تحميل رواية «ودق القلب» PDF
بقلم سهام صادق
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
يقف أمام المرآة ينظر إلى هيئته المنمقة. ينثر عطره ثم يلقي بنظرة أخيرة على هيئته. يحرك يده على شعره الأسود ويسير بعنجهية وصلابة ملامحه. يهبط الدرج ورائحة عطره تسبق خطواته. يتجه نحو غرفة الطعام وينحني نحو والدته يقبل رأسها. "صباح الخير." ترفع ليلي عينيها نحوه بحب وفخر. "صباح الخير ياحبيبي." كانت جلسة صامتة. أنهى فطوره وودع والدته التي تنظر إليه وداخلها تتمنى أمنية واحدة أن ترى أحفادها. اتجه نحو سيارته ليفتح له السائق بابها مع ابتسامة اعتاد عليها. واتجه نحو مقر شركات عائلته بهيبته ووقاره. هذا هو "ع...
رواية ودق القلب الفصل الأول 1 - بقلم سهام صادق
يقف أمام المرآة ينظر إلى هيئته المنمقة.
ينثر عطره ثم يلقي بنظرة أخيرة على هيئته.
يحرك يده على شعره الأسود ويسير بعنجهية وصلابة ملامحه.
يهبط الدرج ورائحة عطره تسبق خطواته.
يتجه نحو غرفة الطعام وينحني نحو والدته يقبل رأسها.
"صباح الخير."
ترفع ليلي عينيها نحوه بحب وفخر.
"صباح الخير ياحبيبي."
كانت جلسة صامتة.
أنهى فطوره وودع والدته التي تنظر إليه وداخلها تتمنى أمنية واحدة أن ترى أحفادها.
اتجه نحو سيارته ليفتح له السائق بابها مع ابتسامة اعتاد عليها.
واتجه نحو مقر شركات عائلته بهيبته ووقاره.
هذا هو "عمران العمري".
***
وقفت تتأمل قطرات الجليد وهي تتساقط.
لأول مرة تشعر بأن حياتها قد تغيرت.
حياة كان يملؤها الدلال والرفاهية.
عام وأكثر قد مر ومر معه كل شيء.
تبدلت حياتها بالكامل.
من منزل فخم في أرقى أحياء لندن إلى منزل ريفي صغير.
من خدم يلبون رغباتها إلى لا شيء.
شهقت بفزع وهي تتذكر الطعام الذي وضعته على الموقد.
ركضت تحت نظرات والدها المتعجبة التي تلاشت سريعاً بعدما عاد إلى جريدته.
ينظر بحسرة إلى أسماء رجال الأعمال دون أن يرى اسمه بينهم.
تذوقت الطعام بسعادة وهي لا تصدق أنها أصبحت طاهية ماهرة.
وهذا كان بفضل العجوز كرستين التي تصف لها الوصفات المختلفة وتعلمها من خبرتها.
وعندما جاء بذهنها اسم العجوز، وجدت الباب يدق وصوت العجوز يعلو.
"حياة.. افتحي الباب قبل أن أتجمد."
ضحكت حياة وهي تفتح لها الباب.
ونظرت إلى ما في يدها.
"صنعتي الكعكة أليس ذلك كوكو."
ضحكت العجوز وأردفت للداخل.
ونظرت نحو الرجل الجالس بسخط وأشارت بأصبعها لها كي تقترب.
"هل سيظل والدك جالس طوال حياته هكذا يشاهد الجريدة ويبكي على ماله الذي أضاعه بغروره."
فغمزت لها حياة بعينيها.
"سيسمعك كوكو ويأتي ليوبخك. لا أعلم لماذا أنتم الاثنان لا تطيقون بعضكم."
فكرت العجوز وهي تضع بأحدي يديها على خصرها.
"والدك هو من لا يطاق عزيزتي."
قبل أن تكمل العجوز عباراتها الساخطه، أمسكت بيدها تجرها خلفها نحو المطبخ.
"حياة: تعالي لتتذوقي طعامي كوكو.. سوف أتفوق عليكي."
قرصت وجنتيها بخفة.
لتضحك العجوز على مداعبة تلك الفتاة التي أحبتها كما لو كانت حفيدتها.
فهي بعمر أحفادها.
"أمممم، هايل يافتاة.. ولكن طعام ونكهة كوكو هي الأفضل."
تعالت ضحكات حياة وفجأة صمتت حينما سمعت صوت والدها المتذمر كالعادة.
"حياة أين الطعام؟"
عادت قسمات العجوز المضحكة إلى تهجمها وسخطها على هذا الرجل الذي كلما نظرت إليه أو سمعت صوته شعرت بالضيق.
فمنذ أن انتقل إلى منطقتهم البسيطة الهادئة التي يسكنها البسطاء وهو يتعامل معهم بترفع وكأنه مازال رجل الأعمال المصري المغترب "محمود الرخاوي".
لم يكفِ بالنسبة لها أنه مسلم، بل وأيضاً متعجرف.
ولكن تلك الصغيرة التي هي هالة من النقاء والطيبة، جعلتها تغير نظرتها كليًا عن المسلمين.
حتى أنها أصبحت قريبة لدرجة لا توصف من قلبها، وكأنها تعرفها منذ زمن وليس عام ونصف لا أكثر.
"أحضري الطعام لوالدك المدلل، وأطعميه في فمه أيضاً."
لتبتسم حياة وهي تضع الطعام في الأطباق.
ورغم معرفتها بسخط والدها على ما أعدته إلا أنها صنعته.
فزمن الأطعمة الفخمة قد انتهى.
ولا بد أن يعيشوا حياة مقتصدة.
فالمال القليل الذي تبقى لديهم لن يكفيهم سوى لعام آخر ومن ثم لا شيء سيكون لديهم.
ولكن ما يجعلها تأمل بحياة أفضل أنها في سنتها الأخيرة بالجامعة وسوف تعمل بشهادتها التي تحبها فهي "تدرس الاقتصاد".
أحلام حلقت داخلها وهي لا تعلم أن للغد قرارات أخرى.
وشعرت بيد العجوز الحانية وهي تربت على يدها.
"سيكون الغد أفضل ياصغيرتي."
وعندما بدأ يعلو صوت والدها مرة أخرى، صرخت العجوز بضجر بعد أن كانت تتحدث بحنو.
"اذهبي لوالدك المدلل."
وتابعت وهي تنصرف.
وتضرب كفاً بكف.
"لا أعلم من والد من."
لتذهب حياة نحو والدها الذي يجلس بترفع على المائدة الصغيرة.
وينظر بسخط أمامه.
"أرني ماذا أعددتي اليوم."
وضعت الطعام على الطاولة بهدوء، وهي تعلم النتيجة.
"ما هذا!"
لتنطق بتعلثم، وهي تطالع ما تضعه على الطاولة.
"إنه حساء بالخضار.. ونوع السلطة التي تحبها."
وكادت أن تتابع باسم طبق آخر بسيط، إلا أنه هتف صارخاً.
"كفى.. أصمتي."
وبدأ وجهه يشحب وهو يتمتم.
"انتهيت بهذا الوضع يا ابن الرخاوي.. بعد أن كنت من أثرياء لندن.. بعد أن كان اسمك يلمع في الصحف."
لتنظر إليه بأسى وهي تربت على كفه بحنو وصمت.
رفع وجهه نحوها، وأبتسم وهو يتأمل ملامحها الهادئة هامساً بحب.
"أنا لا أستحقك.. تستحقين أب أفضل مني.. سامحيني على ما فعلته بك."
وعندما رأت دموع والدها تتساقط على وجهه، نهضت لتحتضنه بحب.
"حياة: أنت أفضل أب.. صدقني أبي أنا راضية بحياتنا."
"أرضي أنت أيضاً وانسي ما كنت عليه."
لينظر إليها بأسى.
"لا أستطيع صغيرتي.. تلك الحياة لا أقدر عليها.. حياة الفقر سيئة.. سيئة بشدة."
فتأملته بصمت، وهي تعلم أن لا شيء سيغير سخط والدها.
فدوماً كان رجلاً متغطرس متكبراً، يرى كل شيء من علو.
حتى في حديثه عن والدتها رحمها الله كان يخبِرها دوماً أنها كانت مجرد ممرضة لا أكثر.
فقد تعرف عليها بالمشفى عندما كسرت إحدى ساقيه وكانت ترعاه خاصة عندما علمت بأنه عربي مثلها.
فوالدتها كانت جزائرية من حيث والدتها أم والدها فكان مصري.
مرض ارستقراطي لدى والدها لا تعلم هل المال هو من زاد غطرسته أم هي نشأة سيئة زُرعت بداخله.
ومن حديثه الدائم عن والديه علمت أنها نشأة وأن البرج العالي ها قد سقط دون شعور منه.
صفقة ضخمة دخلها بكل تعجرف أنهت حصاد سنوات طويلة.
وكأن عقله كان مغيب يوم أن أمضى عقود تلك الصفقة.
انتهوا من تناول الطعام.
وذهبت لتعد له قهوته.
وبعدما أنهت كل ما عليها فعله، ركضت نحو حاسوبها.
لتنظر إلى الرسالة التي بعثتها صديقتها.
"يا أهلاً أهلاً بالناس الحلوة."
فابتسمت حياة لرسالة صديقتها.
فهي تعود معها لموطنها الذي لم تراه.
ورغم أنها تتحدث العربية، إلا أن لهجة موطنها العامية كانت تجهلها.
أما الآن ومعها فهي فتاة مصرية أصيلة كما أصبحت تخبرها "فرح".
"حياة: أحكيلي يلا عملتي إيه مع العريس."
وضحكت وهي تقرأ رسالة صديقتها.
"طفشته كالعادة يابنتي.. ده جاي يقولي عرفيني بنفسك.. يكونش كنت في مقابلة عمل وأنا معرفش."
فردت حياة ضاحكة.
"يكونش انتي بتجيبي الكلام ده منين ويعني إيه يكونشي ديه.. انتي متأكدة إنك صحفية يافرح."
تبعث فرح برسالتها وهي تضحك.
"لاء ياحياة كده كتير بقالنا سنة صحاب ولسة مش عارفة تلقطي مني الكلام."
وضحكت وهي تتذكر يوم أن عرفتها على إحدى المنتديات العربية وكيف كانت تتحدث بالعربية الفصحى وأحيانا بالإنجليزية وأحيانا أخرى تدمج اللغتين ببعضهما.
وكيف كانت تبحث عن صحبة من موطنها في محنتها.
وبدأت صداقتهم رغم تحفظها في البداية لهذه الصداقة.
ففتاة نشأت في وطن غربي بالتأكيد ستكون معتقداتها غيرها تمام.
ولكن مع مرور الوقت علمت أن حياة كاسمها حياة حقاً.
وانتبهت إلى رسالة حياة، وصورتها بالحجاب.
فشهقت بسعادة.
"حياة مش معقول انتي اتحجبتي."
"حياة: اشتريته امبارح.. خلاص يافرح أنا قررت ألبس الحجاب.. أنا مسلمة وده فرض عليا.. غير إني سعيدة أووي بقراري ده."
لتجد هاتفها يعلو رنينه.
فتضحك وهي ترى رقم صديقتها التي اكتسبتها في محنتها وكانت خير صديقة لها.
"لاء أنا عايزة أحتفل بيكي ياحياة يابنت محمود."
وكان صخب ضحكاتهم يعلو.
ليقف والدها خلف الباب الذي لم يكن مغلق بالكامل.
وابتسم بسعادة وهو يرى صغيرته تسير في الاتجاه الصحيح.
ورغم أنه لم يركع فرضاً يوماً إلا أن ابنته ها هي تؤدي فروضها.
كما أنها ستستر نفسها بـ لباس الستر والعفة.
وأبتعد عن الباب وهو يتذكر الماضي.
يتذكر شبابه وطيشه ويتذكر الفتاة التي هدم مستقبلها وحياتها وأنهى بعمرها وهي تحمل طفلة في أحشائها بعد أن رفض الاعتراف به.
ورغم أنه يعرف أنه طفله وأن هو من خدعها إلا أنه كان جباناً وقد هرب بعد أن علم بموته.
لينكسر ظهر والدها وأخاها.
أما هو بضعة أشهر من الشعور بالذنب وبعدها عاد كما هو "محمود الرخاوي" الذي لا يعرف الرحمة.
الذي يضع نفسه دوماً في المقدمة.
***
جلس بترفع على كرسي مكتبه.
وملامحه الجامدة مازالت مرسومة على وجهه.
ليطالع سكرتيرته وهو يشير لها.
"كل العقود اللي طلبتها منك جاهزة يا مها."
نظرت إليه مها بهدوء وهي تقترب منه وداخلها يتحدث.
"نفسي أشوفك مرة بتضحك ياشيخ.. كله أوامر أوامر.. ابتسم هتموت ناقص عمر."
وابتسمت.
اقتربت منه ووضعت ما طلبه أمامه.
ليجلب قلمه الذي طُبع عليه شعار شركات العائلة.
وبدأ يضع إمضته.
ويطرق الباب الذي لم يُغلق بأكمله بطريقة مسرحية ويردف بعدها.
فيجعل تلك الواقفة.. كالمنومة في عشق هذا الرجل الذي أغرمت به منذ أول يوم عمل لها هنا.
ورفع عمران عينيه نحو صديقه المقرب قائلاً.
"تعالى يامروان."
ثم نظر إلى التي جانبه.
"اتفضلي انتي يا مها."
جمعت الأوراق التي أمامه.. وقلبها يدق بعنف.
وأبتسم لها مروان بلطافة.
فتعلثمت في حركتها وخطت سريعاً خارج الغرفة الفخمة وأغلقت الباب خلفها وهي تتمنى لو أحبها يوماً.
"بطل توزع ابتسامتك ديه على الموظفين.. بيفهموها حاجة تانية."
فجلس مروان باسترخاء على أحد المقاعد.
زافراً أنفاسه.
"هما اللي بيفهموا تصرفاتي غلط."
وعندما رأى نظرات عمران الجامدة تابع.
"أخبارك إيه مع نيرة.. مشاعرها بقت واضحة أوي."
لينهض عمران من مجلسه ساخطاً.
واتجه نحو شرفة مكتبه.
"فين البرنامج الجديد ياباشمهندس!"
فأدرك مروان أنه لن يأخذ إجابة من صديقه.
ما دام لم يرغب بذلك.
وأخرج إحدى الفلاشات من جيب سرواله وهو يحركها يميناً ويساراً بيده.
وأتجه نحو الحاسوب الموجود على المكتب الفخم.
"تطبيق البرنامج الجديد ده طفرة."
فأقترب منه عمران وهو يتابع ما أكمله صديقه بعده.
فهما يعملان في مجال الحاسوب.. وهذا كان عالمهم الذي اشتركوا بحبه.
ورغم اختصاص مروان بهذا التخصص إلا أن عمران لم يكن تخصصه بل كان شغفه منذ الصغر.
دراسته كانت كما رغب جده ووالده بما أنه الحفيد الأكبر "مهندس معماري".
فمن سيُدير بعدهم أعمالهم إذا لم يدرس ما رغبوا به.
وقد حقق رغبتهم كما ظل يمارس رغبته بل وأسس شركته الخاصة من رأس ماله الخاص.
فهم عائلة "الكفاح والجد أساس حياتهم وهذا سبب من أسباب ثرائهم".
فلم يكونوا من الأثرياء يوماً.
جده كان يعمل بناء ومن مجرد عامل أصبح مقاول صغير وبدأ يكبر ويكبر إلى أن أنشأ اسمه.
وبدأ رأس ماله من لا شيء ليصبح بعد سنين صرح لا يستهان به.
وكان والده رحمه الله نفس نهج جده.
وبعدما انتهوا من بعض التعديلات النهائية.
نهض عمران من فوق كرسيه قائلاً.
"أعمل اجتماع مع المبرمجين.. وعرفهم على البرنامج الجديد اللي هنبدأ في تطبيقه."
ليُحرك مروان رأسه بتفهم.
ونظر نحو صديقه وهو يغادر مكتبه.
فهو شريك بهذه الشركة فنسبته 20 بالمئة.
وتمتم بمحبة.
"الله يعينك ياصاحبي شغل في البرمجة وشغل في المقاولات.. وشغل في الأدوية.. انت لو جبل كان زمانه اتهد."
***
جلست على أريكتها المفضلة باسترخاء وهي تتأمل المقال الذي نُشر اليوم ويحمل اسمها.
فأبتسمت براحة فهي تُجاهد بأن تُسلط الضوء على القرى الفقيرة وحاجتها.
لتعلو صوت هاتفها فتبتسم.
"أهلاً بالأعلامي المشهور."
فيضحك أمجد وهو يرتشف من مشروبه الساخن.
"شايف اسمك منور النهارده الجريدة.. انتي سبتي حقوق المرأة ودخلتي على الفساد."
فتعلو صوت ضحكات فرح.
"أنا بتاعت كله ياباشا."
ليسأل وهو يبتسم.
"خالي عامل إيه.. أكيد مشافش المقال."
وقبل أن ترد عليه كان صوت والدها يعلو.
لتهتف بهمس.
"سيادة اللواء أه جه على السيرة.. استر يارب."
فضحك أمجد.
"روحي لقضاكي يا وصمة العار على العيلة المرموقة."
وقبل أن توبخه وتخبره أن كانت هي وصمة عار، فهو بالتأكيد وصمتان.
ولكن كما العادة يغلق قبل أن يحصل منها على رد الصاع صاعين.
وأبتسمت بحب.
فهذا هو أمجد حبيبها.
حبيبها الذي تُداري حبه داخلها تحت سلاطة لسانها ومناطحته كالند.
حتى أحياناً يخبرها بأنه يراها رجلاً وليست فتاة.
وزفرت أنفاسها بأسى.
إلى أن انتبهت لقرب والدها منها.
وهو يتحدث بصوته الحاني.
"يابنتي ياحببتي أنا معاكي إننا لازم نسلط الضوء على الناس الغلابة.. بس بأسلوب أفضل من كده أسلوب الشد ده مبيجبش فايدة مع الحكومة."
لتدخل في نقاش طويل مع والدها عن كل السلبيات والفساد والظلم الذي يُحاوط الفقير في هذه البلد.
ولكن في النهاية رد والدها كأغلب الآباء إنهاء المناقشة بدبلوماسية.
وضمها إليه بحب وهو يتساءل.
"صاحبتك اللي مصدعة دماغي عنها أخبارها إيه."
لتتسع ابتسامة فرح بحب.
"حياة لبست الحجاب يابابا.. أنا فرحانة أووي إنها وصلت للمرحلة ديه."
وقبلته بأمتنان.
"تربيتك ليا نفعت ياسيادة اللواء."
لتتذكر حديثه لها دوماً منذ أن كانت صغيرة.
"مدي ايدك ديما بالخير والسلام.. اقفي جنب كل من يرى فيكي الخير."
وها هي تفعل.
تفعل ما تربت عليه ورأت عليه والدها.
والدها الرجل الطيب الذي رغم وظيفته التي يضبطها القانون إلا أن قلبه عامر بحب الخير والرحمة والعدل الذي بُني عليه هذا القانون.
ولكن هيهات قانون أصبح ميزان العدل به ليس بميزان.
وشعرت بيده الحانية على وجهها.
"في عريس متقدم لك."
لتتبعد عن والدها بفزع هاتفه.
"تاني يابابا!"
***
نظرت إلى ما صنعته لها العجوز بسعادة وهي لا تُصدق ما رأت عليه نفسها.
فستان طويل بأكمام يلائم حجابها.
ففي البداية اندهشت العجوز ثم سريعاً ما ابتسمت لها.
ابتسامة ودودة قائلة.
"هذا ما يأمرك به دينك ياصغيرتي.. فليحفظك الله."
ثم تلاشت ابتسامتها تدريجياً.
وهي تعطيها ظهرها وكأنها تُنهي الحديث.
"الآن ستبتعدي عني من أجل دينك."
وما كان منها سوى أن ضمنتها بحب.
تخبرها بتفهم.
"أنا بحثت عن ذاتي يا كوكو.. بحثت عن الطريق الذي وجدت فيه الراحة والسكينة."
وتقدمت أمامها وهي تبتسم بابتسامتها الهادئة.
"أما انتي يا كوكو!"
وأغمضت عين وفتحت الأخرى وهي تفكر بطريقة مسرحية.
"أمممم.. لا أستطيع البعد عنك يا جميل."
ومالت عليها تُدغدغها بمشاكسة وحب.
حتى تلاشت الفجوة التي ظنت العجوز حدوثها.
فالعجوز معها نسيت كل معتقداتها عن الإسلام.
وضحكت العجوز.
إلى أن ضربتها على ذراعها.
"كفي يافتاة.. لا أعلم كيف أحببتك."
ومدت بيديها تربت على وجنتيها.
وهي تطالعها بحنان.
"لديكي شئ مريح للنفس ياصغيرة.. انتي طيبة القلب غير والدك."
ومن هنا علت ضحكات حياة.
لتتبعها ضحكات العجوز.
وها هي الآن تقف أمام المرآة تنظر إلى ما صنعته العجوز لها بعد تلك الليلة.
وتقترب منها العجوز وتمسد على فستانها قائلة.
"أعجبك ما صنعته ماكينة الخياطة خاصتي."
لتتبتسم حياة.
وقلبها يدق كالطبول.
"جميل.. بل رائع يا كوكو!"
رواية ودق القلب الفصل الثاني 2 - بقلم سهام صادق
جلست تُمسد يد والدها الراكض علي سرير المشفي بأسى.
اليوم الذي كان أسعد أيام حياتها عندما حملت فستانها الذي صنعته العجوز هدية لها، وذهبت راكضة الي والدها كي تُخبره بفرحتها، لتلجمها الصدمة وهي تراه منبطحاً علي الأرض دون حركة.
ليُساعدها جيرانها لنقله الي المشفي، وكانت الفاجعة الكبرى.. والدها يُعاني من سرطان الدم وفي حالة متأخره.
ومع عمره الذي تجاوز منتصف الستين أصبح العلاج مرهقاً لبدنه.
أربعة أشهر مروا وكأنهم كالكابوس.. ولولا العجوز كرستين وفرح التي دوماً تُحادثها وتعطيها الأمل والصبر.. لكان الوجع قد أهلكها.
فمهما كانت خصال والدها إلا أنه كل شيء بالنسبة لها، هو عالمها الصغير.
والدتها توفت وهي في سن صغير، فقد كانت بالخامسة.
ورغم بعد والدها عنها وتفرغه الكلي لصفقاته ونسائه... أحبته بشدة وتمنت دوماً قربه كأي أب لابنته.
وجاء القرب كما تمنت ولكن عندما خسر والدها كل أمواله.
لتشعر بحركته ونظراته الواهنة، فمسحت دموعها سريعاً هاتفة بلهفة:
"أتريد شيئاً يا وسيم؟"
فأبتسم والدها بحزن، فهي منذ أن مرض وأنهكه المرض ولم يعد كما كان، أصبحت تُناديه بهذا اللقب.
"آه يا حياة.. لمن سأترككِ؟"
كان يتسأل داخله بألم، فكل رفقائه قد ذهبوا عندما أفلس وخافوا أن يُطالبهم بمساعدة.
جمع صداقات عدة من كل الأوطان ولكن كله تلاشى.
وعندما جاء بذهنه صديق عمره حسام الذي انقطع عنه بسبب حياته التي كان الحرام هو أساسها.
أفاق من شروده علي صوتها الحنون بعد أن حسم أمره:
"هيا يا وسيم.. سنذهب للبيت، فقد انتهت جلسة العلاج."
وتابعت بدعابة كي تجعله يضحك:
"سأحضر لك أفخر الأكلات."
***
جلست فرح بحضن عمتها تقص لها عن صديقتها وما أصابها، لتربت عمتها علي ظهرها بحنو.
"قلبي وجعني عليها أوي يا فرح.. مسكينة."
وأعتدلت فرح في جلستها وهي تنظر الي عمتها الطيبة.
"عايزة أساعدها ومش عارفة أعمل إيه.. بفكر أسافر لـ لندن."
تابعت بتذمر:
"بس سيادة اللواء أخوكي مش موافق.. ماتقنعيه يا عمتو."
وأقتربت منها تُقبلها علي وجنتيها كي تستميلها في صفها، ولكن.
"باباكي عنده حق يا فرح.. إحنا إيه ضمننا الناس دي؟ دي مجرد بنت اتعرفتي عليها على النت وكل اللي بينكم رسايل وتليفون."
فأمتّقَع وجه فرح من تلك الأفكار التي يظنها أباها وأيضاً عمتها. وتمتمت بأعتراض:
"يا عمتو يا حبيبتي ما أنا بحكيلكم عنها وانتوا حبتوها من كلامي."
فهتفت عمتها بتشبث:
"دي حاجة ودي حاجة."
فرح:
"والدها كان رجل أعمال معروف.. أنا بفكر أسأل عمران عن اسمه بما إن ليه بيزنس في لندن."
ليصدح صوت عمران، وهو يهبط درجات الدرج بأناقته المعتادة وبروده.
"بتفكري تسأليني عن إيه يا فرح؟"
فتنظر إليه والدته بحب قائلة:
"عايزة تسألك عن بنت.. والدها رجل أعمال مصري في لندن."
فطالعها عمران لثوانٍ، وقبل أن يسألها عن اسمه.. بدأ رنين هاتفه يعلو.
وأتجه الي مكتبه ليُتابع محادثته العملية بعيداً عنهم.
وأقتربت من عمتها، تضم ذراعها لها:
"مالك يا لولو؟"
فتنهدت ليلي وهي تُطالع ابنة أخيها.
"هيفضل لحد إمتى قافل على نفسه.. ابني عمره بيتسرق من غير ما يحس.. أنا استعوضت ربنا في مازن وصابرة."
فتتلاشى البسمة من وجه فرح، عندما تذكرت ابن عمتها الذي توفي منذ أربع سنوات وكان الابن الأوسط لعمتها. كم أوجعهم فقدانه، فقد توفي في حادث وهو مازال عريس جديد لم يمضِ على زواجه سوى ثلاثة أشهر، وبعدها رحل كما يرحل الجميع عندما ينقضي العمر.
ووجدت عمتها تبكي، فضمتها إليها بحب. وهي لا تعلم بما ستواسي قلب عمته.
ليخرج عمران من مكتبه في تلك اللحظة، وعندما رأى دموع والدته أقترب منها يُقبل يديها.
فأبتسمت.
"كنتي عايزة إيه بقى يا فرح؟"
وكادت أن تُجيب فرح، فتذكر شيئاً قائلاً بسخط:
"انتي مش هتعقلي شوية في اللي بتكتبيه.. قلمك عايز يتقص شوية."
وكالعادة لا يترك لقاء إلا ويوبخها، فتمتمت هامسة:
"أنا بقول أخد بعضي وأمشي أحسن."
فسمعتها عمتها، وأبتسمت. لينظر هو الي والدته فتُحرك يديها تخبره أن لا دخل لها بينهم.
وأخيراً ختم كلامه:
"مش كفاية عليا الأستاذ التاني.. كمان انتو."
وتابع بجمود:
"بس على الأقل هو بيهاجم من غير ما يخلي حد يمسك عليه حاجة، أما انتو."
وأشار لها بأصبعه:
"شكلي هقفلكم القناة الفضائية والجريدة عشان ترتاحو."
فطالعته بتأفف ثم أشاحت بوجهها بعيداً عنه، فمهما احتد معها فلا تُجادله، فقد تعودت على طباعه وحفظته. لا جدال مع "عمران العمري"، في النهاية ستكون هي الخاسرة ولا تفهم شيئاً.
وأخيراً نطقت:
"طب والقناة ومن أملاك العائلة العريقة.. إيه اللي دخل الجريدة اللي بشتغل فيها في الحكاية؟"
وتذكرت صاحب الجريدة الذي هو في الأصل صديق عمران، وكادت أن تكمل سخطها عليه.
فدق قلبها بعنف، وهي تسمع صوت أمجد المرح يعلو ويتجه نحوهم.
"العيلة كلها اتجمعت.. فاضل خالي بقي وكده فريق المعارضين يكمل."
وأقترب من والدته يُقبل يدها ثم جبينها، بعد أن أشار لعمران بالتحية.
ونظر الي القابعة بجانب والدته غامزاً لها.
"انتي طبعاً مش من ضمن فريق المعارضين.. انتي مع الثوار."
وحياها ضاحكاً، لتضحك على دعابته، بل نست كل شيء معه.
أمجد حب طفولتها ومراهقتها حتى لعمرها الخامس والعشرين، وكلما مرت الأعوام أزداد حبه السري في قلبها. هي تعلم بأنه يراها كأخت له، وفضلت أن تخفي مشاعرها بدلاً أن يُجرح كبرياؤها يوماً.
ورحل عمران بعد أن أعطاهم نصائحه، أم هي قد أحبت الجلسة.
***
أرتخت بذقنها علي قبضة يدها وهي تزفر أنفاسها وتُطالع ما تبقى من مال لديهم في رصيدهم المصرفي، فلم يعد متبقي إلا القليل.
لتنهض العجوز من فوق كرسيها وتقترب منها وتحتضنها بحزن.
"لا تحزني صغيرتي."
وأخذت تربت على ذراعيها وهي تفكر في حل تدبير المال من أجل علاج والده.
تهمس حياة بوجع:
"يجب أن أبحث عن عمل."
فتشعر العجوز بالألم، وهي تعود لمكان جلوسها مجدداً.
"لو كان معي مال يا صغيرتي."
وكادت أن تُكمل باقي عباراتها، فوضعت حياة بيدها على كفها تربت عليه برفق.
"أعلم يا كوكو."
وحدقت بغرفة والدها المغلقة، وهي تتمنى أن يخيب شعورها، فكلمات والدها تلك الأيام أصبحت عن الوداع، حتى أنها باتت تكتم حسرتها داخلها.
"حين يعود من سفرته أخبريه أن محمود الرخاوي من هاتفه ثم أملي لها عنواناً."
لينغلق الخط وهو يتمنى أن يلحق به صديقه قبل فوات الأوان، فهو من يستطيع أن يستأمن عليه ابنته.
***
في تلك الليلة الممطرة، نهضت فرح بوجع بقلبها وهي تشعر بأن شيئاً سيحدث، لتركض نحو غرفة والدها لتجدها فارغة. ووضعت بيدها على قلبها لتتذكر حديثه ليلة أمس وهو يخبرها أن تظل قوية قريبة من الله دوماً.
فيعلو رنين هاتف المنزل، فتذهب نحوه وهي تتمنى أن لا يكون شيئاً قد حدث.
وصدحت صرخة عالية في أرجاء المنزل.
"باباااا.. لأ."
جلس عمران على فراشه وهو مطرق رأسه لأسفل بصدمة، بعدما تلقى خبر وفاة خاله بعد أن أصيب بطلق ناري.
ولم يكن الحال مختلف عن والدته التي أصبح قلبها ينبض بالحزن والوداع.
أما أمجد فركض خارج شقته وهو يحمل مفاتيح سيارته، وهو يفكر في فرح وكيف سيكون حالها.
***
وضعت الأزهار على قبر والدها، وهي تدعو الله أن يرحمه، وسارت بخطى بطيئة وقلبها مازال يتقطر ألماً.
المرض هزم والدها، ولم يتحمل العلاج رغم أنها باعت كل شيء تملكه، أثاث المنزل وحاسوبها وهاتفها اللذان كانا قد تبقيا لها من حياة الثراء.
وصلت منزلها بأرهاق، لتجد العجوز تنتظرها.
"لما ذهبتِ بمفردك يا حياة؟"
فأبتسمت حياة بشحوب:
"أردت أن أسترجع ذكرياتي القليلة معه."
وفتحت باب مسكنها وخطت للداخل، لتخطو العجوز خلفها.
"ذكرياتي معه كانت هنا في هذا البيت البسيط."
وسقطت دموعها وهي تتذكر كيف كان يتدلل عليها، كيف كان يجلس يقرأ جريدته، وكيف كان يتذمر على كل شيء.
وخرجت آهات وجعها وهي تدعو:
"اجعلني قوية يا الله."
***
في مطعم بسيط كانت تركض فتاة هنا وهناك تنظر للزبائن بابتسامة هادئة، من يراها يظن أن هذه الابتسامة نابعة من الداخل كما الظاهر.
وضعت المشروبات على الطاولة وهي تنظر للأسرة الصغيرة.
وذهبت نحو صديقتها التي وضعت لها المشروبات كي تُقدمها.
كانت تُرهق نفسها في العمل ودروسها حتى تنام دون أن تشعر.
ووجدت يد تضرب على كتفها، ثم صراخ رفيقتها في العمل.
"حفلة تخرجك بعد ساعتين وانتي مازلتي هنا."
ودفعتها قائلة:
"هيا إلى المنزل كي تستعدي."
فطالعتها حياة بحب، فمع كل ألم تحصل عليه يعوضها الله بأناس يحبونها.
وبدأ هاتفها الصغير بالرنين، وأبتسمت عندما رأت الاسم.
"لما الصراخ يا كوكو؟ سآتي حاضر.. أعلم أن لم آتِ ستجعلين العجوز كوستاني يطردني من العمل.. فأنتِ الحب القديم يا جميلة الجميلات."
وبعد أن كانت العجوز توبخها في الهاتف على تأخرها في العودة... صمتت.
***
وقف عمران ينظر إلى والدته الشاحبة وهو يتسأل:
"طب وبعدين يا أمي هنعمل إيه؟ هنفضل سايبينها قافلة على نفسها في أوضتها كده؟"
وتابع بأرهاق وهو يجلس بجانب والدته في شقة خاله:
"ولا حتى راضية تيجي تعيش معانا."
فيدق جرس الباب في تلك اللحظة، لتخرج الخادمة من المطبخ نحو الطارق.
وبعد ثوانٍ كان يردف أمجد إليهم وهو يبحث بعينيه عنها.
"برضوه لسه حابسة نفسها."
وجلس وهو يزفر أنفاسه، وأحتوى كفي والدته بكفيه.
"إيه رأيك تاخديها المزرعة يا ست الكل؟ واه تغيروا جو انتو الاتنين."
فأشار إليه عمران وهو ينهض من مجلسه كي يذهب لاجتماعه.
"فكرة هايلة.. أقنعيها يا ماما.. جو المزرعة فعلاً هيفيدكم."
وأنحنى نحو رأسها يقبلها، فهتفت هي بأسى:
"هشوفها يا ولاد.. قلبي وجعني عليها أوي.. الله يرحمك يا شاكر."
ونهضت من مجلسها، لتذهب نحو غرفتها.
فوقف أمجد بعد أن لمح صورة تجمعهم وهم صغار، واتجه نحو الصورة يحملها وهو يتذكر ذكريات تلك اللحظة.
فهو وهي كانوا كما يلقبونهم دوماً بالتوأم الملتصق، ولكن كلما كبروا بدأت الحياة تأخذهم، بل بالأصح تأخذه هو، حتى بدأت تبعد هي عنه.
***
أستلمت شهادة تخرجها وقلبها يُطالبها بالبكاء، ولكن كما اعتادت أخبرت قلبها بمرارة.
"سنظهر أقوياء ثم نبكي بمفردنا."
وتعلقت نظراتها بنظرات العجوز التي فتحت لها ذراعيها.
فخطت بخطوات سريعة نحوها، وضمتها العجوز بقوة.
"مبارك يا صغيرتي."
ففرت دمعة من عينيها، فالعجوز قد اصطحبت معها أبناءها بل وجعلت ابنها الذي يملك سيارة يأتي بهم، وصنعت لها فستان آخر جديد يُلائم حجابها.
وحياها كل من أبناء العجوز بابتسامة صغيرة بعد أن باركوا لها.
وألتفتت نحو صوت من أذهلها قدومه، وعادت تنظر إلى وجه العجوز الذي أصبح كحبة الطماطم.
فالعجوز صاحب المطعم الذي تعمل به هنا.
وغمزت بعينيها وأبتسمت، ليقترب العجوز كوستاني وهو يحمل معه باقة من الأزهار ويهنئها.
ثم ذهب نحو كرستين التي أصبحت مرتبكة من نظراتهم.
وأشتمت زهور الباقة، ومالت بجسدها نحو كرستين.
"أعلم أن باقة الأزهار من أجلك وليس من أجلي يا كوكو.. فالعجوز قد ارتبك حينما رأى أولادك يا صغيرة."
وكادت أن توبخها العجوز، إلا أن اقتراب إحدى صديقاتها منها قد أنجدها، لتنصرف مع صديقتها ونظراتها مازالت نحو الثنائي المُحب.
***
كان يُتابعها طيلة طريق سفرتهم للمزرعة بصمت، وهو لا يُصدق أن من تجلس في الخلف شارده شاحبة هي فرح ابنة خاله التي لا يسكن أبداً لسانها في موضعه، ولكن بعد ما مروا به جعلها هكذا.
فخاله كان الأب والأم والصديق بالنسبة لابنته، فمنذ رحيل زوجته وقد جعل حياته كلها لابنته، فكانت صدمة موته فاجعة بل نور وقد انطفئ بالنسبة لها.
فهمس أمجد بصوت حانٍ وهو يُتابعها عبر مرآة سيارته.
"فرح."
فكان الصمت هو عنوان الإجابة، ولكن نظرات عينيها التائهة له جعلت قلبه يُدمي.
***
بدأت تتأقلم على وحدتها، تبتسم وتمنح السعادة لكل من هم حولها، وحين يُغلق عليها باب منزلها يبدأ قلبها يخفق بالوجع يُطالبها بالصراخ.
لتسمع طرقات هادئة على باب منزلها، فذهبت إلى موضع حجابها الذي ألقته للتو على الأريكة الوحيدة التي أصبحت بالمنزل.
واستمرت الطرقات إلى أن فتحت الباب ونظرت إلى الواقف أمامها وهي لا تُصدق.
"عمو حسام!"
فتأملها الرجل الذي لم تراه منذ عشر سنوات، ورغم الشيب الذي احتل خصل شعره التي قديماً كانت بسواد حالك.
"حياة."
فحركت له رأسها، فبالتأكيد كل تلك الأعوام قد غيرت ملامحها.
وأبتسم وهو يُطالعها:
"كبرتي يا حياة!"
وبعد دقائق كان يجلس على الأريكة يتأمل البيت الفارغ إلا من القليل من الأثاث البسيط، ليشعر بالأسى على وضع تلك الصغيرة ويلعن غباءه عندما قطع علاقته بصديقه.
ولكن محمود كان يستحق كل هذا، فطِباعه السيئة أصبحت لا تُحتمل إلى أن جاء اليوم الذي عرض عليه صفقة مشبوهة.
وكان آخر خيط بينهم، وعلم أن شاكر ومراد صديقيه كانوا معه كل الحق عندما أخبروه أن تلك الصداقة خطأ وستصل به إلى الهلاك، وخاصة بعد فعلته الدنيئة.
فابتعد عنه، حتى عندما علم بإفلاسه لم يفكر بالسؤال.
ولكن حينما عاد من سفرته الأخيرة وعلم من سكرتيرته باتصاله تعجب، ولولا وجوده بلندن من أجل عمل هام أتى إليه لكان ما جاء له.
ولكن الآن قلبه ينفطر ألماً وهو يرى تلك الفتاة التي شعر بأنها ليست ابنة محمود بسبب طباعها رغم أن ملامحها تشبهه.
وتقدمت نحوه تحمل فنجان القهوة، ووضعتها أمامه.
فتسأل حسام بعد أن تناول فنجان قهوته.
"سامحيني يا ابنتي أني مكنتش معاكم في الظروف الصعبة اللي مريتوا بيها.. ربنا يرحمك يا محمود."
فسقطت دموعها وهي تتذكر والدها، وحركت له رأسها بتفهم.
وبدأ يسألها عن حياتها وماذا تعمل، إلى أن نهض من مجلسه وهو يتأمل البيت حوله.
"انتي خلاص بقيتي أمانة عندي يا حياة."
فهتفت حياة بأعتراض:
"أنا اتعودت على عيشتي هنا."
فأشار لها حسام بأن لا تُجادله.
"هترجعي معايا مصر."
رواية ودق القلب الفصل الثالث 3 - بقلم سهام صادق
كل شئ مر سريعا دون أن تشعر. غادرت لندن، هي الآن في موطن والدها، وطنها الذي أحبته عبر صديقتها فرح. وعندما تذكرتها تمنت لو أنها استطاعت التواصل معها، ولكن فرح اختفت كما اختفى كل شيء جميل بحياتها.
فأبتسمت بشحوب عندما وجدت نظرات صديق والدها تُطالعها. ربت على كتفها بحنان، وهو يبادلها بابتسامة أبوية دافئة.
"يلا يا بنتي."
نظراته الحنونة كانت تُطمئنها. أحبت هذا الرجل منذ صغرها، ولكنه اختفى فجأة عنهم، ليعود ويظهر من جديد.
وبعد ساعة، كانت السيارة تردف داخل بوابة ضخمة. تحدقت بالمنزل الفخم الذي أمامها، فهو يشبه منزلها عندما كانت من الأثرياء. فطالعت المكان وتذكرت حديث صديق والدها وهو يُخبرها أنها ستُقيم هنا في منزل أحد معارفه القريبين منه، ويعتبره بمثابة ابن له إلى أن يعود مجدداً بعد أن يُصفي حساباته، وتعيش معه وتعمل في شركته الخاصة التي سيُنشئها.
ورغم قلقها من عيشها في منزل لا تعرف أصحابه، إلا أن مزاح صديق والدها خفف عنها. وبعد وعده بأن لن تطيل سفرته وسيعود سريعا، أطمئنت أكثر.
ومع كل تلك الدوامة، لم تشعر بنفسها وهي تجلس بالصالون الفخم بعدما رحبت بهم الخادمة. وذهبت لتُخبر سيدها بوجود الضيف.
فيدخل عمران بهيبته المعتادة، ويتقدم من حسام بترحيب واحترام، فهو كان صديق خاله مراد وشاكر رحمهم الله. ولارتباطه الشديد بأخواله، كان بالطبع يرى هذا الصديق دائمًا. فضمه الرجل بمحبة وقدم تعازيه بأسى على موت شاكر الذي علم به مؤخرًا. وكانت هي تجلس تُشاهد كل هذا بتوتر، تفرك يديها ببعضهما وقلبها يخفق بقوة. وداخلها يُخبرها أن هذا الرجل له هيبة ووقار مفرط.
وبعدما تبادلوا بعض الأحاديث، طلب حسام من عمران الانفراد في غرفة مكتبه. وابتسم لحياة الجالسة مطأطأة الرأس بخجل، ونظر إلى العصير الذي وضعته الخادمة للتو أمامها.
"اشربي عصيرك يا حياة يا بنتي، لحد ما أتكلم مع البشمهندس شوية."
سار من أمامها بعد أن حركت له رأسها بتفهم. فطالعها عمران بنظرات باردة خالية من أي شيء. فأزداد توترها أكثر. ونظرت إلى كأس عصيرها وبدأت ترتشفه بشرود.
***
نهض عمران من فوق مقعده بقسوة وهو يهتف:
"بتقول بنت مين؟ لدرجة دي انت نسيت الراجل ده عمل فينا إيه؟"
نسي احترامه لهذا الرجل الذي سانده بتوسيع علاقاته خارج البلاد. واقترب من حسام الجالس بتوتر على مقعده.
"يا عمران يا ابني افهمني، حياة مش زي محمود صدقني."
فضحك عمران ساخرًا:
"الزبالة عديم الشرف هيخلف إيه؟ أكيد زبالة زيه."
تنهد بضيق عندما نهض حسام من مقعده:
"أنا كنت فاكر يا ابني إن لسا العيلة دي فيها ولاد الأصول."
قطع عمران حديثه:
"انت ناسي عمل إيه؟ ناسي ولا أفكرك؟"
ضحك بقسوة:
"وكمان سماها حياة... يا بجاحته."
تمتم حسام بتفهم:
"يا عمران يا ابني أنا فاهم شعورك كويس، ولولا عارف كرمك مكنتش جبتها هنا. للأسف يا ابني أنا متورط في شوية مشاكل بره البلد ولازم أخلصها."
تنهد عمران بضجر، وظل يفكر قليلاً إلى أن لمعت عيناه بخبث أخفاه سريعا.
"موافق تقعد هنا."
جلس على مقعده بهدوء يليق به.
"بس جوه البيت ده لأ."
"وسامحيني لأني مقدرش أدخل بيتي بنت الراجل اللي ماتت عمتي بسببه وحسر جدي وولدي."
نظر إليه حسام بتفهم وتسأل وهو يتمنى أن لا يُخيب عمران ظنه.
"طب وهتعيش فين؟ حياة أول مرة تيجي مصر ومتعرفش حد ولا حاجة هنا. حتى أهل أبوها لسا متعرفهمش ومتوقعش هيقبلوا بيها بعد اللي عمله محمود فيهم."
فقبض عمران على يده بقوة وهو يتمتم:
"في أوضة في الجنينة، هخلي الخدم ينضفوها ليها."
وعندما رأى نظرات الخيبة في عين حسام، أكمل حديثه:
"على فكرة الأوضة دي والدي الله يرحمه كان عاملها للضيوف اللي بيجولنا من البلد، عشان ياخدوا راحتهم. ومتقلقش متقلش فخامة عن شكل الفيلا."
فابتسم له حسام براحة:
"ريحتني يا ابني. دي أمانة عندي ومش عايز أبهدلها. موصيكش عليها يا عمران."
ثم تابع:
"واتمنى تلاقي ليها شغل كويس في شركاتك. حياة درست اقتصاد في لندن."
تمتم بجمود:
"تمام."
وبعد أن أنتهى الحديث عن تلك الجالسة بالخارج تجهل ما يدور في خلد من تجلس ببيته. تساءل عمران بهدوء عن حياة محمود بعد أن أفلس. فحكى له حسام كل ما يعرفه. ليتمتم عمران:
"جدي كان عنده حق. العادل حي لا يموت."
كان في عمر التاسعة ولم ينسَ قط ما كسر ظهر جده وأبيه، في موت ابنتهم المدللة بعد أن تزوجها محمود عرفيًا ثم تركها بعدما علم بحملها.
***
وقفت تنظر إلى الغرفة التي أصطحبتها إليها الخادمة خارج الفيلا. فقد كانت غرفة متوسطة الحجم بمرحاض ملحق بها تطل على الحديقة الواسعة. أعجبتها الغرفة بشدة فقد كانت مفروشة بأثاث عصري وبسيط. وجدت خادمة أخرى تلحق بهما وتحمل شراشف نظيفة بيدها.
وأسرت تعد السرير لصاحبته الجديدة. ابتسمت بلطافة بعد أن أعدت الخادمتان الحجرة، وقبل أن ينصرفوا هتفت:
"هتمشوا قبل ما نتعرف."
ومدت يدها نحوهم كي تُصافحهم. فنظرت الخادمتان لبعضهما متعجبين من فعلتها.
"أنا اسمي حياة."
وسريعا زال ذهول الخادمتان، فصافحوها بحبور واهتمام.
وقالت إحداهن:
"أنا اسمي نعمة."
وأشارت نحو صديقتها:
"وديه أمل."
وتساءلت نعمة:
"انتي بتتكلمي عربي كويس؟ لأ ولغتنا العامية عادِ."
فضحكت حياة برقة. وبدأت تقص عليهم صديقاتها اللاتي تعرفت عليهن بالمنتديات العربية وكيف كانت تبحث عن أهل وطنها. إلى أن جائت سيرة فرح.
فقصت عليهم أن لها صديقة غالية هنا وتتمنى أن تلتقي بها.
وانتهى الحديث وذهبت الخادمتان بعد أن تهامسوا لبعضهم عن لطافتها وجمالها الشرقي الهادوء.
وقفت أمل بفزع عندما سمعت صوت عمران يُناديها:
"أمل."
وألتفت نحوه بأحترام. وتقدمت منه قائلة:
"أفندم يا عمران بيه."
هتف عمران بجمود:
"البنت اللي بره دي متدخلش الفيلا خالص. رجليها متعتبش هنا مفهوم."
فتساءلت أمل بحيرة:
"بس يافندم."
عمران بأمر:
"كلامي يتسمع."
تابع بقسوة قد أدهشتها:
"وجبات الأكل تيجي تاكلها معاكم في المطبخ. وأوضتها بعد كده تنضفها هي بنفسها."
وقبل أن تهتف الخادمة بحرف، ذهب بأعصابه.
لتقف تضرب كفًا بكف:
"غريبة. أول مرة البيه يعامل ضيف كده."
واتجهت نحو المطبخ، لتجد رئيسة عملها تجلس تريح أقدامها وتحتسي قهوتها.
فأقتربت منها نعمة هامسة:
"البيه كان عايزك في إيه؟"
فبدأت أمل تحكي لها ما طلبه. لتنظر إليها نعمة بدهشة متسائلة:
"لأ فعلا غريبة. أول مرة عمران بيه يعامل حد كده. وخاصة لو كان ضيف عنده."
وسريعًا ما نطقت بعد تفكير:
"ما يمكن مش عايزها في الفيلا عشان الهانم الكبيرة مش هنا. وهو راجل أعزب إزاي بنت حلوة زيها تقعد معاه وهو لوحده."
فطالعتها أمل باقتناع. وقبل أن ترد عليها هتفت منيرة:
"هتفضلوا تتسيروا كده؟ شوفوا شغلكم يلا قبل ما كل واحدة فيكم تروح على بيتها."
***
تسطحت حياة بجسدها على الفراش بإرهاق وهي مازالت لا تُصدق أنها هنا بمصر. وأن عمها حسام قد رحل وتركها في منزل ذلك الغريب الذي أوصاه عليها. ونظرت إلى الأموال التي أمامها وقد أعطاها لها حسام قبل رحيله وأعطاها لها رقمه الخاص وودعها إلى لقاء قريب.
وزفرت أنفاسها. وتذكرت أنها لم تسأل أمل أو نعمة صديقاتها الجدد عن قبلة الصلاة.
"غبية يا حياة. أممم بكره لازم أسألهم."
وغابت في ثبات عميق وهي لا تعلم بما سينتظرها هنا.
أما هو، فوقف في شرفته يُدخن بشرود، يُطالع حجرتها.
"حظك وقعك تحت إيدي."
ويضحك ساخرًا:
"سماكي حياة على اسمها. لأ حقيقي عنده ضمير."
***
أنهى برنامجه وبدأ يضحك مع مُعدين حلقة اليوم. إلى أن جائت إحداهن ترسم على محياها البراءة والضعف.
وهتفت:
"مستر أمجد."
فألتف أمجد نحوها بابتسامة واسعة. فتلك مُتدربة جديدة قد طلب منه أحد معارفه أن تتلقى تدريب بعد تخرجها مباشرة.
"تقرير النهاردة هايل يا نهى."
وأخذ زجاجة الماء من يد مساعده. وسار من أمامها وهي تسير خلفه.
"هيكون ليكي مستقبل حلو لو استمريتي على كده."
وقبل أن تنطق بشيء، وجدت إحداهن تقترب منه بدلال وتُحادثه. لتقف في مكانها بضيق وهي تعلم أن الوصول إليه مازال صعب.
***
أشرقت شمس الصباح بنورها الهادئ. لتفتح حياة شرفتها وهي تتذكر العجوز كرستين وسماء لندن. وهتفت بشوق:
"وحشتيني يا كوكو."
وبسطت يدها تُقبل راحة كفها. ثم نفخت بأنفاسها كما لو ستطير قبلتها عبر الهواء.
"هبعتلك كل يوم قبلة الصباح يا كوكي."
لتسمع طرقات خافتة على الباب. فتسرع لرؤية من جاء إليها.
"إزيك يا أمل. وتسألت بنصف عين."
"أمل مش كده ولا أنا غلطت."
لتضحك أمل على بساطتها المحببة:
"صح يا ست حياة."
فتُكشر حياة وجهها بطريقة مُضحكة. وهي تهتف:
"اسمي حياة يا أمولة فاهمة."
وأقتربت منها تُقبل وجنتها:
"صباح الخير بقي يا أمولة."
فابتسمت أمل بسعادة وهي لا تُصدق طيبة روح تلك الفتاة.
"أنا جايه أقولك إحنا مستنينك على فطار أنا ونعمة وست منيرة."
حياة:
"منيرة مين دي؟"
فأجابت أمل بهدوء:
"دي مدبرة المنزل والرئيسة بتاعتنا. هتتعرفي عليها لما تيجي. يلا أنا بقي عشان أحضر الفطار للبشوات."
وكادت أن تنصرف أمل. فهتفت حياة:
"أمل استني."
وتسألت وهي تنظر للحجرة:
"هي فين اتجاه القبلة عشان أصلي."
لتُخبرها أمل بالاتجاه وتنصرف مع ابتسامة طيبة على وجهها.
فتذهب حياة إلى المرحاض وتبدأ بطقوسها الذي ستعتاد عليه يوميا.
***
جلست ليلي بجانب ابنة أخيها في الهواء الطلق. فجو المزرعة كان يبعث في الروح الهدوء. وربتت على يد فرح بحنو.
"هتفضلي لحد إمتى كده يا حبيبة عمتو؟ فين فرح اللي كلها طاقة وروح."
فطالعتها فرح بشحوب:
"كله راح يا عمتو مع موت بابا."
فتأملتها ليلي بحزن فهي أيضًا روحها تتألم على أحبابها. فقد رحل شاكر كما رحل أخيها مراد وزوجها الحبيب ومازن ابنها الأوسط قرة عينها. وهتفت داخلها:
"الصبر من عندك يا رب."
وعادت تنظر إلى فرح الهائمة:
"وجع الفراق صعب يا بنتي. وبالذات لما يكون الفراق موت. يعني مش هنشوفهم تاني ولا هنشم ريحتهم. بس إحنا مؤمنين وعارفين إن اللي بيروح عمره ما هيغلى على اللي خلقه."
وناولتها المصحف الذي كان بجانبها وهي تنهض:
"صبري قلبك بكلام ربنا يا فرح."
وأنصرفت وهي تدعو لأبنة أخيها ولها بالصبر.
***
أنهت حياة فطورها بالمطبخ وسط أمل ونعمة ومنيرة وايضًا السائق صالح الرجل الطيب. واندَمَجَت معهم بالحديث.
لتنهض أمل من على مقعدها بسرعة تعد القهوة متذكرة بأن ميعاد قهوة سيدها المنضبط بكل مواعيده.
فطالعتها حياة بغرابة بسبب فعلتها التي لم تعهدها بعد. ونظرت إلى منيرة تسألها:
"مالها أمل قامت من على الأكل بسرعة."
فربتت منيرة بطيبة على يدها. فقد أحبت تلك الفتاة رغم أنها ليست من الأشخاص الذين يحبون الغرباء سريعا.
"ده ميعاد قهوة عمران بيه. وأمل المسئولة عن كل حاجة تخصه."
فحركت رأسها بتفهم. وبدأت ترتشف عصيرها بهدوء وهي تُجاوب على أسئلة نعمة عن حياتها في بلاد الإنجليز كما سمتها منيرة المرأة الأربعينية.
***
هتف عمران بجمود وهو يُطالع الأوراق التي أمامه:
"ادخل."
فأردفت أمل للداخل وهي تحمل فنجان قهوته. وبعدما وضعت القهوة أمامه. كادت أن تنصرف إلا أن صوته أوقفها.
"الضيفة فطرت."
فحركت أمل رأسها بالإيجاب:
"أيوه يافندم."
فمد يده بورقة. لتقترب أمل وتأخذها منه بعد أن أشار إليها بأن تتقدم.
"تديها الكارت ده. تجي لي الساعة عشرة الشركة مفهوم."
فنظرت أمل للكارت المسجل به عنوان الشركة الأم الخاصة بالمقاولات وذات سيط معروف. وذهبت إلى حيث عملها الذي ينتظرها وحياة التي ستخبرها عن أوامر سيده.
ليتذوق من فنجان قهوته بعد أن أنصرفت. وعيناه تلمع بوميض من القسوة.
***
ارتدت حياة أفخم ثيابها وأبسطهم. فقد ارتدت بنطال من الجينز الواسع يعلوه بلوزة طويلة تصل إلى قبل ركبتيها. ووضعت حجابها ولفته ببساطة على خصلاتها التي تشبه عيناها بنية اللون. ورغم عدم رضاها على هيئتها، فهي تعلم أن الحجاب يلزمه التزام وحشمة أكثر لا تلائمه ملابسها.
وزفرت أنفاسها بقلق فهي ستعمل بشركة كبيرة كما أخبرها عمها حسام. وظلت ترسم أحلام جميلة لعملها. إلى أن دق باب غرفتها. وهتفت وهي بالداخل:
"حاضر يا نعمة أنا جايه أهو."
فتحت الباب. لتبتسم لها نعمة قائلة:
"ربنا يوفقك يا ست."
وقبل أن تُكمل، عدلت حديثها وهي ترى إصبع حياة نحو وجهها:
"قصدي يا حياة بس من غير ست."
فضحكت حياة بغرور مصطنع وخرجت من غرفتها قائلة:
"أيوه كده."
وظلت تتذكر عبارات فرح إلى أن هتفت:
"ناس مبتجيش غير بالعين الزرقا."
فضحكت نعمة بقوة وهي لا تقدر على التنفس:
"قصدك بالعين الحمرا."
فابتسمت حياة برقة:
"أهي كلها ألوان."
***
أطال عمران اجتماعه قدر المستطاع في شركة الأدوية التي أسسها جده لأخيه مازن رحمه الله بعد أن تخرج من كلية الصيدلة. ورغم أن الاجتماع لا يستحق كل هذا الوقت إلا أنه فعل ذلك متعمدًا. وها هي الساعة الثانية عشر ظهراً. وانتهى الاجتماع لتقترب نيره منه قائلة برقة لا تفعلها إلا معه:
"الموظفين محتاجين ديما رقابتك ومتابعتك يا عمران. حاول تيجي الشركة أكتر من كده."
لينهض عمران من فوق مقعده هاتفاً بجدية:
"انتي موجودة بدالي يا نيره وأنا واثق في قدراتك. ولا إيه يا دكتورة."
فابتسمت نيره بعلو وهي تراه يمدح بها. فعمران ابن صديق والدها وحلم حياتها بأن تقترن به. ولكن مع عمران العمري لن يكون إقناعه في فخ الزواج أمرًا سهلاً.
***
نظرت إلى ساعة يدها فهي جالسة منذ الساعة العاشرة والآن قد تخطى الوقت الثانية عشر. شعرت بالملل ولكنها وضعت الأعذار لمديرها. واتجهت مرة أخرى نحو سكرتيرته تتساءل:
"إمته عمران بيه هيجي."
وكادت أن تُخبرها سكرتيرته بردها المعتاد. ولكن رئيسها قد جاء وسار بخطى واثقة أمامهم.
"أوراق الصفقة الجديدة تيجي على مكتبي حالا يا نجوى."
فلملمت نجوى أوراقها سريعاً. وأتبعته. وكادت أن تهتف حياة باسمها إلا أنها اختفت خلف مديرها. ذلك الرجل الذي أصبحت تهابه.
وعادت تجلس على مقعدها ثانية. تعد الأرقام كي لا تشعر بالملل أكثر من ذلك.
وخرجت نجوى من مكتب عمران بعد خمسة عشر دقيقة كما عدتهم هي:
"عمران بيه مستنيكي. اتفضلي."
فسارت حياة بخطوات متوترة. وهي تحلم بوظيفتها الجديدة. وأردفت داخل مكتبه الفخم. وطالعته وهو يجلس بهيبة تليق به. وأنتظرت أن يرفع وجهه عن الأوراق ويُحادثها. إلا أنه ظل يُطالع أوراقه. فتنحنحت حرجاً.
فرفع عمران وجهه عن الأوراق. وطالعها ساخرًا وبدأ يعدل من وضع جلسته حتى أصبح يجلس بزهو على مقعده. وأشار بأصبعه لها بأن تتقدم وتجلس على المقعد الذي أمامه.
فتقدمت نحوه. وجلست بهدوء وأخرجت أوراقها سريعا من حقيبتها. فلابد أنه سيرى شهادة تخرجها الجامعية كما يفعل الرؤساء.
ومدّ أوراقها إليه قائلة بخفوت:
"تفضل دي أوراقي."
كان الحماس يطل من عينيها. وهذا ما زاده قسوة بأن يكسرها ويحط أحلامها. وداخله يخبره أليست هذه العدالة؟ فأبيها قد حطم قلب عمتك وحطم حلم جديك وأباك بأن يفرحوا بأبنتهم وهي تزف لعريسها وليس.
وعندما بدأ شريط الماضي يمر. أخذ الأوراق منها بقوة وقذفهم أمامه على المكتب. فتعجبت من فعلته. ونظرت إليه بحرج. إلى أن:
"مش محتاجين الورق ده. لأن أظن انت لسه متخرجة جديد والشركة هنا عايزة ناس خبرة."
فحدقت به دون فهم. ليُكمل عمران حديثه بجمود:
"آنسة حياة في الشغل معنديش واسطة. خبرتك هي اللي بتحكم."
وتابع حديثه بتساؤل:
"اشتغلتي قبل كده!"
فابتسمت حياة:
"كنت بشتغل نادلة في مطعم."
فضحك عمران بتهكم. فهي قد وضعت وظيفتها بنفسها.
"يبقى خلاص شغلك مش هيتغير. إحنا محتاجين موظفة في بوفيه الشركة."
فأنصدمت ونظرت إليه بذهول. هل هذا هو حلمها؟
وأبتلعت غصة بحلقها وهي ترى القسوة التي تلمع بعينيه ولا تعلم سببها.
"بس أنا كنت فاكرة."
فقبض عمران بأنامله على قلمه وبدأ يمضي على بعض الأوراق التي أمامه دون أن يهتم.
"ده عرض الشغل بتاعنا. وأظن الإنسان لازم يبدأ السلم من أوله. ولا إيه يا آنسة حياة."
فحركت رأسها بشحوب. ونهضت من فوق مقعدها. وبدأت تُطالعه وهي تتساءل داخلها:
"أطلع السلم من أوله؟ أشتغل نادلة تاني."
وأبتلعت غصتها مجدداً. وقبضت بيديها على حقيبتها. ثم نظرت إلى حذائها الذي لمعته بفرحة طفلة.
هتف هو بجمود:
"ها يا آنسة."
عبارة صغيرة قد نطقتها هدمت معها حلم جميل تساقطت ورقته من غصن شجرتها الصغير.
"موافقة."
وأرتسم النصر على فم الجالس بزهو.
رواية ودق القلب الفصل الرابع 4 - بقلم سهام صادق
احتضنتها عمتها بفرحة عندما أخبرتها بأنها ستتولى إدارة الملجأ الذي أنشأته عائلة زوج عمتها الراحل.
ومنذ أن فتح الله عليها، لم تكن عمتها إلا داعمة لها بشدة.
"فكرة جميلة يا فرح."
فابتسمت فرح بشحوب وهي تخبرها أنها ستذهب.
كان ذهابها بمثابة صدمة لها ولمدير الملجأ الحالي.
تأملت ساحة الملجأ وكيف الأطفال يعملون بثياب رثة ويحملون القمامة بأيديهم.
وداخلها يتساءل: هل هذا ما يتلقاه هؤلاء الأيتام من معاملة طيبة؟
هي تعلم أن ابن عمتها يبعث الأموال دوماً ويتكفل بكل صغيرة وكبيرة.
ولكن، كالعادة، الطمع هو سيد أي شيء، حتى لو كان على حساب اليتيم والمحتاج.
وبدأت تلتقط بعض الصور بهاتفها قبل أن يراها أحد.
لتجد يدًا تربت على كتفها.
"أنتِ يا آنسة، هاتي تليفونك ده. أنتِ شكلك صحفية ولا إيه؟"
فالتفتت فرح إلى صاحبة الصوت وقد ظهر الاشمئزاز على وجهها.
"آه صحفية، وهوديكم في ستين داهية."
فأخذت منها الهاتف بقوة.
وداسَت عليه تحت قدميها.
لتنظر فرح إلى هاتفها بغل، وكادت أن تهجم عليها لفعلتها الوقحة.
إلا أن أحدهم اقترب سريعاً من تلك الواقفة هامساً.
"دي قريبت عيلة العمري، هتودينا في داهية يا غبية."
وبدأ القلق يظهر على ملامح المرأة.
وخرج صوتها باضطراب.
"منورة يا هانم!"
***
جلسوا بالمطبخ يفكرون من الذي سيصطحبها للعمل.
فالسيد عمران، بعد أن علم من أوصلها أمس، تبدلت ملامحه وأمر صالح أن لا يصطحبها مجدداً بالسيارة.
الكل أصبح يشعر بوجود شيء عجيب بسيدهم، لم يكن قاسياً لتلك الدرجة.
فحتى هم لم يُعاملهم يوماً هكذا، رغم أنهم خدم لديه.
لتخبرهم أمل بعد تفكير.
"وصلها أنت يا عم صالح، وعرفها الطريق إزاي. البيه كده كده بيسوق أغلب الوقت عربيته بنفسه، واحنا كمان مش محتاجين حاجة النهارده منك."
فأطالَعها صالح بعد أن أطوى الجريدة مفكراً.
"مع إن الطريق متعب، بس أمري لله."
فتتجه نحوهم نعمة بلهفة بعد أن لمحت حياة تقترب من الباب الخلفي للمطبخ.
"محدش يجيب لها سيرة اللي قاله الباشا. بلاش نجرحها."
وبالفعل قد صمتوا.
لتردف إليهم حياة كي تتناول فطورها معهم.
"صباح الخير!"
وابتسمت ابتسامتها الهادئة.
وانضمت لهم تمزح معهم بطيب خاطر، بل وبدأت تسأل كل واحد منهم عن حاله.
الكل بدأ يحبها كما لو عرفوها منذ سنين.
وانتهى الفطور.
فحملت حياة حقيبتها وهي تتمنى أن تتأقلم على تلك الوظيفة.
فطيلة الليل كانت تضمد جراح قلبها، تخبره بالصبر والتحمل.
فحياة الدلال والرفاهية قد انتهى زمنها، وقد اعتادت على حياتها تلك.
فهي الآن تبحث عن قوت يومها.
وسارت للخارج تنتظر صالح الذي أخبرها أنه سيوصلها لمقر عملها.
وقد ظنت أنها ستركب كالأمس تلك السيارة الفخمة.
ولكن وجدت صالح يقودها خارجاً لتبدأ رحلة المواصلات العامة.
فلم تسأل عن السبب وفضلت الصمت.
لتتصل للشركة بعد إرهاق.
فيبتسم لها صالح قائلاً.
"أتمنى تكوني حفظتي الطريق يا حياة يا بنتي."
لتُحرك حياة رأسها بيأس.
وعندما وجدت علامات التعب على ذلك الرجل الطيب.
"بس هتعلم يا عم صالح، متخافش عليا."
فابتسم لها صالح بود وهو يتساءل داخله.
"ليه عايز تبهدلها كده يا عمران بيه؟ البنت طيبة وشكلها بنت ناس ومش وش بهدلة."
وفاق من شروده على صوت حياة.
"قولي بس أركب إيه وأنا راجعة."
وأخرج لها مفكرتها الصغيرة.
ليُدون لها اسم المجمع السكني الذي يضم الطبقة الثرية التي تقطنها حالياً.
"لما تخلصي شغلك.. اطلعي على الطريق ده."
وأشار اتجاه الطريق.
وأكمل.
"وخدي تاكسي أفضل ليكي من بهدلة المواصلات العادية."
وتساءل بقلق.
"معاكي فلوس مش كده؟"
فابتسمت حياة كعادتها.
"آه معايا، متقلقش."
ويودعها صالح.
فتخطو بخطوات سريعة نحو الشركة التي أتت بها بالأمس وهي تظن أنها ستحصل على ما تتمنى.
ولكني يبدو أن الحياة ليست هينة.
***
كان الكل يحييه باحترام وهو يسير بزهو كالنجوم.
لتقع عيناه عليها وهي تسير مع أحد الموظفين يُحادثها عن طبيعة عملها ودوامها.
فابتسم وهو يرى ابتسامتها.
"قريب قوي هتختفي ابتسامتك دي."
***
ربت على كتف مساعده الشخصي بود وهو يخبره.
"مش مهم يا طارق، شوف لي حد غيرك. وياسيدي مبروك على الوظيفة الجديدة."
ليبتسم المدعو طارق لمن كان رئيسه.
"حاضر يا أستاذ أمجد."
وجلس أمجد على مقعده وهو يقرأ بعض الأوراق.
فهو من يدير القناة الفضائية التي يمولها أخيه عمران، بجانب أنه لديه برنامجه الخاص.
فيعلو رنين هاتفه.
لينظر إلى رقم المتصل بقلق.
"أيوه يا ست الكل."
تابع دون تصديق.
"فرح!"
تخبره فرح بكل ما حدث معها اليوم بأنفاس متقطعة.
فيهب من جلسته وهو يلقي الأوراق جانباً.
"أنا جاي حالا البلد."
وبدأ يسب بألفاظ لم تسمعها منه من قبل.
لتنظر لها عمتها متسائلة.
"ماكلمتيش عمران ليه؟ كان هيحلك الحكاية في مكالمة تليفون."
وعندما وجدت صمت ابنة أخيها، علمت أن الصغيرة ما زالت ترى أمجد بطلها كما اعتادت.
***
انتهت استراحة عمل الموظفين وجاء وقت استراحتهم هم أيضاً.
لتنظر إلى طيف آخر موظفة بهيئتها المنمقة تغادر القاعة المخصصة لاستراحة الموظفين.
ثم وقعت عيناها بألم على الزي الخاص بالعمل الذي تلبسه.
فكانت تتمنى أن تكون مثلهم.
لتفيق على صوت زميلتها.
"حياة، هتتغدي معانا؟"
فحركت رأسها بالإيجاب وهي تتمتم.
"أنا جعانة جداً يا منار."
فضحكت منار وهي تتأملها.
"طب يلا تعالي نتغدا إحنا بقى، قبل ما تاكليني أنا والواد رامي."
منار ورامي كانوا خريجي معهد.
ولكن حالهم كما أخبروها في بداية تعارفهم في الصباح.
إنه حال جميع الشباب: "لا أحد يعمل كما يتمنى أو يحب."
ومرت الساعات المتبقية وانتهى الدوام.
وطلبت من رامي ومنار أن يساعداها بإيجاد سيارة أجرة كي تذهب لمنزلها.
في البداية ضحك كل منهما قائلين.
"شكلك هتخلصي فلوسك على النزاهة، ومرتبك هيضيع أول بأول."
ولكن ساعداها كما رغبت.
وبالفعل قد دفعت أجرة لا بأس بها عندما علم السائق بوجهتها التي لا يقطنها سوى الأثرياء.
***
تمتمت أمل بضيق لا يسمعه سواها بعد أن وضعت الطعام.
"ما يتجوزها ونخلص بقى."
ليقترب عمران مع ضيفته التي عزمت نفسها من أجل أن تناقشه في بعض الأعمال.
ولم تكن سوى "نيرة".
وتنحت أمل جانباً بعد أن دخلوا غرفة الطعام.
وطالعت نيرة بضيق.
وسريعاً ما رسمت ابتسامة على شفتيها عندما أمرها عمران.
"خلاص يا أمل، اتفضلي أنتِ."
وأنصرفت أمل.
وذهبت نحو المطبخ.
فوجدت حياة تجلس تتناول طعامها.
فجلست تتساءل بفضول.
"احكيلي عملتي إيه في أول يوم؟"
وتابعت بحالمية.
"يااا، التعليم حلو يا ولاد. أكيد طبعاً ليكي مكتب وقاعدة تحت التكييف يا حياة."
فضحكت حياة وهي تبتلع طعامها بصعوبة.
فماذا ستخبرها؟
هل ستخبرها أنها تعمل مثلهم، ولكن الاختلاف في المكان ليس أكثر؟
فخجلت من أن تحكي حقيقة وضعها.
وفضلت أن تقول عبارة مختصرة حتى لا تكون كاذبة.
"آه شغل زي أي شغل يا أمل، وما فيش شغل مريح."
وأشارت نحو المكيف بالمطبخ.
"ما أنتي قاعدة في التكييف أهو يا حقودة."
فضحكت كل من منيرة وأمل.
"والله يا حياة أنا مش عارفة إنتي إزاي كنتي عايشة كل السنين اللي فاتت في بلاد الخواجات وبتتكلمي عادي زينا."
فردت ضاحكة.
"لسة برضه مبقتش بنت مصرية أصيلة، محتاجة كورس مكثف منكم."
ووضعت نعمة بطبق طعام آخر أمامها.
"والله يا حياة يا أختي، في ناس بتتمنى تغير الجنسية أصلاً."
فتساءلت ببلاهة وهي تمضغ الطعام.
"ليه بتقولي كده يا نعمة؟"
وبدأوا يحكون لها عن المعاناة التي يعيشونها من غلو الأسعار وسوء المعيشة.
فكانت تسمعهم وهي تشفق على حال كل منهما.
وقد نسيت حالها وحياتها.
***
ضم أمجد والدته بذراعيه.
وبدأ يقص عليها ما فعلته ابنة أخيه.
"وانتي كنتي فاكرة فرح يا ماما سكتت ليهم؟ مش عايز أقولك عملت إيه في المديرة."
وتابع وهو يتأمل ملامح ابنة خاله.
ثم نظر إلى والدته التي تنتظر أن يتابع حديثه.
"دي عضتها يا ماما."
فنهضت فرح من جلستها وقد كسا وجهها معالم الغضب.
"لو كانوا سابوني عليها كنت موتها. دي بتشغل الأطفال وبتضربهم وتحرقهم، وبتاخد فلوس التبرعات ليها وللموظفين اللي مشغلاهم معاها. دول عصابة."
فابتسم أمجد وهو يطالعها.
وهتف بدعابة.
"يا واد يا متشرد إنت يا جامد."
لتنظر إليه فرح بغل.
فتبتسم عمتها على أفعالهم.
وفجأة صرخ أمجد وهو يشعر بشيء يصدم وجهه.
"بتضربيني بالمخدة يافرح؟ أما أوريكِ."
وركض خلفها.
لتركض هي الأخرى.
وعمتها تطالعهم وداخلها تتمنى أن تراهم زوجين.
***
أنهت جلستها الدافئة وخرجت كما دخلت.
وسارت نحو غرفتها.
لتقع عيناها على فتاة ترتدي ثياباً فخمة وتقف بجانب سيارة حمراء أنثوية.
وأمامها عمران يتحدثان وهي تبتسم مع كل كلمة تخرج من فاها.
إلى أن حان وقت انصرافها.
فأقتربت منه تُقبل وجنتيه وقد أطالت قبلتها.
فأَطرَقَت رأسها بخجل وأكملت طريقها لتتطفل عليهم.
فالفتاة قد رأتها.
وأشارت نيرة اتجاهها.
"مين دي يا عمران؟"
فنظر عمران نحو ما تُشير إليه.
فضاقت عيناه ببرود.
"ومن إمتى وإنتي بتسألي في حاجة متخصكيش يا نيرة؟"
ألجمتها عباراته.
ولكنها أصبحت معتادة على أسلوبه هذا.
وأبتسمت بحرج وهي تصعد سيارتها.
"أوك، تصبح على خير."
وقف يُطالع الغرفة التي تسكنها حياة.
وزفر أنفاسه بضيق.
والقسوة تتغلل داخل قلبه.
***
استيقظ من نومه على جرس الباب.
فنظر إلى هاتفه فوجد الوقت قد تخطى الحادية عشر.
ونهض بتكاسل.
فسفره إلى المزرعة ورجوعه في نفس اليوم قد أرهقه.
وأخذ يفرك عيناه ثم خصلات شعره.
وقبض على مقبض الباب وهو يلعن الطارق بداخله.
ونظر بصدمة إلى التي تقف أمامه.
"نهى!"
فتصنعت نهى الخجل وطأطأت رأسها لأسفل.
"أسفة إني صحيت حضرتك من النوم."
فطالعها أمجد بتساءل عن قدومها العجيب إليه.
"خير يا نهى؟ انتي عرفتي عنوان شقتي من مين؟"
فأرتبكت بتصنع.
"هو طارق مقلش لحضرتك؟"
فزفر أمجد أنفاسه بضيق.
وأشار لها بالدخول.
فوقفتهم هذه ستطول وهو أصبح يشعر بالملل.
"نهى، أخلصي قولي إنتي جاية ليه، طارق مقليش حاجة."
فأزداد ارتباكها.
"أنا المساعدة الشخصية لحضرتك بدل طارق."
فطالعها أمجد هاتفاً بدهشة.
"نعم، أنا قولت لطارق عايز راجل مش بنته."
وأردف بخطوات سريعة لغرفته كي يجلب هاتفه.
وخرج مجدداً لها.
وقبل أن يُهاتف طارق.
أقتربت منه.
"أنا محتاجة الوظيفة دي يا مستر أمجد، أرجوك!"
فبدأ ينظر لها.
فكيف لفتاة مثلها ترتدي ثياباً تحمل الماركات وتريد مثل تلك الوظيفة.
وبدأت تحكي له عن رغبتها في العمل ليس من أجل المال، ولكن من أجل أن تبتعد عن المشاكل الأسرية مع زوجة أبيها.
وسقطت دموعها وهي تترجاه بأن العمل هو الشيء الوحيد الذي يُنسيها زواج والدها من أخرى بعد أن توفت والدتها منذ تسعة أعوام.
ونظرت إليه بتوجس تتمنى أن ترى في عينيه الموافقة.
ووجدت بالفعل ما تمنت.
ليزفر أمجد أنفاسه بتأفف.
"خلاص يا نهى، بس افهمي أنا في شغلي مبحبش الدلع ومعنديش تجاوز في أي حاجة ولا بحب الإهمال، مفهوم؟"
فابتسمت بعد أن مسحت دموعها.
فأول خطوات قربها منه قد بدأت.
هي لم تكذب عليه بشأن حياتها.
ولكن خطتها في القرب منه كان هو هدفها الأساسي من هذا العمل.
وهتفت سريعاً.
"متقلقش، طارق فهمني كل حاجة وأوعدك هكون عند حسن ظن حضرتك."
فضحك عقب جملتها الأخيرة.
وتحرك نحو غرفته مجدداً.
"طب يا نهى، ممكن تعمليلي فنجان قهوة لحد ما أجهز؟"
وما كان منها سوى الانصياع لطلبه وهي تتمتم بداخلها بحالمية.
"مش متخيلة في يوم ممكن أكون مرات أمجد العمري."
***
جف حلقها وهي تستمع إلى عبارات منار تخبرها بأن بعد إنهاء الدوام لديهم دوام آخر وهو العمل في قسم النظافة.
فتنظيف الشركة مسؤولية عليهم.
صحيح أن تنظيف الأدوار والمكاتب لا يكون يومياً، ولكن يوم بيوم وهذا هو اليوم المخصص.
فصعقت حياة وهي لا تستوعب شيئاً.
فقد أخبرها أن عملها هنا ليس أكثر.
ونهضت من فوق مقعدها وسارت بخطي سريعة نحو مكتبه بعد أن تجاهلت نداء منار عليها.
"ممكن أقابل عمران بيه؟"
فتأملت السكرتيرة زي عملها الخاص بعمال البوفيه.
"لو في مشكلة معاكي، بلغي بيها شئون العاملين."
وتجاهلتها وعادت لتفحص الحاسوب الذي أمامها.
فاندفعت حياة داخل مكتبه.
لتسرع الأخرى خلفها.
"أنتي يا آنسة."
ولكن بالفعل قد أصبحت داخل المكتب.
ليرفع عمران رأسه نحو التي اقتحمت مكتبه دون إذن.
ثم أشار لسكرتيرته.
"اخرجي أنتي يا نجوى."
فأنصاعت نجوى لأمره.
ونظر إلى التي تقف أمامه بوجه محتقن.
"دخولك بالطريقة الهمجية دي ميتكررش تاني."
ثم تابع بقسوة.
"قولي اللي عندك لأني مش فاضي."
فطالعته بكره، لم تعرفه يوماً.
"إنت قولتلي إني هشتغل في البوفيه مش في النضافة."
فنهض عمران من فوق مقعده.
ووضع بكلتا يديه في جيبي سرواله.
وهو يستنكر جملتها.
"الكلام ده تتكلميه مع شئون العاملين يا آنسة. اتفضلي لأني مش فاضي للكلام ده."
وكادت أن تتحدث إلا أنه أشار بيده أن تنصرف.
فشعرت بالحرج من تصرفه وانصرفت وهي تقاوم ذرف دموعها.
وسارت في الممر الطويل بعيداً عن مكتبه وهي تخرج هاتفها.
فقد قررت أن تهاتف عمها حسام.
فلم تعد تتحمل ذلك القاسي الذي استأمنه عليها وأخبرها أنها في مأمن إلى أن يعود.
ولكن الرد كان "الهاتف مغلق".
ووقفت تمسح وجهها بضعف.
ثم تذكرت صديقتها فرح.
وكانت الإجابة كما اعتادت "أن الهاتف أيضاً مغلق".
***
استقبلتها منار ورامي بقلق.
"روحتي فين ياحياة؟"
فنظرت إليهم والكلام الذي سمعته من شئون العاملين مازال يتردد صداه في أذنيها.
فهم أخبروها أن هذا العمل ضمن عملها وأن ذلك يزيد راتبها ويحسن منه.
وعندما لم تجد منار رداً منها.
مازحتها بلطافة.
"كنا زيك كده بس اتعودنا. يا حياة، أكل العيش مر ومش عايز كبر."
ثم هتف رامي بأسى.
"لو اعترضتي هيقولولك مع السلامة. إحنا روحنا أو جينا مجرد عمال مش أكتر."
لم تجد رداً تخبرهم به.
فصمتت.
كل يوم أصبحت تتعلم وترى أشياء لم تراها من قبل.
وبدأت تخبر نفسها "حياة الرفاهية والغطرسة انتهت يا حياة."
وأفاقت على جملة منار الأخيرة.
"متقلقيش، محدش بيشوفنا من الموظفين غير بتوع الأمن، لأننا بننضف الشركة بعد انتهاء العمل."
وكأن هذا ما كانت تنتظره وأرادت منار أن تطمئنها به.
فلم يكن ذلك الأمر يشغلها، ولكن أصبح ما باليد حيلة وستتحمل إلى أن يأتي عمها حسام ويأخذها لبيته.
ثم كما وعدها بوظيفة مرموقة بشركته التي سينشأها هنا.
***
ابتسمت فرح بظفر بعد أن أمر عمران بإقالة كل العاملين.
وجلب آخرين يكونون تحت إشرافها.
ونظرت إلى المبنى الخاص بالملجأ وهدفها الجديد قد بدأ.
فستعطي لهؤلاء الأطفال كل الحنان الذي فقدوه.
ستمحي عنهم قسوة الأيام وستنسي معهم وجعها.
فقد أخبرت عمتها صباحاً أنها لن تعود للقاهرة حالياً.
ولو أرادت الرحيل فترحل.
ولكن عمتها الحنونة أخبرتها أنها لن تتركها.
كما أن الحياة الهادئة والهواء الجميل هنا قد أراحها وستظل معها.
فالمسافة أيضاً بين المزرعة والقاهرة لا تتخطى الساعتين.
***
وصلت حياة أنهكتها غرفتها.
فلم تعد تشعر بقدميها ولا يديها.
لتسرع أمل نحوها.
"أتأخرتي كده ليه يا حياة؟ قلقنا عليكِ."
فابتسمت لها حياة بضعف.
"متقلقيش يا أمل، كان عندي شغل إضافي في الشركة."
فربتت أمل على ذراعها.
فتأوهت.
"أنا آسفة يا حياة، ماله دراعك يا حبيبتي؟"
فلم تعرف بما ستجيبها.
أتخبرها أنها كانت تنظف الغبار وتمسح الأرضيات؟
فتمتمت بهدوء وهي تفتح نور غرفتها.
"لأ، هو وجعني لوحدي. مش عارفة، يمكن أكون اتخبطت فيه من غير ما آخد بالي."
فطالعتها أمل بحنو.
"هتيجي المطبخ تتعشي ولا أجيبلك الأكل هنا؟"
فابتسمت لها وهي تخلع حذائها.
"لو مش هتبعك يا أمل، ممكن تجبهولي هنا."
فأتسعت ابتسامة أمل.
ورحلت وهي تهتف.
"تعبك راحة يا حياة."
***
أغلق حاسوبه بضيق وصورتها اليوم تقتحم عقله.
وكلما رآها تذكر والدها فيزداد مقته عليها.
ونهض من فوق مقعده.
ووقف أمام شرفة مكتبه يُطالع الحديقة الواسعة.
إلى أن وقعت عيناه على أمل تحمل صنية طعام وتتجه نحو غرفة تلك التي تظن أنها هانم هنا.
"فاكرة نفسك هانم يابنت محمود."
وعزم داخله أن يخبرهم غداً أن لا أحد منهم يذهب لها بطعام.
فإذا أرادت شيئاً تأتي لتأخذه.
فهي ليست بهانم وهم خدمها.
أما هي جلست تتناول طعامها بنعاس.
وحمدت ربها أنها صلت فرضها.
فالنعاس يُغلبها.
لتضحك أمل على هيئتها.
"شكلك تعبتي النهارده يا حياة."
وتسألت.
"أومال هتعملي إيه لو كنتي بتشتغلي زينا؟"
فأرتشفت حياة الماء وهي تود أن تخبرها أن لا فرق بينهم.
ولكن كما اعتادت الصمت هو الأنسب دوماً.
"شكراً يا أمل، الحمد لله شبعت. تسلم إيدك."
فحملت أمل الطعام وودعتها.
لتذهب هي نحو فراشها.
وضمت وسادتها إليها وشرعت في البكاء إلى أن غفت.
رواية ودق القلب الفصل الخامس 5 - بقلم سهام صادق
أعتادت على عملها حتى أنها كوّنت صداقات مع الموظفين، وبدأ الكل يُقدرها ويُحبها. شهر قد مر دون أن تشعر به.
لم يتغير شيء بحياتها، إلا أنها بدأت تقرأ أكثر عن دينها وعن قصص الصحابة والأنبياء، وظهرت ابتسامة دافئة على شفتيها.
وهي ترى نظرات رامي المحبة لمنار، فيبدو أنها ستُعاصر قصة حب وستنتظر بلهفة النهاية السعيدة.
مدّت قدميها بعد أن خلعت حذائها.
- طلوع السلم من أوله طلع صعب.
لتسمع منار عباراتها فتضحك.
- أنا مش عارفة إزاي تسيبي لندن وتيجي هنا تجربي حظك مع طلوع السلم.
فأقترب رامي منهما بعد أن أعد بعض المشروبات لبعض الموظفين.
- من حظها ونصيبها الحلو.
فتعالت ضحكات منار. فضحك رامي وهو يتأملها.
لتغمز حياة له بعينيها.
- أتريقوا، أتريقوا.
وهتفت ببعض الكلمات الإنجليزية.
لينظر إليها رامي.
- آه، هنبتدي بقى نلطم بالإنجليزي. أنا خريج معهد اللاسلكي اللي هنا، يعني الإنجليزي بعافية شوية يا آنسة حياة.
وكانت هذه هي حياتها معهم. رغم كل ما بها، إلا أنها كانت تضحك من قلبها.
وانتفضوا بفزع بعد أن سمعوا صوت أحد الموظفين يُرحب بأحدهم.
- أهلاً عمران باشا.
وقف من بالمكان احترامًا له، يُطالعوه بغرابة، فمن النادر أن يهبط نحو ساحة الموظفين.
وسار عمران بخطوات مُنمقة ورائحة عطره تملأ المكان.
فهمست منار.
- من حظي ومن نصيبي أتعامل مع عمران العمري فيس تو فيس. محدش فيكم يقرب، ادوني فرصتي.
لم تتمالك حياة ضحكتها ووضعت بيدها على فمها تكتم صوتها. وهذا ما جعل عمران ينظر إليها بنظرات جامدة.
وأقتربت منه منار بعد أن عدلت هندامها، ورامي يُحدق بها بضيق بسبب فعلتها.
- تشرب إيه يا فندم؟
لم يرد عليها، ونظراته كانت تخترق حياة التي ألتفت بجسدها تُداري ضحكتها التي لم تنقطع. ففعلت منار قد ذكرتها بمشهد معتاد رؤيته بالأفلام.
ورحل كما دخل دون كلمة. ومدير أحد الفروع معه يُحادثه بأمر يخص العمل.
- أحم، أحم. ها يا منار، أخدتي فرصتك؟
فدفعته منار برفق.
- فرصة وجتلك لحد عندك. أتريقي.
***
أندمجت فرح في حياتها الجديدة وهي ترسم ابتسامة الأطفال وهم يتجمعون حولها. بل وأصبح الصغار بالعمر ينادونها بـ "ماما". حتى عمتها أصبحت تأتي للملجأ في بعض الأيام.
وأصبحت حياتها هنا هادئة. وبدأت تتعلم عمل المخبوزات والفطائر.
وجاء بذهنها صورة أمجد. فرفعت هاتفها تُفكر هل تُهاتفه أم تنتظر أن يُهاتفها هو.
***
ابتسمت نهى وهي تضع أمامه مشروب الكاكاوالساخن وتجلس بجانبه على الأريكة تُخبره بمواعيد اليوم وتعرض عليه التقارير التي طلب منها مراجعتها.
كان مندمجًا في أحد التقارير. ودون قصد منه دفع المشروب الساخن فسقط عليها.
فأنتفضت نهى تتلوي من الألم.
فأقترب منها بفزع.
- أنتي كويسة؟
فحركت رأسها نافية. لينظر إليها أمجد وهو لا يعلم كيف يتصرف.
- ادخلي الحمام طيب. اتصرفي، شوفي هتعملي إيه.
فسارت من أمامه بحرج بعد جملته الأخيرة. ووقف هو يُحرك يده على شعره بتوتر.
وبعد دقائق خرجت من المرحاض الذي بداخل غرفته بعد أن ارتدت أحد قمصانه الذي يبدو أنه قد خلعه أمس. فرائحة عطره ما زالت عالقة به.
وتقدمت منه تهتف باسمه. فألتف نحوها وقد صعقه هيئتها.
فقد ارتدت قميصه الذي لا يتخطى ركبتيها، وتتآوه من الألم.
وقد تعمدت أن تظهر أمامه بهذه الهيئة. ونظرت إلى ملامحه فوجدته يبتلع ريقه بصعوبة.
وهمست برقة.
- أنا آسفة إني لبست قميصك، بس معرفتش ألبس إيه.
وخطى باتجاه غرفته. ليعود ومعه مرهم للحروق.
فوجدها جالسة على الأريكة ترفع طرفي قميصه وتنحني نحو موضع الحرق وتنفخ بأنفاسها عليه.
كان مظهرها يُشعل الرغبة بداخله. فأغمض عينيه بقوة.
وهو يسب نفسه عندما جعلها مساعدته الشخصية.
وأقترب منها وتنحنح بحرج.
فهتفت.
- الحرق بيوجعني أوي.
فأشارت إلى البقعة الحمراء الملتهبة. وقد تعمدت فعل ذلك. صحيح أن المشروب كان ساخنًا، ولكن لم يكن مؤذيًا.
وأعطاها المرهم قائلاً.
- تحبي أعملك إيه يا نهى؟ لو عايزة أوديكي المستشفى، أوك.
ألجمه أسلوبه الفظ الذي تعمد إظهاره حتى يُداري ارتباكه من تأثيرها الذي أصبح طاغيًا عليه.
وسقطت دموعها بمهارة. فتنفس بضيق وجلس بجانبها.
وفجأة وجدها تحتضنه وتبكي، متشبثة به بقوة.
لحظات مرت وهي بتلك الوضعيّة وهو رافع ذراعيه بعيدًا عنها. إلى أن استسلم لرغبته واحتواها بين ذراعيه.
- هش، خلاص. قوليلي بتعيطي ليه دلوقتي.
وعندما شعرت بيديه على ظهرها، علمت أن البداية قد بدأت. ورفعت وجهها نحوه، ليُطالعها بنظرات مشوّشة.
هـيئتها قد ازدادت إثارة خاصة عندما ازدادت وجنتاها احمرارًا ودموعها انسلبت على وجهها.
وأقتربت شفاههما وكادت أن تتلامس، إلا أنه انتفض وابتعد عنها بعد أن سمع رنين هاتفه.
***
جلس على مكتبه بغضب.
وكلما لاحت صورتها أمام عينيه وهي تضحك، ازداد حنقه منها. فهو قد وظفها بتلك الوظيفة حتى يكسرها ويقضي على ذلك اللمعان الذي في عينيها.
ولكن لا شيء يؤثر بها. في منزله جعلت الخدم يحبونها ويعتبروها شقيقة لهم. وهنا اندمجت مع زملائها وكونت صداقات.
وصرخ عاليًا وهو يضرب بقبضتي يديه على مكتبه.
- أكسرك إزاي يا بنت محمود؟
وبينما هو يفكر في كسرها، كانت تضع هاتفها على أذنيها تدعو الله أن لا يكون الرد كما اعتادت. ولكن كان كما لم ترغب. فهاتف صديق والدها ما زال مغلقًا. حتى فرح لم تعد تفتح حسابها الشخصي.
***
وضعت مها أمامه الأوراق وهي تتمنى أن يرفع عينيه التي أسرتها ويتطلع بها. ولكن منذ فترة وهو أصبح يتجنب النظر إليها. حتى ملاطفته التي ظنتها يومًا أنها كلمات غزل، ولكن الحقيقة التي عرفتها مؤخرًا هو معتاد على تلك الملاطفة مع الجميع، ليس هي فقط.
- شكرًا يا مها. اتفضلي أنتِ.
فوقفت مرتبكة قليلاً، ثم غادرت على استحياء. فالبعض بدأ يلاحظوا نظراتها له، حتى عمران. ولكن هو لا شيء يتحرك به.
وبعد أن غادرت، رفع مروان وجهه عن حاسوبه الشخصي.
- كده أحسن يا مها. المعاملة الرسمية بتريح الدنيا. ولا واحدة تيجي تقولك بحبك ولا تفتكر إنك عشمّتها بحاجة.
وعاد إلى متابعة ما كان يُركز عليه. وقلبه ما زال ساكنًا.
ما هي كانت جالسة تقضم أظافرها تُفكر لما أصبح يتعامل معها هكذا؟
***
صعدت الدرجات بتعب وهي تحمل دلو الماء بيد، وباليد الأخرى دلو آخر تحمل به المنظفات. ووقفت تُطالع الممر الطويل الذي عليها تنظيفه.
وبدأت تُنظف والعرق يصب من فوق جبينها. وشعرت بألم قدميها، فهي ما زالت في بداية المهمة.
وقف يُطالعها. فاليوم تعمد أن يراها هكذا. يريد أن يرى كيف تتألم وهي تعمل.
وأقترب منها، فكانت تُعطيه ظهرها مُنهمكة فيما تفعله.
وفجأة صدح رنين هاتفها. لتُخرجه من جيب زيها الخاص بالتنظيف، فهي لم تتركه وسط حاجتها الشخصية وقررت وضعه بملابس العمل.
ونظرت إلى المتصل بفرح.
- كوكو. لقد نسيتني بعد أن عاد الحب إليكِ مجددًا يا جميل.
وضحكت وهي تستمع لتوبيخها تارة وخجلها تارة أخرى.
وكان هو يستمع إلى الحديث بصمت. يُتابع حركتها ومرحها.
إلى أن ارتسمت ابتسامة ساخرة على محياه. بعد أن سألتها من تُحادثها عن عملها، لتُخبرها حياة بكذب حتى لا تجعلها تقلق عليها.
- العمل جميل وممتع يا كوكو. إنني أجلس على مكتب خاص بي ولدي سكرتيرة أيضًا. سأصبح صاحبة المكان بعد مدة قصيرة عزيزتي.
كانت تتحدث وتضحك. إلى أن انتهى الحديث. وألتفت بجسدها قليلاً كي تُتابع عملها.
وشهقت بفزع وهي تراه يقف على مقربة منها. ويضع يديه في جيبي سرواله ويقف يتأملها ساخرًا.
ثم عاد من حيث أتى.
لتضرب هي جبهتها.
- غبية يا حياة. أكيد سمعك دلوقتي.
***
ضم والدته بحب وهو يُداعبها بحديثه المرح.
- يا ماما، هتفضلي لحد إمتى شايلة هم عمران. ابنك يا ستي عاجباه حياته كده.
تنظر ليلي إليه وتنهدت بحسرة.
- أخوكي بيكبر والعمر بيجري يا بني. نفسي أفرح بيه وأشيل عياله.
هتف أمجد بدعابة.
- طب ما تجوزيني أنا وأفرحي بعيالي.
وعند آخر جملته، أردفت فرح نحوهم. فطالعها أمجد بغمزة، فأرتبكت. لتبتسم ليلي وهي تتمنى أن يحدث ما ترغب به.
وظنت فرح أنه يقصدها هي كما ظنت والدته. وشعرت بالطمأنينة.
وهم لا يدركون أنه جالس شارداً بأخرى.
***
أكلت طعامها بنعاس. ورغم أن الوقت ما زال مبكرًا، إلا أن العمل اليوم كان مرهقًا بشدة.
فربتت منيرة على ظهرها بحنان وهي تُطالعها.
- يا حبيبتي يا بنتي. بتتتعبي في الشغل أوي.
فنظرت أمل ونعمة إلى بعضهما. وهم يتأملوا حياة التي تأكل بنصف عين.
ثم انفجروا ضاحكين.
لتتسأل نعمة.
- اشمعنى الأيام دي اللي في الأسبوع بتتأخري فيها يا حياة؟ والأيام التانية بتيجي بدري.
فانتبهت حياة لسؤال نعمة. وما أنقذها من الإجابة هو صوت عمران القوي وهو يهتف باسم نعمة.
فتنهض نعمة. وتنظر إليهم وهم يكملوا طعامهم.
فتتمتم بشبع.
- الحمد لله.
لتتعجب أمل من نهوضها وهي بالكاد أكلت القليل من طعامها.
- رايحة فين يا حياة؟ أنتي لسه مكملتيش طبقك.
فتأتي نعمة في تلك اللحظة تضرب كفوفها ببعضها بضيق.
- الست نيرة جاية دلوقتي. ونعمل حسابها في العشاء معاها.
فأتقع وجه أمل. ونظرت إليهم حياة بدهشة لكرههم لها.
- انتوا مبتحبوهاش ليه؟
فجلست نعمة على مقعدها مجددًا.
- لأنها متتحبش أصلًا.
وكادت أن تنصرف بعد أن شعرت بعدم تحملها أكثر.
- تصبحوا على خير بقى يا قطاقيط.
فضحكوا على ما نطقته. لتهتف أمل.
- عشان قطاقيط، دي إن عملتك الكيكة اللي وصفتهالي من وصفات الست كوكو.
فشهقت حياة غير مصدقة.
- عملتيها بالشيكولاتة؟
فابتسمت أمل وهي تمضغ طعامها. وأشارت نحو شيء.
فنظرت حياة إلى ما تُشير، فكانت الكعكة ما زالت تنضج.
- عشر دقايق بس.
وغمزت بعينيها.
- ولا عايزة تروحي تنامي؟
فحركت حياة رأسها كالأطفال وعينها بأيديها كي تزيل نعاسها.
- أنام مين؟ لاء، أنا هقعد أهفهف.
ضحكت منيرة. وبعد دقائق كانت نعمة تُحضر ما عليها تحضيره لأجل الضيفة والسيد عمران.
ونهضت أمل تنظر إلى الكعكة بسعادة لإتمامها المهمة بنجاح.
- أمل تعالي ساعديني، عشان نحضر السفرة.
نظرت أمل إلى حياة الجالسة وقد نسوا جميعًا ما أمر به عمران.
- روحي ساعديها يا حياة الله يسعدك. لحد ما أجهزلك الكيكة.
فابتسمت حياة. وبدأت تُساعد نعمة. وأردفت إلى داخل الحجرة الواسعة الخاصة بالطعام. ولم تنبهر قط لأنها كانت معتادة على رؤية ذلك قديمًا. وبدأت تذهب وتأتي وهي تحمل ما تُحضره نعمة. ونظرت إلى ما فعلته برضى.
وخرجت تتأمل أثاث المنزل حولها. فهي لم تدخله إلا عندما أتى بها صديق والدها. ومن يومها حدودها نحو المطبخ ومن الباب الخارجي ليس أكثر.
وأنصدمت بجسد صلب. فشهقت مبتعدة.
فظل عمران ساكنًا بملامح جامدة دون أن يهتم بأنها كانت من الممكن أن تقع.
وتمتمت باعتذار.
- ما أخدتش بالي.
فسألها بجمود.
- كنتي بتعملي إيه هنا؟
- كنت بساعد نعمة. وأشارت نحو حجرة الطعام. فأدرك مقصدها.
وأنصرفت من أمامه وهي تشعر بالخجل من حماقتها. فلولا شرودها ما كانت اصطدمت به.
ليقف عمران يزفر أنفاسه بغضب. ثم صدح صوته عاليًا.
- أمل.
فتأتي أمل على صوته سريعًا. ونظرت إليه بقلق.
واتبعته وهو يتجه نحو مكتبه. ليهتف بنبرة حازمة.
- أنا مش قولت البنت دي متدخلش البيت هنا خالص. وحدودها المطبخ بس.
وكادت أن تتحدث أمل لنسيانها الأمر. إلا أنه.
- البنت دي أكلها يروح لها في أوضتها. مفهوم؟ مش عايز ألمحها هنا تاني.
فصعقت أمل من أمره وتمتمت.
- يا فندم.
وتمنت أن تخبره أن هي السبب. ولكن نظراته الباردة جعلتها تخشاه.
فحركت رأسها بالإيجاب. وذهبت وهي تفكر بتلك الأخرى.
وخرجت مطأطأة الرأس. فيُحرك بيده على ذقنه بغضب.
ووجد نيرة تدخل إليه بملامح متعجبة.
- مالك يا عمران؟ إيه اللي حصل؟
***
حدقت أمل بحياة التي تأكل الكعكة وتضحك مع كل من منيرة ونعمة. ونعمة تضع لها بالمزيد فتأكل حتى أصبحت لا تستطيع التنفس.
ورفعت بوجهها نحو أمل المُرتبكة.
- تسلم إيدك يا أمل، طعمها طلع يجنن. هقول لكوكو إنك تفوقتي عليها.
وضحكت وهي تتخيل ملامح العجوز كريستين عندما تخبرها بهذا.
- ممكن تركبي أول طيارة على مصر وتيجي تعملك اختبار قدرات.
فتعالت ضحكات كل من منيرة ونعمة. وأبتسمت أمل وداخلها يتساءل.
- ليه بيعاملها كده؟ ده حتى البيه اللي جابها وصى عليها. عمران بيه عمره ما عامل حد بالطريقة دي. ده ولا كأنه قلبه حجر.
وتأملت ملامح حياة. ونهضت حياة من على مقعدها واتجهت إليها تُقبلها ثم وضعت بيدها على بطنها.
- مش قادرة أتنفس. ربنا يسامحك يا أمولة.
وأخذت كوب الشاي الذي كان موضوع أمامها. وبدأت ترتشفه وهي تُشاكسهم.
فقد طار النعاس وذهب وجع جسدها مع كل هذا الدفء الذي أصبحت تشعر به بينهم.
وبعد وقت ليس بالقليل ودعتهم بمرح كعادتها. لتنظر منيرة نحو أمل التي تقف مرتبكة منذ مدة وكأنها تُريد أن تقول شيئًا.
- مالك يا أمل؟ هو البيه قالك حاجة ضيقتك؟
فتَحمل أمل الأطباق المتسخة كي تنظفها.
- عمران بيه أمر إننا نبعت لحياة الأكل في أوضتها.
فعم الصمت في المكان متعجبين من هذا الأمر.
- وقال مش عايز ألمحها جوه الفيلا هنا تاني.
***
وقفت تتأمل الحديقة الواسعة بأستمتاع. وشعرت بوجع في معدتها بسبب ما أكلته.
وأنحنت نحو بطنها تدُبّب عليها بيدها.
- لازم تتفجعي أوي كده؟ أهو مش قادرين نتنفس.
ونظرت إلى المسافة التي بينها وبين حجرتها. وألتفت حولها فلم تجد أحدًا.
وركضت ذهابًا وإيابًا لثلاث مرات.
كان يقف أمام شرفة مكتبه يتأملها. ففي البداية كان متجه ليجلس على المقعد الذي خلف مكتبه. ولكن رؤيتها هكذا جذبته. فبدأ يُطالعها ونيرة تتحدث معه عن أحوال الشركة، الصفقة التي لابد أن يستعدوا من أجلها.
ف نيرة أصبحت تُدير شركة الأدوية بعد أن توفي مازن شقيقه، وهو أصبح مراقبًا ليس أكثر. فمجال الأدوية لم يستهويه يومًا.
وبسبب ثقته بها ومعرفته لقدراتها ما كان عرض عليها ذلك. بجانب أنها ابنة أعز أصدقاء والده رحمه الله. فوجد أنها الأنسب، فهي تعد من العائلة. كما أنها أتمت دراستها بأمريكا حتى حصلت على الدكتوراه.
وضحك بخفوت. لتتعجب نيرة التي وقفت خلفه لتُطالعه على أمر ما في الأوراق.
- بتضحك على إيه يا عمران؟
فألتف عمران إليها. ووقف أمامها بطوله الفارع وجسده الذي ينبض رجولة ووقار.
فأرتبكت قليلاً. لينظر إليها عمران وهو يطرد من عقله ما رآه وجعله يضحك دون شعور.
فبعد أن أنهت ركضها، عادت تنظر يمينًا ويسارًا وهي أمام حجرتها. هيئتها وهي تميل مُلتفة هنا وهناك جعلتها أشبه بالسنجاب. ورغم بعد المسافة، إلا أن الإضاءة التي أمام حجرتها جعلتها مرئية بالنسبة له.
وأنتظرت نيرة رده، إلا أنه لم يجيب عليها إلا بما يتعلق بالعمل.
***
وقفت فرح أمام المزرعة الفخمة التي لا تقل فخامة عن مزرعة عائلة العمري. وأقتربت من الحارس الجالس أمامها متسائلة.
- ممكن أقابل صاحب المزرعة.
نظر إليها الحارس بملامح باردة وهو يرتشف من كوب الشاي الذي تتصاعد أبخرته.
- مسافر.
تنهدت فرح بضيق من تلك الطريقة التي يُحادثها بها ذلك الرجل. وعندما لاحظ نظراتها نحوه، ربت على بندقيته.
لتهتف داخلها.
- فكرني هخاف من البتاعة دي.
وحاولت أن تستجمع كل هدوئها من أجل الحديث مع ذلك الرجل العجيب الذي بدأ يُداعب شاربه.
- وهييجي إمتى؟ ممكن أعرف؟
نظر إليها بنظرات ضيقة وهتف بقرف.
- معرفش.
فصدح صوتها عاليًا بعد أن لم تعد تحتمل.
- الصبر يا رب.
وألتفت بجسدها قليلاً. ثم عادت تنظر إلى الجالس بكل غطرسة وغلظة وهي تفكر كيف ستصل إلى صاحب تلك المزرعة. فهي تحتاج الأرض التي بجانب الملجأ كي تعمل على توسيعه. وعندما سألت عن صاحبها علمت أنها ملك عائلة القاضي. صاحب تلك المزرعة.
رواية ودق القلب الفصل السادس 6 - بقلم سهام صادق
أرتدت حذائها بسرعة بالغة كي تلحق موعد الإفطار معهم ثم تذهب إلى عملها. حملت حقيبتها الصغيرة بعد أن هندمت حجابها واتجهت نحو باب الغرفة كي تفتحه، لتجد نعمة تحمل صينية فطور وكانت للتو واقفة أمام باب الحجرة.
تأملتها حياة بدهشة ونظرت إلى أطباق الطعام.
"لمين الفطور ده؟"
فابتسمت نعمة وهي تردف لداخل الغرفة، وأعادت الحديث الذي اتفقت عليه مع كل من أمل ومنيرة كي لا يخبراها بالسبب الحقيقي.
"حبينا ندلعك شوية يا حياة ونجبلك الأكل لحد عندك."
وألتفت نحوها بعد أن وضعت صينية الإفطار.
"ولا أنتي مبتحبيش الراحة؟"
فأقتربت منها حياة مبتسمة دون أن تعي شيئاً.
"بس أنا بحب الأكل معاكم في المطبخ، ولو على الدلع فأنا مش عايزة أدلع."
تأملتها نعمة قليلاً، لتجد أن الأمر الذي سينقذها أن تتحجج بعملها.
"معلش يا حياة لازم أرجع المطبخ عشان أحضر فطار البيه."
وسارت بخطوات سريعة هاتفة:
"افطري وسيبي الصينية، هاجي أخدها متقلقيش."
واختفت نعمة من أمامها قبل أن ترد.
نظرت حياة إلى الطعام، وجلست تأكل دون شهية ولكن لم تفكر بالأمر، فاعتبرته تدليلاً منهم.
***
قبلت فرح عمتها الجالسة في الحديقة تحتسي كوب الشاي خاصتها وتستمتع بالهواء النقي.
فابتسمت ليلي بحنان.
"رايحة الدار يا فرح؟"
فجلست تحتسي فنجان القهوة معها.
"أيوه يا عمتو."
زفرت أنفاسها بارتباك.
"عمتو لو عايزة ترجعي القاهرة وقلقانة عليا، ارجعي. أنا اتعودت على العيشة هنا وحاسة براحة ومعنديش استعداد حالياً أرجع."
مالت ليلي بجسدها، وربتت على يدها بحنو.
"مين قالك إني عايزة أرجع؟ ما أنا قولتلك إني حبيت العيشة هنا. ولو على عمران وأمجد، فمدام أنا مرتاحة في مكان هما كمان بيبقوا مرتاحين."
فازدادت سعادة فرح، برغبة عمتها في العيش هنا.
***
سارت نحو سيارتها وهي تعبث بهاتفها، ووضعت الهاتف على أذنها لتنتظر رده.
ليأتيها صوت أمجد الناعس.
"عايزة إيه يا مزعجة؟"
فابتسمت فرح وبدأ قلبها يخفق بهيام وهتفت بمزاح وهي تقف بجانب سيارتها.
"المزعجة عايزة خدمة صغيرة أد كده."
فضحك أمجد بقوة، بعد أن اعتدل بجسده.
"أنا قولت برضه كده، أنتي متعرفنيش غير عشان مصايبك. قولي يا هانم."
فضحكت وبدأت تقص عليه حكاية الأرض التي تريد شراءها، واسم صاحب المزرعة تلك.
تنهد أمجد بعد أن استمع إليها.
"حاضر يا فرح، كل اللي انتي عايزاه هيحصل. هتكلم مع عمران والأرض هتكون ليكي."
وعندما أخبرته أنها ستشتريها من حسابها الخاص، صدح صوت أمجد.
"اقفلي يا فرح بدل ما أزعلك."
وابتسمت بعد أن أغلقت معه الهاتف، فأبناء عمتها دوماً كانوا فخرها. وتلك التربية تعود إلى جدهم الرجل الصعيدي ووالدهم، فكانوا رجالاً حتى وهم أطفال.
وجاء بذهنها صورة أمجد، وقلبها بدأ يتمنى أمنيته المعتادة.
***
كانت تركض على الدرجات الخاصة بمدخل الشركة، وفي تلك اللحظة كان يسير هو موازياً لها، وخطت بخطوات سريعة فتجاوزته، لتنصدم بكتف أحد الرجال دون قصد منها.
فيعتذر الرجل، وتبتسم وهي تقبل اعتذاره، فهي أيضاً مخطئة ولم تكن تعي تلك النظرات القاتمة التي يُطالعها بها عمران، فهي من الأساس لم تراه بسبب هرولتها كالأطفال.
وقبض على يده بقوة.
"متهورة."
وأكمل خطاه المتعجرفة ونظرات موظفينه تخترقه، وخاصة النساء، فلا أحد يصدق أن هذا الرجل لم يتزوج إلى الآن رغم كل ما يمتلكه من مال.
***
وقفت مها تستمع إلى كلماته الحازمة، فمروان الرجل الذي أحبته ووقعت بغرامه قد تحول وأصبح نسخة لرجل لا تعرفه. أصبح لا يبتسم بوجهها حتى، ولطافته في الحديث لم تعد.
وشعرت بوخز بقلبها، وجمعت الأوراق التي وضع إمضاته عليها، فهو الآن أصبح مديرها المباشر بعد أن ألقى عمران على كاهله كل الأعمال.
وغادرت الغرفة وهي تحارب دموعها، وعقلها يخبزها: "انتي من رسمتي أوهامك بنفسك، فلتتحملي."
فهي من ترجمت نظراته وابتسامته لها كأنها خاصة بها وحدها، كأنها نظرات عاشق، ولكن هو كان يتعامل بطبيعته.
وعندما غادرت نظر مروان إلى طيفها.
"انتي بالذات يا مها، لاء."
فمنذ أن عملت معه وهو يراها كالملاك، رغم أنها بدأت تتغير تدريجياً لتصبح مسخاً من هؤلاء النسوة اللاتي يعرفهن.
***
خرج أمجد من غرفته وشعره مازال رطباً من أثر الاستحمام، لترفع نهى وجهها نحوه بعد أن وضعت طعام الفطور الخاص به، فمن مهمتها كمساعدة شخصية أن تأتي في العاشرة لتعد له الفطور وتبدأ بمراجعة أعماله اليومية. وعندما شعر بنظراتها الشاردة نحوه، اقترب منها يفرقع أصابعه أمام عينيها.
فارتبكت نهى، ليضحك أمجد.
"صباح الخير يا نهى."
فابتسمت نهى وهي تتجه نحو المطبخ مجدداً كي تجلب قهوته.
"صباح الخير يا فندم."
وقفت تنتظر إعداد القهوة من الماكينة الخاصة بها، وهي تتساءل متى ستصل لغايتها. ولم تشعر به داخل المطبخ، فقد جاء ليجلب له كأس ماء له بعد أن هتف باسمها مراراً، ولكن بسبب شرودها لم تسمعه.
شهقت بفزع وهي تسمع صوته القريب منها، ليضحك أمجد على هيئتها.
"آسفة يا فندم، أصلي سرحت شوية."
فتناول أمجد كأس الماء وبدأ يرتشف منه.
"مش مهم خلاص."
وقبل أن يكمل كلامه كانت القهوة تفيض من الكوب الموضوع أسفل الماكينة، لترتبك بعد أن سمعت صوته يلفت انتباهها. وأسرع يغلق الماكينة ثم جلب المناديل، يُجفف ما فاض.
فأقتربت منه تشتم نفسها على غبائها.
"آسفة، مكنتش أقصد."
فتمتم بهدوء بعد أن جفف يديه.
"مفيش مشكلة."
ونظر إليها وهي مرتبكة، فقد كان ارتباكه يقوده لمشاعر لا يريدها أن تحدث. وخرج سريعاً من المطبخ كي يصرف عيناه عنها.
فتأملته وهو يغادر بضيق، فكلما شعرت بأنها نجحت، خاب أملها. وأنهت تنظيف ما سببته ثم أعدت له القهوة من جديد.
فوجدته جالس يتناول إفطاره، وينظر إلى الجهاز الإلكتروني يتصفح أخبار اليوم ويشاهد آراء متابعينه عن حلقة أمس.
ووضعت القهوة أمامه، وجلست تخبره عن أعماله اليوم.
لا يعلم لماذا أراد أن يظل يتأملها وهي هكذا، وتأملها بصمت وهو يحتسي قهوته. وعندما رفعت عيناها عن الجهاز الخاص بعملها توترت قليلاً وهي تراه يُحدق بها. وسقطت خصلة من شعرها المصبوغ وكادت أن ترفعها.
فأقترب هو منها ولامس وجهها ثم رفع تلك الخصلة وهو يطالعها.
"لون شعرك الحقيقي إيه يا نهى؟"
تمتمت نهى بحرج، ويداه مازالت على وجهها.
"أسود."
فأبتسم وهو يطالع ملامحها.
"هيكون أحلى على فكرة."
فتسعت ابتسامتها لا إرادياً، ليجد نفسه دون شعور يدنو منها يُقبل وجنتها برقة.
وكانت هذه أول خطواتها نجاحاً.
***
أنهت حياة عملها وقررت أن تتجول قليلاً قبل أن تعود لمكان إقامتها. وعندما عرضت على منار ذلك كانت الأخرى سعيدة، فهم اليوم ليس لديهم وردية ثانية والتي تنهكهم بسبب تنظيف الشركة.
"هديكي أفخم حتت للهدوم بس هنتفرج بس."
تابعت ضاحكة.
"مش هنقدر إحنا على الأسعار دي."
فابتسمت وتذكرت حياتها السابقة والثراء الذي كانت تعيش فيه، وكيف كانت ملابسها جميعها تحمل العلامات التجارية الفخمة.
وتجولوا وهم يأكلون المثلجات ويطالعون الملابس المعروضة بفيتارين المحلات، لتهتف حياة بمنار.
"منار، إيه رأيك في الفستان ده؟"
فحدقت منار بسعر الفستان بصدمة.
"حلو بس غالي أوي يا حياة على ناس زينا."
وجذبتها من ذراعها وهي تتابع.
"بلاش تتفرجي على حاجات مش قدنا وتتحسري."
فوقفت حياة وهي تلتف للمحل مرة أخرى.
"وأتحسر ليه؟ أنا مش هتحسر، أنا هجمع المبلغ وأشتريه بس بعد شهرين كده."
فنظرت إليها منار قليلاً ثم ضحكت.
"والله يا حياة أنا ساعات كتير بحسك طفلة."
وتسألت.
"انتي قولتيلي عندك كام سنة؟"
فابتسمت حياة وهي تسير أمامها.
"عيب تسألي ليدز عن سنها، ثم تابعت ضاحكة.
"على العموم 23."
وما كان من منار ثم أن انفجرت ضاحكة.
"ماشي يا ست ليدز، يا اللي جيالنا من بلاد بره."
وانقضى اليوم وهم يمزحون ويتجولون، فذهبت كل منهما بطريقها المختلف. وكانت لأول مرة منار تسألها عن مكان إقامتها، وعندما علمت بالتجمع الذي تعيش فيه كان ردها.
"طلعتي غنية من ورايا يا حياة."
ولكن حياة أفهمتها وضعها بأنها تعيش مجرد ضيفة إلى أن يعود صديق والدها دون أن تخبرها بهوية من تعيش معه، ففي النهاية هو صاحب الشركة التي تعمل بها.
***
جلست حياة على فراشها بإنهاك وهي تخلع حذائها، ثم بدأت تفرك قدميها بتعب، وتمددت على الفراش وهي تتذكر الفستان الذي أعجبها تصميمه ولونه، حتى أنها بدأت ترسم نفسه به وهي ترتديه، فقد كان فستان للمحجبات ذات تصميم عصري محتشم.
وتذكرت سعره، وبدأت تحسبه بعقلها من مال تقضيه ومال توفره، فقررت أن توفر كل شهر من راتبها الذي يأخذ أكثر من نصفه سيارة الأجرة التي تأخذها في الذهاب والعودة، فهي تجهل الطرق ولا تعرف كيف تركب المواصلات العامة كما أخبرتها منار سابقاً أنها أوفر لأمثالهم.
وضربت جبهتها وهي تتذكر الهدية التي ستجلبها لمنيرة، فعيد الأم على مقربة، وكل من نعمة وأمل أخبرتها أنهم يجلبون لها هدية في تلك المناسبة لأن منيرة ليس لديها أطفال.
فمنيرة الوحيدة التي تعيش هنا منذ أن كان زوجها يعمل سائقاً لوالد عمران إلى أن توفاه الله.
وقطع شرودها صوت طرقات على باب غرفتها، لتذهب لفتحه متذكرة موعد العشاء، ووجدت أمل تحمل صينية الطعام.
وأردفت للداخل دون كلمة ثم وضعت الطعام.
فنظرت حياة إلى الطعام ثم إليها.
"أوعي تقوليلي زي نعمة إنكم بتدليلوني وعايزين راحتي."
فابتسمت أمل بارتباك وهي تشعر بالضيق من هذا القرار، ولأول مرة تشعر بالحنق منه، وأكثر ما يحيرها أن هذا ليس من طباعه، فلو كانت السيدة ليلي هنا لقد أفهمتهم سبب تصرفه، حتى أنها لن تسمح بهذا، فهي طيبة القلب تكرم ضيوفها بشدة، ولكن هذا الأمر به شيء عجيب.
وأقتربت حياة من أمل وصرخت بوجهها، لتفزع أمل من تصرفها الطفولي، فأنفجرت حياة ضاحكة.
لتوقظها أمل بخفة.
"الأكل أه، عايزاكي تخلصيه كله."
وخطت بخطوات سريعة نحو الخارج.
"وزي ما نعمة قالتلك بندلعك يا برنسيسة حياة."
***
قضمت فرح أظافرها وهي تزفر أنفاسها بغضب، فأمجد وعدها أن يأتي اليوم وقد أخلف وعده لأول مرة.
ورفعت هاتفها كي تهاتفها، فموعد برنامجه قد انتهى منذ ساعة وأكثر، وبدأ الرنين يعلو ولكن لا مجيب.
نظر أمجد إلى هاتفه الذي يهتز، ولم يُكلف نفسه عناء بأن يرى المتصل، ذهب حيث الأريكة المفضلة لديه وأخذ أحد كتب الأدب الإنجليزي وبدأ يقرأ، ومع كل صفحة يطويها، كان يتذكر ما حدث اليوم وقربها منه.
***
تجلس على فراشها الصغير بالغرفة المشتركة مع شقيقتها الصغرى وعيناها مثبتة بالفراغ، تسمع ضحكات شقيقتها الصاخبة ثم همساتها وهي تحدث خطيبها وكأنها تخاف أن تستمع لحديثهما. وأغمضت عيناها وهي تحاول أن تغفو ولكن النوم أبى أن يأتيها.
وعندما سمعت همس شقيقتها لخطيبها وهي تخبره بأنها تحبه أيضاً، تمنت أن يأتي يوم وتسمع تلك الكلمة. وبدأت تشعر بوخزة مؤلمة في قلبها عندما تذكرت مديرها الذي أصبح متباعداً بشدة بعد أن أعطاها بصيصاً من الأمل أن يكون يبادلها نفس المشاعر، ولكن طار كل شيء وأصبح كالطيف الجميل.
وشعرت بجفونها تتثاقل إلى أن سقطت في نوم حالم.
أما هو، كان يجلس في صخب عالٍ يضم إحداهن لأحضانه، ويهامس معها بكلمات محببة.
فتضحك تلك وهي تقبله على أحد خديه.
"تعرف أكتر حاجة شدياني ليك؟"
فضحك مروان بشدة، ونظر إلى كأسه ثم بدأ يرتشفه دفعة واحدة.
"قولي يا روحي."
فتبتسم وهي تطالعه.
"عينيك."
فصدحت ضحكات مروان، وتابعت وهي تتأملهما.
"عينيك لونهم غريب أوي."
وأكملت وهي تحدق بعينيه.
"شبه لون السما وهي صافية."
وبدأ السكر يظهر عليها.
فيضحك على تعلثمها وينهض بها قائلاً: "كفاية شرب بقى، يلا عشان أوصلك."
وكانت هذه حياته، عمل بالنهار كالإله، وليلاً شخصاً آخر.
***
تقلبت على فراشها وهي لا تستطيع النوم، فهي أصبحت تشعر بالقلق من عدم مهاتفة صديق والدها إلى الآن، وبدأت تخاف أن يصيبه مكروه، فلولاه ما رحلت من لندن.
ونهضت من فراشها وهي تزفر أنفاسها، ثم قررت أن تخرج للحديقة، فبالتأكيد الكل نائم ولن يرى أحداً هوايتها الطفولية.
ووضعت الحجاب على رأسها وارتدت فوق منامتها جاكيت صوفي طويل يصل لقبل قدميها بقليل، ثم ارتدت حذائها المسطح، ونظرت للساعة المعلقة، فالوقت في الثانية صباحاً وستُرح وحدها دون خجل.
وخرجت تنظر للسماء الصافية وتستنشق رائحة الزرع، وسارت بخطى هادئة وهي تستمتع بنسمات الهواء المنعشة.
وعندما وصلت إلى المكان المرغوب به، خلعت حذائها وبدأت تسير على الحشائش لتشعر بملمس البرودة في قدميها، فتبتسم وهي مغمضة العينين.
كان يشعر بالأرق رغم أنه متعب الجسد، فنهض من فوق فراشه وقرر أن يخرج للشرفة الخاصة بغرفته، ليتنفس الهواء قليلاً وأخذ يُشعب خصلات شعره بإرهاق.
ووقعت عيناه عليها وهي تخلع حذائها ثم تسير حافية وتبتسم وكأنها ترى متعة بما تفعله.
وظل يتأملها لأول مرة دون كرهه لوالدها الذي يراه فيها.
فحظها كانت تلك البقعة التي تمرح بها هي الجزء الذي تطل عليه شرفته.
ولاندماجها بما تفعله لم تفكر أن ترفع وجهها قليلاً.
وبدأت أنفاسه تعلو وهو يتأمل كل تفاصيل وجهها وجسدها.
ملامحها كانت شرقية ناعمة بها لمسة غربية بسيطة، وأكثر ما يميزها هو وجهها المتورد دائماً.
وعندما وجد نفسه يطالعها بنظرة رجل لامرأة، أردف لداخل غرفته بإزعاج وأغلق الشرفة بإحكام.
ولولا ما حدث لحسام لكان قد بعثها له، فهو لا يطيق وجودها هنا.
وتنهد بضيق وهو يتذكر الخبر الذي علمه أمس.
فحسام قد حدث له حادث ودخل بغيبوبة.
رواية ودق القلب الفصل السابع 7 - بقلم سهام صادق
أندفعت من غرفتها راكضة بعد أن قضمت إحدى اللقم، وأمل تقف تحمل صينية الإفطار الخاصة بها وتضحك عليها. فاليوم قد تأخرت عن موعد استيقاظها، وهذه كانت النهاية.
الهرولة كي تحصل على وسيلة مواصلات وتذهب في موعد دوامها.
ابتسم لها الحارس الذي يقف أمام البوابة الإلكترونية، ثم حياها بابتسامة لطيفة.
خرجت وهي تنظر حولها، لعلها تجد سيارة أجرة تمر، ولكن لا شيء. وأخذت تزفر أنفاسها بقوة، وسارت بخطى سريعة، لعلها تجد سيارة في الطريق أمامها.
كان يفتح له سائقه الخاص الباب الخلفي للسيارة. لينظر عمران إلى ساعته الفخمة، ويتأمل الوقت. فقد تأخر اليوم في استيقاظه، وهذا بسبب أرقه ليلة أمس.
وبدأ يتصفح جهازه الإلكتروني ويُطالع مؤشرات البورصة.
أما هي، فكانت مازالت تقف تنتظر سيارة تقلّها إلى عملها. وجففت العرق الذي على جبهتها.
فاليوم، ولحظها، كانت الشمس ساطعة بحرارتها، رغم أن فصل الصيف لم يبدأ.
وبدأت تيأس من مرور سيارة. وأنبت نفسها:
"عشان تسهري تاني.. والنتيجة أهي صحيتي متأخر."
وزمت شفتيها كالأطفال، وأخذت تلتف يميناً ويساراً.
لتقف سيارة سوداء على مقربة، وسائق يهبط منها ويتجه نحوها. وشخصاً جالس بالخلف يُطالع هاتفه دون النظر إليها، ولكنها عرفته.
وبعد أن أخبرها السائق أن السيد عمران هو من أمره أن يقف إليها.
ابتسمت حياه للسائق، وفي تلك اللحظة رفع عمران رأسه ليرى ابتسامتها التي توزعها دائمًا على كل الأشخاص.
وركب السياره. وهي تحمد الله أنها وجدت من يوصلها.
وتمتمت بخفوت: "شكرًا."
فتجاهل شكرها، وأمر السائق أن يُكمل طريقه.
وأرخت بجسدها على المقعد المجاور للسائق، وهي تشعر بالمتعة. فمنذ زمن لم تركب سيارة فاخرة كتلك، فيبدو أنها حديثة الطراز.
وفتحت حقيبتها ونظرت إلى ما بداخلها، لتجد بسكوتها المملح. فأخرجته من حقيبتها ونظرت إلى السائق.
فهتفت بلطافة: "أتفضل."
فنظر إليها الآخر وهو يشعر بالحرج من سيده الذي يجلس بالخلف. ثم نظر إليها ولم يستطع إحراجها، حتى لو وبخه سيده فيما بعد. فهي فتاة جميلة ورقيقة.
وأخذ منها واحدة وابتسم: "شكرًا يا آنسة."
فابتسمت حياه: "حياه!"
"وأنا اسمي محمود."
وبدأ يأكل من البسكوت. ثم رفع وجهه للمرآة الأمامية ليرى نظرات عمران القاتمة.
فأخفض رأسه بحرج. وأكمل قيادته بتوتر، إلى أن وصلت السيارة أخيرًا إلى الشركة.
ليترجل سريعًا، ويفتح لعمران الباب ويبتسم له باحترام.
ونظر إلى حياه التي ترجلت من السيارة وتُطالع جسد عمران وهو يسير برشاقة.
"مغرور."
فضحك محمود الذي سمعها.
"هو مغرور فعلاً، بس الشهادة لله إنسان محترم، ويعتبر أحسن حد اشتغلت معاه من الوسط ده."
فنظرت إليه حياه، فهو يبدو أنه في الثلاثين من عمره.
وأكمل محمود: "أنا خريج تجارة على فكرة، وبشتغل هنا ضمن سواقين الشركة."
فابتسمت حياه بلطافة وضحكت، وهي ترى خجله من عمله مع شهادته، وأرادت أن تهونها عليه.
"وأنا بشتغل هنا في البوفيه.. قهوة، شاي."
فلم يستطع محمود أن يكتم ضحكاته. وشهقت بفزع وهي ترى أنها تأخرت عن عملها.
"فرصة سعيدة يا محمود."
وخطت بخطوات سريعة نحو الشركة، لتجده يقف في بهو الشركة يُحادث أحد المدراء بجدية. وعندما وقع نظره عليها، ارتبكت وسارت نحو عملها.
***
نظر لها رامي وهي تتقدم نحوهم، وهتف بمزاح:
"تأخير ربع ساعة، وعقابًا لكِ هتقدمي القهوة لعمران بيه النهارده."
فأتسعت حدقتي حياه بدهشة وهي تُطالع منار التي تضحك.
"إنتي عارفة؟ رامي يعتبر أقدمنا، وهو الريس بتاعنا.. متبصليش كده.. ماهو بيعاقبني أنا كمان."
فكشرت حياه بطريقة طفولية وهي تستعطفهم.
"عمران بيه ده لأ.. أنا بخاف منه."
فوقظتها منار بذراعها.
"حد يخاف من القمر ده."
وعضت شفتيها بحالمية، لتنظر حياه نحو رامي الذي أمتقع وجهه وأبتعد عنهم.
وداخلها يهتف: "غبية يا منار."
***
نظرت فرح إلى أمجد بامتعاض، فضحك أمجد على هيئتها.
"الجميل زعلان ليه؟"
فأشاحت وجهها بعيدًا عنه، ثم عادت تُطالع الأوراق التي أمامها.
فجلس أمجد على المقعد الخشبي الذي أمام مكتبها في الملجأ.
"شكلك وحش على فكرة."
وحرك شفتيه بطريقة مضحكة، لتبتسم فرح على فعلته.
"بس بقي يا أمجد."
وقبل أن تبدأ في معاتبته، دخل بعض المشرفين في الدار وعلى وجوههم ابتسامة متسعة. وقالت إحداهن:
"أستاذ أمجد، حضرتك متعرفش إحنا مبسوطين إزاي بوجودك هنا."
وأخرى تحدثت بهيام:
"أنا بحب برنامج حضرتك قوي."
وأخرى مدحته، وأخر بدأ يُطالبه أن يتحدث عن قريته وحاجتها.
كان أمجد يسمعهم وهو يُحرك رأسه بابتسامة تعود على رسمها دوماً.
فكانت تجلس تتأمله بفخر، وقلبها يخفق بقوة في حب هذا الرجل الذي لم يشعر بحبها يومًا. فهي ترى الحب في عينيه، ولكن كشقيقة ليس أكثر.
وانتهى الترحيب الحافل، وطلبت منهم فرح بلطافة أن ينصرف كل منهم لعمله.
فطالعها أمجد بهدوء:
"أنا مجبتش هدايا للأطفال للأسف."
ثم أخرج من جيب سترته دفتر شيكاته، ووضع رقمًا وهو يتساءل:
"قليل ولا أزود؟"
وأغمزت بعينيها بمكر.
"لأ زود يا ابن العم."
فضحك وهو يضع برقم آخر، وأعطاها الشيك، لتنظر إليه برضى ثم مازحته.
"لا ينقص مال من صدقة على فكرة."
فابتسم وهو يعلم ذلك. فهذه تربية جدهم ووالدهم ووالدتهم الحبيبة. فهم عائلة، رغم ما حصدوا من مال طائل واسم مرموق ومكانة عالية، إلا أنهم تربوا على قواعد دنيوية طاهرة ترسخت داخلهم.
وعادت فرح إلى جديتها:
"أنا عايزة الأرض دي يا أمجد، أتصرف."
وتابعت بيأس:
"الحارس بتاع المزرعة كل ما أروح أسأل عن صاحبها يقولي مسافر."
وتذكرت تذمره منها: "تحس إنه بيكرهني."
فضحك أمجد وهو يغمز لها:
"مين ده اللي يكرهك؟ ده انتي ست البنات."
وتحولت جلستهم لمزاح لطيف يعرف قواعد الحدود.
ثم هتف أمجد بوعد:
"أسبوع والأرض تكون ملكك."
فأشارت له بأصبعها:
"خدها بالمعروف يا أمجد، وادفع حقها كامل."
فحرك أمجد رأسه بتفهم:
"أكيد يا فرح، متقلقيش."
ونهض لتنهض هي الأخرى.
"طب يلا بقي عشان أروح لست الكل، أصلها وحشاني أوي."
ثم وضع بيده على أذنه وأكمل بمزاح:
"ووحشني قرصانها."
***
نهض مروان من فوق مقعده وهو يفتح ذراعيه بطريقة مسرحية.
"عمران باشا، أخيرًا افتكرتنا."
فابتسم عمران وهو يتقدم منه، وجلس على المقعد الذي أمامه.
"البركة فيك بقي."
فأشار له مروان:
"تعالى اقعد مكانك، انت البوص الكبير."
فضحك عمران: "اقعد يا مروان، أنا وانت واحد على فكرة."
فجلس مروان وهو يبتسم بحب لصديقه، الذي رغم طباعه الباردة الجامدة، إلا أنه يعلم أن بداخله رجلاً حنون. ولكن المسؤولية التي دوماً كانت على عاتقه بسبب أنه الحفيد الأكبر جعلت منه رجلاً هكذا.
وبعد حديث دام عن العمل والصفقات الجديدة الخاصة بالشركة.
زفر عمران أنفاسه وهو يرخي من ربطة عنقه.
فهتف مروان بقلق وهو يتقدم منه ليجلس أمامه:
"خد لك إجازة يا عمران وارتاح شوية.. انت لو بتعاقب نفسك مش هتعمل كده.. حياتك كلها شغل في شغل."
وتساءل وهو يغمز له:
"أخبار نيرة إيه صحيح؟"
فتجمدت ملامح عمران. فالكل يسأله عن نيرة ومتى موعد الزواج، وكأن شيئًا بينهم. نيرة كفرح ابنة خاله، لا فرق بينهم. هو يعلم بأن نيرة تلتف حوله كالعلقة كي تجذبه إليها، ولكنه أخبرها مرارًا أنه لا يفكر في الزواج، وأن عليها أن تقبل بعروض الزواج التي تتقدم إليها. ولكن في النهاية مازالت تنتظر، وكأنه سيتيقظ ذات يوم من نومه ليجد نفسه يحبها. فهو يعرف نيرة منذ طفولتها بحكم أنها ابنة صديق والدها، ومشاعره نحوها ظلت ثابتة لم تتغير.
وعندما لاحظ مروان صمته، ضحك.
"خلاص بلاش نيرة."
"تعالى اسهر معايا بليل واعرفك على شوية..."
وقبل أن ينطق بالكلمة، عدل عنها لأنه يعلم طباع عمران.
وأنحنى عمران قليلاً نحوه.
"بما أن سيرة السهر جات، مش هتبطل اللي انت فيه يامروان؟"
فنهض مروان من فوق مقعده بتأفف. فدروس عمران ستبدأ الآن.
"اللي يشوفك الصبح.. ميعرفش انت إيه بليل.. سهر وسكر وبنات."
فأمتقع وجه مروان وهو ينفض كلام صديقه من عقله.
"عمران، انت عارف كويس أن عمري ما خلطت شغلي بحياتي الخاصة، ولا حتى اتعديت بكلمة على موظفة هنا. هنا أنا راجل محترم، أما بره الشركة حياتي وأنا حر فيها."
فهز عمران رأسه بيأس ونهض هو الآخر من فوق مقعده. ثم اقترب منه ليبات على كتفه بأخوة.
"عارف يامروان ده كويس.. بس من واجبي كصديق وأخ إني أنصحك.. انسى يامروان اللي فات."
وعدل من ربطة عنقه وهتف وهو يُغادر:
"على فكرة مها بتحبك فعلاً.. مش عشان فلوسك!"
***
كان عائدًا من المزرعة بإرهاق، يقود سيارته بتمهل وهو يحلم بالفراش الذي سيضم جسده. فاليوم كان مرهقًا، فبعد أن ساعد فرح في معرفة هوية صاحب المزرعة والأرض التي لم تعد ملك للمالك القديم الذي كان يعرفوه مسبقًا. وما جعله يشعر بالراحة عندما علم بهوية المالك الجديد، فهو كان أحدى معارف أخيه عمران، وبالتأكيد الأمور ستصبح سهلة معه.
وأخيراً قد وصل بسيارته أسفل البناية التي يقطن بها المشاهير. ليعطي للحارس مفاتيح سيارته كي يضعها في مكانها المخصص.
وسار بخطى هادئة نحو المصعد وهو يتمتم:
"دايمًا تعباني يا فرح."
وصل أخيراً إلى الطابق الذي به شقته، ليجد آخر شخص يتوقعه الآن. فقد كانت نهى تجلس على الدرج وتنتظره وعيونها منتفخة من البكاء.
وأقترب منها بقلق:
"نهى!"
***
نظرت حياه إلى الطعام الذي جلبته نعمة، وهي تتساءل داخلها:
"هما ممكن يكونوا مش عايزيني آكل معاهم؟"
وطردت تلك الأفكار من عقلها.
"لأ مش معقول.. أكيد زي ما بيقولوا عايزين يريحوني."
وعادت تحدق بالطعام بحزن وهي تُحادث نفسها.
"بس أنا بحب آكل معاهم."
وجلست على فراشها وبدأ شريط حياتها القديمة يسير أمامها. إلى أن ابتسمت فجأة وهي تتذكر تلك الجملة التي رأتها اليوم على زجاج إحدى سيارات الأجرة.
"ما ضاقت إلا لفرجت."
وأخذت ترددها وهي تجهل معناها. فهي مازالت تجمع كل معلوماتها على دينها وتفهم ما يُحرمه الله وما يُحله. فللأسف حياتها السابقة كانت تشبه الغرب، رغم أنها كانت تبحث عن كل ما يخص الإسلام وعادات وطنها. ولكن كانت الحياة هناك تجذبها لتكون مسلمة بالاسم فقط. فلا والد ينصح ولا أم موجودة.
وفاقت من شرودها على صوت هاتفها، وهي تأمل أن يكون صديق والدها أو فرح التي افتقدتها. ولكن كانت المتصلة هي كرستين. وأتسعت ابتسامتها، فتلك المرأة تشعر بها دوماً وتبدل حزنها لسعادة وهي تسمع نبرة كرستين الدافئة.
***
وضع أمجد كأس الماء أمامها، ثم جلس بجانبها وهو لا يعلم سبب بكائها هذا. وتمتم بهدوء رغم إرهاقه:
"مش كفاية عياط وقوليلي سبب وجودك هنا."
فنظرت إليه بحرج، ونهضت وهي تحمل حقيبتها الصغيرة.
"آسفة.. عن إذنك."
وسارت من أمامه، فهتف أمجد باعتذار:
"نهى، مقصدش صدقيني.. كل اللي أقصدُه سبب وجودك في الوقت ده بره البيت."
فتأطأت برأسها أرضًا، وهي تتذكر ما حدث معها اليوم من مشاحنة مع زوجة أبيها ولم تجد غير أمجد الذي فكرت به.
فمشاعرها نحوه بدأت تخطو خطوات أخرى. ففي البداية كانت تراه صيدًا ثمينًا ترمي شباكها عليه، ولكن مع الوقت بدأت تشعر بمشاعر لم تعرفها من قبل، وانقلب السحر على الساحر.
وأرتجف جسدها وهي تتذكر الكلام القاسي الذي ألقته زوجة أبيها على مسمعها وهي تخبرها أن والدتها كانت زانية وقد ماتت مع عشيقها، وأنها ستصبح مثلها مجرد عاهرة فاسقة.
والدتها لم تكن إلا امرأة طيبة أحبت رجلاً لم يعرف معنى للرحمة، وفي النهاية كانت ضحية للعبة قد لعبها هو. ولا تعلم إلى الآن كيف كانت لعبته التي أنهت حياة والدتها بالحسرة.
وأقترب أمجد منها بعد أن رأى أرتجافها.
"نهى، اهدي."
وأرتمت على صدره تبكي وتتشبث به وتقص عليه معاملة زوجة أبيها لها وكلامها الجارح دون أن تخبره عن كلامها عن والدتها. ليشعر أمجد بالشفقة نحوها.
فضمها إليه وهو يوشوش لها بأن تهدأ، حتى بدأت تأخذ أنفاسها ببطء ومازالت بين ذراعيه.
ليبعدها عنه قليلاً، فيرى دموعها وهي تتساقط على وجهها.
وبدأ يزيل دموعها بابتسامة هادئة.
"ماسورة دموع وانفجرت."
فابتسمت لا إراديًا لممزحته، وداخلها يُخبرها أن هذا الرجل لا يقع بشباك إحداهن، بل هن من يقعن بشباكه.
***
أخذت تنظف حجرتها وتمسحها. فاليوم هو إجازتها الأسبوعية، وبما أنها أصبحت ماهرة في التنظيف، قررت أن تجعل حجرتها تلمع من النظافة. ووضعت يدها على ظهرها بألم، فهو أصبح يؤلمها. ولكنها تلاشت وجعها ونظرت إلى زجاج الشرفة وبدأت تلمعه. وتعلقت عيناها بالعمال الذين يُعدوا الحديقة لعشاء اليوم الذي سيضم أشخاصًا مهمين. وما علمته من أمل صباحًا، بأن أحد الوزراء قادمين ورجال من الطبقة الراقية والمهمة.
وعندما سألتها هل سيوجد موسيقى ونساء وشراب كما كانت في حفلات والدها، ولكن أمل أخبرتها أن حفلات السيد عمران لا يوجد بها موسيقى، وعندما يكون بها نساء تكون زوجاتهم أو من العائلة ليس أكثر.
فكل ما يهتم به سيدهم هي الضيافة الحسنة والطعام الفاخر والجو اللطيف الذي يصنعه بالحديقة ويجلب من أجله أفضل منظمي الحفلات.
وتمتمت بإرهاق بعد أن أنهت حملة التنظيف.
"هرتاح شوية وهروح أساعدهم."
فهي عرضت على أمل المساعدة، ولكنها أخبرتها أنهم يقومون بتقديم المأكولات والحلويات والعصائر ليس أكثر. فكل شيء يأتي من أفخر الفنادق وما عليهم سوى الضيافة فقط.
ونظرت إلى ملابسها المبتلة وبدأت تعطس، فهي منذ الأمس تشعر ببوادر البرد. وقررت أن تنام قليلاً وحين تستيقظ ستستحم وتبدل ملابسها المبتلة ثم تذهب للمساعدة.
***
وفي بلدًا أخرى، يخرج أحدهم من إحدى المحاكم وهو يحمل صغيره الذي لم يتجاوز العامين. فيركض سائقه نحو السيارة ليفتح له بابها. فيردف للداخل بحذر وهو يضم طفله، وينظر خارجًا نحو تلك التي تقف بأناقة وكأنها لم تنل للتو طلاقها ولم تبيع صغيرها بالمال. وأغلق زجاج السيارة المعتم وهو يُشيح وجهه بعيدًا عنها. ويقود السائق السيارة ببطء.
***
أستيقظت حياه بتعب ونظرت حولها فوجدت أن الغرفة غارقة بالظلام. فأدركت أنها نامت ساعات وليس ساعة واحدة كما رغبت.
ونهضت من فوق الفراش وهي تشعر بألم حلقها، وسخونة أنفاسها.
وأتجهت نحو المرحاض كي تستحم وتصلي ما ضاع من فروضها.
وبعدما أنهت كل ما كان عليها فعله، أرتدت حجابها وقررت أن تذهب إلى المطبخ كي تساعدهم.
وخطت بخطوات بطيئة وهي تتأمل الحديقة المضاءة والتي أصبحت مبهرة ومجهزة للضيوف. وأسرعت بخطاها عندما أدركت أن لا مجال للتمتع الآن بالمنظر، فبالتأكيد الضيوف على وشك الوصول.
ولمحتها أمل وهي تقف مع المنظمين الذين أنهوا أعمالهم وسيُغادرون.
وعندما تذكرت أمر عمران بأنه لا يريد أن يلمحها بالمنزل وحدودها هي غرفتها فقط، فألتزموا بأوامره دون أن يخبروها بشيء. وكان كل ما يقولوه أنهم يُدللوها حتى لا يجرحوها إذا علمت بنبذها.
وأسرعت أمل بخطواتها المتوترة وهي تحمد ربها أنه مازال بالأعلى وليس هنا. وذهبت نحوها هاتفة:
"حياه."
فنظرت إليها حياه بابتسامة شاحبة بعض الشيء.
"جيت عشان أساعدكم في المطبخ."
ومازحتها بمرح:
"بدل ما أنا قاعدة فاضية ومبعملش حاجة."
فابتسمت أمل بتوتر وهي تلتف حولها يمينًا ويسارًا.
ثم جذبتها من مرفقها برفق.
"روحي ارتاحي انتي في أوضتك النهارده أجازتك.. واحنا ياستي مخلصين كل حاجة غير إننا مش هنعمل حاجة غير التقديم."
وسمعت صوت أحد الأشخاص يناديها، فنظرت إلى حياه التي تقف تُطالعها بحيرة بسبب رفضها لمساعدتها.
"حياه روحي أوضتك، الضيوف قربوا يوصلوا والـ بيه منبه إنه مش عايز يشوف حد في الجنينة."
وسارت أمل نحو من يُناديها ومازالت عيناها على حياه الساكنة في مكانها ولا تفهم سبب رفضها.
وألتفت بجسدها كي تعود إلى غرفتها المنعزلة، ولكنها شهقت بفزع عندما رأت أمامها أحدهم.
فضحك أمجد على هيئتها.
"انتي مين؟"
فنظرت إليه بخجل وهي لا تعلم بما ستُجيب عليه.
ويصدح صوت عمران مُهاتِفًا:
"أمجد."
فأرتبكت من سماع صوته، وتطأطأت رأسها بتوتر.
وأبتسم أمجد على هيئتها وسار مبتعدًا عنها ومازحها.
"أنا أمجد.. أخو الوحش اللي كان لسا بينادي."
فابتسمت وهي تُطالعه.
فشتان بينه وبين شقيقه.
رواية ودق القلب الفصل الثامن 8 - بقلم سهام صادق
أقترب من أخيه وهو يضحك كلما تذكر ملامح الفتاه وهي مُرتبكة منه.
نظر عمران إلى المكان الذي كان يقف فيه أخيه معها.
فحدق بها قليلاً وهو يراها تقف تُطالع الطريق الذي يؤدي إلى الباب الخارجي للمطبخ وإلى طريق عودتها لغرفتها.
في نهاية حسمت أمرها وذهبت لغرفتها.
لا يعلم لما أنتباه شعور بالشفقة نحوها.
فيبدو أنها أصبحت تعلم مكانتها وأن وجودها في بيته تقديراً لصديق خاله ليس أكثر.
وشعر بيد أمجد على ذراعيه.
" سرحت في إيه ياعمران؟"
تنهد عمران بحنق.
"الضيوف على وصول."
سار عمران نحو المكان الخاص بالضيوف فأتبعه أمجد متسائلاً.
"مين البنت دي ياعمران؟"
فأخبره عمران باقتضاب عن هويتها وما حدث مع حسام حينما عاد لتصفية أعماله بالخارج.
وكاد أن يتحدث أمجد إلا أن أصوات بوق السيارات جعلته يتبع شقيقه بصمت نحو ضيوفهم.
***
وقفت تنظر من شرفة غرفتها على السيارات وهي تسير للداخل.
فتذكرت تلك المشاهد التي كانت تراها في منزل والدها عندما كان "محمود الرخاوي".
وأبتسمت بشحوب وهي تتذكر والدها وكيف أنتهت حياته.
شعرت بالحزن.
وأتجهت نحو فراشها تجلس عليه وأمسكت بهاتفها داعية الله أن لا تسمع نفس الرسالة.
ولكن كما دوماً تسمع "الهاتف مغلق".
ووضعت بيدها على رأسها لتجد أن حرارتها بدأت ترتفع.
ضربت جبهتها كما اعتادت لأنها نسيت أن تسأل أمل عن علاج لها.
وقررت الانتظار قليلاً.
ثم تذهب إلى المطبخ مجدداً.
***
جلست نيرة بتأفف وهي تستمع لمميزات العريس الذي لم يروق لها عندما علمت بوضعه المادي.
فهو يجلس أمامها يتفاخر بوضعه العلمي والبعثة التي حصل عليها.
وكل من والديها فخورين بشاب مثله.
ولكن هي لا ترى شيئاً مميزاً فيه.
فهو ليس العريس الذي تطمح به فالمال بالنسبة لها هو الأهم.
وجاء بذهنها صورة عمران وهي ترى نفسها بجانبه عروس وتصبح شركة الأدوية التي هي مديرة فيها ملكاً لها وباسمها.
أحلاماً بدأت تسبح فيها وهي مُبتسمة والعريس الذي أمامها يظن بأنها تبتسم له.
حتى والديها أشرقت وجوههم وهم يظنون أن أبنتهم ستوافق على هذا الشاب الذي يروا فيه مستقبلاً باهراً.
***
جلس مروان بجانب أمجد يستمعون إلى الحوار الذي يدور.
ورغم أن أمجد كان يتحدث معهم بلباقة كونه إعلامي معروف إلا أنه انسحب من الحديث وظل يتحدث مع مروان الذي جاء مغصوباً بسبب إصرار عمران.
"أخوك ده هيموت وهو حياته كلها شغل فشغل."
تمتم أمجد وهو يطالع أخيه وكيف يتحدث.
شعور بالفخر يمتلكه نحو ذلك الجالس ولكن شعوره بالأشفاق نحوه كان أكبر.
"عمران بقى شايل كل مسئولية العيلة على كتافه... نفسي يكون أناني لمرة ويفكر في نفسه."
بدأت ضحكات الضيوف تعلو.
ليضحك كلاهما أمجد ومروان وهم لا يعلمان لما يضحكون ولكن المجاملة قد حتمت عليهم أن يضحكوا.
فالوزير يجلس أمامهم ويضحك.
***
خرجت من غرفتها بخطوات سريعة.
وهي تسمع ضحكات الجالسين.
وشعرت بالخوف وهي ترى بعض الرجال بأجسادهم الضخمة.
وكاد أحدهم يقترب منها ليعرف هويتها.
إلا أن نعمة في تلك اللحظة قد لمحتها فهي قد جاءت بالمشروبات لهؤلاء الحراس الخاصين بالوزير.
فسألتها نعمة بقلق.
"مالك ياحياة إيه اللي طلعك من أوضتك مش شايفة الفيلا ملغمة أزاي؟"
و ضحكت بخفوت بعد أن نطقت بالكلمة الأخيرة.
لتضحك حياة بشحوب قد لحظته نعمة.
"انتي شكلك تعبانة... استنيني هنا هروح أشوفلك خافض للحرارة وأجي بسرعة."
وبعد دقائق كانت تأتي لها نعمة بالدواء.
فأخذته حياة شاكرة.
وذهبت لحيث غرفتها فقدماها لم تعد تحتمل.
ومن سوء حظها كان عمران يقف يتحدث في الهاتف وقد رآها.
وأقترب منها بعد أن أنهى مكالمته.
"انتي بتعملي إيه هنا؟ أنا مش نبهت إني مش عايز أشوف حد النهاردة في الجنينة."
فلم تجد إجابة فجسدها بدأ يأن من التعب.
ورفعت يدها الممسكة بالدواء وهتفت بصوت ضعيف.
"كنت باخد من نعمة الدوا ده."
وسارت من أمامه دون كلمة أخرى.
فهو قاسي بنظراته حتى كلامه.
وسقطت دموعها دون شعور منها.
وهي تتمنى أن يأتي صديق والدها بأسرع وقت ليخلصها من هنا.
ووقف عمران للحظات ينظر إليها وهي تتجه إلى غرفتها.
وصورتها الضعيفة تخترق عقله.
فيبدو عليها أنها مريضة فوجهها كان محمراً بشدة من أثر الحمى.
***
وفي ظلام الليل كانت تقف سيارة سوداء فخمة تطلق بؤها.
فأستيقظ الحارس سريعاً وهو يزيل عنه النعاس وخرج من غرفته التي بجانب البوابة ليفتح بابها على مصرعيها وهو يهتف بترحيب.
"أهلاً أدهم بيه."
فحرك أدهم رأسه كتحية له.
ثم أنطلق مجدداً بسيارته إلى داخل المزرعة.
وقفت السيارة ليطالع أدهم المنزل فهو قد اختار أن ينعزل عن الناس لبعض الوقت حتى يعود كما كان.
يعود للرجل الذي كان لا يهزه أي شيء.
يعود لرجل القانون الصارم.
فهو طيلة غربته بأمريكا كان من أشهر المحامين حتى أنها كان محامي لأغلب الشخصيات الهامة وما ساعده في ذلك جنسيته الأمريكية التي أخذها عن والدته.
فلو كان بجنسية وطنه فقط فحكماً كانت العنصرية ستظهر.
إلا أنه عاش هناك مواطن أمريكي بأصول عربية.
وخرجت مدبرة المنزل راكضة نحوه.
فهي تعيش هنا منذ أن كانت تخدم جده.
جده لوالده وهو من ورث عنه تلك الأملاك في هذه القرية.
"أهلاً يا أدهم بيه نورت البلد كلها."
تمتم أدهم بنبرة هادئة.
"شكراً يا سعدية."
ثم نظر إلى المربية التي تحمل صغيره وأشار إليها بأن تتبعه وهو يسأل.
"كل حاجة جاهزة يا سعدية؟"
فحركت سعدية رأسها وهي تجيبه.
"الأوض جاهزة يابيه.. وأوضة البيه الصغير جنب أوضتك زي ما طلبت."
***
أستيقظت حياة وهي تشعر بالتعب ونهضت وهي تتحامل على نفسها كي تذهب لعملها.
ونظرت إلى وجهها بالمرآة فوجدته شاحب بشدة.
فأرتدت ملابسها وصّلت فرضها.
فالصلاة أصبحت دواء روحها.
كل يوم تتساءل داخلها كيف كانت تحيا سنين عمرها التي مضت وهي بعيدة كل البعد عن ربها.
بعيدة عن تلك السكينة والقوة التي أصبحت تتخذها مع كل سجده.
من قال أن القوة هي قوة الجسد أو قوة المال والسلطة.
فالقوة الحقيقية هي قوة الإيمان بأن كل ما يصيبك فهو خيراً من الله.
وجاءت نعمة إليها بالفطور وهي تسألها عن حالها اليوم.
وشهقت بقلق وهي تلتمس حرارتها.
"انتي سخنة ياحياة.. لاء شكلك ميطمنش."
تحنحت حياة بألم حاولت أن تُداريه.
"أنا كويسة يانعمة متقلقيش."
وعندما اعترضت نعمة على ذهابها للعمل.
"انتي مش شايفة وشك أصفر إزاي.. أنا هروح ألحق عمران بيه وأقوله إنك تعبانة و آخدلك إجازة منه."
فهتفت حياة وهي ترتشف من كأس الماء وهي تتذكر نظراته لها ليلة أمس.
"لاء يانعمة أنا كويسة صدقيني."
ثم تمتمت: "لو تعبت في الشغل هاخد إجازة وأروح."
وبعد إصرارها للذهاب للعمل.
رضخت نعمة لقرارها.
ونظرت إليها حياة وهي تحمل حقيبتها وغادرت متجهة إلى عملها.
وصلت العمل وبعد أن شعرت بالتحسن قليلاً.
عاد جسدها يأن من الألم.
فأقتربت منها منار بفزع.
"مالك ياحياة؟"
فجلست حياة على أحد المقاعد وهي تمسح على وجهها.
"تعبانة شوية."
فتأملتها منار وهي تنظر لرامي القادم نحوهم.
"طب متصلتيش بيا ليه كنت أخدتلك إجازة."
وجذبتها من ذراعها.
"قومي يلا تعالي أخدلك إذن."
وبعد جدال هتف رامي.
"قومي ياحياة معاها.. بلاش عند."
فأبتسمت إليهم وهي تذهب نحو خزانتها كي تجلب ملابس عملها.
"لو تعبت هروح."
فأمتعضت منار من عنادها.
وذهب كل منهما حيث مهامه.
وبعد مرور الوقت.
نظرت إليها منار بضيق.
"لاء هتقومي معايا آخدلك إذن تروحي."
وبالفعل تلك المرة استجابت لإصرار منار.
لتخبرهم الموظفة الخاصة بشؤون العاملين أن عليهم الانتظار قليلاً.
وطلبت منهم أن يعودوا إلى عملهم إلى حين تنهي بعض الأمور العالقة بالعمل.
وبعد نصف ساعة يعودوا إليها.
وبعدما انصرفوا.
رفعت هاتف مكتبها لتجري مكالمة مع السكرتيرة الخاصة بالسيد عمران.
والذي أخبرهم بأن كل شيء يخص تلك الفتاة لابد أن يعلمه.
وحولت السكرتيرة المكالمة في اللحظة التي كان يُعنف فيها عمران أحد موظفينه على إهماله.
وعندما علم طلبها للأنصراف.
هتف بها بصراخ.
"ارفضي، أنا مش فاتحها وكالة من غير بواب."
***
فتحت مها حقيبتها لتخرج المرآة من داخلها.
وبدأت تنظر إلى هيئتها المنمقة فقد فعلت كما أخبرتها أختها الصغيرة.
أن وضع مساحيق التجميل ورسم الحواجب من سيجعلها تجذب من أرادت من الرجال.
وبالفعل نفذت كل شيء.
وأبتسمت لنفسها فقد ظهرت ملامحها وأصبحت أكثر جمالاً.
وأتجهت نحو حجرة مكتبه كي تُطلعه على بعض الملفات.
رفع مروان وجهه بعدما تقدمت نحوه وصوت حذائها ذو الكعب العالي يطرق الأرض طرقاً ورائحة عطرها التي لأول مرة يشتمها تفوح بالمكان.
هو لم يراها عند دخوله مكتبه لأنه جاء مبكراً اليوم قبل ميعاد عملها.
وتأملها لثواني ثم أشاح وجهه سريعاً وهو لا يصدق أن هذه هي مها.
الفتاة التي لم يراها يوماً هكذا.
فملامحها الهادئة قد اختفت وظهرت له الأنثى التي ينفر منها دوماً.
فديماً ما أوقعه في حب زوجته جمالها المصطنع وعريها.
أم الأن عرف ما معنى أن تنخدع في جمال يخفي عيوب الروح.
كل ليلة يتواعد مع الجميلات ويخرج معهم ويقضي أوقات ممتعة ويتأكد من شيء واحد.
أن أمثالهن لا يستحقوا سوى التلاعب والتمتع.
ولكن مها كان يضمها لفئة أخرى.
فئة كلما رأى من أمثالها تمنى أن يخبرها أن تظل هكذا طاهرة عفيفة.
وتجمدت ملامح وجهه وهو يسمع نبرتها التي أصبحت أكثر رقة.
فيبدو أنها اليوم جاءت كل تمثل دور ليس لها.
وأراد أن يجرحها لعلها تفيق.
"انتي إيه اللي عملاه في نفسك ده؟"
فأرتبكت من كلماته.
وقبضت بقوة على الأوراق التي تحملها بين يديها.
ليكمل هو إحراجها.
"بقيتي شبه البلياتشو."
فشعرت بالمهانة تسحق روحها.
فهي أرادت أن ترى نظرة الإعجاب بوجهه.
ولكن تمالكت دموعها التي أوشكت على السقوط.
ووضعت الأوراق أمامه ثم خرجت سريعاً دون كلمة.
فكلماته أدمت قلبها وجعلتها لأول مرة تشعر بالخزي.
***
قررت فرح السير في القرية قليلاً.
فالخضرة تحاوط المكان.
ورائحة الليمون تُنعش الروح.
وسارت تتمشى وتبتسم للأطفال وتقبل الفتيات الصغار.
وتعطي الحلوى التي كانت معها لهم.
وأقتربت من إحدى النسوة العجائز تحمل بيديها أكياس الخضار.
فتمدت لها يدها لتساعدها.
فتعجبت المرأة قليلاً ولكن لأحتياجها لمن يساعدها أعطتها ما تحمل وهي تبتسم.
"شكراً يابنتي."
وبدأت فرح تُعرفها باسمها ومن أي عائلة تنتمي حتى أطمنت لها المرأة التي لم تُصدق أن فتاة المدينة بمثل هذا الاحترام.
وعلى مقربة منهم كان يسير هو.
يرتدي ملابس رياضية ونظارة سوداء تخفي ملامحه.
فهو اليوم قرر أن يستنشق هواء القرية التي افتقدها منذ أن كان طفلاً يأتي مع والده هنا لجده حيث موطن أجداده.
ووقعت عيناه عليها وهو يرى مثال آخر من النساء.
النساء اللاتي كرههم بسبب زوجته.
***
رغم إصرار رامي ومنار عليها بأن لا تفعل شيئاً مهماً اليوم إلا أنها أرادت أن لا تُحمل عليهم.
وانتهى دوامهم الأول.
وجاء الدوام الثاني.
وهو التنظيف.
فنظرت منار إليها بقلق.
"لاء ياحياة مش هتنضفي معانا.. أنا ورامي هنعمل كل حاجة اقعدي أنتي ارتاحي."
فأبتسمت حياة وهي تتأمل نظرات رامي الحانية نحو منار.
"يامنار أنا بقيت كويسة العلاج اللي رامي جبهولي من الصيدلية بدأ مفعوله."
ومزحتهم كي لا تقلقهم عليها.
"أنا زي الحصان أهو."
فنظر كلاهما رامي ومنار إليها وهم يتمنون أن تكون بالفعل قد تحسنت.
وحمل كل منهما أدواته وساروا كل منهم نحو الجزء المسؤول عنه.
وحملت حياة هي الأخرى أدواتها وهي تشعر بقليل من التحسن.
ووجدت دموعها تنحدر على وجنتيها وهي تتذكر حياتها القديمة وكيف أصبحت حياتها الآن.
ولكن شيئاً بداخلها يُخبرها أن كل شيء سيكون بخير.
وأن عمها حسام سيأتي قريباً.
وضعت الأمل داخلها.
وبدأت بمهمتها.
وبعد وقت ليس بالقصير شعرت بالتعب مجدداً ونظرت إلى ما تبقى لها من عمل.
واستندت على الحائط تأخذ أنفاسها.
لتأتي إليها منار.
"انتي لسا مخلصتيش ياحياة."
وعندما نظرت إلى وجهها هتفت بغضب.
"لاء انتي هتاخدي بعضك وتروحي وأنا ورامي هنكمل."
وأصرت منار بشدة تلك المرة.
فأنصاعت لها حياة.
***
كان يستعد لحلقة اليوم ويقرأ الأسئلة التي سيطرحها على ضيفه.
وبما أنها مساعدته الشخصية فكانت تجلس معه.
وأبتسمت وهي تتأمل ملامحه الجادة وكيف يصبح عندما ينشغل بشيء ويضع كل تركيزه عليه.
وأتكأت بذقنها على كفيها وأندمجت بمطالعته.
إلى أن رفع وجهه نحوها.
ليرى نظرة لم يراها من قبل.
لا يعلم أهو حب أم فخر.
وأبتسم لها.
فتوترة قليلاً.
وكل يوم تسقط في بحور عشقه بعد أن كانت تريد إسقاطه.
فهتف أمجد وهو ينهض من مجلسه.
"بتبصيلي كده ليه؟"
فنهضت بدورها وفركت يديها وهي تخبره بصدق.
"أصل شكلك حلو أوي وانت مندمج مع الورق اللي في إيدك."
فضحك وهو يعدل من رابطة عنقه.
بعد أن ترك الورق جانباً.
وكادت أن تتحدث.
إلا أن رنين هاتفه جعلها تتراجع.
***
دخلت بوابة الفيلا وهي بالكاد تحرك قدميها.
وتتمنى أن تصل إلى حجرتها.
وسارت بخطوات ضعيفة وهي تدعو الله أن لا تسقط وهي تسير.
وسمعت صوت البوابة تفتح مرة أخرى وتدخل سيارة عمران.
كان يتحدث مع نيرة التي تؤكد عليه موعد العشاء غداً مع مدراء الشركة التي سيعقدون صفقتهم معهم.
وتطلب منه الحضور للشركة في الصباح كي تُطلعه على أوراق الصفقة مجدداً.
ووقع نظره على التي تسير في الطريق الداخلي للفيلا.
وفجأة وجدها تسقط على الأرض.
ليغلق هاتفه سريعاً ويوقف سيارته ويترجل منها ويخطو بخطوات قلقة نحوها.
ونظر إليها وهي كالجثة الهامدة على الأرض لا تتحرك.
وهنا علم أن انتقامه قد حصد.
أذلها وأذبل جسدها.
لا يعلم لما يراها والدها.
لما أصبح يتذكر عمته ودموعها التي لم يكن يفهمها وهو صغير.
وكلما سألها عن سبب بكائها كانت تخبره أن عيناها تدمع لوحدها.
وماتت عمته وهو يظن أنها توفت بحادث كما سمع من جده ووالده.
ولكن كلما كبر بدأت الحقيقة تظهر إلى أن عرفها بأكملها.
وأرتجفت يداه للحظة وهو يرى انتقامه كيف قاده ونسي أنها أمانة لديه.
وأسرع بحملها بعد أن رأى أن الندم ليس الآن.
وسار بها نحو غرفتها وهو يهتف باسم الحارس الذي اقترب منه بعد أن رأى ما حدث.
"انده على حد من الخدم."
فركض الحارس نحو الفيلا.
لتقف نعمة مذعورة من مظهر سيدها وهو يحمل حياة.
فهي كانت قادمة إليها كي تطمئن هل عادت لتجلب لها العشاء أم مازالت خارجاً.
ووضعها على فراشها ونعمة خلفه.
ونادى بأسمها.
"حياة.. حياة."
ثم وضع بيده على جبينها.
فعلم لما أرادت اليوم الانصراف من العمل.
فسب نفسه بضيق على ما اقترفه.
وتمتمت بكلمات مبهمة وبدأ حجابها ينزاح عن شعرها لتصبح صورتها كاملة أمامه.
فأغمض عيناه وألتف بجسده وهو ينظر لنعمة.
"خليكي معاها لحد ما أتصل بالدكتور."
وأقتربت منها نعمة وهي تشعر بالأسى نحوها.
***
نظر أدهم إلى صغيره وهو يبكي والمربية تحمله وتُدندن له كي ينام.
ولكن صغيره لا يهدأ.
فأقترب منها ومد ذراعيه لها.
"هاتيه."
فأنصاعت المربية لأمره.
وأعطته الصغير.
فضمه لحضنه وصغيره لم يكف عن البكاء.
وظل يسير به بالغرفة إلى أن بدأ اليأس يمتلكه في إسكاته.
ولم يجد حل آخر إلا أن يقرأ على رأسه بعض الآيات القرآنية كما كان يفعل له والده وهو صغير.
فأستكان الصغير بين ذراعيه.
فرفعه قليلاً كي يطالعه فوجده يمضغ أصابعه.
وأبتسم وهو يُحادثه.
"شكلك جعان ياباشا."
تمتم الصغير بكلمات غير مفهومة.
فضحك وهو يُدغدغه ببطنه.
"طب مش كنت تقول."
فضحك الصغير على مداعبة والده التي لم يفهمها ولكنه هتف.
"همهم."
ولأول مرة يشعر بشعورين متناقضين.
شعوره لتلك النعمة التي في يده.
وشعوره بالألم لصغيره لن يحظى برعاية أم وسيكون يتيماً وأمه على قيد الحياة.
***
أنهى الطبيب فحص حياة ومنيرة تجلس جانبها على الفراش تمسد على يدها بحنو.
فنعمة وأمل قد انصرفوا بعد أن أمرهم عمران بهذا.
ليخرج الطبيب إلى الواقف خارجاً.
واقترب منه عمران بقلق.
"خير يادكتور."
فبدأ يُخبره الطبيب بحالتها.
فأطمأن عمران وحرك رأسه بتفهم وشكره وهو يأخذ منه الروشتة التي دون بها العلاج.
وأنصرف الطبيب لتأتي منيرة إليه متسائلة.
"هي كويسة يابني مش كده؟"
فمنيرة لمكوثها في هذا المنزل منذ أن كان عمران في الخامسة عشر جعل بينهم ألفة لتُناديه هكذا.
فطمأنها عمران.
"عندها ضعف تغذية ونزلة معوية."
وتابع حديثه.
"هاشوف صالح يروح يجيب ليها العلاج."
وأنصرف من أمامها وكأنه يهرب منها.
فهو الأن يشعر بحقارة ما فعله بها.
وبعد رؤيتها اليوم هكذا قرر أن يتركها لحالها وسيطلب من أحد رفقائه أن يوظفها في شركته وسيجلب لها شقة خاصة لها تجلس بها إلى أن يفيق حسام من غيبوبته.
وسيبتعد عنها حتى لا يؤذيها مجدداً بفعله الحمقاء.
فمنذ متى وهو يأخذ أحد بذنب آخر.
وينتقم بأقذر الطرق.
وكأن اليوم هو أول طريق صحوة الضمير.
ودق القلب.
رواية ودق القلب الفصل التاسع 9 - بقلم سهام صادق
انسدل ستار الليل وسطع القمر في جوف السماء.
جلس علي مكتبه وهو يُطالع اللا شئ.
ونهض من فوق مقعده مُشعث الشعر وقرر أن يتجه نحو غرفتها حيث تجلس معها منيرة ترعاها.
بدأت الحرارة تنخفض تدريجياً ومنيرة غافية جانبها.
ومع طرقات هادئة، استيقظت منيرة سريعا وهي تعلم بهوية الطارق.
فنظرت إلى عمران الذي وقف أمامها بهيئته الغير مُهندمة من أثر جلوسه لساعات بمكتبه.
- أخبارها إيه دلوقتي يا منيرة؟
فابتسمت منيرة كي تطمئنه وألتفت برأسها نحو حياة النائمة.
- الحرارة بدأت تنزل.
فتنهد بأرهاق ونظر إلى ساعة يده فوجد الوقت تخطي الثانية صباحاً.
وأنصرف بعد أن أطمئن عليها ومازالت صورة سقوطها تقتحم عقله.
***
استيقظ من نومه وهو لا يشعر برغبة للذهاب للعمل.
حتي أنه قرر تأجيل موعد العشاء الذي اخبرته به نيرة.
فلا ضرر من تأجيل الأعمال يوماً واحداً.
ونهض من فوق فراشه وبعد نصف ساعة كان يقف أمام المرآة ينظر إلى هيئته.
فقد تخلى عن بذلاته الرسمية وارتدى قميص أبيض مع بنطال من الجينز وحذاء رياضي.
وبدأ يُمشط شعره وهو يتخيل وجه والدته عندما تجده أمامها بعد ساعتين من الآن.
وهبط درجات الدرج وهو يُهندم في شعره الأسود الذي رغم بلوغه منتصف الثلاثون إلا أن شعره مازال بلونه فاحم السواد دون أن تتخلله خصلات بيضاء.
لتنظر إليه أمل فهيئته لا تدل بأنه ذاهب إلى العمل.
وكادت أن تُخبره أن وجبة الإفطار جاهزة ولكن...
- أنا رايح المزرعة.
وسار من أمامها بشموخه المعتاد وأكمل حديثه.
- اهتموا بحياة كويس ولو فيه حاجة حصلت اتصلوا بيا.
فوقفت أمل تُطالعه وهو يُغادر وعقلها يضرب أخماس في أسداس وهي تُخبر نفسها.
- سبحان مُغير الأحوال.
***
ابتسم أمجد وهو يراها تضع المشروب الخاص به أمامه.
وبدأ يرتشفه في صمت وهي تخبره ببرنامج اليوم.
وبعد دقائق كان قد أنهى مشروبه.
ثم وضعه على الطاولة التي أمامه.
ونظر إلى نهى التي مازالت واقفة.
فمازحها بلطافة.
- أول مرة مشروب النسكافيه يمر من غير أضرار.
فابتسمت بعد أن فهمت مقصده.
وجلست جانبه بعفوية.
فكل شئ قد تغير ولم يعد بداخلها خطط من أجل إيقاعه بحبها.
فهي التي قد وقعت وانتهى الأمر.
- قلبك أسود على فكرة.
فضحك أمجد وهو يتأمل تقسيمات وجهها.
وأستدار بجسده ناحيتها حتى أصبحت المسافة بينهم تكاد تنعدم.
- في مواقف للأسف مبتتنسيش يا نهى.
أنفرجت شفتيه في ضحكة صاخبة.
جعلتها تُحدق به بتعجب.
- بتضحك على إيه!
فبدأ يُمثل لها منظرها يوم أن أنسكب المشروب الساخن على قدميها.
فضحكت هي الأخرى.
- لأ أنا معملتش كده.
ليُحرك رأسه نافياً.
وأخذ يُشاكسها بطريقته الخاصة حتى جعلها تنقض عليه تضربه على صدره بقبضتي يديها وقد نسيت أنها موظفة لديه.
وهتفت بحنق من ضحكاته ومزحتها التي أصبحت غليظة بعض الشئ.
- بطل ضحك بقى.
وأقتربت منه تضع بكفها الصغير على فمه كي تسكته.
لتجد نفسها فجأة تسقط بين ذراعيه وقد انزاحت تنورتها القصيرة لأعلى لتظهر ساقيها البيضاء.
ونظر إليها أمجد وهي في أحضانه.
فأرتبكت قليلا ولكن إحساسها بالدفء جعلها ساكنة.
وأغمضت عيناها وهي تشعر بأنفاسه التي تلفح وجهها.
وانحني نحو شفتيها وهو يصارع رغبته ومبادئه.
وقبل أن يجد نفسه ينصاع لرغبته.
أبعدها عنه وهو يهتف بضيق.
- أنا لازم أخرج دلوقتي عشان عندي اجتماع ضروري في النقابة.
وطالعته بصدمة وهو يتجه نحو غرفته ولا تعلم لما تبدلت ملامحه بتلك السرعة.
فللحظة ظنت أنه سيقبلها سيخبرها أنه يحبها ولكن كل شئ تبخر سريعاً.
***
انحني يُقبل يد والدته وهي لا تُصدق أنه أمامها الآن.
- أخيرا افتكرت أمك يا عمران.
فعاد يُقبل يدها مجدداً ثم رأسها.
- انتي عارفة الشغل ومشاكله.
ثم ابتسم وهو يضمها بذراعيه لصدره.
- انتي الغالية دايماً يا ست الكل.
فأتسعت ابتسامتها وهي تستمع لكلماته.
فتربيتها لأولادها ها هي تجني ثمارها اليوم.
وأجلسها على الأريكة ثم جالس بجانبها وهو يتسأل.
- فين فرح؟
فهتفت والدته باسم الخادمة.
ثم أخبرته بمكانها.
- فرح في الملجأ.
متعرفش أنا مبسوطة قد إيه يا عمران أنها بدأت ترجع تاني تضحك.
وجاءت الخادمة مسرعة.
ورحبت بعمران بأحترام ثم هتفت.
- أفندم يا هانم.
ظلت ليلي تُملي عليها الأكلات التي يُحبها عمران.
والخادمة تُحرك رأسها بفهم.
- حفظتي كل اللي طلبته منك يا أم سعد.
فابتسمت أم سعد بطيبة.
- طبعاً يا هانم.
ده أنا هعمل للبيه كل اللي بيحبه.
والله القرية كلها نورت.
تمتم عمران بهدوء.
- شكراً يا أم سعد.
وأبتسمت ليلي وهي تتأمل عمران.
- طب روحي انتي دلوقتي يا أم سعد حضري الحاجة انتي وصباح وأنا شوية وهحصلك عشان أساعدكم.
فأنصرفت الخادمة.
ونظر عمران لوالدته التي تحتضن ذراعيه.
مازالت أمه امرأة رقيقة حنونة.
ويسألوه دوماً لما لم تتزوج.
فهو يبحث عن امرأة شبيهة بها وليس بمن يُحاوطوه ويرغبون به لاجل أسمه وماله ويظهرون أجسادهن إليه وهم يظنون أنهم بهذا يسقطوه في فخ الزواج.
وبدأت تسأله عن وضعه وكيف يأكل.
حتى تعالت ضحكاته بعد أن أخبرته.
- بس انت شكلك مش عاجبني.
وشك بقي أصفر وخاسس ياحبيبي.
فأشار نحو جسده وهو مازال يضحك.
- كل ده وخاسس يا ست الكل.
ده أنا بفكر أروح الجيم كل يوم مش يوم ويوم.
وأخذ يُمازحها ويسألها عن أحوالها.
إلى أن نهض بعد أن تذكر لقائه بشخص ما.
- أشوفك على الغدا يا ست الكل.
عندي مشوار ضروري هخلصه.
فحركت ليلي رأسها بتفهم.
وأنصرف هو نحو وجهته.
***
كان يتحدث في الهاتف مع أحداهن يُواعدها بسهرة لن تنساها.
فترفع مها عيناها عن الأوراق التي أمامها.
ونظرت إليه وهو يردف داخل مكتبه.
فحتى السلام لم يُلقيه عليها.
ودمعت عيناها من تلك المعاملة.
وقلبها بدأ يُخبرها بلوم.
" أكيد بقي متأكد أنك بتحبيه يا غبية ".
وأزالت دموعها بعنف.
ولملمت الأوراق التي يجب أن يطلع عليها.
وأقتربت تضع أمامه أحد الملفات.
فترك حاسوبه ونظر إليها يتأمل هيئتها.
وتمتم بداخله.
- رجعتي مها القديمة.
وده كان المطلوب.
وتسأل وهو ينظر إلى ما أمامه.
- مجتيش ليه امبارح.
فشعرت بالحرج من سؤاله.
- كنت تعبانة شوية.
فطالعها بتفحص وهو يبتسم.
- أه مفهوم.
كانت ردوده الباردة كالأسهم تخترق قلبها.
وأنتظرت أن ينتهي من مراجعة الأوراق ويقوم بالتوقيع عليها.
فهو أصبح الآن من يتولى كل المهام بعد أن تفرغ عمران لمشاريعه الأخرى.
وحملت الأوراق التي وقعها.
وهي تريد أن تهرب لتختلي بنفسها.
وبعد أن أنصرفت زفر أنفاسه بتعب.
فالدور الذي أصبح يؤديه يقتله قبل أن يقتلها.
فهو أحبها.
أحبها من نظراتها الهائمة به.
أحب ابتسامتها التي كانت تخصها له وحده.
أحب أرتباكها.
أحبها لحبها له.
ولكن ماضيه عالق بحياته.
فقد هدمته أحداهن بعد أن أعطى لها كل شئ بحياته.
تركته بعد أول ريح أصابت حياتهم بعد أن خافت على نفسها من حياة الفقر معه عندما خسر مشروعه وبعد أن كان في طريقه لأعلى عاد ثانية للبداية.
وكانت البداية في كل شئ!
***
ابتسمت حياة بشحوب وهي ترى كل من منيرة وأمل ونعمة يجلسون معها بغرفتها يطعموها ويهتمون بها.
حتى صالح الرجل الطيب جاء يسأل عنها وهو يحمل بيديه باقة ورود لطيفة.
ومازحها ضاحكاً عندما أعطاها لها.
- الورد عندكم أهم من اتنين كيلو موز.
كما أن منار ورامي هاتفوها من العمل وتمنوا لها الشفاء ولم يرغبوا بالقدوم لأنهم يعلموا بأن حياة مجرد ضيفة عند معارف لصديق والدها.
فلم يريدوا أن يتسببوا لها بالحرج.
ومدت أمل لها بكوب الماء ثم العلاج الذي جاء وقته.
- على فكرة عمران بيه سأل عنك الصبح.
وقلدت صوته وهي تتنحنح.
- وقالي لو حصل حاجة يا أمل هانم أبقى اتصلي بيا.
فوكظتها منيرة على ذراعها.
- أمل هانم.
أه لو كان موجود دلوقتي كنتي زمانك قلبتي قطة.
فضحكت نعمة وهي تُقشر لحياة التفاح وتعطي لها لتأكل.
- فعلاً يا حياة كان قلقان عليكي جامد امبارح.
أنا مصدقتش إن ده عمران بيه.
فابتسمت حياة وهي تشعر بالخجل كلما تذكرت أنه حملها.
وعادوا يمزحون ويثرثرون.
وكانت ضحكاتهم تتعالى.
ورغم أن كل منهن تملك الكثير من الهموم إلا أن الله لطيف بعباده.
***
رحب أدهم بعمران وهو لا يُصدق أنهم ألتقوا مُجدداً.
فمعرفتهم ببعض جاءت عن طريق الصدفة.
فعمران كان يحضر مؤتمر خاص بمجال الهندسة بأمريكا ومكث هناك قرابة الستة أشهر.
وفي تلك الفترة كان يذهب لنادي رياضي.
وفي يوم كان توجد دورة مخصصة للاعبي كرة السلة.
وعندما علم بموعد إقامتها قرر الأنضمام إليها.
وهنا جاءت معرفته بأدهم الذي كان ضمن فريقه.
وآخر لقاء كان بينهم منذ أربع سنوات حينما جاء برحلة إلى مصر مع خطيبته كاميليا التي أرادت أن تزور وطن والد خطيبها.
وجلس أدهم وهو يتمتم دون تصديق.
- أخيرا يا ابن عمري اتقابلنا.
فربت عمران على كتفه.
- بس لحد دلوقتي إزاي أنا معرفش إن منصور القاضي جدك.
فضحك أدهم وهو يجلس بأسترخاء.
- هو إنت لحقت تقعد معاك.
أنا شوفتك من هنا في شرم وبعدين كنت مستعجل ومتقابلناش تاني.
ليتذكر حادث شقيقه مازن فشحب وجهه قليلاً.
ففي نفس اليوم الذي مات فيه شقيقه.
ألتقى بأدهم الذي أخبره بوصوله مصر.
ولحسن حظه أنه كان هناك لعقد أحد الصفقات.
فحكى له عمران ما حدث يومها.
ليشعر أدهم بالأسف.
- أسف يا عمران مكنش قصدي أفكرك.
تعيش وتفتكر ديماً.
فحرك عمران رأسه.
وبدأ يسأل كل منهما الآخر عن أعماله.
وتسأل دون تصديق.
- مش معقول نهيت كل شغلك في أمريكا.
فتنهد أدهم بهدوء.
- قررت أعيش في بلدي.
هأسس مكتب محاماة هنا وهبني اسمي زي هناك.
وجاءت الخادمة في تلك اللحظة تضع أمامهم قهوتهم.
ثم أنصرفت.
ليهتف عمران.
- صدقني ده أسعد خبر سمعته حالياً.
ومتقلقش اسمك مميز في عالم القانون.
إنت ناسي شهرتك في أمريكا دول مسمينك هناك الحوت.
فابتسم أدهم وهو يتناول فنجان قهوته.
- اتجوزت ياعمران ولا لسا عازب.
فضحك عمران بقوة.
- تعرف أنا بقيت باسمع الجملة ديه أكتر من أي حاجة تانية في حياتي.
فضحك أدهم هو الآخر.
وعندما سأله عمران عن خطيبته وهل تزوجوا؟
تمتم أدهم بضيق.
- اتجوزنا وأنفصلنا.
فلم يجد عمران أي رد مناسب له.
فقرر أن يتجاوز ذلك الحديث.
ولكن أدهم تابع.
- بس عندي "مالك" عمره سنتين.
فابتسم عمران وهو يتمنى له أن يرى الخير فيه.
وتسأل أدهم بعد أن تذكر أنه يوجد سبب رئيسي لتلك المقابلة.
- إيه هو الموضوع الضروري اللي كنت عايزني فيه ضروري.
فأعتدل عمران في جلسته بعد أن ارتشف من فنجان قهوته.
وبدأ يتحدث بعملية.
- عايز أشتري منك الأرض اللي كانت ملك منصور القاضي ودلوقتي بقت ملكك.
وأخبره عن رفض جده قديماً لمنحهم هذه الأرض.
فنظر إليه أدهم بتفكير.
- طب وانتوا ليه متمسكين بالأرض ديه؟
وهتستفيدوا إيه منها؟
أنا عارف إن عيلة العمري مش محتاجة أراضي ولا عقارات.
فضحك عمران وهو يرى أدهم يُحادثه بطريقة رجال القانون.
- ياسيدي الأرض ديه ماليش منها أي فايدة غير أنها هتكون لله.
وبدأ يشرح له عن موقع دار الأيتام وحاجتهم لتلك الأرض كي يبدأوا في التوسيع وعمل مدرسة وبناء مبنى آخر للدار لاستيعاب أعداد أخرى.
وأبتسم أدهم وهو يُشاهد صديقه وهو يشرح له خطته ويطلب منه أن يضع السعر الذي يريده بالأرض.
ثم وقف فجأة ومدّ يده نحو عمران قائلاً.
- وإنت تفتكر إني هقول لأ.
وتابع بجدية.
- الأرض ليك من غير فلوس.
وأتسعت ابتسامة عمران دون تصديق.
ليهتف أدهم.
- وبما إني محامي.
فهخلصلك إجراءات التنازل بسهولة.
وأنهض عمران من مجلسه وهو يُصافحه بقوة.
- متعرفش قد إيه أنا مبسوط بمساهمتك ديه.
وتابع.
- إيه رأيك تيجي معايا مزرعتنا تتعرف على والدتي.
فرحب أدهم بذلك الاقتراح.
ليهتف عمران.
- وطبعاً الأستاذ "مالك" معزوم.
***
تقدمت فرح بابتسامة لطيفة مُرحبة بعمران ثم بصاحب الأرض.
وعندما وقع نظرها على الصغير "مالك" وعمتها تضمه إليها.
ألقت بحقيبتها جانباً وركضت كالأطفال وهتفت بحماس.
- عندنا نونو صغير.
ثم نظرت إلى عمران وهي ترفع إحدى حاجبيها.
- إنت اتجوزت وخلفت من ورانا يا عمران.
وأكملت دون أن تعطيه فرصة لأفهامها.
- مش مهم إنك مقولتلناش.
المهم إنك جبتلنا الكتكوت ده.
وقبلت الصغير قبلات عديدة وعمتها تكاد تنفجر من الضحك.
فهتف عمران بغيظ.
- "مالك" ابن أدهم صاحب الأرض وصديقي.
فنظرت نحو الجالس بأرتباك وهمهمت ببعض الكلمات التي لم تسمعها سوى عمتها.
ثم عادت إلى مداعبة الصغير ثانية.
وبعد أن كان الصغير عابس الوجه أخذ يضحك ويمرح.
وبعد دقائق نهضت ليلي.
فحملت فرح الصغير ونهضت خلفها وهتفت.
- بعد إذنك يا أستاذ أدهم.
فحرك أدهم رأسه بتفهم.
وغادرت هي الأخرى.
ليتعلق نظر أدهم عليها.
- فرح بنت خالي شاكر الله يرحمه.
فابتسم أدهم.
- الله يرحمه.
وأكمل عمران.
- هي صاحبة فكرة إننا نضم الأرض من تاني.
وأسترخي بجسده قليلاً ثم تابع.
- بعد ما جدك قالها لينا واضحة من سنين.
" إنه مش هيفرط في الأرض مهما حصل ".
وعادت ليلي إليهم تخبرهم أن الطعام جاهز.
فسار عمران وخلفه أدهم الذي بدأ يشعر بالألفة تجاه تلك الأسرة.
ووقع ببصره على تلك الجالسة أمام مائدة الطعام التي تضم أشهى الأطعمة وصغيره يُداعبها بحركات طفولية وهي تضحك وتطعمه.
وجلس وكلما تناول لقمة.
كانت عيناه تقع عليها وداخله يتعجب من وجود نساء هكذا.
فهو قد قرر أن يعيش لأجل صغيره وعمله فقط.
وأبتسمت ليلي وهي ترى تعلق فرح بالصغير وهتفت.
- فرح على فكرة صحفية.
فنظرت هي إلى عمتها وأبتسمت.
- ومتوقفة عن العمل لأجل غير مسمى.
وأكملت بمرح.
- ممكن نقول إجازة طويلة شوية.
فضحك أدهم على طريقتها المرحة في الحديث.
وضحكت هي الأخرى.
وتأملها للحظات وهو يهتف بقلبه.
" تعقل أيها الغبي.
مازلت تضمد جراحك ".
***
عاد عمران بعد أن قضى اليوم بأكمله في المزرعة.
ونظر نحو غرفتها فوجدها مظلمة.
فشعر بالقلق عليها.
وعندما ترجل من سيارته صعد الدرجات الرخامية القليلة التي تقوده نحو بهو المنزل.
وسمع صوت ضحكات عالية علم أنها آتية من المطبخ.
فسار بخطوات مترددة وهو يحث نفسه على التراجع.
ولكنها رغم مرضها وشحوبها إلا أنها تضحك.
فجلسة الفراش قد أتعبتها فقررت أن تخرج تشم الهواء النقي بالحديقة ثم جالستهم بالمطبخ كما اعتادت.
وبما أن صاحب المنزل ليس هنا فأصبح اليوم مريح ولا يعكر صفوه شئ.
وسمعوا نحتة عمران الرجولية.
فانهضوا فزعاً ولكن حياة ظلت جالسة بمكانها.
وهتفت منيرة.
- حمدلله على السلامة يا بني.
واتبعتها كل من أمل ونعمة بتوتر.
- حمدلله على السلامة يا بيه.
تحب نحضرلك العشا.
تمتم عمران.
- لأ مافيش داعي.
ونظر إلى حياة التي طأطأت رأسها منذ دخوله.
وجالت عيناه عليها ولأول مرة يدرك أن شحوب الوجه يعطي جمالاً خاصاً.
وتسأل بنبرة حاول أن يجعلها جامدة.
- عاملة إيه دلوقتي.
فنطقت برقة وهي ترفع عيناها نحوه.
- الحمدلله أحسن.
شكراً.
تعجب من شكرها ولكن أدرك سريعاً لما شكرته.
فبالتأكيد أخبروها بما فعله أمس.
ووقف لثواني ثم أنصرف دون كلمة.
فنظرت كل من نعمة وأمل لبعضهما وخشوا من غضبه لرؤيته لحياة هنا.
رواية ودق القلب الفصل العاشر 10 - بقلم سهام صادق
أسترخى بجسده وهو يطالع بعض الأوراق، ولكنه لم يجد رغبة بأى شىء. وكاد أن ينهض ويصعد لغرفته، إلا أنه وجد نيرة تقتحم غرفته بعد أن رمقت أمل بنظرات متعالية قبل حتى أن تخبره بوجودها.
زفر أنفاسه وهو يعلم سبب قدومها.
" كده ياعمران، أكلمك تقفل السكة في وشى.. وبعدها تقفل تليفونك."
مسح على وجهه بإرهاق وتنهد بيأس.
" ما انتى يانيرة اللى بتحبى تستفزينى.. قولتلك ألغى المقابلة بتاعت النهاردة أو أعتذرى عن عدم وجودى ليهم.. وانتى فضلتِ تسألى عن السبب."
تابع بضيق: " من امتى أنا متعود أقول لحد عن أسبابى."
فحدقت به بارتباك، فهى تعلم طباعه ولكنها أرادت لو لمرة واحدة أن تشعر بأهميتها فى حياته ويخبرها عن سبب عدم وجوده الليلة. ولكن كما اعتادت، لا شىء.
رسمت ابتسامة هادئة على وجهها، فهى تحبه وستتحمل حتى تصل إليه. ثم.. وبدأ شيطانها يضحك وهو يخبرها أنها ستكون سيدة كل شىء فى شركاته وفى منزله.
" حب خلقه المال مش أكتر."
" أوكى ياعمران، خلاص فهمت."
وأزاحت تلك الخصلة التى سقطت على وجهها وتابعت بدلال: " عشاء العمل النهاردة كان هايل وكان ناقصك."
ابتسم عمران بعملية ومدحها. فرغم رفضه لطباعها المتحررة، إلا أنه لا ينكر أنها امرأة ناجحة بشدة بعملها.
" مدام انتى موجودة بدالى يانيرة.. عارف إن كل حاجة هتمشى زى ما أنا عايز."
فأقتربت منه حتى لم يعد يفصلهما شىء وهتفت بنبرة رقيقة: " أهم حاجة تكون راضى ياعمران."
***
استيقظت حياة بنشاط ومدت ذراعيها وهى تتثاءب. فقد تحسن جسدها بعد عناية دامت خمسة أيام من الاهتمام والدلال من كل من حولها. حتى عمران كان يسأل عنها يومياً من أمل، التى بالطبع كانت تخبره.
بدأت تشعر بشىء عجيب يتحرك بداخلها ولا تعلم سببه.
وزفرت أنفاسها بهدوء ونهضت من فوق فراشها وقررت أن تتجاهل كل شىء.
وأنهت طقوس يومها، وعلقت حقيبتها الصغيرة على كتفها.
وسارت نحو المطبخ وهى تتمايل بخفة بخطواتها.
وعندما رأتها أمل هكذا، ابتسمت. وتذكرت حديث عمران أمس: " حياة تقدر تيجى تقعد معاكم زى ما كانت.. وصالح يقدر يوصلها فى أى مكان حبيت تروحه."
ورغم أنها تعجبت قليلاً، إلا أنها فرحت بشدة.
" وأنا أقول مطبخنا منور ليه."
ضحكت منيرة وفتحت لها ذراعيها.
" قمر ياحبيبتى."
وتحسست جبينها بأمومة، وابتسمت عندما وجدتها على ما يرام.
وتسألت عن نعمة: " فين نعمة؟"
فجاءت نعمة على أثر صوتها.
" كنت بدخل القهوة لعمران بيه."
وجلسوا يمزحون كعادتهم وهم يتناولون وجبة الإفطار.
ونهضت حياة فجأة.
" كده هتأخر على الشغل."
لينظروا إليها بدهشة، فهتفت أمل: " انتى لسه تعبانة ياحياة؟"
فابتسمت حياة وانحنت نحوها تُقبل وجنتها.
" أنا بقيت زى القرَدة أهه ياأموله."
وانصرفت بعد أن ودعتهم، فابتسموا.
***
تقاطعت طرقهم، ليبتسم أدهم لها فتبادله تلك الابتسامة.
ثم أكمل كل منهما طريقه. ووقف بعد لحظات والتف ليرى طيفها.
فوجدها تنحنى نحو الأرض تحمل حجراً ضخماً لكي تزيله عن الطريق.
وظلت تدحرجه على الأرض بسبب حجمه. كان نفس الحجر الذى رآه وهو يسير وكان سيصطدم به ولكنه تجاوزه وأكمل طريقه.
ولكن لماذا هى تحاول أن تزيله من مكانه؟ فمن وضعه هو من يجب عليه فعل ذلك.
أسئلة كثيرة تراود عقله وعلامات استفهام توضع دون إجابة.
وبعد أن شعر بعدم قدرتها، عاد إليها.
" أنسة فرح."
فالتفت فرح له واعتدلت فى وقفتها.
" ممكن تساعدنى أشيل الحجر ده."
كانت تتحدث بنبرة صوت دافئة وعيناها السوداء الجميلة تلمع بوميض عجيب لأول مرة يراه.
وازاح الحجر. ونفض كفيه ببعضهما وأبتسم لها.
فشكرته بود.
" شكراً."
واتسعت ابتسامته وتساءل: " بس انتى ليه وقفتى تشيليه؟ المفروض اللى حطه هو اللى يشيله."
فنظرت إليه ثم نظرت نحو الحجر.
" لو كل واحد فكر كده يبقى كلنا هنبقى شبه بعض."
وابتسمت وهى تتابع طريقها وهو وقف مكانه يستعجب ما قالته.
***
تفاجأ عمران بما أخبرته به نعمة قبل أن يتجه نحو سيارته ليذهب للشركة.
وسألها بضيق: " مش قولت ترتاح وتهتموا بيها."
فارتبكت نعمة وهى تفرك يديها بتوتر.
" هى اللى أصرت ياعمران بيه.. وقالت إنها بقت كويسة."
وعاد يتساءل: " صالح وصلها طيب؟"
فحركت نعمة رأسها بمعنى لا.
فطالعها عمران بغضب ثم تمتم بكلمات مبهمة لم تفهمها. وتابع سيره.
***
خرجت من سيارة الأجرة وهى تنظر إلى الشركة ذات الصرح العالى والتى تحتل أرقى المناطق.
وابتسمت فقد اشتاقت لمنار ورامي، ورغم أنها تشعر بالأسى نحو عملها فهو ليس ما تمنته.
وتمتمت لنفسها بصوت هامس وهى مازالت واقفة تنظر إلى الشركة: " كل العظماء ابتدوا من الصفر ياحياة."
واعتدلت في وقفتها وهى تتخيل يوماً ما ستدخل هنا بوضع يليق بها. ثم ضحكت وهى تضرب جبهتها.
" ظاهر إنى اتجننت."
وكادت أن تخطو خطوة واحدة إلا أنها وجدت ذراعًا تسحبها.
وأحدهم يبتسم بوقاحة وهو يتفحصها.
" انتى بنت محمود الرخاوى؟"
فنظرت إليه بخوف وحركت رأسها بنعم. فملامحه الجامدة قد أخافتها مع نبرة صوته الغليظ، غير ذلك الرجل الذى يقف خلفه ويطالعها بشر.
وسحبها بقوة مجدداً وهتف بخبث: " تعالى معايا يابنت الغالى."
فبدأت تتملص من قبضته وصرخت بصوت ضعيف: " سيب إيدى."
وفجأة وجدت أحدهم يضع يديه ويزيح الرجل عنها.
فوجدت عمران الذى تبعه كلاهما سائقه ورجال الأمن. فقد كانوا يقفوا دون أن يفكروا بنجدتها، ولكن عندما جاء صاحب الشركة تغير كل شىء.
ووقفت خلفه حتى أنه شعر بيديها تتشبث بسترتة من الخلف.
مشاعر عجيبة شعر بها.
وجز على أسنانه بقوة وهو يود أن يلكم هذا الرجل على إرهابه لها بهذا الشكل.
وصاح الرجل بحبور: " عمران باشا حفيد العمري.. أهلاً ياباشا."
وبدأ يعرفه بنفسه.
فنظر إليه عمران ببرود: " طب واللى حابب يعرف حد بيه.. يتصرف بالشكل ده يافؤاد باشا."
فشعر الرجل بحماقة فعلته. وزفر أنفاسه ساخطاً وهو يرى حياة التى مازالت تحتمى بجسد عمران.
" أعذرنى ياباشا، رجالتى مقالوش ليا إنها فى حمايتك."
ونظر إلى الرجل الذى خلفه بنظرات غاضبة ثم أكمل: " تحب نتكلم فى أرضى ولا فى أرضك؟"
فتسعت عين حياة الخائفة وهى تستمع لتلك الجملة التى لم تفهم معناها.
فابتسم عمران بتهكم: " اللى يريحك يافؤاد باشا."
تمتم فؤاد بابتسامة ماكرة: " مدام إحنا عندك هنا.. يبقى أطلع مكتبك أشرب قهوتى معاك."
فالتف عمران نحو حياة التى تنظر إليهم بخوف.
" روحى شغلك ياحياة."
فانصرفت سريعاً بعد أن طالعها فؤاد بنظرات مشمئزة.
وأشار عمران لفؤاد بأن يتقدم أمامه، فاتجه فؤاد لداخل الشركة وخلفه رجاله.
وأقترب هو من رجال الأمن التابعين لشركته.
" حسابى معاكم بعدين."
وكادوا أن يبرروا له عدم اهتمامهم بالأمر فى البداية خوفاً من إثارة المشاكل، ولكن عمران انصرف وهو يشير لهم بأن يصمتوا.
***
جلس فؤاد باسترخاء وهو يرتشف قهوته ببطء.
ووضع فنجان قهوته على المنضدة التى أمامه بعد أن ارتشق رشفتين متتاليتين.
" نتكلم بقى فى المفيد."
فاعتدل عمران فى جلسته بعد أن مل.
وضع ساق فوق ساق وهو يسترخى بجلسته وتمتم: " ياريت يافؤاد باشا."
ونظر إلى ساعة يده بعملية ثم تابع حديثه: " لأنى عارف وقتى بفلوس."
فضحك فؤاد: " طبعاً طبعاً."
وتنحنح فؤاد قليلاً وهو يحك ذقنه.
" عايز بنت محمود."
نظر إليه عمران طويلاً ينتظر أن يكمل عباراته.
" دى بنت ابن عمى وأنا أولى بيها أراعيها."
وظهرت على ملامحه المكر. فمال عمران بجسده لأمام.
" عايزها عشان فاكر إن معاها فلوس من أملاك والدها.. بس اللى متعرفهوش إن محمود الرخاوى مات وهو محلتوش حاجة."
ورغم علم فؤاد بذلك من مصادره الخاصة التى تتبعت محمود بعد سقوطه فى عالم المال، إلا أنه مازال يظن بأن محمود لن يترك ابنته هكذا دون وديعة أو شىء باسمها.
وقرر أن يتلاعب مادام لا يوجد مال.
" وماله ياعمران باشا، أنا سمعت إن حسام نور الدين هو اللى جابها هنا أمانة ليك وبعدين سافر تانى ولسا مرجعش من بره."
وصمت قليلاً ثم تأمل ملامح عمران الجامدة.
" وأظن إن عيلتها أولى بيها.. ده غير إن محمود الله يرحمه كان غالى عليا."
وينطق كلمته الأخيرة بتهكم. فمحمود كان ألد أعدائه منذ أن كانوا شباباً، ولكن محمود الخبيث الماكر دائماً كان هو الأسبق فى الحصول على ما يريد.
وظل يتبعه لسنين طويلة يحقد عليه لنجاحه وثرائه إلى أن انتهى، فكانت الشماتة أول شىء فعله وارتاح قلبه الحاقد. وعندما علم من مصادره أنه توفى وجاءت ابنته لموطنه الأصلى وتعيش فى كنف عمران العمري، وأن حسام مهتم بها بشدة، بدأ يشك فى الأمر وأيقن أن محمود مازال لديه المال ومن الممكن أن يكون شريكاً مع حسام، الذى بالتأكيد يعد صفقة ناجحة مع عمران العمري.
وتعلت ضحكات عمران وهو يعلم مدى كره فؤاد لابن عمه.
فيبدو أن محمود الرخاوى زرع قبل أن يرحل كرهه فى أنفس الكثير ومنهم هو.
وشرد فى ما مرت به عائلته ومرض جدته بعد أن ماتت عمته. ولولا رحمة الله بهم وستره لها لكانوا عاشوا طيلة حياتهم مطأطئين الرأس. ولكن الكل يعلم أن عمته الجميلة التى كانت تتحدث عنها العائلات ماتت بسبب حادث.
ونهض من مجلسه، وهو يتلاعب بأصابعه ثم نظر إلى فؤاد طويلاً.
" قول اللى عندك يافؤاد من غير لف ودوران."
فابتسم فؤاد وداعب شاربه.
" مدام عايزنى أكشف أوراقى، وماله يابن العمري.. انت ابن الغالى برضه."
وتابع بجدية: " مدام محمود مات ومش محلتوش حاجة ولا بينه وبين حسام شراكة.. أنا عايز بنته ليا."
فتسعت حدقتا عمران وهو يستمع لوقاحته.
" على سنة الله ورسوله.. ولا انت كنت فاكر إيه؟"
وضحك بضحكة بغيضة وأكمل: " أهى من لحمى ودمى وأستر عليها."
وداخله يتمنى أن تقع تحت يديه ليذيقها معنى الذل ويشفي غليله من محمود فيها.
وعاد عمران يجلس ثانية.
" حياة أمانة عندى."
فضحك فؤاد بتهكم: " ما إحنا أهلها ولا يصح تقعد عندك أو عند حسام وأهلها موجودين.. ده عيب فى حقنا وإحنا صعيدة وبنفهم فى الأصول، ولا إيه يابن الغالى."
كان ما يقوله حقيقة، فمكوثها لديه لا يصح. وإذا قرر فؤاد وهو يعرفه تماماً جمع عائلتهم فستكون النتيجة لصالحه.
وصمت قليلاً وهو يفكر فيها، كيف سيتركه يعانى مصير هكذا؟ تتزوج رجلاً بعمر والدها ويبغضه أيضاً. هو أصبح يدرك أن كرهه لها ليس إلا لأنه يربطها دماء ذلك ال...
وعندما تذكر أنه بين يدى الله، استغفر ربه.
وفاق على صوت فؤاد: " روحت فين ياعمران باشا؟"
ولأول مرة شعر عمران بضعف جبهته. فلو كان حسام فاق من غيبوبته لكانوا فكروا فى حل سوياً.
" انت مش شايف إن حياة فى عمر ولادك ولا إيه يافؤاد باشا؟"
فالتوى فم فؤاد قليلاً. ثم أكمل عمران بخبث: " أنا سمعت إنك داخل صفقة."
وتابع بمكر: " واللى شركتى برضه داخلة فيها.. وانت عارف لما شركات العمري بتدخل فى حاجة."
فشحب وجه فؤاد وهو يفكر بأنه يحتاج تلك الصفقة بشدة.
" نتفق ياعمران باشا."
فحرك عمران رأسه بابتسامة ماكرة بعد أن نجح فى وضع الخيوط بيده كما اعتاد.
" شركتى مش هتدخل فى الصفقة الجديدة اللى هتكون مع الحكومة.. وهسيبهالك تاخدها وهساعدك كمان."
فانتهل وجه فؤاد وظهرت السعادة على محياه. فعمران العمري سيتركه يربح بالصفقة بل وسيُقدم خدماته.
وأكمل عمران عباراته باسترخاء: " مسألتنيش إيه هو المقابل؟"
فاعتدل فؤاد فى جلسته. وتساءل: " إيه هو المقابل؟"
وصمت للحظات إلى أن...
" حياة!"
***
نظرت نهى إليه وهو يتناول الفطور الذى أعدته له. فتلك مهمتها اليومية من ضمن مهام عديدة كمساعدة شخصية.
ورفع وجهه وهو يمضغ الطعام بتمهل.
" بتبصيلي كده ليه؟ أنا خايف أفسط وأنا باكل."
فضحكت وهى لا تصدق أن إعلامياً مثله يخرج تلك الكلمات من فاه وكأنه فهم نظراتها.
" حاولي متركزيش معايا يانهى فى حياتى.. لأنك هتلاقينى غريب عن اللى فى دماغك."
مسح فمه بالمنديل وهى مازالت تنظر إليه. نظراتها كانت نظرات عاشقة. فهى كل يوم تكتشف فيه صورة أخرى.
كانت تظنه فى البداية رجلاً مغروراً يمشى كالطاووس، ولكن هذا ما كان يدفعه أكثر أن تضع شباكها عليه. ولكن عندما اقتربت منه علمت أن "أمجد العمري" رجل مختلف عن من كانت تظنه.
ونهض ووقف قبالتها. وحرك يده أمام وجهها.
" انتى بقيتى تمثال ولا إيه يانهى؟"
أخيراً فاقت من تحديقها المخزى.
" أصل.." وبدأت تتعلثم فى حديثها وتخبر نفسها: " مالك بقيت كده يانهى؟ مبتعرفيش تجمعى كلمتين على بعض طول ما إنتى قدامه."
فتحرك أمجد من أمامها وهو يتمتم: " لأ ده انتى النهاردة فى عالم تانى."
***
أنهت نيرة تمرينها. وأخذت حقيبتها الرياضية.
فالنادى الذى هى عضوة به يضم الأثرياء، وهذا دوماً ما تريده.
وسارت بخطوات مغرورة.
يطالعها البعض بإعجاب والبعض الآخر بحقد.
وجلست على أحد المقاعد لكى ترتاح قليلاً وتطلب عصير البرتقال المفضل لديها. وأرتدت نظارتها السوداء واسترخت بجسدها.
لتسمع همسات إحدى السيدات: " هى لسه متجوزتش؟"
تهمس الأخرى وهى تلوي شفتاها: " بيقولوا إن بينها وبين عمران العمري علاقة."
فتمتمت الأخرى: " عرفت توقعه مش زى بنتى الخايبة."
وشعرت بالسعادة أن الكل يظن هكذا. فعمران بماله هو حلمها.
***
كانت عائدة من عملها والإرهاق ظاهر على وجهها. واتجهت حيث تجلس والدتها دائماً. وكان صوت التلفاز عالياً بعض الشىء، ولكن الحديث الذى كان يدور بين شقيقتها ووالدتها لم يداريه.
لتسمع والدتها وتأفف شقيقتها: " قولتلك قومى شيلى الهدية اللى خطيبك جبهالك قبل ما أختك تيجى."
فهتفت لمياء شقيقتها بضيق: " أنا ذنبى إيه؟ أتخطبت قبله وهى لسه متخطبتش."
وصرحت بقوة بعد أن وكزتها والدتها: " بكرة أختك يجيلها نصيبها وأحسن الناس كمان."
وتابعت كلامها بحسن: " ياحبيبتى راعى شعور أختك."
فنهضت لمياء بتأفف. وانصدمت عندما رأت مها أمامها.
فابتسمت بتوتر. وانصرفت نحو غرفتهم.
لتفتح لها أمها ذراعيها.
" تعالى ياحبيبتى."
فأقتربت مها منها واحتضنتها وقلبها يؤلمها. هى لا تريد أن تخفي شقيقتها سعادتها كي لا تجرحها. هى راضية ومؤمنة بأن عندما يأتى النصيب سيأتى. كما أنها لا تريد أن تتزوج وكيف تتزوج بأحدهم وآخر عالق بقلبها الأحمق.
ورفعت وجهها نحو والدتها.
" ماما خلى لمياء تفرح بالحاجة اللى خطيبها جيبهالها."
وكادت أن تعترض والدتها إلا أنها: " انتى ربتينى إن أفرح لفرح غيرى."
تمتمت والدتها: " بس يابنتى."
فرفعت مها وجهها نحو والدتها تُقبل وجنتيها حتى ابتسمت الأخرى وحركت رأسها برضى.
***
أنهت حياة عملها ورغم توترها فى بداية اليوم بما حدث مع ذلك الرجل الغريب الذى فهمت من حديثه مع عمران أنه من أهل والدها.
منار ورامي بمزاحهم أنسوها كل ذلك وهاهى تدفع أجرة سيارة الأجرة وتردف داخل الفيلا وتأكل من الحلوى التى بيدها. فهى تعشق نوع تلك الحلوى منذ أن كانت صغيرة وفرحت عندما وجدتها تباع هنا أيضاً فقد ظنت أنها لن تجدها سوى بلندن.
كان عمران يسير بالحديقة ينتظر قدومها. وعندما وقعت عيناه عليها، هتف باسمها.
" حياة."
فوقفت ولاول مرة لا تشعر بالخوف منه. فشعورها تجاهه بدأ يختلف عندما أصبح يعاملها بلطف ورفق منذ مرضها. واليوم اكتشفت أن القشرة الصلبة التى تحيط ببعض الناس أحياناً لا تكون إلا جداراً يخفى أناس آخرين.
وأقترب عمران منها ونظر إلى ما تأكله بغرابة. فكانت تشبه الأطفال فى ذلك الوضع. وندم على ما كان يفعله معها وأنه كان يقسو عليها بسبب كرهه الشديد لوالدها ورغبته فى ذلها. ومن أسباب عرضه الزواج منها أن يحميها ولعله يكفر عن هذا الذنب الذى أصبح فى رقبته من معاملته البغيضة تلك.
كان حضوره بالنسبة لها يخلق بداخلها مشاعر عجيبة. فتأملته دون قصد وفاقت من شرودها على صوته.
" كنت عايز أتكلم معاكى فى موضوع ضرورى."
فنظرت إليه ببلاهة.
" تتكلمى معايا أنا؟"
فضم حاجبيه ببعضهم وهو يتساءل: " هو فى حد واقف قدامى غيرك؟"
وكعادتها. ضربته على جبهتها وأبتسمت.
ولا شعورياً أبتسم. وليته لم يبتسم.
وأخذت تحدق به.
وأنبت نفسها على فعلتها الحمقاء.
وأخفضت رأسها بتوتر. لينظر إليها عمران.
" بعد ساعة تعاليلي فى مكتبي."
وانصرف دون كلمة أخرى. فزمّت شفتيها بقلق.
" عجيبة إنه عايزنى. ممكن يكون عشان الراجل بتاع الصبح."
ثم هتفت بتمنى: " ياريت تكون إقامتى هنا انتهت."
وأكملت سيرها نحو غرفتها حتى تبدل ملابسها.