وقفت فرح تنظر إلى العمال وهم يعملون، تشعر بالسعادة لما ستفعله من أجل الأطفال. معهم نسيت وجعها ونسيت حبها لمهنة الصحافة. تنفست بحنين وهي تتذكر والدها: "هكون بذرة طيبة في الأرض يابابا." ودمعت عيناها وهي تتذكره. إلى أن سمعت صوتاً خلفها: "تعالي صاحبتي تماماً." فالتفتت نحوه بعد أن مسحت دموعها: "إنتي كنتي بتعيطي؟ فأشاحت وجهها بعيداً عنه، ليقترب منها بقلق: "فرح فيكي إيه؟
لم تعلم لما قلبها دق فجأة وهي ترى لهفته وقلقه عليها، ولكن نفضت تلك الأفكار من رأسها سريعاً، فهي مازالت تُشفي من حب انتهى قبل أن يبدأ. وتسأل أدهم مجدداً وهو يزفر أنفاسه بحنق: "فرح ردي عليا." فتمتمت بارتباك: "مافيش حاجة.. بس افتكرت بابا الله يرحمه." شعر بالحزن لأجلها، ولم يجد ما يقوله. وأزال نظارته السوداء لتسقط أشعة الشمس على عينيه. وأخذ يغمض عينيه بحنق، لتضحك هي: "لسة متعودتش على شمس أم الدنيا." فابتسم
وهو يطالع المكان حوله: "هتعود أكيد زي ما بقيت أتعود على حاجات كتير هنا." وابتعدت عنه، لينظر لها بحب لأول مرة يعرفه. حب لا يعلم كيف نبت في قلبه ولماذا هي. جلست تنتظره إلى أن يعود من العمل لتعد له وجبة العشاء، فهذا أصبح روتينها اليومي منذ أن جاءت معه من أسبوع. تنتظره بلهفة لا تعلم سببها. وتذكرت أمل ونعمة ومنيرة وكيف كانت تقضي يومها معهم بالمطبخ. نهضت من فوق الأريكة لتصعد لأعلى، فالشقة التي يمكثون بها تتكون من طابقين.
ودخلت غرفتها التي بجانب غرفة عمران، وفتحت أحد الأدراج لتخرج صور خطبة نعمة في حارتهم البسيطة. وسمعت صوت عمران يهتف باسمها، فوضعت الصور بمكانها وهبطت الدرج بخفة، وعلى وجهها ابتسامة سعيدة لقدومه: "حمدلله على السلامة." فابتسم عمران وهو يطالعها بشوق يخفيه لسانه ولكن قلبه يفضحه: "الله يسلمك ياحياة." وتسأل وهو يصعد الدرج: "ها قوليلي عملتي إيه النهارده؟ فأخذت تخبره عن مكالمتها مع كرستين ومنيرة.
وتبدلت ملامحها للعبوس وهي تتذكر كذبها على منيرة التي سألتها عن مكان إقامتها وكيف حال صحة صديق والده. لينظر إليها عمران بعد أن خلع سترته، وتسأل: "مالك ياحياة؟ فأخبرته بما يزعجها، ليجلس على فراشه وينحني قليلاً يخلع حذاءه بملامح جامدة. وعندما لم تسمع رد منه، انصرفت وهي تتمتم: "عن إذنك." وألتف نحوها وهي تغادر غرفته، وزفر أنفاسه بضيق لأنه السبب في ذلك الوضع الذي بات يمقته. تعالت صوت ضحكاتها وهي تستمع لمدح صديقتها:
"إمتي هتعلني خطوبتك انتي وعمران يانيرة؟ فأسترخت نيرة بجسدها وهي تزفر أنفاسها في أظافرها المطلية: "قريب ياسوزي." ثم تابعت بزهو وهي تلعب بخصلات شعرها: "عمران للأسف حالياً مسافر الإمارات عنده مشروع ضخم فيه." وبدأت تُثرثر عن علاقتهما التي تصنعها هي بخيالها، إلى أن هتفت سوزي: "بصراحة يانيرو عمران العمري ده صيدة تقيلة." وأبتسمت وهي تتخيله: "لأ وجنتل مان آخر حاجة ورياضي.. راجل مثالي."
وتأففت وهي تتذكر زوجها الذي يبلغ من العمر خمسون عاماً والذي تزوجته من أجل ماله: "ديما بتقعي وقفة يانيرو." فضحكت نيرة بعلو وهي تنظر إلى صديقتها: "نيرة ديما بتاخد اللي هي عايزاه." وقعت عيناها على رجلاً يدخل بهيبته ويبدو أنه في العقد الرابع من عمره، واقترب منه رجلاً آخر يُصافحه بحرارة: "سوزي مين ده؟ وأشارت نحوه وهي تُتابع حركته. فابتسمت سوزي وهي تنفس أنفاسها بحرارة: "ده فهد الحسيني ثري عربي."
لتلمع عين نيرة وهي تُطالعه، وألتقطت عيناهما، وانصرف بعدما نظر لها وأبتسم. ابتسمت مها عندما وجدت رامي أمامها، فرامي أصبح يعمل بالشركة ومنذ بداية عمله وهو يعاملها بلطف: "أتفضل يابشمهندس." وأشارت نحو غرفة مكتب مروان، ليبتسم رامي: "مديرك فاضي ولا هعطله؟ فابتسمت بود: "الكلام ده لباقي الموظفين أما حضرتك لأ." فضحك رامي وهو يتقدمها، لتتبعه وتحمل بعض تقارير العمل. وابتسم مروان عندما رأى صديقه، وأشار إليه بالجلوس.
لتقترب منه مها وتضع التقارير أمامه. فنظر إليها مروان بجمود وهي يرى ابتسامتها الخجلة لصديقه: "اتفضلي انتي يامها." فطالعته بارتباك، وانصرفت وهي تشعر بالحنق من أسلوبه الفظ معها. لينظر رامي لصديقه: "بنت هايلة بجد يامروان." فتجمدت ملامح مروان وهو يطالع صديقه، وهتف بنبرة عملية كي يغير محور الحديث: "مبسوط معانا في الشغل؟ وضعت أمامه قهوته وجلست جانبه، ثم نظرت إلى الكتاب الذي بيده واقتربت منه تُحدق في محتواه:
"ده كتاب خاص بمجال شغلك." فحرك عمران رأسه ومال نحو الطاولة ليلتقط فنجان قهوته وبدأ يرتشف منه: "قهوتك تجنن ياحياة." وأبتسمت بارتباك لمدحه وتابع وهو يكمل إرتشاف قهوته: "زي ما أكلك كمان حلو." وتوردت وجنتاها وهي تشعر بالسعادة. وعندما عاد إلى ما يقرأه، نظرت للمكان حولها بضجر. وحملت فنجان القهوة خاصتها وبدأت تسأله عن بعض الأشياء، ليجيب عليها بكلمات مختصرة. "فضلت الصمت، وأقتربت تقرأ معه حتى لو لم تفهم في مجال عمله."
وأسترخي بجلسته وهو يرى أقترابها، ثم مدّ أحد ذراعيه على أريكة. كان يظهر مشاعره ولكن بطريقة عمران العمري الرجل الذي لم يُحب يوماً إلا في مرهقته، وكانت قصة حب كلما تذكرها ضحك على حاله. وكتم ضحكته وهو يطالعها بطرف عينيه، فهي تفتح عينيها على وسعهما كي تلتقط الكلمات. وتنحنح بخشونة، وأقترب منها وهو يتسأل: "تحبي نتفرج على فيلم رعب؟ فانتفضت خائفة وهي تتذكر الفيلم الذي شاهدوه سوياً، فهي لم تكن يوماً من محبي هذه الأفلام.
"ليضحك عمران وهو يتذكر تلك الليلة وعاد يتسأل:" "خلاص شوفي أنتي عايزة تتفرجي على إيه؟ وأبتسمت حياة وهي لا تُصدق أنه سيترك الكتاب الذي كان يأخذ كل تركيزه وسيجلس معها. وأقترحت بشغف: "أحكيلي عن التاريخ الإسلامي." وعندما رأت نظراته التي لم تفهمها، طأطأت رأسها بأسف: "أنا معرفش حاجات كتير عن الإسلام." "فشعر بالأسف نحوها لنشأتها مع أب لم يهتم يوماً بأن يعلم ابنته أمور دينها." وتسأل: "حياة أنتي إتحجبتي إمتي؟ "فابتسمت
وهي تستعيد ذكري ذلك اليوم:" "سنة وتلت شهور." "فابتسم وهو يرى سعادتها." "ووجدته بدأ يسرد عليها بعض القصص." "وأقتربت منه دون شعور وهي تنظر إليه كيف يتحدث، وكيف لديه كم هائل من المعلومات." "وأخذت تتأمله ولا مرة تتمنى أن يكون زواجهم حقيقي." "وضمه عمران بذراعيه وهو يتسأل:" "المكتبة اللي في الفيلا فيها كم هايل من الكتب عن التاريخ الإسلامي والسيرة النبوية، وكتب دينية كتير هتعجبك." "وتذكر جده رحمه الله:"
"جدي الله يرحمه كان شغوف أوي بالقراية وخاصة الكتب الدينية." "وتابع وهو يتذكر جده بحب:" "رغم إنه كان رجل شديد وصارم إلا أني اتعلمت منه حاجات كتير أوي." "فهتفت بحماس وهي لا تشعر أنها بين ذراعيه:" "كنت بتحبه أوي مش كده؟ "وفجأة أبتعد عنها وهو يتذكره ويتذكر عمته، ونظر إليها ليجد صورة والدها فيها." "وتمتمت بكلمات جامدة:" "هبقى أجيبلك الكتب." "وتابع وهو يتجه نحو الدرج:" "تصبحي على خير."
"تعجبت من ابتعاده عنها ونظرت إليه وهو يتجه إلى غرفته." "وجلست تُطالع ما أمامها بشرود." استيقظ عمران من نومه وهو يشعر بالعطش، ونهض من فوق فراشه يُحرك يده على خصلات شعره، وهبط الدرج حافي القدمين، ووقف يُحدق في تلك التي تنام على الأريكة التي كانوا يجلسون عليها منذ ساعات قبل أن يتركها ويصعد لغرفته مع الماضي. وأقترب منها بخطوات بطيئة، ونظر إلى وجهها في الظلام.
كانت نائمة بعمق منكمشة كالجنين، وأنحنى نحوها يتأمل تفاصيلها، وسقطت عيناه على ساقيها البيضاء. وتقلبت لجهته وأصبحت أنفاسها قريبة من أنفاسه. ومدّ كفه ببطء نحو وجهها يُلامسه بضربات عنيفة تخترق أضلعه. ومال أكثر نحوها بشفتيه ليُطبع بقبلة دافئة على جبينها. وعندما وجدها تفتح عيناها أعتدل في وقفته وطالعها بجمود مصطنع يُداري خلفه ارتباكه: "حياة أطلعي نامي في أوضتك." كانت الرؤية أمامها مشوشة، وعاد صوته يُناديها من جديد.
"فنظرت نحوه بنعاس، ثم تذكرت هيئتها، وأعتدلت سريعاً وهي تُغطي ساقيها بطرفي فستانها:" "محستش بنفسي، فنمت مكاني." "فمدّ كفه نحوها كي يُساعدها على النهوض، ونهضت معه." "وهي تشعر بوجع في جسدها بسبب نومتها على الأريكة." "وسارت بتمايل وهي تتثاءب ولا ترى شيئاً أمامها غير الفراش الذي ستقسط فوقه فور أن تصل إلى غرفتها." "وأبتسم وهو يرى حركة جسدها وهي تتمايل." "وحاوط خصرها:" "لأ إنتي شكلك لسة نايمة."
"وصعد بها إلى غرفتها، لتتسطح على الفراش دون أن ترفع الغطاء من أسفلها." "فضحك وهو يزيح الغطاء ويعدل نومتها." "ووقف يتأملها بحب ينبض داخل قلبه ولكنه يرفضه." "واغلق نور غرفتها وأنصرف وهو يعنف قلبه:" "اشمعنى ديه اللي حبيتها، ليه عايزها أوي كده، ليه حياتك بقي ليه روح." "ونسى أن يخبر نفسه:" "لا سُلطة لنا على قلوبنا." تلاقت عيناهما وكل منهما سار نحو طريقه، لتقف نهى بعد عدة خطوات وتلتف نحوه بحنين.
أما هو شعر بالألم وهو يراها كل يوم تنطفئ وتزبل، لم تعد نهى التي عرفها بل أصبحت كالعجوز، حتى مظهرها الذي كانت تهتم به بشدة بات شاحباً. وأكمل سيره وهو يُصارع رغبته في الذهاب لضمها، وبين كرامته فهو إلى الآن لم ينس وصف فارس له وكيف كانت تُغريه لتتقرب منه. وعندما تذكر بعض اللحظات التي كانت بينهم، أغمض عينيه بقوة وهو يهتف بداخله: "انساها ياغبي."
انتهى عشاء العمل وجلسوا يحتسون قهوتهم ويتحدثون بعملية. كان عمران كل لحظة ينظر إلى ساعته، فهو يتوق للذهاب إليها ولكن عشاء اليوم جاء فجأة ولم يستطع إحراج شريكه ورفقائه فقد أحبوا أن يتعارفوا عليه. كان يدور بعينه في المكان، فالحديث بات ممل بالنسبة إليه. ووقعت عيناه على أخر شخص يتخيله، لتتلاقي عيناهما. "وانهض بعدما اعتذر من الجالسين." وكلما خطى خطوة نحو تلك الجالسة تنظر إليه بارتباك.
تذكر مازن شقيقه، فها هي ندى التي كان يرى حبها لأخيه وعشقها له. "ونظر إلى الجالس جانبها وطفلاً صغيراً يجلس على المقعد المخصص للأطفال." "ووقف أمامهم وعلى وجهه ابتسامة باردة:" "إزيك ياندى؟ "فابتسمت بتوتر ونظرت إلى زوجها الذي يُطالعها بنظرات جامدة:" "عمران العمري." "وعندما جاء بذهنه اسم عائلة العمري تذكر اسم زوجها الراحل، فأبتسم بتهذيب وهو ينهض كي يُصافحه:" "أهلاً وسهلاً." "وعرفه بنفسه: دكتور أحمد منصور."
"فصافحه عمران وهو يُطالع تلك الجالسة وكأنه يتهمها على زواجها بعد شقيقه." "وأشار الرجل نحو صغيرهم:" "مازن ابننا." "ليقع الاسم على مسمعه، فيجد نفسه يُحدق بالطفل الذي يشبه والده." "وبأبتسامة دبلوماسية أنهى الحوار وانصرف خارج المطعم بأكمله متجهاً نحو سيارته." كانت تجلس تنتظره ومن حين لآخر تنظر إلى الساعة، فشعرت بالقلق عليه. "وكملت قراءة أحد الكتب التي جلبها له وبالها مشغول به، وأرادت أن تُهاتفه ولكنها شعرت بالحرج."
"وبعد ساعة سمعت صوت الباب يُغلق، فنهضت من فوق الأريكة وأتجهت نحوه بلهفة:" "قلقت عليك أوي، إنت اتأخرت ليه؟ "فطالعها عمران بجمود وصعد إلى غرفته دون أن يُجيبها." "لتقف حائرة في أمره، وظلت تدور حول نفسها إلى أن عزمت قرارها وصعدت إليه." "وجدت باب غرفته مفتوح وهو متسطح على الفراش بحذائه وملابسه وقد تخلى فقط عن سترته ورابطة عنقه." "وأرتبكت وهي تردف لغرفته:" "مش هتتعشى؟ "فتنهد عمران وهو يزفر أنفاسه بقوة:" "اتعشيت بره."
"وعاد لشروده، فأقتربت منه بتوتر:" "في حاجة ضايقتك؟ "فلم يُجيبها ولكن صوت أنفاسه كانت تُخبرها بأن يوجد أمراً ما قد ضايقه." ""وقفت للحظات تنظر إليه." "وأخيراً أقتربت من الفراش وجلست على الطرف الآخر:" "احكيلي وصدقني مش هتندم." "مازحته بلطافة كي تُخفف عنه:" "يلا ياعمران يابني أحكيلي." "كان صوتها يشبه العجائز، فلم يتمالك نفسه وأبتسم." "وألتف نحوها وهو يُطالعها:" "حياة أنا عايز أنام ممكن."
"فأسترخت بجلستها وعقدت ساعديها وهي تُحرك رأسها برفض:" "أنا حابة القاعدة هنا ومش همشي غير لما أعرف." ""وحركت جفونها بطريقة مُضحكة." "ليتنهد عمران وهو يُطالع الفراغ الذي امامه وبدأ يسرد لها رؤيته لندي زوجة شقيقه مازن رحمه الله." "ظلت تستمع له دون أن تُقاطعه." "وشعرت بالأسى لحبه الشديد لشقيقه وأبتسمت وهي تضع بيدها على ذراعيه:" "يمكن كلامي ما يعجبكش، بس اللي ندي عملته شيء عادي ومن حقها أنها تكمل حياتها." "فهتف عمران
بجمود وهو يحدق بها بقوة:" "والحب اللي كان بينهم؟ "تنهدت وهي تختار كلماتها بعناية:" "لو كل واحد فارق إنسان غالي عليه ووقف حياته، الحياة عمرها ما هتمشي. في ناس حياتها بتقف وفي ناس بتقدر تكمل حياتها من تاني. ولا ده وفيّ ولا التاني خاين للذكري بس كل واحد فيهم اختار الطريق اللي هيكمله. الذكري الحلوة والحب الحقيقي عمره ما بيتنسي ومش معنى إن الإنسان قدر يكمل حياته فهو خان العشرة. الحياة عبارة عن رحلة والرحلة لازم تكمل."
"وتابعت وهي تتسأل:" "ابنها اسمه مازن؟ "فحرك رأسه بعدما هدأ قليلاً:" "متوقعش في يوم هتنساه، هتفضل فكراه في ابنها." ""وأصبح صوت أنفاسه هو من يملأ المكان." "إلى أن هتفت:" "أعملك قهوة؟ "فألتف نحوها وهو يبتسم:" "اعملي ياحياة." ""وركضت وهي تتمتم بتحذير:" "أوعي تنام." ""فأتسعت ابتسامته." "وكل يوم يسقط في بحور عشقها رغماً عنه."
الكل يُصفق وصوت الغناء يصدح في أرجاء المكان، والمباركات هنا وهناك. وهي تجلس تلعب بهاتفها تُلهي نفسها عن الأعين التي تُطالعها. "وأبتسمت ساخرة وهي تتذكر عدد المرات التي سمعت فيها تلك الجملة التي تمقتها:" "عقبال مانفرح بيكي يامها ياحببتي." "ثم تتبعها زغروطة طويلة تصم أذنيها." "ونظرت إلى والدتها وخالتها التي تجلس جانبها، ولمياء شقيقتها والتي تقف بجانب العروس ترقص معها." "وسمعت صوت خالتها وهي تلوي فمها بامتعاض:"
"ياحببتي قومي كده فرفشي وهيصي مع البنات، ما إنتي لو فضلت كده مش هتتجوزي فكيها شوية." "وكظت شقيقتها:" "ما تخلي بنتك تدردح ياصفية." "فأمتعضت صفية من حديث شقيقتها، ونظرت لمها التي أشاحت بوجهها بعيداً عنهم." "اطلعي شمي شوية هوا ياحببتي بره القاعة، أنا عارفة إنك بتتخنق من الجو ده." "ثم نظرت لأختها بضيق:" "ما تحسبي على كلامك ياروحيه." "لتتأفف الأخرى:" "خليها قاعدة جنبك كده." "فابتسمت صفية:"
"بكرة بنتي ربنا هيكرمها، ماهو ياحببتي مش بالرقص والهيافة، ماياما رقصوا وحطوا الأحمر والأخضر وفي النهاية إيه؟ اتجوزوا اه بس قوليلي اتجوزوا الراجل الصح اللي يصونهم ويحميهم." "وعندما وجدت ملامح شقيقتها قد تغيرت، لأنها ذكرتها بأبنتها التي تطلقت بعد عامين من زواجها." "وتنهدت بضيق فالكلام الجارح ليس من طباعها:" "كل واحد وليه نصيبه، ووقت ما ربك بيأذن بتتعجبي من تدبيره."
خرجت من الفندق الذي يُقام فيه حفل الزفاف، ووقفت في الخارج تستنشق الهواء. أعتادت على تلك الكلمات حتى أصبحت لا تشعر بشيء. وتنفست بعمق وأخذت تُعدل من حجابها. وأتسعت عيناها وهي تجد مروان جالس بسيارته وبجانبه فتاة يُقبل يدها. "وسار بسيارته، لتسقط دموعها." "انتهى من سهرته التي اعتاد عليها وخرج من الملهى الليلي." "فأقتربت منه إحداهن:" "ممكن توصلني؟ "ثم ضحكت وهي تتمايل:" "ولا مش فاضية؟ "فابتسم مروان وهو يميل نحوها:"
"تعالي يلا." "كان يعلم بأنها تريد أن تصطحبه لشقتها كالأخريات، وهو كان يُسيرها ويصعد معهم، كان يُبرر لنفسه أنها مجرد قبلات لا أكثر ثم يرحلون." "وصعد سيارته لتصعد الفتاة جانبه تُثرثر وتضحك، بل وتلامس جسده بيدها." ""ووقف فجأة بسيارته وهبط وهو يجد منظر صدمة." "رجلاً يجلس وبجانبه أطفاله يأكلون من صندوق القمامة." ""وااقترب منهم، ليفزع الرجل وينهض يجذب صغاره نحوه." "فنظر إليهم مروان بألم:" "متخافش."
""وااقترب من الطفلة الصغيرة ومال بجسده نحوها يمسح على وجهها." "فالطفلة كانت تأكل كسرة من الخبز العفن." "المشهد أوجعه، وهو يرى حياة غيره." "وبدأ يمر شريط حياته أمام عينيه، الفتاة التي ركض خلفها وأحبها وتزوجها، وعندما خسر أمواله التي تزوجته من أجلها، هجرته وطلبت الطلاق لأنها لم تتحمل حياة الفقر، ليصبح إنسان بائس مدمر. ولكن الله لم يتركه."
""وأقترح عليه عمران الذي تعرف عليه من خلال شاكر الذي كان صديق والده رحمه الله، لِتفتح له الحياة أبوابها من جديد." "وبدلاً أن يُدرك نعمة الله عليه، ضاع وسط حياة اللهو." ""وأفاق على صوت الطفلان وهم يجذبون ذراع والدهم بخوف." "ووجد الرجل يأخذ أطفاله كي يبتعد، فأمسك ذراعيه ليخرج بعض الأموال من حافظته." "لكن الرجل أشاح وجهه:" "لأ يابيه أنا مش بشحت." ""وأدمعت عيناه، ووقف حائراً وهو يرى نظرات الصغار لأبيهم." ""ليهتف
الرجل بمرارة:" "طردوني من الشغل عشان مبقتش أصلح للعمل." "وأشار نحو رجله العرجاء، ثم أزال بقايا دموعه:" "طب تحب أساعدك بأيه قول؟ ""فتهللت أسارير الرجل:" "شوفلي شغل الله يكرمك." ""لينظر مروان إلى صغاره ثم إليه:" "خلاص تمام أنا موافق." ""وأخرج كارته الخاص:" "تعالى العنوان ده، واديهم الكارت بتاعي." ""ووضع المال بيده وهو يبتسم:" "خليهم معاك دول مني عشان ولادك." ""وأتجه نحو سيارته حيث التي تجلس تتأفف من الانتظار." ""ليسمع
صوت الرجل وهو يدعو له:" "ربنا ينور قلبك وطريقك يابيه." "هوت بجسدها على أقرب مقعد ومازال صدى كلماته في أذنيها، صديق والدها قد مات، أمس أخبرها أنه أصبح بخير، أما اليوم فكل شيء قد تبدل." ""وأخذت تُردد بضعف:" "مات! ""كان عمران يقف بوجه شاحب من الصدمة بعد أن تلقى الخبر، وشعر بالوجع وهو يرى نظرة الانكسار في عينيها." ""وأقترب منها يمسك كفيها ليحتويهما بين كفيه:" "عيطي ياحياة، البكا ساعات كتير بيريح." ""فرفعت
وجهها نحوه بألم:" "حكايتنا كده انتهت، تقدر دلوقتي تتخلص من عبء." ""فلم يشعر بنفسه إلا وهو يضمها بقوة:" "مين قال أن حكايتنا انتهت، إحنا." "وقبل أن يُكمل باقي عباراته، دفعته بعيداً عنها وركضت لأعلى نحو غرفتها." ""فصعد خلفها راكضاً، ليجدها تضع حقيبتها وتُخرج ملابسها:" "أنا كنت أمانة عندك عشانه هو، أنا مينفعش أفضل هنا ماليش حد وسطكم." ""ووضعت ملابسها داخل الحقيبة ومازالت الصدمة تخترق قلبها." ""وفجأة سقطت
على ركبتيها وهي تنتحب:" "ليه كلهم بيروحوا ويسبوني." ""كانت كلماتها تُدمي قلبه، لا يُصدق أن هذه تلك الفتاة التي تبتسم وتعطي الأمل لمن ينظر إلى وجهها." "ليجثي على ركبتيه وقلبه لم يعد يتحمل رؤيتها هكذا:" "حياة أنا معاكي وعمري ما هخلي عنك." ""فطالعته بنظرات تائهة وهي تُتمتم:" "كلهم قالولي كده." ""ولم يشعر بنفسه وهو يضمها ويُقبلها بقبلات متتالية دافئة كأنه بذلك يُخبرها حبه." ""وأرتجف جسدها وأصبح قلبها يدق بعنف."
""وعندما أرادت دفعه لتبتعد، همس بحب:" "عايزك ياحياة." ""وتعلثمت وهي تنظر إليه بضعف:" "إنت مبتحبنيش." """وضاعت معه بعد كلمتها الأخيرة، ليُخبرها في كل لمسة وهمسة منه أنه يعشقها ويُريدها بقلبه وعقله وكيانه كله."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!