارة ما فعله بها. وبعد رؤيتها اليوم هكذا قرر أن يتركها لحالها وسيطلب من أحد رفقائه أن يوظفها في شركته وسيجلب لها شقة خاصة لها تجلس بها إلى أن يفيق حسام من غيبوبته.

وسيبتعد عنها حتى لا يؤذيها مجدداً بفعله الحمقاء. فمنذ متى وهو يأخذ أحد بذنب آخر. وينتقم بأقذر الطرق. وكأن اليوم هو أول طريق صحوة الضمير. ودق القلب.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...