تحميل رواية «ودق القلب» PDF
بقلم سهام صادق
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
يقف أمام المرآة ينظر إلى هيئته المنمقة. ينثر عطره ثم يلقي بنظرة أخيرة على هيئته. يحرك يده على شعره الأسود ويسير بعنجهية وصلابة ملامحه. يهبط الدرج ورائحة عطره تسبق خطواته. يتجه نحو غرفة الطعام وينحني نحو والدته يقبل رأسها. "صباح الخير." ترفع ليلي عينيها نحوه بحب وفخر. "صباح الخير ياحبيبي." كانت جلسة صامتة. أنهى فطوره وودع والدته التي تنظر إليه وداخلها تتمنى أمنية واحدة أن ترى أحفادها. اتجه نحو سيارته ليفتح له السائق بابها مع ابتسامة اعتاد عليها. واتجه نحو مقر شركات عائلته بهيبته ووقاره. هذا هو "ع...
رواية ودق القلب الفصل الحادي عشر 11 - بقلم سهام صادق
أنهت طعامها وجلست تمزح معهم كعادتها.
فهم أصبحوا عائلة لها، عائلة ولدتها الأيام.
ونظرت إلى نعمة التي تبدو اليوم جميلة ومشرقة الملامح وتسألت بمرح:
"جمال هيخطبك مش كده؟"
فضحكت كل من منيرة وأمل عليها.
فحركت نعمة رأسها بخجل:
"امبارح قرينا الفاتحة.. وبعد أسبوعين هنجيب الشبكة."
وتابعت:
"دبلتين على قدنا."
انهضت حياة من فوق مقعدها واتجهت نحو نعمة الواقفة خلف الموقد تُقلب شيئاً.
"مبروك يا نعمة.. أنا فرحانة أوووي."
وحضنتها بمحبة.
ثم قفزت كالأطفال تصفق وتُهلل وتُغني:
"يادبلة الخطوبة عقبالنا كلنا."
ثم نظرت إلى نعمة التي انفجرت ضاحكة.
"مش هي الأغنية كده ولا أنا غلط؟"
وتابعت وهي تحك رأسها بتفكير.
"منار ديما بتغنيها كده."
تعالت ضحكات أمل ومنيرة اللاتي كانوا يكتمون صوت ضحكاتهن.
وتمتمت نعمة وهي تضع بيدها على بطنها.
"آه بتتغني كده."
ونظرت أمل إلى منيرة وهي تسعل.
"أنا لحد دلوقتي مش قادرة أصدق إنك عشتي طول عمرك بره مصر."
عبست حياة بوجهها وزمت شفتيها كالأطفال.
"أتكلم لك إنجليزي دلوقتي عشان تصدقي."
وبدأت تتحدث بطلاقة.
حتى اقتربت منها أمل ضاحكة ووضعت بيدها على فمها.
"لأ ابوس إيدك اقفلي نشرة الأخبار الأجنبية دي."
مر الوقت إلى أن شهقت حياة فزعاً متذكرة أن عمران طلب منها الذهاب إليه.
ونظرت إلى ساعة يدها الطفولية.
"هو عمران بيه في مكتبه؟"
وقبل أن يتسألوا هتفت بمشاكسة.
"مش عارفة عايزني في إيه.. هعرف بس وهقولكم."
فضحكوا.
لتقترب من نعمة برقة.
"نعمة تعالي معايا عشان خاطري."
فطالعتها نعمة وهي تُحرك رأسها برفض وأشارت نحو أمل.
فذهبت لأمل التي رفضت هي أيضاً.
ضحكت منيرة على تصرفها الذي يشبه الأطفال.
وانتقلت إلى منيرة.
وقبل أن تفعل معها مثلما فعلت معهم.
انهضت قائلة:
"بس خلاص هاجي معاكي."
فأبتسمت وحياة تُقبلها.
"استنيني أعمله قهوته.. عشان تبقي حجة لدخولي معاكي."
فضحكت حياة ونظرت إلى كل من أمل ونعمة بشر.
فضحكوا على تصرفها.
وتمتمت أمل بدعابة.
"عمران بيه مش بيعض والله.. ومبيأكلش بني آدمين."
وانفجرت نعمة ضاحكة.
لتهمس لها منيرة بأمومة.
"سيبكم منهم."
أنهت منيرة صنع القهوة.
وابتسمت وهي ترى نظرات الشر بين الثلاثة.
وهتفت بعد أن وضعت القهوة بالفنجان.
"يلا يا حياة."
فسارت معها وهي تستمع لضحكات كلا من أمل ونعمة.
والتفتت إليهم تخرج لهما لسانها ثم ركضت خلف منيرة.
التي ضحكت على أفعالهم الطفولية.
وطرقت الباب بخفة.
"ادخل."
دخلت منيرة وخلفها حياة مُلتصقة بها.
وابتسم داخله وهو يرى منيرة تبعد يد حياة عنها فقد كانت تتشبث بها.
ورغم ابتسامته التي لم يظهرها إلا أنه شعر بالضيق من فعلته.
فلهذه الدرجة تخافه.
وضعت منيرة القهوة أمامه.
وجاء رده.
"أنا مطلبتش قهوة يا منيرة."
فأرتبكت منيرة ثم نظرت إلى حياة التي تخبرها بنظراتها أن تظل معها.
ولكن نظرة من عمران لها جعلتها تنصرف.
وأنصرفت دون أن تتفوه بكلمة.
ليهتف عمران بجمود.
"مش باكل بني آدمين أنا."
فاتسعت حدقتا عينيها وبغباء نطقت.
"أمل قالتلي كده برضه."
وعندما رأت نظراته الجامدة.
ضربت جبهتها وتمتمت بتعلثم.
"حضرتك قولتلي إنك عايزني في موضوع.. هو عمو حسام كلمك وقالك هيرجع؟"
نظر إليها عمران طويلاً.
ثم أشار لها بالجلوس.
واعتدل بجلسته وبدأ يتحدث معاها دون شعور بمشاعرها.
فقد أخبرها بحالة حسام وأنه إلى الآن لم يفق من غيبوبته.
إلى أن بدأ يفسر لها وجود ذلك الرجل الذي رأته صباحاً ورغبته بأخذها لأنه يعتبر في مقام عمها.
شرح لها كل شيء بالتفاصيل وما يظنه هذا الرجل من امتلاكها للأموال ثم أنه يريدها زوجة ثالثة له.
نهضت حياة بفزع ونظرت لعمران دون تصديق.
"يتجوزني أنا؟"
وتخيلت شكله العجوز فهو بعمر والدها.
واكملت بخوف.
"رجعني لندن طيب.. لحد ما عمو حسام يفوق."
وبدأت تترجاه وهي تخبره.
"أنا معايا تمن تذكرة الطيار متقلقش."
كان يتفحص تفاصيل وجهها التي ظهر عليها الخوف.
ونظر إلى عينيها ليجد كل ما كان يريده.
عين تكاد تُجاهد صاحبتها إلا تبكي.
كسرة ووحدة ومصير تجهله.
ونطق بعد أن تركها تتكلم كما شائت.
"اقعدي يا حياة واسمعيني لحد الآخر."
كانت نبرة صوته جامدة باردة.
وجلست تفرك يديها بتوتر.
فتابع هو حديثه إلى أن أخبرها أنه سيتزوجها.
ونهضت مرة أخرى بنفس الفزع وهي تطالعه.
فهي تعلم أنه يمقتها ويكرهها ولولا أنها أمانة لديه لكان طردها.
وتهجم وجه عمران من نظراتها وهتف بحده.
"هو أنا كل ما أتكلم شوية تقومي تتنفضي؟"
فهتفت بتعلثم.
"أنا هرجع لـ لندن."
نهض عمران من فوق مقعده بحنق.
"هترجعي لندن تعملي إيه فيها؟ فؤاد مش هيسيبك."
وبدأ يرى الدموع تلمع بعينيها.
فزفر أنفاسه وتحدث بهدوء.
"حياة جوازي منك عشان أحميكي لحد ما حسام يفوق."
وبعد وقت طويل وهي صامتة وهو يشرح لها طبيعة زواجهم الذي سينتهي بوجود حسام.
وأخيراً حركت رأسها وقد جف حلقها وهي ترى نفسها عالقة بالمنتصف.
ونظرت إلى عمران نظرة طويلة تحمل معها مشاعر مختلفة.
وهمست بنبرة منكسرة.
"موافقة."
***
انتفضت فرح من نومها بفزع وحدقت بالفراغ الذي أمامها.
وزفرت أنفاسها بقوة وهي تمسح على وجهها وعادت تتذكر الحلم بشرود.
رأت نفسها عروساً جميلة.
ووالدها يقف يبتسم لها.
ثم ظهر أمجد وبجانبه رجلاً آخر لم تر ملامحه.
وابتسمت عندما رأت أمجد في حلته المهندمة.
واقترب الرجل منها وتراجع أمجد بخطواته للخلف.
ونظرت إلى والدها لتجده يبتسم للرجل المجهول.
وتقدم منها.
وأخذت تلقي بنظراتها نحو أمجد ووالدها إلى أن سمعت صوت والدها.
"روحي مع جوزك يا فرح!"
الكلمة ظلت تتردد في أذنيها.
كيف ستتزوج بآخر غير أمجد؟
وكيف لوالدها أن يقدمها لذلك الغريب؟
أسئلة كثيرة بدأت تدور بعقلها إلى أن سمعت صوت أذان الفجر يعلو.
فنهضت من فوق فراشها.
وأطرقت ليلى الباب وابتسمت بحب.
"كنت جاية أصحيكي عشان الصلاة."
ونظرت إلى وجهها الشاحب.
واقتربت منها.
"مالك يا فرح؟"
فطالعتها فرح بنظرات تائهة.
"حلم عجيب يا عمتو."
***
اتسعت حدقتا عينيه وهو يستمع لصديقه وهتف دون تصديق.
"مش معقول هتتجوز؟"
تنهد عمران بضجر.
"أنا بحكي في إيه من الصبح.. مروان ركز معايا كده بليل محتاجك في شقتي الخاصة تيجي ومعاك المأذون.. هكلم أمجد يحضر كمان."
فضرب مروان كفاً بكف ومازال في دهشته.
"عمران أنت متأكد؟"
فزفر عمران أنفاسه.
ونهض من فوق مقعده ليسير بخطوات هادئة نحو شرفة مكتبه.
وبدأ يحكي له أسباب زواجه وكل شيء عن حياة ولكن دون أن يخبره بتفاصيل كرهه لها ولوالدها وأسباب هذا الكره.
فقصة الانتقام قد انتهت واقتنع أن الله قد أخذ حق عمته وحق كل من ظلمه هذا الرجل.
أما ابنته فسينتظر أن يأتي حسام ويخرجه من ذلك الكابوس وترحل كما أتت.
وبدأ يستوعب مروان الكلام.
"يعني جواز مؤقت عشان تحميها؟"
فشعر عمران بالحنق.
"في أسئلة تانية يا مروان.. لأن بجد أنا روحي في مناخيري النهاردة."
فتعالت ضحكات مروان.
"كل ده عشان هتتجوز."
وشرد مروان في حياته السابقة وكيف تركته زوجته لأنه عاد إلى الصفر ولم يعد يملك شيء.
وظهرت على ملامحه الجمود.
وعندما شعر بيد عمران على كتفه.
ابتسم وهو يتسأل.
"طب وليلى هانم؟"
فحرك رأسه ببرود.
"محدش هيعرف حاجة عن الجوازة دي.. مجرد ما يفيق حسام كل حاجة هتنتهي وهننفصل بهدوء زي ما اتجوزنا."
وأشار إليه بتحذير.
"انت وأمجد وعمها بس اللي تعرفوا يا مروان."
***
رفعت فرح وجهها عن الأوراق التي أمامها وهي تتنهد بحنق.
فكلما حسبت احتياجات الملجأ والأطفال وجدت عجزاً بالمال.
فالملجأ حالته سيئة وعمران لم يكن يهتم إلا ببعث المال شهرياً والتي كان أكثر من نصفها يُوزع بالتساوي بين بعض الموظفين.
فقد اكتشفت أن مديرة الملجأ ومعاونيها أصبح لدى كل منهم سيارة وعقار وحياة رغدة كانوا يعيشوها.
فزفرت أنفاسها بإرهاق وهي لا تصدق أن هؤلاء كانوا يستطيعون النوم بضمير وهم يأخذون حق هؤلاء الصغار.
وفاقت من شرودها على صوت إحدى الموظفات بالدار.
تخبرها بوجود ضيف.
ودخل الضيف بخطوات واثقة.
ورائحة عطره تملأ المكان.
وابتسم وهو يطالع ملامحها التي ظهر عليها الدهشة بسبب وجوده.
"إزيك يا آنسة فرح؟"
فرسمت فرح ابتسامة هادئة على وجهها ورحبت به.
"بخير الحمد لله.. اتفضلوا."
وأشارت له بأن يجلس.
فجلس أدهم وهو يتفحص المكان حوله.
فوضع الملجأ يحتاج للترميم من جديد.
فالأرائك بالية.
وجوانب من الحوائط مشققة وكأن لا أحد يعتني به.
ورأت نظراته التي تجول بالمكان بتفحص.
فهتفت بارتباك خوفاً من أن يتراجع في إسهامه بإعطاء الأرض للملجأ من أجل توسيعه وبناء مبنى آخر ينتقل إليه الأطفال حتى يُرمموا هذا.
"تحب تشرب إيه يا أستاذ أدهم؟"
فحرك رأسه بالنفي وتسأل.
"محدش كان بيهتم بالملجأ؟"
وجلست فرح أمامه وبدأت تسرد إليه وضع الملجأ وحاجتها بالفعل للأرض.
كان ينظر إليها وهي تتحدث ويقارن بينها وبين زوجته.
مقارنة كانت صعبة فالأثنان لا مقارنة بينهم.
وعندما رأت نظراته المحدقة بها.
أشاحت بوجهها بعيداً.
تنحنح بحرج ونهض من فوق المقعد.
"بكرة الصبح هعملك التنازل في المحكمة.. هستناكي قدام الملجأ."
وسار نحو الطاولة التي تحتوي على حاسوب قديم وبعض الملفات والأوراق المتناثرة.
وأخرج قلمه ودفتر شيكاته الخاص به.
ووضع رقماً من المال.
نظرت فرح إلى ما يفعله بصمت.
وبعد أن وقع باسمه أعطاه لها متتمتاً.
"دي مساهمة للأطفال والملجأ."
ورسم ابتسامة جعلت فرح لا أول مرة تحدق برجل هكذا.
فاليوم كان بحلته العملية الأنيقة التي أضافت له جاذبية خاصة.
وأخفضت رأسها سريعاً بعد أن التقطت الشيك منه هامسة برقة.
"شكراً على مساهمتك الطيبة!"
***
كانت تجلس شاردة تنظر إلى لا شيء.
تتابع منيرة التي تجلس تقطع الخضروات وأمل التي تتحرك هنا وهناك.
أما نعمة فخرجت لجلب بعض الأغراض مع صالح.
فلم تذهب اليوم إلى عملها.
فعمران قد أخبرها أنها لن تعمل هناك ولكن أخبرها أن عملها سيكون بشركة أخرى.
وشردت في تلك الليلة بعد أن أخبرته بموافقتها.
كان ينظر إليها وهي تنطق الكلمة بشحوب.
هي تعلم أنه صادق بكل كلمة يقولها ولكن صفعات الحياة أصبحت تزداد عليها.
وسمعت صوته الجامد.
"بكرة هنتجوز."
فرفعت عيناها نحوه.
لتجد نظراته الباردة تطالعها.
وابتلعت غصة بحلقها.
فكلما نظرت لعينيه شعرت بكرهه لا تعلم سببه.
أما عمران فكان يُصارع نفسه.
يتذكر عائلته ثم ينظر إليها.
ويتسأل داخله.
"هتساعد بنت الراجل اللي دمر عمتك؟ هتربط اسمها باسمك؟ اسم محمود الرخاوي ضميته للعيلة يا عمران."
ولكن قد قرر وانتهى الأمر.
وعندما وقعت عيناه على صورة العائلة.
أغمض عينيه بقوة وتمتم بجمود.
"شغلك في الشركة انتهى.. جمعي حاجتك عشان هتمشي من هنا."
ووقعت الكلمات على رأسها وهي لا تفهم شيئاً.
"إزاي؟"
فحدق بها عمران بنظرات خالية من المشاعر.
"هجبلك شقة تعيشي فيها.. وهتشتغلي في شركة تانية."
نظرت حياة حولها.
"بس أنا عايزة أعيش هنا."
وعندما حدق بها بقوة.
هتفت سريعاً.
"هعيش في نفس المكان في الأوضة اللي في الجنينة."
وتابعت برجاء.
"أرجوك أنا اتعودت على هنا."
هو يدرك تماماً سبب رغبتها في المكوث هنا.
فعلاقتها بالعاملين أصبحت قوية.
ورأى نظرة رجاء بعينيها.
فتمتم ببرود مصطنع.
"تمام موافق."
وأكمل بقسوة.
"جوازنا محدش يعرف بيه مفهوم."
رغم قسوة الكلمة إلا أنها ابتلعتها.
هي لا يفرقها معها أن تكون زوجته ولكن لفظه القاسي أوجعها.
وفاقت من شرودها على يد منيرة الحانية.
"مالك يا حياة.. قلقانة كده ليه يا بنتي؟"
فأبتسمت حياة بتوتر وهي تنظر إلى منيرة.
"أنا بس قلقانة عشان الشغل الجديد اللي هبدأ فيه."
كانت أمل تتابعها بعينيها ثم مازحتها.
"أوعي تكوني حبيتي موظف هناك ومبقتيش قادرة على بعده."
وتعجبت أمل من صمتها العجيب ولكنها قررت أن لا تضغط عليها.
خاصة بعدما رأت نظرات منيرة المحذرة.
***
ابتسمت وهي تستمع لنقاشه في الهاتف مع أحدهم.
وتأملت ملامحه الرجولية ثم لحيته الخفيفة.
وتركت الأوراق التي كانت تدون بها بعض الملاحظات.
وأخذت تتأمل كل أنثى بجسده.
أنهى أمجد مكالمته وأنتبه إلى التي تجلس ساهية به.
ونهض من مقعده.
وسار نحوها.
"هتدفعي تمن الصورة اللي أخدتيها ولا أرفع عليكي قضية؟"
وفاقت من شرودها على مزاحه.
وأبتسمت بأرتباك.
"أسفة سرحت شوية."
فغمز أمجد بعينيه.
"سرحت في مين اعترفي."
وبدأ يتلاعب بها.
فعيناها تصرخ بحبه ولكن يريد أن يسمعها منها.
يريد أن تخبره أنها عاشقة به.
لم يكن يوماً أنانياً ولكن معها أصبح هكذا.
وأشاحت بوجهها بعيداً عنه.
وجمعت الأوراق التي كانت أمامها وأعطتها له بعدما نهضت.
"اتفضل دي الأوراق مكتوب فيها كل الأسماء اللي طلبتها والمعلومات اللي كنت محتاجها."
وسارت بخطوات سريعة وغادرت الغرفة.
فوقف أمجد يطالعها وهي تغادر.
ويتسأل بدهشة.
"هي زعلت ولا إيه؟"
أما هي كانت تسير في طريقها وقلبها يؤنبها على ما فعلته به.
فهو أصبح يتلاعب بها يرى نظراتها ويتجاهلها.
وعضت على شفتيها بقوة.
فمعه قد نسيت كل مكرها وتلاعبها.
***
كل شيء قد تم سريعاً وها هي تجلس على مقعدها بفتور تنظر ليد عمران التي تصافح ذلك الرجل الذي يعد من عائلتها.
وحمل المأذون دفتره وانصرف ومعه مروان يتبعه للخارج.
شخصاً واحداً كان جالساً باسترخاء يطالعها بتفحص.
هو نفس الشخص الذي رأته من قبل في الفيلا واوقفها يسألها عن هويتها وعلمت بأنه شقيقه.
ولكن نظراته اليوم إليها مختلفة.
وفركت يديها بأرتباك.
وطأطأت رأسها بخوف.
فهتف فؤاد قبل أن يرحل.
"مبروك يا بنت الغالي."
وجز على أسنانه بقوة وهو ينطق آخر كلمة.
وتأكدت بأن عائلة والدها بالفعل تكرهه كما كان يخبرها عندما كانت تسأله عنهم.
وأنصرف فؤاد وبقي عمران وأمجد ليأتي مروان يطالعهم بصمت.
فنظر أمجد إلى أخيه طويلاً ونهض قائلاً.
"عمران عايز أتكلم معاك شوية ممكن."
فربت عمران على كتف أمجد وهو يعلم بكل ما يدور بخلده.
فهو رأى نظرات شقيقه عندما علم باسم والدها.
فأخوته يعلمون سبب كره جدهم وأبيهم رحمهم الله لهذا الرجل.
وسار نحو إحدى الغرف.
لينغلق الباب.
فتشعر هي بالرهبة من كل ما يدور حولها.
فنظر لها مروان بأشفاق لا يعلم سببه.
"مبروك يا مدام حياة."
فحركت رأسها بصمت.
ليتجه مروان بعدها للشرفة يقف فيها.
تسأل أمجد بضيق.
"عمران اوعي تقولي أنك اتجوزتها عشان تنتقم."
فنظر إليه عمران بجمود.
"ومن إمتى ولاد العمري كانت دي أخلاقهم."
وبدأ يشرح له سبب زواجه بها.
حتى تمتم أمجد براحة.
"أنا صحيح مش راضي على جوازتك حتى لو مجرد وقت."
ثم نظر إلى عين عمران بقوة.
"بس هي ملهاش ذنب في حاجة."
وابتسم واحتضنه.
"مبروك يا عمران.. آه لو ليلى هانم عرفت."
فابتعد عنه عمران وهو يحذره.
"أمجد جوازي محدش هيعرف عنه حاجة.. وزي ما اتجوزتها هننفصلوا."
وأشار إليه بتحذير.
"سامع يا أمجد."
فهتف أمجد ضاحكاً.
"ياسيدي فاهم متقلقش."
وأنهوا حديثهم ليخرج أمجد.
وينظر إلى حياه التي لم تتحرك إلى الآن من مكانها.
والتقت عيناهما وقبل رحيله هنأها بنبرة ودودة.
"مبروك."
وانصرف ليتبعه مروان بعد أن أشار لعمران بأنه أيضا سينصرف فمهمته هو الآخر أنتهت.
ونهضت عندما أغلق باب الشقة.
وتمتمت بقلق.
"مش هنمشي؟"
فأشار لها.
"اقعدي يا حياة هنتكلم شوية وهنمشي."
عادت تجلس بتوتر.
وأخذ عمران يطالعها قليلاً فوجهها أصبح متورداً بشدة وعيناها لامعة بشكل غريب.
يعلم أن هذه اللمعة مجرد دموع متراكمة تنتظر بأن تسمح لها صاحبتها بالهطول كي تخفف عنها!
رواية ودق القلب الفصل الثاني عشر 12 - بقلم سهام صادق
كانت تسمعه وهو يضع قواعد علاقتهما.
يُخبرها بأن تعتبر لا شيء قد تغير وأن زواجهم هذا وكأنه لم يحدث.
ورغم أنها تعلم هذا إلا أنه جرح كرامتها بكلامه.
فهي أحيانًا تشعر بأنه مجرد حجر يُلقي بكلماته وكأنها أوامر دون أن يعي أن الكلمة تترك أثرًا أكثر من أي شيء.
وبعدما أنهى حديثه، حركت رأسها بتفهم.
- مش محتاج تكرر كلامك كتير.
ونهضت وهي تهتف.
- ممكن نمشي.
نظر عمران إليها واستغرب من تصرفها هذا ولكنه فضل الصمت.
وخرجا سويا من البناية الفخمة.
ثم توجها للسيارة.
لتركب جانبه بصمت وظلت هكذا طيلة الطريق.
أما عمران فكان سارحًا في عالم آخر.
وصلا أخيرًا للفيلا.
فزفر عمران أنفاسه وهو لا يعلم ماذا سيقول لها.
ووجدها تخرج من السيارة ولكنها وقفت بعد أن ترجلت منها ونظرت إليه.
- هبدأ شغلي التاني امتى؟
فتنهد عمران وهو يطالعها.
- تقدري تبدأي من بداية الأسبوع.
وعندما أنهى كلامه وجدها انصرفت.
وذهبت لغرفتها بضيق لا تعلم سببه.
يوم جديد وأمل جديد ورحلة ما زالت مستمرة.
استيقظت من نومها دون حماس وظلت جالسة على فراشها قليلاً وتذكرت كل ما مرت به ليلة أمس.
ووخزها قلبها فوضعت بيدها عليه وكأنها تطمئنه.
ونهضت من فوق فراشها وقررت أن تنسى تلك الليلة وتعود لحياتها الهادئة كما كانت.
نهض عمران من نومه وظل جالسًا يتأمل الفراغ الذي أمامه.
وبدأت صورته المنكسرة تأتي لذهنه.
فأخذ يطرد تلك الصورة سريعًا ونهض من فراشه ليبدأ روتينه اليومي ويخرج لعالمه بوجه رجل الأعمال الحازم.
وقفت مها أمام مرآتها تنظر إلى هيئتها.
عينان أصبح يُحاوطها السواد من كثرة التفكير ووجه بدأ يذبل.
وسمعت صوت شقيقتها الضاحك.
- في إيه يا مها، مانفس خلقة كل يوم، اكتشفتي في نفسك حاجة جديدة؟
نظرت مها لها بصمت.
وأخذت تلف حجابها.
إلى أن نهضت لمياء بعد أن شعرت بقسوة كلماتها.
وأقتربت منها تربت على كتفها.
- لو تسيبيني بس وأسمعي كلامي.
وغمزت لها بعينيها وتابعت.
- هخليكي إيه قمر.
تنهدت مها باختناق.
في يوم أن قررت أن تنصت لكلامها سمعت لأول مرة كلامًا لم تسمعه من قبل وندمت أشد الندم.
- أنا عاجبني شكلي كده، ولا عايزة أبقى قمر ولا شمس.
فضحكت لمياء وهي تضرب بكفيها ونطقت دون أن تدرك أثر كلماتها على شقيقتها.
- يبقى مش هتتجوزي ولا حد هيبصلك.
وانصرفت لمياء دون أن تنظر لوجه شقيقتها الذي كساه الحزن.
شهقت منار بسعادة وهي تستمع بما أخبرتها به حياة واحتضنتها قائلة.
- وأنا أقول السوسة حياة مبقتش ليه مهتمية بشغلها الأيام دي.
آه يا ستي ما أنتي لقيتي شغلانة تانية وهتشتغلي بشهادتك.
فابتسمت حياة على مزاحها.
وهتف رامي بود.
- مبروك يا حياة، أنتي تستاهلي كل خير.
وعدلت منار من هندامها.
- وأنا كمان عندي ليكم خبر هيفرحكم.
- أنا هتخطب وهستقيل من الشغل.
فحدقت حياة بوجه رامي الذي تغير وأصبح شاحبًا.
ونظرت إلى منار التي تبتسم لها وتنتظر منها مباركتها.
- مبروك يا منار.
ثم احتضنتها وعيناها ما زالت معلقة على رامي.
الذي وقف كالتائه يطالعهما بصمت وحركت رأسها له وكأنها تريد أن تخبره أن الحياة لا تقف، وستستمر إذا رضينا أو لم نرتض.
وتمتم رامي بشحوب.
- مبروك يا منار.
فطالعه رامي بسعادة.
- الله يبارك فيك يا رامي، عقبالك.
وعندما جاء أحد الموظفين يطلب شيئًا.
ذهبت إليه منار لتعد له طلبه.
فرفع رامي عيناه نحو حياة.
- متقلقيش أنا كويس، مش أول صدمة آخدها من الدنيا.
فأقتربت منه حياة وهي تشعر بالأسى نحوه.
- بكرة هتلاقي تعويض على كل وجعك.
وعادت إليهم منار وطالعتهم متسائلة.
- مالكم ساكتين وواقفين كده ليه، مش هتحتفلوا بيا؟
نظرت فرح إلى عقد الأرض بسعادة وهي تتمتم بشكر.
- مش عارفة أشكرك إزاي يا أستاذ أدهم.
فابتسم أدهم وهو يرى سعادتها وتمتم بهمس لم تسمعه.
- المفروض أنا اللي أشكرك يا فرح.
وأبتسمت برقة دون أن ترفع وجهها عن العقد.
كان أدهم يختبر معها مشاعر جديدة لاول مرة يعيشها.
- انتي مميزة أوي يا فرح.
فرفعت فرح وجهها نحوه.
فارتبك وخشي أن تكون سمعته.
- كنت بتقول حاجة؟
وتذكر أدهم أمر صغيره مالك.
- ممكن أطلب منك مساعدة.
فرحبت فرح بشدة.
ووجدت أنها فرصة ترد له معروف ما فعله.
- آه أكيد اتفضل.
فتنهد أدهم وبدأ يخببرها عن حاجته لمربية لـ"مالك".
فالأخيرة قد رحلت بعدما لم يجدها مؤهلة لرعاية صغيره.
حفل بسيط يريدون فعله من أجل الرجل الذي أحبوه وليس لأنه مالك القناة أو الإعلامي المشهور "أمجد العمري".
وهذا كان ما يحدث مع العاملين بالقناة وهم يتهامسون مع بعضهم كي يفاجئوه.
فهم يجدون أن هذا الاحتفال يعبر عن حبهم واحترامهم له.
كانت نهى تقف تستمع إلى همساتهم وهي لا تفهم شيئًا.
إلى أن سألت إحداهن فأخبرتها بالأمر وهي مبتسمة وتمتمت بهمس.
- بس دي مفاجأة.
نظرت إليها نهى بعد أن رحلت الفتاة من أمامها ووقفت وهي لا تعرف ماذا ستجلب له.
فشخصية كأمجد صعب أن تفهم ماذا يفضل أو يكره.
وكادت أن تغادر كي تذهب لجلب هدية له إلا أن سكرتيرته جاءت تخبرها أنه يريدها.
فزفرت أنفاسها بتذمر.
وقررت أن تذهب إليه سريعًا ترى ما يريده ثم تنصرف.
كان ينتظرها دون سبب ولكنه أصبح يشتاق لها.
وعندما دخلت عليه بطلتها الجميلة التي يبغضها بسبب ملابسه.
تنهد بيأس إلى أن نطقت.
- مني قالتلي إنك عايزني.
فسألها أمجد عن بعض المعلومات التي أراد منها تجميعها.
- أنا أدتهالك النهاردة الصبح بعد ما طبعتها.
وشعر بالحنق من نفسه.
فهو لأول مرة يخطئ من تذكر شيئًا.
وقفت للحظات تنظر إليه تنتظر منه أن يخبرها ما يريده منها.
إلى أن تساءلت.
- هو أنا ممكن أستأذن ساعتين أو تلاته كده وأرجع؟
وأراد أن يسألها عن السبب.
فتماسك ذلة لسانه وأشار إليها بالانصراف.
خذلان آخر أصابها وهي ترى اللامبالاة في تعامله.
ولكنها أرادت أن تتجاوز كل شيء.
وتفكر في أمر هديته.
وانصرفت تحت نظراته المحبة.
وقفت نهى على رصيف أحد الشوارع تنظر إلى شاشة هاتفها تبحث عن مقترحات لجلب هدية له.
ولكن كلما وجدت اقتراحًا تجد أشياء معتادة.
وتأففت وهي تعبث في خصلات شعرها ونظرت حولها بملل فالوقت يمر وهي إلى الآن لم تجد هدية تقدمها له.
واتسعت حدقتا عيناها وهي ترى شابًا يحمل كتابًا ينظر في غلافه.
وأخذت تدور الفكرة بعقلها إلى أن وجدت أن هذه الهدية هي الأفضل.
فأمجد لا يحتاج عطرًا غاليًا ولا ساعة ثمينة ولا دبوس بدلة ولا حتى أطقم زراير لقمصانه.
وأسرعت بخطواتها لتذهب إلى الأماكن المخصصة لبيع الكتب وهي تبتسم فقد وجدت غايتها بسهولة فهي تعلم أنه يعشق الأدب الإنجليزي.
أنهت حياة أوراق استقالتها من الشركة وودعت كل من منار ورامي وهي تتمنى لهم الخير.
وانصرفت نحو الخارج لتقع عيناه على عمران الذي يفتح باب سيارته لتلك الفتاة التي رأتها معه مسبقًا ولم تكن غير "نيرة".
ووقفت للحظات تنظر إليهم إلى أن تحركت السيارة واختفت من أمام عينيها.
وضمت حقيبتها الصغيرة لجسدها.
وأكملت خطواتها وأفكار كثيرة تدور بعقلها.
لما أزعجها المشهد رغم أنها تعلم حقيقة زواجهم؟
لما أصبحت تلك الأيام تشعر بالوحدة وأن قواها قد خارت؟
وقررت أن تسير في الشوارع قليلاً.
فهي أصبحت تعرف وجهتها.
وقفت تنظر حولها تتأمل وجهات المطاعم.
الكل يأكل ويضحك ويسد جوعه.
وصغير يقف ينظر إليهم خارجًا.
وتحركت قدماها نحوه وأقتربت وقبل أن تصل إليه اصطدمت بإحداهن وسقطت الهدية التي كانت بيد الأخرى أرضًا.
- أنا أسفة.. مأخدتش بالي.
نظرت إليها نهى بهدوء وأبتسمت.
- مفيش مشكلة.
وذهبت نحو الصغير وربتت على كتفه بدفء.
فالتف إليها بخوف لتبتسم له كي تطمئنه.
- تحب تاكل زيهم؟
فحرك الصغير رأسه بجوع.
فضحكت وهو تمسح على شعره الناعم.
- طب تعالا يلا ندخل ناكلك.
كانت نهى تقف تتأمل ما يحدث وهي لا تعلم لما وقفت تتابع تلك الفتاة.
وابتسمت وأكملت وجهتها.
وضع النادل الطعام أمامهما.
فنظرت الصغير إلى حياة ثم إلى الطعام.
فضحكت حياة وهي تتأمله.
- عايزاك تاكل الأكل ده كله.
وبدأ الصغير يأكل وهي تأكل معه ببطء.
تراه وهو يمسح فمه بسرعة كي يبدأ بتناول لقمة أخرى.
تجربة لأول مرة تعيشها ولكنها أدركت أنها أروع شيء فعلته بحياتها.
وأنهى الصغير طعامه هاتفًا بحماس.
- شكرا يا أبله، الأكل حلو أوي.
فأتسعت ابتسامتها وسألته بحب.
- تحب تحلي بقي واجبلك عصير؟
فابتسم الصغير وهو يحرك رأسه.
فأشارت للنادل.
وبعد أن أملت عليه بما تريده.
أنصرف النادل.
- تعرف أنا لحد دلوقتي معرفش اسمك إيه.
فتأملها الصغير بخوف.
فهم يخبرونهم يجب أن لا يعلم أحد بأسمائهم.
وتمتم وهو يخفض رأسه.
أراد أن يكذب عليها ولكن معاملتها الطيبة له جعلته يرفع رأسه.
- اسمي محمد.
فرفعت حياه يدها وهي تبتسم.
فنظر إلى يدها ثم إلى يده غير النظيفة.
ولكنها.
- ياسيدي ما أنا إيدي كمان مش نضيفة.
فضحك وهو يمد يده وصافحها.
فهتفت.
- وأنا اسمي حياة.
فطالعها محمد بارتباك.
فضحكت بسعادة على ملامحه.
ضحك أمجد بقوة وهو يرى رسالة فرح.
ففرح كالعادة تهنئه بعيد ميلاده وتخبره بأن أبو الفصاد قد كبر عامًا وأصبح غرابًا.
وفي تلك اللحظة دخلت نهى بعد أن أطرقت الباب.
ووقفت تتأمله وهي ينظر للهاتف ويضحك.
وقبل أن تتحدث بشيء رن هاتفه.
فنظرت إلى المتصل وأبتسم وأشار لنهى بالجلوس إلى أن يُنهي مكالمته.
وجلست تنظر إليه وهو يتحدث بالهاتف.
وأول ما انتبهت إليه أن اسم المتصلة فرح ومن لهفته في الرد عليها وابتسامته أيقنت أن هذه الفتاة تحتل مكانة خاصة بقلبه.
ورغم أن كلامه معها في الهاتف كله مزاح.
إلا أن كل كلمة كانت تصور لها مكانتها.
وابتلعت غصة في حلقها.
وقررت النهوض وكادت أن تخرج إلى أنها سمعت صوته يناديها.
- نهي!
فالتفتت إليه.
لترى بعينيها دموعًا تُجاهد أن تخفيها.
فسألها بقلق وهو ينهض من فوق مقعده.
- مالك يا نهى؟
نظرت إليه طويلًا.
- مافيش حاجة.
فتأملها متنهدًا.
- طب تعالي أقعدي وقوليلي كنت عايزاني في إيه؟
ورفعت عيناها نحوه.
- كل سنة وأنت طيب.
دخلت من بوابة الفيلا وهي تتذكر أحداث اليوم.
فبعد أن أنهت طعامها مع محمد الصغير.
اشترت له ملابس جديدة.
وابتسمت وهي تتذكر ابتسامته وفرحته بالملابس الجديدة.
ونظرت إلى ما تحمله لتري هدية منيرة كما أنها جلبت لنعمة هدية بسبب خطبتها التي ستكون قريبًا.
ولم تنس أمل معهم.
وسمعت صوت البوابة يفتح.
وضوء سيارة خلفها.
وأكملت سيرها دون أن تلتفت.
لتقف السيارة وتسمع صوت عمران.
- حياة.
فالتفتت إليه.
لتراه آتٍ نحوها ودون مقدمات أمسك يدها ووضع بها بطاقة ائتمان.
فنظرت إليه ثم إلى ما في يدها.
- إيه ده؟
فأجابها بجمود وكأنه يفعل واجبًا لابد منه.
- فتحت لك حساب في البنك النهاردة عشان لو احتاجتي حاجة.
فتنهدت وهي تعطيه البطاقة.
- بس أنا الحمد لله مش محتاجة حاجة.. وبشتغل وبصرف على نفسي.
وتركها دون أن يرد عليها.
فهتفت بصوت عالٍ.
- أنا مش عايزة فلوسك.
فعاد إليها ثانية وبنبرة جامدة.
- البطاقة معاكي عايزه تصرفي منها اصرفي مش عايزه انتي حرة.. بس دي الأصول اللي اتربيت عليها ولحد ما جوازنا ينتهي انتي ملزمة مني.
وانصرف دون كلمة أخرى.
لتنظر إليه بغيظ ثم إلى البطاقة وضغطت عليها بقوة حانقة منه ومن عجرفته.
أنهى برنامجه وودع ضيفه.
ثم استلم أحدهم المهمة بأن يتحدث معه قليلاً كي يشغله عنهم إلى أن يستعدوا.
وسار أمجد معه إلى أن انقطعت الكهرباء فجأة ثم عادت بعد دقيقتين وتفاجأ بما فعلوه له كعادتهم.
فأكثر الأشياء التي اهتم بها منذ أن أمسك إدارة القناة أن يجعل كل فرد فيها يشعر بأنهم أسرة واحدة.
وأبتسم لهم وهو لا يعرف كيف يشكرهم لتذكرهم الدائم له.
ووقفوا يصفقون له ويهنئونه ويغنون.
إلى أن جاءت الكعكة التي تتوسطها صورته.
وصافحهم بود وهو يشكرهم.
كانت تقف تنتظر أن يأتي دورها من بينهم.
ولكن قبل أن يصل إليها وجدت إحداهن تقترب منه وتذكرت أنها إحدى المذيعات.
وضغطت على هديتها بقوة وهي ترى تلك تتفنن في الدلال عليه بالضحك.
وكانت الصدمة وهي ترى هديتها كان "كتابًا طبعة أولى لكاتبه العالمي المفضل".
واتسعت عين نهى وهي ترى سعادته البالغة.
وكلمات امتنانه وأنها أفضل هدية قد حصل عليها هذا العام.
وشعرت بأن وجودها لم يعد مرغوبًا.
وقررت الانسحاب ببطء دون أن يراها أحد.
وقطع طريقها أحدهم وبدأ يحدثها دون أن يترك لها مجالًا أن تعترض وتنصرف.
وتنفست بعمق وعندما عادت تنظر إلى أمجد وجدته منشغلًا مع تلك المرأة.
فتفضلت أن تظل واقفة مع ذلك المتطفل الذي تعلم بنظراته اتجاهها.
وبدأت تتناسى وجود أمجد كما نساها هو.
إلى أن شعرت بيد الواقف على ذراعها.
فأنتفضت من لمسته.
ليعتذر: اسف يا نهى بس كنتي سرحانه.
فيعني.
كان يريد أن يبرر فعلته الوقحة.
وقبل أن تتركه وتذهب.
وجدت أمجد يتقدم نحوهم بملامح جامدة ونظر إلى الواقف.
- معلش يا منير محتاج نهى في حاجة.
وسحبها من ذراعها.
فهتفت بضيق.
- سيب إيدي.
وعندما وصل لمكان خالٍ وهادئ نظر إليها بضيق.
- أسيب إيدك واللي واقف بيحسس عليكي ده وعينه راشقة فيكي ده تسميه إيه؟ ردي.
تمتمت بسخط: أنا حرة زي ما أنت حر.
ووقف ساكنًا للحظات ينفخ أنفاسه.
- طول ما لبسك بالقرف ده هتدي لأي شخص فرصة إنه يفتكرك.
وبتر عبارته بعد أن شعر أنها قد فهمتها.
نظرت إليه بألم.
- شكراً.
وألتفتت بجسدها كي ترحل من أمامه.
فكلمته دمرت كل شيء جميل له رسمته داخلها.
وشهقت فجأة وهي تجده يسحبها لأحد الغرف.
وبعد لحظات كانت تخرج من الغرفة لا تتمالك أنفاسها وهي تتحسس شفتيها فقد قبلها أمجد وركضت وما زالت طيف قبلته بعقلها.
أما هو وقف يمسح على وجهه وهو لا يصدق أنه قبلها.
لا يعلم كيف ولما فعل هذا.
ونظر إلى الشيء المغلف الذي سقط من يدها.
وانحنى ليلتقطه.
وأزال تغليفه ليجد كتابًا عن فلسفة الحب.
فأبتسم.
وفتح أول صفحاته ليجد إهدائها.
"إلى أغلى إنسان.. إلى من علمني كيف أكون كما أنا.. إلى من أصبح عالمي كله".
نهى.
وأغلق الكتاب وخرج من الغرفة متلهفًا لرؤيتها.
فاليوم تأكد من حبه لها.
وقفت فرح ترحب بأدهم الذي جاء على الفور عندما أخبرته أنها وجدت مربية لمالك وتنتظره بالملجأ كي تعطيه معلومات عنها.
ونظر أدهم إليها يتعجب من جمالها الهادئ الذي لا يزينه شيء حتى ملابسها راقية محتشمة.
وجلس وهو يستمع لها عن مميزات المربية وحصولها على شهادة جامعية كما طلب.
وتساءلت: تحب تشوفها امتى؟
نظر إليها أدهم: لو النهاردة يكون أفضل.
فحركت رأسها بتفهم: خلاص بعد دوامي في الملجأ هجبهالك.
ثم مدت له بأوراق الفتاة قائلة: دي البيانات بتاعتها.
لينهض أدهم وهو يأخذ الأوراق.
- شكرا يا فرح.
وسألها بجدية: امتى هتبدي في ترخيص الأرض عشان تبني عليها؟
فأخذت تقص عليه الإجراءات التي تنتظرها إلى أن قاطعها.
- متقلقيش أنا هنهيلك كل حاجة ولا انتي نسيتي إني محامي.
فأبتسمت وهي ترفع وجهها نحوه.
وعندما تلاقت عيناهما أشاحت بوجهها سريعًا.
أما هو أخذ يطالعها.
وبعد أن كان يرى جميع النساء على نفس الشاكلة أدرك أنه يختبر نوعًا جديدًا من النساء لأول مرة يصادفه!
مرت الأيام وجاء يوم خطبة نعمة.
وذهبت كل من منيرة وأمل ومعهم حياة من أجل أن يكون معها في فرحتها.
كان يأخذ الحديقة ذهابًا وإيابًا ينظر في ساعته كل دقيقة منذ أن علم بذهابها مع منيرة.
وبدأ يهدئ في نفسه.
- مالك يا عمران انت عمرك ما كنت كده.. مهتم وعايز عليها ليه؟
لتأتي إجابة عقله "دي أمانة عندي ولازم أخاف عليها".
ليضحك قلبه ثم يصمت.
وجاء دور العقل ليرد ولكن انتبه لسماع صوت السيارة التي نقلتهم إلى الحارة التي تسكن بها نعمة.
وخرجت منيرة وحياة وأيضًا صالح الذي أوصلهم بأمر من عمران وظل معهم.
وضحكت منيرة وهي إلى الآن لا تصدق أن إحدى السيدات طلبت منها يد حياة لابنها ظنًا منها أنها ابنتها.
وكان صالح يشاركها الضحك ونظر إلى حياة ثم إلى منيرة.
- خلاص يا منيرة متحرجيهاش.
وتابع وهو يغمز لمنيرة دون أن يرى الواقف على مقربة منهم ولم ينتبهوا إليه.
- ها يا حياة يا بنتي نرد نقول موافقة على العريس؟
فأحتقن وجه حياة بقوة.
فضحكت منيرة على شكلها.
ثم ضمتها إليها.
- عقبالك يا حياة يا حبيبتي.
سمعوا نححت صالح وهو يهتف بارتباك.
- عمران بيه.
فابتعدت منيرة عن حياة.
ونظرت حياة نحوه لتجده يطالعها بقوة ويقبض على يديه بقوة.
وهتفت منيرة وهي لا تعلم أنها تزيد الأمر سوءًا.
- النهاردة حياة كانت ست البنات.. أهل نعمة كلهم عايزينها لولادهم.
فأزداد حنق عمران وهو يطالعها بغضب ويتأمل فستانها الفيروزي الذي زادها رقة وجمال.
وانصرف دون كلمة قبل أن ينفجر بها ويسبحها من يدها بقوة خلفه.
رواية ودق القلب الفصل الثالث عشر 13 - بقلم سهام صادق
بدء أدهم يقترب من فرح، وخاصة بعد أن استطاع أن ينهي لها بعض الأمور لتستطيع بدء مشروعها.
كانت تقف وسط العمال تُتابع أول يوم عمل لهم بعد تجريف الأرض.
وقف أدهم بسيارته يتأملها من بعيد، يراها كيف تقف وكيف تتحدث وكيف تمسح حبات عرقها من على وجهها. كان كل شيء بها يجعله في عالم آخر، عالم المقارنة.
وكان يتساءل داخله: "لما تفني عمرها هكذا؟ لما لا تقضي حياتها في التسوق والسفر والنوادي الصحية؟"
وكلما وقعت عيناه على جسدها الذي يستره الملابس المحتشمة الراقية وحجاب يخفي خصلات شعرها.
وجاءت بذهنه صورة زوجته السابقة، وارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتيه. زوجته السابقة التي أعجبه بها جسدها كونها عارضة أزياء، وتبرجها ودلالها الأنثوي وعلاقتهم المحرمة التي كانوا بها قبل الزواج.
كانت علاقتهم مبنية على الرغبة والمال. هو يرغب بجسدها، وهي ترغب بماله. والنهاية كانت طفلاً.
وزفر أنفاسه بقوة وهو يخلع نظارته السوداء من على عينيه، وقرر أن يخرج من سيارته ويذهب إليها.
وقف خلفها يتساءل:
- كل حاجة ماشية تمام؟
فالتفتت إليه بفزع وهي تضع يدها على قلبها.
فأبتسم وهو يتأمل ملامحها:
- معلش، اتخضيت.
وبدأت تشرح له ما يحدث، وهو يستمع إليها في صمت.
***
أخذت حياه كوب الشاي مع بسكوتها المملح المفضل إليها، وأبتسمت إلى العامل وهي تشكره. وذهبت إلى أقرب طاولة تجلس عليها. هكذا كان يومها هنا في الشركة الجديدة التي وظفها فيها عمران. واكتشفت أنه صاحبها هو وشريكه مروان الذي يملك بعض الأسهم بها. تعجبت في البداية من امتلاك عمران شركة خاصة بالبرمجة، ولكن في النهاية لم تشغل بالها كثيراً، ومدام أصبحت تعمل على نحو قريب من دراستها فلا شيء يهم.
فهي تعمل تبع القسم الإداري الخاص بحسابات الشركة.
وارتشفت من كوب الشاي وهي تتذكر رامي ومنار وكيف كانت خطبة منار التي حضرتها، ورامي الذي سافر للخليج بعد خطبتها مباشرة وكأنه أراد الهروب.
ورغم سعادتها من أجل منار، إلا أنها حزنت أنها لم تنظر إلى الحب، بل نظرت إلى من سيجعلها تعيش أفضل.
وسمعت صوت رقيق خلفها، فألتفت وأبتسمت.
تلك هي الفتاة الهادئة التي تبتسم لها دائمًا، وإلى الآن لم تعرف اسمها.
وجلست مها ومدت يدها بود:
- اسمي مها.
فأتسعت ابتسامة حياه وهي تمد يدها:
- وأنا حياه.
ودون تعريف بأنفسهم هتفت حياه:
- انتي سكرتيرة بشمهندس مروان؟
فحركت مها رأسها وهي تبتسم، فحياه قد رأتها في أول يوم لها عندما جاءت لمقابلة مروان لاستلام عملها.
- وسكرتيرة بشمهندس عمران برضو، إلى أن يعود.
فضحكت حياه ومها تُطالعها:
- انتي الموظفة الجديدة اللي اشتغلت في القسم الإداري؟
فتمتمت حياه وهي تمضغ ما بفمها وحركت رأسها.
وظل الحديث يدور بينهم بأمور عدة، إلى أن انتهى وقت استراحتهم وذهب كل منهما لعمله.
***
تنهد عمران بضجر وهو يستمع إلى نيره، ونظر إلى ساعة يده فوجد أن اجتماعهم قد تجاوز الساعتين، ونيره تدور في نفس الحوار وتقدم له بعض الأوراق من أجل تلك الصفقة.
وأغمض عينيه بسبب الصداع وتنهد بيأس:
- نيره بجد مش قادر، نكمل كلامنا في الصفقة دي بكرة.
وكاد أن ينهض من مقعده، فوجدها تقترب منه بلهفة:
- مالك يا عمران؟
فوضع يده على جبهته وبدأ يُدلكها بألم.
فوقفت نيره خلفه وأزالت يده، وأخذت هي المهمة:
- غمض عينيك واسترخي.
فأسترخي عمران بجلسته، وبعد لحظات كان يشعر بيد نيره على خصلات شعره وقرب أنفاسها من عنقه.
وأنتفض من جلسته وألتف نحوها.
فأنصدمت من فعلته وعدلت من وقفتها متسائلة:
- مالك يا عمران؟
فنظرت إليه وهو يحمل سترته مُتمتماً:
- ما فيش يا نيره، أنا ماشي.
وأنصرف من أمامها بضيق. فنيره أصبحت تبذل قصارى جهدها كي تقترب منه، وهو قد ملّ من شرحه لها بأنها مجرد صديقة وشقيقة ليس أكثر.
***
جلست نهي بجانب أمجد الذي أصبحت مشاعره واضحة.
وأبتسم وهو يحتوي كفيها بكفيه بعدما ترك ما بيده، وبنبرة محبة:
- وحشتيني.
وضمها إليه لتريح رأسها على صدره، وقد تشابكت أيديهم.
فرفعت نهي وجهها نحوه، وأقتربت منه تُقبل خده برقة.
فلم يشعر بنفسه إلا وهو ينجرف معها بمشاعر لأول مرة يختبرها، ويُخالف كل مبادئه التي تربى عليها.
***
مرت الأيام بسرعتها وبطئها أحيانًا. واقترب أجمل شهور السنة.
كانت حياه تشعر بالفرح لقدوم هذا الشهر الذي ستصومه لأول مرة بعمرها. للأسف.
ورغم أنها كانت تعلم بفرائض دينها، إلا أنها كانت غافية تحت سماء حياتها القديمة.
وشردت بحياتها القديمة بأسى. ونظرت إلى الزينة والفانوس الصغير الذي قررت جلبهما من أجل أن تشعر بالبهجة.
وقررت أن تُعلقهما خارج غرفتها، فغدًا سيكون أول أيام هذا الشهر الكريم.
وأتسعت عيناها بعد أن تأملت ما فعلته، لتسمع صوت أمل الضاحك:
- والله خليتي بهجة للفيلا يا حياه.
فأبتسمت حياه وهتفت بسعادة:
- أول مرة أحتفل برمضان، أنا فرحانة أوي يا أمل.
فأحتضنتها أمل وربتت على كتفيها وتمتمت بدعابة:
- كل سنة وانتي طيبة يا حياه، والسنة اللي جايه تبقي في بيت جوزك.
وعند آخر جملتها ضحكت أمل:
- دي الجملة الطبيعية لأي عروسة في سنك، قولت أقولهالك زي ما تقالت لينا كتير.
فضحكت هي وقد نست أنها بالفعل متزوجة. وصفقت يدها بمشاغبة:
- والسنة اللي جايه ليه؟ أنا عايزة السنة دي.
وما كان من أمل إلا أن انفجرت ضاحكة وغمزت لها:
- طب ما توافقي على العريس اللي جايبهولك جمال خطيب نعمة.
فـ `وكظتها` حياه بذراعها. فمنذ خطبة نعمة وأصبح الخطاب يتوافدون عليها.
وأصبحت هي تسليتهم الممتعة.
***
وقفت فرح تنظر إلى ظلمة السماء، وهي تتذكر والدها.
وشعرت بوجع بقلبها وهي تهتف بأمل:
- الصبر يا رب.
وأغمضت عينيها لتترك لدموعها العنان. ولم تدري لماذا تذكرت حياه التي أصبحت لا تعلم عنها شيئًا. ولكن هي تعلم أنها كانت مجرد محطة في حياة "حياه"، وقد أدت مهمتها. وشردت في اليوم الذي قررت أن تلغي رقم هاتفها الذي يعرفه الكثير وتغلق حسابها الشخصي. وكان كل هذا بسبب رسالة قاتلة أتتها من مجهول يشمت بكسرتها وبموت والدها. وأن من تفخر به قد رحل. لم تصدق أن بعد كل هذا الحب الذي أعطته لكل من حولها وجدت من يكرهها ويشمت بمصابها.
وشعرت بيد ليلي الحانية، فألتفت إليها لتجد ليلي تحمل فانوس وتبتسم:
- رمضان كريم يا حبيبتي.
وأرتـمت بين ذراعي ليلي تبكي. فعمتها لم تنسَ عادة والدها. ولم تشعر ليلي إلا بدموعها تتساقط على وجهها وهي تتذكر شقيقها شاكر. ومسحت دموعها سريعًا وهي تضمها إليها بحب.
***
نظر عمران نحو غرفة حياه وما صنعته وابتسم دون شعور، وأكمل خطواته للداخل ليخبر منيره بسفره غدًا إلى المزرعة.
أشرق الصباح بنوره الساطع. أستيقظت حياه وهي تشعر بالعطش الشديد وفركت عينيها بتسأل:
- ده لسا أول اليوم وأنا عطشت.
ونهضت من فوق فراشها لتستعد للذهاب إلى عملها.
وتخبر نفسها أنها لن تتراجع عن الطريق الذي اتخذته.
وأنقضى اليوم الأول وهي تجلس على الطاولة أمام منيره:
- خلاص قرب يأذن.
فضحكت منيره، فهذا سؤالها العاشر. لتضع منيره الطعام أمامها فقد اقترب وقت الأذان:
- خلاص هانت يا حبيبتي.
وعندما بدأ الأذان يعلو كانت حياه تمسك زجاجة المياه تبتلعها كلها.
وبعد أن انتهت نظرت إلى منيره التي مازالت ترفع يداها داعية. وبعد أن أنهت دعائها نظرت إلى حياه:
- ادعي يا حبيبتي بكل اللي نفسك فيه، إحنا في شهر كريم.
وبدأوا يتناولون طعامهم هي ومنيره فقط، فكل من أمل ونعمة رحلوا كي يكونوا مع عائلتهم.
***
نظرت ليلي إلى أولادها بسعادة وشردت نحو السنوات الماضية وتذكرت مازن. فرفع عمران وجهه نحوها وأبتسم وكأنه يشعر بها.
فـ `عادت` تأكل وهي تحمد الله على نعمه. وأتجهت بنظراتها نحو أدهم الذي دعاه عمران اليوم للإفطار معهم. ورأت نظراته التي إلى الآن لم تفسرها. فأدهم كان يختلس النظرات إلى فرح التي تضم "مالك" إلى حضنها تُطعمه.
بابتسامة ناعمة.
***
تلملمت حياه على فراشها وصوت هاتفها يعلو تحت وسادتها.
وكلما انتهى صوت رنينه عادت لغفوتها ثانية لتستيقظ مفزوعة وهي تفرك عينيها وتبحث عن هاتفها بجفون مغلقة وتمتمت بنعاس دون أن ترى اسم المتصل.
لتسمع صوت منيره:
- إيه يا حياه؟ دي خامس مرة أرن عليكي. قومي يلا عشان تتسحري.
نظرت حياه حولها وهي تستوعب كلام منيره، إلى أن فاقت على صوتها ثانية:
- اغسلي وشك وتعالي على المطبخ.
وبدأت حياه تستعيد تركيزها:
- آه حاضر.
وأغلقت الهاتف وهي تُطالع الغرفة الغارقة بالظلام إلا من النور الخافت الذي يأتي من الإضاءة الخارجية.
ونهضت بنعاس تبحث عن زر الإضاءة. وتذهب إلى المرحاض تنعش وجهها.
وخرجت وهي تغلق سترتها الطويلة فوق منامتها وتكمل لف حجابها. ومازالت في عالم الأحلام.
ووصلت للمطبخ لتري منيره تعد أطباقًا عدة. وعندما رأتها:
- صحي النوم يا حياه.
فأبتسمت وهي تقف جانبها كي تُساعدها:
- أساعدك في إيه؟
فابتسمت منيره وهي تعطيها قطعة من الخيار الذي كانت تُقطعه:
- أنا خلاص خلصت، خدي الأطباق حطيها على السفرة.
فأنظرت حولها ووقعت عيناها على طاولتهم المستديرة التي يأكلون عليها:
- هو إحنا مش هناكل هنا؟
فضحكت منيره على هيئتها وأعطتها أحد الأطباق:
- لأ، هنتسحر مع عمران بيه.
فأتسعت عين حياه، لتدفعها منيره بيدها:
- أسألتك كتيرة النهارده، يلا روحي حطي الأطباق.
فذهبت حيث دفعتها منيره، وبدأت تضع الأطباق وتأكل من قطعة الخيار التي مازالت بيدها.
وقفت ترتب الأطباق، ثم أبتعدت بفزع بعد أن سمعت نححته.
وألتفت وهي تمضغ ما بفمها وبدأت تسعل بقوة، فأقترب منها عمران بقلق وأزداد سعالها. فحمل كأس الماء سريعًا الذي أمامه وأعطاه لها.
وبعدما أرتشفت القليل بدأت تهدأ وشعرت بالحرج من نظراته وقربه:
- شكراً.
نظر إليها وهي مُرتبكة، وأبتعد عنها قائلاً بجمود:
- فين منيره؟
وسمع صوت منيره التي جاءت إليهم:
- محتاج حاجة تانية يا عمران بيه؟
فنظرت عمران إلى الطاولة الممتلئة وابتسم:
- لأ، كفاية كده يا منيره. ده سحور مش فطار.
فضحكت منيره. وعندما جلس على مقعده، جلست منيره بأرتباك قليلاً ولكنه تلاشى. فهي اعتادت في تلك الأيام أن تأكل معهم، فهي تعد من الأسرة لسنين خدمتها هنا.
ونظرت إلى حياه التي مازالت واقفة ولا تستوعب إلى الآن أنها ستجلس معه على مائدة واحدة:
- اقعدي يا حياه يلا.
فرفع عمران عيناه نحوها، فجلست بأستحياء وبدأت تأكل وتستمع للحديث الدائر حولها:
- ست ليلي عاملة إيه؟ مش ناوية ترجع بقي من المزرعة؟
فأجاب عمران بعبارات مختصرة:
- الحياه هناك بقت عاجباها. صحيح بتسلم عليكي هي وفرح.
فوقع الاسم على أذن حياه ولكنها لم تركز بالأمر، فالأسماء كثيرة وبالتأكيد ليست فرح خاصتها. ولكن من هي فرح هذه؟
وظلت تتسأل داخلها، أهي شقيقته؟ ولكنها تعلم أنه ليس لديه شقيقات.
ولاحظ عمران شرودها وتسأل بجمود:
- إيه يا حياه؟ مش بتاكلي ليه؟
فرفعت عيناها الناعسة نحوه وتمتمت:
- أنا باكل أه.
فضحكت منيره وهي تربت على يدها:
- حياه لسا نايمة أصلًا.
وتذكرت منيره شيئًا ونهضت قائلة:
- نسيت اللبن.
وبقيت حياه تُطالع طبقها وتقاوم النعاس، إلى أن بدأت تغفو دون شعور.
وتعلقت نظرات عمران عليها وبدء يتأملها وهي غافية.
ونهض من فوق مقعده، وأقترب منها وانحنى قليلاً نحوها:
- حياه.
وأستنشق رائحتها الجميلة، وبلحظة ضعف مدّ كفه نحو وجهها يُلامسه.
وفجأة أبتعد عنها مُدركاً فعلته. لتفيق هي من غفوتها ومسحت على وجهها:
- أنا صحيت أه.
فلم يتمالك عمران ضحكاته، فضحك على هيئتها.
لتنهض من على مقعدها بعد أن شعرت بالأرتباك والخجل منه. وفجأة سقطت بعدما تعرقلت حركتها.
ليُكمل عمران ضحكاته ولأول مرة يخرج من جموده. فقد مرت عليه مواقف كثيرة ولكن معها لا يعلم السبب.
واحتقن وجهها وهي تشعر بسخريته وهو يراها هكذا.
وأنحني نحوها يمدّ لها يده:
- قومي يا حياه، أنا بقول تروحي تنامي أحسن.
لم تمد يدها له. فأمسكها من مرفقها وابتسامته مازالت على وجهه.
وتمتمت داخلها وهي تراه بتلك الطريقة المريحة:
- ما أنت طبيعي وبتضحك زينا أهو.
حدقت به وهي تري ملامحه عن قرب، وقلبها يدق بعنف من رجولته الطاغية. وأبتعدت عنه وركضت من أمامه نحو المطبخ، لتتفاجئ بها منيره:
- مالك يا حياه؟
فحملت حياه كأس الماء الممتلئ وارتشفت منه:
- أنا هرجع على أوضتي.
وذهبت دون أن تستمع إلى نداء منيره التي تحمل بيدها أكواب اللبن.
ما هو وقف يبتسم دون سبب. وعندما جائت منيره حمل كوب اللبن منها:
- شكراً يا منيره.
وصعد نحو غرفته دون أن يترك لها وقت لسؤاله عن شيء.
فنظرت منيره إلى طيفه متعجبة ولكن صمتت.
***
وقفت فرح بسيارتها أمام باب المزرعة الضخم، ونظرت إلى الحارس الذي أصبح يعرفها من كثرة مجيئها هنا بالمربيات. وطالعها الرجل بنظراته الحانقة التي أصبحت معتادة عليها وتسألت:
- أستاذ أدهم موجود؟
فنظرت لها محروس وهو يداعب شاربه الضخم ويُطالعها بنظرات متفحصة ساخرة:
- آه موجود.
ومايل برأسه بطريقة متهكمة، لتسألها التي تجلس بجانبها:
- هو في إيه؟
فابتسمت فرح وهي تتحرك بسيارتها لداخل المزرعة:
- أصله يطيق العمي وميطقنيش.
فضحكت الفتاة التي جاءت اليوم كمربية للصغير.
وقفت فرح بسيارتها ثانية، وغادرت السيارة فغادرت الأخرى خلفها متجهين نحو المنزل الضخم الذي يحاوطه حديقة خلابة. ورحبت بهم الخادمة.
وأتجهوا نحو الصالون الراقي لتبتسم لهم الخادمة والتي أصبحت تعرف فرح بسبب قدومها الدائم إلى هنا بصحبة المربيات:
- منورة يا ست فرح.
فابتسمت فرح: ربنا يكرمك يا سعدية.
وبدأت تسألها عن ابنها الذي بالمصادفة علمت أنه خريج إعلام ويحتاج لوظيفة.
- ربنا يكرمك يا بنتي، أمجد بيه ربنا يباركله اهتم بكل حاجة. أنا وابني هنفضل العمر كله ندعيلكم.
وعندما سمعت سعديه صوت أدهم وهو يهبط من أعلى ابتعدت عنهم، وسارت نحو المطبخ تُكمل مهامها.
ونظرت فرح نحو أدهم الذي يحمل "مالك" بتأفف بسبب بكائه المتواصل، ونهضت من فوق مقعدها نحوه ونحو الصغير:
- براحة عليه، ده طفل صغير.
فطالعها أدهم ونظر إلى يديها الممدودة نحوه، وأعطى لها الصغير:
- أنا تعبت يا فرح، مش عارف أروح شغلي ولا أتابع القضايا اللي اتحولت ليا.
وزفر أنفاسه. ثم نظر إلى التي تقف على مقربة منهم وسألها:
- دي المربية الجديدة؟
فضمت فرح مالك الذي هدأ وبدأ يُداعبها بيديه:
- آه.
فنظرت إلى صغيره وأشار نحوه بتوعد:
- يعني سكت معاها دلوقتي؟
فضحكت على تذمر ادهم وكأنه طفل. فأبتسم إليها وهو يتأملها دون أن يعلم بأنه يسقط غريقاً بها كل يوم، ناسياً جراحه.
وأشاحت فرح وجهها بعيدًا عنه وبدأت تُلاعب الصغير.
واتجه ادهم نحو الواقفة وبنبرة جامدة:
- اتفضلي معايا على المكتب.
وأتبعته الفتاة وهي تعض على شفتيها بقوة تتأمل جسده الرجولي وهي لا تُصدق أن يوجد رجال مثله على أرض الواقع، وكأنه خرج من شاشة التلفاز. وتمتمت داخلها:
- ده ولا كأنه خارج من مسلسل تركي.
وأردفت الفتاة خلفه وأشار إليها بالجلوس وبدء يسألها الأسئلة المعتادة، وعن مؤهلها الدراسي. وهي تُجيب على أسئلته وعيناها تخترقه بوقاحة. وقلبها يدق طبولاً وتدعو أن تكون تلك الوظيفة من نصيبها.
***
بدأ مروان يستعجب من تباعد مها عنه، ففي البداية شعر بالراحة لأنه أراد ذلك، ولكن مع الوقت أحس بشيء داخله يتمنى أن يرى نظراتها المحبة.
جلست مها مع حياه وبدءا يُثرثرون قليلاً:
- بس أنا بجد حبيتك يا حياه.
فابتسمت حياه بود:
- وأنا كمان يا مها، بصراحة بتفكريني بإنسانة كنت أعرفها.
فأتسعت ابتسامة مها، واخرجت من حقيبتها مصحف صغير مثل مصحفها الذي تضعه دوماً بحقيبتها:
- اتفضلي يا ستي، دي هدية بسيطة مني.
فنظرت حياه إلى المصحف الذي عندما رأته مع مها تقرأ فيه في وقت فراغها من العمل سألتها أين تجد منه. فحجمه الصغير أعجبها، وأخذته منها بسعادة:
- أنا مش عارفة أشكرك إزاي يا مها.
فربتت مها على يدها وهي تبتسم:
- مفيش شكر بقى بينا يا حياه.
***
نظر أمجد إلى ملابس نهي وأشار بيده نحوها:
- إيه اللبس ده؟
فنظرت نهي إلى ملابسها ثم ابتسمت وهي تظن أن ملابسها قد أعجبته:
- عجبك!
فطالعه أمجد بضيق:
- عجبني؟ قصدك تقولي قرفتني.
فشحب وجه نهي من صراحته، وتنهد وهو يمسح على وجهه:
- نهي اعدلي لبسك شوية.
فطالعته نهي بوجع من كلماته:
- كنت ممكن تقولي بطريقة ألطف من كده.
فأقترب منه وهو يزفر أنفاسه:
- نهي حاولي تتغيري عشان نفسك مش عشاني.
وألتف بجسده يعطيها ظهره فهو حانق من نفسه.
بسببها أصبح ينساق وراء رغباته ونسي كيف تربى.
وشعرت بعدم رغبته في رؤيتها، فقررت الابتعاد عنه.
وخرجت من غرفته وهي تمسح دموعها.
فـ `يلتف` أمجد وينظر أمامه وهو يتذكر كيف أصبح شيطانه يُخيله لها وهي عارية بين أحضانه.
وأغمض عينيه وهو يزفر أنفاسه بقوة.
رواية ودق القلب الفصل الرابع عشر 14 - بقلم سهام صادق
بحثت عن هاتفها جانبها.
نظرت إلى الساعة، فوجدت أن وقت أذان المغرب قد اقترب.
أخذت تعقد شعرها وهي تقاوم تعبها، فالعمل مع الصيام شيء مرهق.
نهضت من فوق الفراش تُهندم ملابسها التي نامت بها عندما جاءت من عملها، ثم أخذت تبحث عن حجابها.
بعد دقائق، كانت تخرج من غرفتها تنظر للسماء وقد غابت الشمس.
سارت نحو المطبخ، كالعادة، كي تأكل مع منيرة، فنِعمة وأمل يرحلون قبل أذان المغرب كي تفطر كل منهن مع عائلتها.
وقفت تنظر إلى السيارات الواقفة وهي متعجبة، ثم لمحت المنضدة المعدة في الحديقة وبعض الأشخاص يجلسون يتحدثون.
عمران يجلس بجانب سيدة يضمها إليه، وأمجد بجانبه، وبجانبه مروان والفتاة التي تراها دائمًا هنا، وبجانبها شخصان.
لم تكن تعلم أن اليوم به عزيمة لضيوفهم.
ابتسمت وهي تراهم مجتمعين هكذا والبسمة تعلو أفواههم.
شردت بحزن على حياتها وتمنت لو أن لها أهلًا تجتمع معهم.
أكملت سيرها لتجد نِعمة تُسرع في حمل الأطباق متمتمة:
"كويس إنك جيتي يا حياة، ساعديني الله يخليكي. جمال زمانه جاي ياخدني، وأمل مشيت عشان ابنها تعبان."
فحركت حياة رأسها وابتسمت:
"حاضر."
ذهبت نحو منيرة المنهمكة في وضع الطعام بالأطباق:
"طب مقولتليش ليه يا ماما منيرة؟ كنت جيت ساعدتك."
فابتسمت منيرة لها بحب وهي تستمع لكلمة "ماما منيرة" التي أصبحت تقولها لها حياة:
"يا حبيبتي، قولت إنك تعبانة من الشغل. يلا خدي ساعدي نِعمة بق."
قَبّلتها حياة، وأخذت منها الأطباق وبدأت تساعد نِعمة، التي كانت تأخذ منها الأطباق وتضعها على الطاولة.
أمجد ينظر إلى شقيقه الذي يجلس يُركز في زوجته.
التفتت ليلي فجأة وقد رأت حياة:
"هي دي البنت اللي جابها حسام؟"
فانتبه عمران لسؤال والدته بعد أن كان كل تركيزه على حياة:
"آه."
عاتبته ليلي:
"طب ليه بتساعدهم؟ دي ضيفة يا بني."
فلم يجد عمران إجابة.
اقترب أمجد من والدته بمقعده وقبّلها:
"بس البت فرح ضيعت اللمة دي."
فضحكت ليلي بعد أن جذبها لحضنه، ثم تذكرت شقيقها بحزن:
"ما أنت عارف يا أمجد السبب."
فهم أمجد وطأطأ رأسه بأسى:
"ربنا يرحمه يا ماما."
انتهت حياة من مساعدة نِعمة.
وقفت نِعمة تمسح عرقها وتعدل من حجابها وهي تمسك هاتفها وحافظة نقودها باستعجال، وودعتهم وأسرعت للخارج حيث خطيبها الذي ينتظرها.
وضعت منيرة الطعام لها ولحياة مع أكواب العصير، وانتظروا إلى أن بدأ صوت الأذان يعلو.
نظرت فرح إلى المائدة الطويلة المُجهزة بأشهى الأطعمة وكيف يلتف الأطفال حولها يبتسمون ويأكلون بنهم.
وقعت عيناها على أدهم الذي يحمل صغيره الذي يشبهه في الملامح، ويأكل وسط الأطفال، بل ويساعدهم ويضع الطعام في أطباقهم.
لأول مرة تترك عيناها تتأمله، ولكن لم تكن تتأمل ملامحه بل تتأمل أفعاله.
فهو من أعد تلك المائدة وقرر أن يجلب طعام اليوم للأطفال والعاملين هنا.
رفع أدهم عينيه نحوها، فالتقطت عيناهما بصمت، فأشاحت وجهها سريعًا ونظرت إلى الأطفال، ثم نهضت نحو إحدى الصغيرات التي لا تعرف تأكل وبدأت تطعمها.
وهو مازالت عيناه عليها.
امرأة بعد أن جعلته يرى مساوئ النساء، جاءت أخرى تعلمه كيف تكون النساء بحق إذا ربطت بين دينها ودنياها.
انتهوا من تناول الطعام وبدأ الجميع يُثرثر وهم يجلسون في الهواء الطلق.
وكعادة نيرة، بدأت تجذبهم بالحديث نحوها بما تفعل، فهي دائمًا تحب أن تكون نجمة لامعة.
مروان وأمجد ينظرون لها ويضحكون بخبث وهم يرونها عالقة بعمران.
نظر أمجد لمروان وهمس وهو يضع يده على فمه:
"هتفضل لازقة ليه طول القعدة دي؟"
حدق مروان بالآتية خلفه على استحياء مع منيرة.
فالتف أمجد ليرى ما يُطالعه، فوجد حياة ومنيرة يقتربون منهم بالحلوي والعصائر مجددًا.
مازح أمجد منيرة وهو يضع بيده على بطنه:
"حرام عليكي يا منيرة، أنا كده محتاج يوم كامل أجري فيه."
فابتسمت منيرة له:
"ألف هنا يا ابني."
ثم نظرت نحو ليلي التي تُطالعها بابتسامة مُحبة.
اقترب أمجد يحمل من حياة المرتبكة العصائر، وابتسم لها بلطف.
بدأت منيرة تجمع المائدة، واقتربت حياة منها تُساعدها.
فلا يوجد أحد غيرها مع منيرة.
وعندما كانت قريبة من ليلي، نظرت لها ليلي بحنان:
"شكرًا يا بنتي."
فحركت حياة رأسها باحترام وأكملت عملها.
وعادت ليلي لحديثها مع والدي نيرة.
كان عمران يتابع كل ذلك بصمت، غير منتبه لثرثرة نيرة.
عيناه كانت متنقلة مع التي تتحرك كالفراشة تحمل الأطباق للمطبخ ثم تعود ثانية.
حتى انتهت.
اقترب مروان من أمجد الذي كان يُتابع ما تفعله حياة بحنق من شقيقه لأنه يترك زوجته حتى لو مجرد اتفاق.
هتف أمجد:
"دي كأنها خدامة هنا، والبه قاعد ولا همه."
فلم يجد مروان شيئًا يقوله، ففضل الصمت.
انتهت جلستهم خارجًا، لينهضوا للداخل يكملوا جلستهم مع احتساء القهوة.
ذهب أمجد نحو عمران وكاد أن يتحدث، فأشار له عمران بأن يصمت.
وقبض عمران على يده بقوة وهو يتذكر حياة وهي تُخدم عليهم وتنظف المائدة وكأنها خادمة وليست زوجته.
لأنه علم أنها زوجته.
زوجته التي هي مجرد عقد سينتهي مع وجود طرف آخر.
اتجه نحو المطبخ ليجدها تُساعد منيرة في جلي الأطباق.
ونظر إلى منيرة وتمتم:
"ممكن كوباية مايه يا منيرة؟"
فأعطته منيرة كأس الماء، وهي ترى نظراته على حياة التي تعطيهم ظهرها.
وهتف بتساؤل:
"أومال فين أمل ونِعمة؟"
فشرحت له ظروفهم، فقبض على يده بقوة وحياة تقف بصمت تُكمل عملها دون أن تتحدث.
تمتم بغضب:
"لو محتاجة حد يساعدك في المطبخ قوليلي."
وفهمت منيرة ما يقصده:
"والله يا عمران يا ابني حياة أصرت تساعدني، وأوعدك مش هيتكرر تاني."
وعندما شعرت حياة أن الحديث بدأ يدور حولها وأن عمران يصب غضبه على منيرة، التفتت إليه:
"أنا اللي طلبت أساعد، ومفيهاش حاجة لما أساعد."
وطالعته بنظرة غاضبة لحديثه الغليظ مع منيرة.
لينظر لها عمران بقوة وينصرف.
وكادت منيرة أن تتحدث، فقبلتها بحب:
"يلا بقى نخلص اللي ورانا بسرعة عشان نتفرج على المسلسل بتاعنا."
فضحكت منيرة بعد أن كانت تشعر بالضيق.
خرجت حياة نحو الحديقة كي تستمتع بجمال الظلام والهواء.
فغدًا عطلتها ولا مانع من أن تسهر إلى أن يأتي موعد السحور.
سارت بخطوات بطيئة تستنشق الهواء، وتنظر حولها متذكرة تلك الأريكة المنعزلة التي اكتشفت وجودها بالمصادفة في الجهة الخلفية من المنزل.
خطت بخطواتها نحوها.
وانصدمت وهي ترى عمران جالس عليها يضع ساقًا فوق ساق ويُدخن بشرود.
وعندما رفع وجهه وجدها تقف على مقربة منه.
تمتم بهدوء:
"تعالي يا حياة."
فأقتربت منه:
"مكنتش أعرف إن في حد هنا."
والتفتت بجسدها:
"هرجع أوضتي."
فجذبها من يدها، وأجلسها زافرًا أنفاسه بحنق.
ثم سحق سيجارته بحذائه بعد أن عدل من وضع جلوسه:
"اقعدي، مش هاكلك أنا، متخافيش."
فطالعته بحنق:
"ومين قالك إن إني خايفة؟"
فضحك عمران:
"تعرفي إن بقي ليكي صوت وبتعرفي تردي كويس."
فأشاحت بوجهها بعيدًا عنه وصدمته من ردها:
"أنا ليا صوت ديما وبعرف أرد كويس، بس للأسف مينفعش الضيف يقول غير حاضر ونعم ويسكت من غير ما يعترض."
فحدق بها بندم:
"انتي فهمتي ردي غلط يا حياة، ده مجرد هزار."
فضحكت بتهكم وهي تُطالعه:
"عمران بيه بيهزر؟ مش معقول."
فشعر عمران بتهكمها، وابتسم وهو يُطالعها:
"ومينفعش أهزر ليه؟"
فحركت رأسها وهي تُطالعه بتفكير:
"يمكن بالنسبالك الهزار مضر بالصحة."
ولم يجد نفسه إلا ينفجر ضاحكًا.
فتعجبت، ثم ابتسمت وهي تُحدق به.
وانبعثت رائحته داخل أنفها.
وتنهد بصوت مسموع لتفيق هي من رائحة عطره:
"لأ، بهزر عادي يا حياة."
ثم أشار بإصبعه بتحذير وبدعابة في نفس الوقت:
"بس بحدود وفي أوقات محددة."
فبسطت يدها ورفعت إصبعها من يدها الأخرى وكأنه قلم ستكتب به:
"قولنا إيه بقى الأوقات دي يا عمران بيه؟"
فضحك وهو يكتشف بها جانب آخر من شخصيتها.
وأخذ يدها وهو يتأمل ملامحها الجميلة:
"هاتي إيدك كده."
فأرتبكت.
ليبتسم وهو يفعل نفس فعلتها ويكتب على يدها:
"مثلًا زي وأنا قاعد كده، أو مثلًا وأنا مبسوط منك، أو مثلًا..."
وكاد أن يكمل حديثه.
فنهضت بخجل من جانبه هاتفة وهي تتحرك بخطى سريعة:
"يا خبر! هحضر السحور لماما منيرة، عايزاها تصحى تتفاجئ!"
وما كان من عمران إلا أنه عقد كلا ساعديه خلف رأسه المسنود على الأريكة الخشبية، واسترخى بجسده وهو يتنفس ببطء ويبتسم.
أطرقت باب حجرتها حتى أتاها صوته:
"ادخل."
فدخلت نهى بوجه يشع أملًا.
وعندما رفع وجهه نحوها، ابتسم لهيئتها الجديدة.
فقد ارتدت اليوم تنورة واسعة طويلة مع قميص أبيض.
واقتربت منه بخفة.
ليتضح له أن قميصها شفاف، فأشعة الشمس قد أوضحت كل شيء عندما سقطت عليها من نافذة غرفة مكتبه.
وتبدلت ملامحه للعبوس، وطالعها بجمود:
"إيه الزفت اللي انتي لابساه ده؟"
ففنظرت نهى إلى هيئتها ثم طالعته:
"ماله اللبس؟ مفيهوش حاجة."
فأقترب منها ليجذبها نحو إحدى المرايا الموجودة في غرفة مكتبه، وأشار على قميصها:
"جسمك باين يا هانم من تحت القميص."
وبدأ يصف لها ما يتضح بجمود حتى يجعلها تخجل من نفسها.
وبالفعل خجلت، ولأول مرة تكتشف أن أمجد حين يغضب يصبح وقحًا فظًا.
وأطرقت رأسها أرضًا:
"كفاية خلاص."
وابتعدت عنه وهي تبكي:
"انت ليه بتحب تجرحني؟ أنا كده ومش هتغير."
فطالعها بجمود:
"هتتغيري يا نهى، وأنا هعرف أعدلك."
وزفر أنفاسه بقوة:
"نهى..."
فرفعت وجهها نحوه وظنت أنه سيراضيها:
"روحي يا نهى عشان اليوم يعدي من غير مشاكل."
وكادت أن تعترض، إلا أنه أخرسها بإشارة منه:
"كلامي يتنفذ، وخدّي الباب في إيدك عشان ورايا شغل."
والتفت بجسده عائدًا إلى مكتبه:
"مش عايز ألمحك في القناة النهارده."
وضربت الأرض بحذائها العالي، وتمتمت بكلمات قد سمعها وانصرفت حانقة من تصرفاته معه.
ارتدت مها نظارتها الطبية وهي تُطالع بعض المتقدمات لوظيفة أعلنتها شركتهم.
وتنهدت بسأم وهي تتفحص من يجلسون، وتتساءل داخلها:
"ده لو عرض أزياء مش هيعملوا كده، استغفر الله العظيم."
ثم تابعت وهي تزم شفتيها:
"ده إحنا في رمضان يا ناس، إيه اللبس ده."
وعادت تنظر إلى الأوراق التي أمامها.
إلى أن سمعت صوت مروان وهو يُلقي السلام.
وأردف لداخل مكتبه بعد أن أشار إليها بأن تتبعه.
وقفت تنتظر أوامره، ولكنه بدأ يخلع سترته ثم جلس خلف مكتبه باسترخاء وفتح حاسوبه يُتابع بعض الأشياء.
كان يفعل ذلك متعمدًا كي يزيد حنقها.
لا يعلم لماذا بدأ يفعل هذا معها، فبعد أن بدأت تتحكم بمشاعرها وأيقنت أن من ترك شيئًا لله عوضه بأحسن منه.
داخلها يتمناه بشدة، ولكن اختارت أن تترك كل شيء لله.
وتساءلت بحنق:
"أدخل المتقدمين للوظيفة يا فندم؟ ولا أستنى لما تفضى؟"
فرفع مروان وجهه نحوها وتمتم ببرود مصطنع:
"خمس دقايق."
وانصرفت بعد أن عاد لمطالعة حاسوبه.
لتقف مها أمام الفتيات بحنق.
إلى أن وجدت إحداهن تقترب بخجل وترتدي ملابس محتشمة:
"أنا جايه عشان إعلان الوظيفة."
فابتسمت مها ثم ذهبت نحو مكتبها لتعطيها بعض الأوراق كي تدون بياناتها، وهمست بارتياح:
"يا أخيرًا لقيت حد يفتح النفس."
وانتظرت أن تُنهي الفتاة ملء بياناتها.
ورغم أنها جاءت آخرهم، إلا أن مها أدخلتها هي أولًا:
"اتفضلي يا آنسة."
ونظرت إلى طيفها وهي تردف داخل الغرفة.
وسمعت همسات الاعتراض والحنق.
تأتي حياة وتنظر حولها متسائلة:
"مالك يا مها واقفة كده ليه؟"
فالتفت مها إليها ثم جذبتها نحو مكتبها:
"مضايقة يا حياة، مضايقة أوي."
فضحكت حياة على تعبيراتها وتسألت بدعابة:
"ومضايقة من إيه يا مها؟"
فقضمت شفتيها بقوة وهي تُطالع الفتيات:
"انتي شايفة الدنيا صيام وهم عاملين إيه في نفسهم."
وأشارت بيدها نحو غرفة مروان:
"أدخلهم ليه دلوقتي؟ انتي مسمعتيش قالوا إيه عليه أول ما دخل مكتبه؟ ده قالوا عليه عينه حلوة وجنتل مان يا حياة."
فلم تتمالك حياة ضحكاتها، فمها أصبحت مفضوحة بالفعل.
تُداري مشاعرها منه، ولكن بمفردها أو معها يبدأ كل شيء بالظهور.
فحدقت بها مها بحنق، لتعتدل حياة في وقفتها وهي تتنحنح:
"أنا بقول أرجع أشوف شغلي بقى."
وانصرفت من أمامها وهي تكتم صوت ضحكاتها.
لتخرج أول واحدة من غرفة مكتب مروان، فتتبعها أخرى، إلى أن جاء دور أجملهم وأقصرهم في الملابس.
فنظرت لها بقوة وهي تهمس داخلها:
"مبقاش فاضل غيرك، أخليكي بعد مين أنا طيب."
وأشارت إليها بوجه عابس:
"اتفضلي يا آنسة."
فتمتمت الأخرى بدلال:
"ميرسي."
وقررت مها أن تدخل خلفها، ولكن انتظرت حتى لا يحرجها مروان.
وظلت تنتظر خروج الفتاة إلى أن نهضت من فوق مكتبها وجمعت بعض الأوراق:
"لأ ماهي كده طولت بقى."
وأطرقت الباب ودخلت دون أن تنتظر رد، لتجد مروان يضحك مع الفتاة، بل ويسألها عن بعض الأشخاص الخاصة.
فيبدو أنها من معارفه.
وانتهت المقابلة.
فمدت الفتاة يدها لتصافح مروان، فصافحها بابتسامة لم يبتسمها لها طوال عملها معه.
وانصرفت الفتاة بدلالها ورقتها بعد أن ودعها مروان وطلب منها أن توصل سلامها لشقيقها ووالدها.
ونظر إلى مها التي وقفت تُطالعه تارة، ثم تُطالع ظهر الفتاة وهي تُغادر.
"مها."
فالتفت إليه بفزع:
"ها، نعم."
وحدق بها بجمود وداخله يضحك على ملامحها:
"في حاجة يا مها؟"
فتسألت بغباء:
"أكيد هتعين أول بنت في الوظيفة؟"
فضحك مروان وهي يُطالعها:
"هو فعلا الاختيار وقع عليها وعلى نادين برضوه."
فعادت تسأله:
"مين نادين دي؟"
فرفع قلمه يحركه بين أصابعه:
"اللي لسه خارجة قدامكوما."
وما كان منها إلا أن اتسعت عيناها بصدمة:
"إيه ده؟ هتشتغل؟"
ثم تابعت بغيره:
"هي أصلًا فاضية لغير تقف قدام المرايا؟"
فتنهد مروان وهو يكتم أنفاسه حتى لا يضحك:
"أظن إن ده مش من اختصاصك يا مها."
فشحب وجهها من كلماته التي أحرجتها، وطأطأت رأسها بارتباك:
"فعلا عندك حق."
جلس شارداً يُطالع الظلام الذي أمامه ويزفر أنفاسه ببطء.
يتذكر حديث أستاذه الجامعي الذي جاء إليه بالقناة من أجل أن يطلب منه حضور ندوة طلابية.
فطلابه لم يصدقوا أن "أمجد العمري" الإعلامي المشهور كان طالبًا بجامعتهم وأنه كان أستاذه.
وبعد حديث طويل دار بينهم وفخره به لما حققه، سأله عن نهى التي لمحها بالصدفة عندما أراد مقابلته.
ليُخبره أمجد أنها تعمل لديه مساعدة شخصية.
وأغمض عينيه وهو يشرد بذلك اللقاء:
"مش معقول نهى مساعدة ليك؟"
فطالعه أمجد وهو لا يفهم مغزى كلامه:
"مش فاهم حضرتك تقصد إيه."
وبدأ الرجل، ويدعى "فارس"، يخبره عن التفافها حوله عندما كانت في سنتها الأولى بالجامعة إلى عامها الثاني، وبعدها أوقعته بحبها وكأنها امرأة لعوب وليست فتاة قد خطت أعتاب مراهقتها.
وعندما سأله كيف اكتشف أنها تتلاعب به، كان الصدمة: "إنه اكتشف أنها كانت تتواعد مع زميل لها أيضًا ابن أحد الرجال السياسيين."
"احترس منها يا أمجد، نهى دي عاملة زي الأفعى، تفضل تلف حواليك لحد ما توقعك وتاخد كل اللي عايزاه منك، وبعدين تدور على صيدة جديدة."
وفاق من شروده عندما اقتربت فرح منه بهدوء وهي تشك بصمته العجيب.
فأمجد دائمًا يضحك ويمزح وليس ذلك الرجل الذي يجلس أمامها.
وتذكرت اليوم عندما تفاجأت بوجوده ليخبرهم بأنه سيمكث معهم في المزرعة بضعة أيام، فهو يحتاج للهدوء.
وشعر بخطواتها، فالتفت نحوها متسائلًا:
"لسه منمتيش يا فرح؟"
فزفرت انفاسها وهي تجلس على أحد المقاعد التي بالحديقة:
"مجاليش نوم."
ثم تابعت بتساؤل وقلق:
"مالك يا أمجد؟"
فتمتم دون أن يُطالعها:
"متقلقيش يا فرح، أنا كويس."
وقررت أن تُمازحه كي تخرجه من ذلك الصمت، ولم تجد إلا تلك الدعابة التي هدمت كل أحلامها:
"أوعى تكون بتحب."
وغمزت إليه ضاحكة:
"هو مافيش غيره اللي بيعمل كده."
فابتسم وهو يعتدل في جلسته ويتذكر من شغلت عقله وقلبه بألاعيبها وهو كان كالأحمق:
"للأسف."
فلم تستوعب اجابته، فحدقت به وقد جف حلقها:
"انت فعلًا بتحب يا أمجد؟"
فلم يعد يعلم هل مازال يُحبها أم لا.
ولم يجد إجابة يخبرها بها، ففضل الصمت.
وشعرت بأن المكان يضيق بها.
وأرادت أن تنهض كي تفر هاربة من أمامه قبل أن تسقط دموعها، ولكن قدماها أبت أن تتحرك.
واندهش من صمتها:
"مالك يا فرح؟ انتي كويسة؟"
فابتلعت ريقها بصعوبة وأخذت تفرك يديها بتوتر:
"آه، متقلقيش."
وشعرت بقلبها وهو يدق بألم كأنه يريد أن يخبرها أنه لم يتحمل الصدمة، فهي السبب في كل هذا.
وتسألت وهي تُحارب دموعها وتغرز أظافرها في كفوفها:
"هي مين؟"
رواية ودق القلب الفصل الخامس عشر 15 - بقلم سهام صادق
وقف عمران من بعيد يُطالعها وهي تقف على أحد المقاعد تعقد ربطة الزينة التي انقطعت.
أبتسم وهو يراها تصفق بيديها بعد أن أنجزت مهمتها.
بدأ عقله ينشغل بها حتى أن عيناه بدأت تلتقط كل كبيرة وصغيرة تفعلها.
تحركت قدميه لخطوة كي يقترب منها، ولكنه تراجع سريعاً.
عاد إلى المنزل بخطوات حازمة وصعد الدرجات نحو الأعلى.
انتبه لصوت منيرة:
"هتفطر هنا ولا بره؟"
التف عمران لها ليُطالعها بملامح جامدة بعض الشيء:
"هفطر بره يامنيرة."
أكمل صعوده وداخله صراع بين قلبه وعقله.
فالقلب يريد أن يحيا من ظلمته وسكونه، أما العقل فيقف أمامه كالمعلم.
***
جلست فرح على فراشها وهي شارده في تلك الليلة التي أخبرها فيها أمجد عن حبيبته.
لم تكن تعلم أن الحب مؤلم هكذا.
زفرت أنفاسها بأسى ورفعت وسادتها تضمها إليها.
حبها الصامت لم يُجني نفعاً وقد أخذت حلمها أخرى.
أحياناً صمتنا يكون هو سبب خسارتنا، وأحياناً أخرى يكون هو نجاتنا من هلاك لا نعلمه.
مالت بجسدها على الفراش وأغمضت عيناها بقوة تمنع دموعها.
غفت دون شعور، ذاهبة لعالم آخر به الهدوء.
***
الأيام تمر والكل يسير بحياته كما اعتاد.
من يسير نحو حلم جديد، ومن يودع حلم عاش به طويلاً.
وقفت نهى أمامه تنتظر منه أن ينتبه إليها، ولكن أمجد الذي أصبح عليه الآن لا تعرفه.
منذ أن عاد من إجازته التي أخذها لبضعة أيام، عاد جامد الملامح يتحدث معها كأن لم يحدث بينهم شيء.
تذكرت لحظاتهم الجميلة رغم أنها قليلة، ولكنها أجمل ما عاشته بحياتها المظلمة.
تمتمت بارتباك:
"السكرتيرة قالتلي إنك عايزني."
انتظرت للحظات إلى أن رفع وجهه نحوها وألقى بكلماته بقسوة لم تراها منه من قبل:
"هتتنقلي لقسم العلاقات العامة."
كادت أن تتكلم إلا أنه لم يعطها فرصة للحديث، ليشير إليها بجمود:
"ده قرار نهائي ولو مش عجبك تقدري تقدمي استقالتك."
عاد إلى مطالعة أوراقه.
لتقترب منه قائلة بنبرة باكية:
"أنا عملت إيه طيب؟"
فزفر أنفاسه بقوة وهو يرفع وجهه:
"آنسة نهى، اتفضلي على شغلك."
لتقف حائرة ونظرت إليه وأرادت أن تتكلم، ولكن أشار بيده نحو الباب، لتنصرف في صمت.
وبعدما رحلت ظل يدور بمقعده بجمود وهو يدرك حقيقة واحدة أنه أحبها حقاً ووقع في فخها كما وقع الآخرين.
***
رأت سيارته من شرفتها وقد عزمت أن تذهب إليه كي تتحدث معه وتسأله عن صحة حسام وهل استيقظ من غيبوبته أم مازال كما هو.
ارتدت حذاءها ونظرت إلى ساعة هاتفها لتجد أن الوقت تجاوز العاشرة مساءً.
خرجت من غرفتها متجهة نحو المطبخ لتجد منيرة جالسة بمفردها تتثاوب.
فمنذ بداية ذلك الشهر ونعمة وأمل يرحلون إلى منازلهم مبكراً قبل موعد الإفطار.
نظرت إليها منيرة:
"مالك واقفة كده ليه؟ شكلك جعانة يا حبيبتي."
تابعت بأمومة:
"ما أنتي مبتفطريش كويس يابنتي."
ونهضت كي تعد لها الطعام، فأوقفتها حياة:
"أنا جيت أشرب معاكي الشاي."
فقد خجلت أن تخبرها أنها تريد أن تستأذن لها كي تقابل عمران.
قررت أن تؤجل حديثها معه إلى أن تراه صدفة.
فلا داعي للانتظار.
وصنعت منيرة الشاي وجلسوا يشربونه سوياً ويثرثرون.
عادت تتثاوب منيرة ومسحت على وجهها.
لتشفق عليها حياة:
"شكلك تعبانة وعايزة تنامي."
ونهضت كي تتركها، ولكن جاء صوت عمران وهو يردف لداخل المطبخ:
"ممكن فنجان قهوة يامنيرة."
انتبه لوجود حياة ولكنه تجاهلها وهو يصارع رغبته في تأملها.
ونهضت منيرة تصنع له فنجان القهوة.
وقبل أن يغادر المطبخ هتفت حياة:
"ممكن أتكلم معاك دقيقة."
فألتف عمران إليها.
ونظرت لها منيرة وهي تعد القهوة:
"ابعتي القهوة معاها يامنيرة."
وانصرف بعنجهيته التي اعتادت عليها.
فكشرت بملامحها لمعاملته تلك، فضحكت منيرة.
وبعد دقائق أنهت منيرة إعداد القهوة وأعطتها لها:
"أهي القهوة ياستي."
وتابعت وهي تربت على كتفها:
"هروح أرتاح في أوضتي شوية قبل ميعاد السحور."
فحركت حياه رأسها وتقدمت أمام منيرة وكل منهما ذهب لاتجاهه.
طرقت الباب طرقات خافتة وبعد أن أذن لها بالدخول.
أردفت بارتباك وتمتمت بخفوت:
"أحط القهوة فين؟"
فألتف عمران لها وقد كان يتحدث في هاتفه وأشار إليها بأن تنتظر لحظة.
أنهى مكالمته.
ونظر إليها طويلاً ولم يعلم لما أراد أن يرى حنقها منه ويُشاكسها قليلاً:
"هاتي القهوة."
وقبل أن تقترب منه بها، اتجه نحو الأريكة يجلس عليها بغرور ويسترخي بجسده.
فزفرت أنفاسها بحنق تكاد تنفجر به.
واتجهت نحوه ثم وضعت صينية القهوة على الطاولة المستديرة القريبة من موضع جلوسه.
ليهتف عمران ساخراً:
"هنقعد ساعة عقبال ما تديني القهوة."
ومدّ له يده وداخله يضحك على هيئتها الحانقة.
وتنهدت بقوة وهي تحمل فنجان القهوة كي تعطيه له وتخبره بما جاءت وتنتهي تلك الجلسة قبل أن تسكب عليه تلك القهوة.
وحدث ما أرادت.
فسقطت عليه بالقهوة بعد أن تعرقلت قدماها بطرف ثوبها الطويل.
لتبتعد سريعاً عنه، فينهض وهو يفك أزرار قميصه بضيق:
"أنا قولت تديهاني مش تحرقيني."
واتسعت عيناها وفتحت فمها كالبلهاء وهي تراه عاري الصدر أمامها بعد أن خلع قميصه.
وضعت يدها على عينيها وهي تتمتم:
"البس هدومك، مينفعش كده."
كان عمران يطالع موضع الحرق دون أن ينتبه لها.
ورفع عيناه نحوها ليجدها تقف تعطيه ظهرها وتُخبئ عيناها بيديها:
"أنا هجيلك في وقت تاني."
وتحركت خطوة من أمامه، ليمسك ذراعها حانقاً واراد أن يستفزها:
"يعني تحرقيني وتمشي؟"
فتمتمت حياة بخجل:
"عيب، أفضل هنا معاك وانت كدا."
استفزته كلماتها فنطق بحنق:
"حياة، أنا جوزك على فكرة."
وأزالت أحد يديها عن إحدى عينيها:
"ها!"
هيئتها هذه أنسته حنقه منها وما فعلته.
حتى ألم الحرق لم يعد يشعر به.
"ولا انتي نسيتيه؟"
وتابع وهو يراها تبتلع ريقها بصعوبة:
"عالجيني بقا."
كلمته الأخيرة جعلتها تفيق من غيبوبتها المؤقتة.
ودفعته بيدها وركضت من أمامه.
لتعلو ضحكاته وهو لا يصدق أنها خجلت منه رغم أنها عاشت سنين عمرها في المجتمع الغربي.
***
رفعت مها عيناها نحو التي تقف أمامها.
وظلت تتفحصها من قدميها إلى رأسها.
فنادين أصبحت فاتنة الشركة منذ تعيينها.
لتهتف نادين بوقاحة:
"انتي يا آنسة."
وبدأت تعدل من شعرها بيديها:
"بشمهندس مروان عايزني، ممكن أدخله بقى؟"
تمتمت مها ببعض الكلمات المبهمة.
ونهضت حانقة:
"اتفضلي."
وسارت أمامها والأخرى تتباطأ في خطواتها.
طرقت الباب ثم أردفت وهي تخبره:
"الآنسة نادين يا فندم."
فأبتسم مروان ونظر إلى نادين التي تتقدم نحوه:
"تعالي يا نادين."
وأشار إليها ببرود عكس تلك:
"اتفضلي انتي يا مها."
فوقفت للحظات تنظر إليهما.
إلى أن انصرفت وقلبها يخبرها أنه إذا فُتن بإحداهن فستكون هي نادين.
وجلست على مكتبها تُلملم الأوراق بعنف.
فهي تريد أن تخرج غضبها بأي شيء.
أما هو جلس مع نادين بعملية يُخبرها عن المشروع الذي ستعمل به واختارها لأن المشروع مشابه لمشروع تخرجها.
ونادين كانت تجلس أمامه بهدوء لا تفكر بشيء سوى عملها.
***
تسير شارده في الحقيقة التي علمتها.
حقيقة مؤلمة ولكن جعلتها تفيق من أحلامها.
وسمعت صوت سيارة خلفها ولكنها لم تقف وأكملت سيرها.
ليخرج أدهم من سيارته ويذهب نحوها:
"آنسة فرح."
فأنتبهت فرح لصوته والتفت إليه بوجه شاحب.
لينظر لها أدهم بقلق:
"شكلك تعبان، فيكي حاجة تحبي أوديكي المستشفى؟"
لتخفض فرح رأسها أرضاً لعلها تُداري بؤسها:
"لأ أبداً، أنا كويسة."
وأشارت نحو طريقها:
"أنا رايحة الملجأ."
وتقدم أمامها وهتف بود:
"طب تعالي أوصلك."
فنظرت إلى طريقها وتمتمت برقة:
"لأ شكراً، اتفضل انت."
وأكملت سيرها بخطى بطيئة.
فهي تريد أن تسير لأكبر مسافة ممكنة لعلها تجد في إرهاق قدميها مسكن لقلبها.
وقف ينظر إليها بقلق ثم عاد إلى سيارته وداخله مشاعر كثيرة نحوها.
كلما رآها نسي أنه لا يريد أن يقع في فخ الحب مجدداً.
***
أنهت حديثها مع مها بعد أن أكدت عليها موعدهم بعد انتهاء دوام عملهم.
وسارت للأمام ثم ألتفت نحو مها مرة أخرى:
"هستناكي بره قدام باب الشركة، أوعي تتأخري."
وشهقت فجأة عندما وجدت نفسها تنصدم بجسد أحدهم.
ورفعت عيناها نحو الذي وقف يُطالعها بصمت.
واتسعت حدقتي عيناها وهي تجد عمران أمامها.
ومها تقف أمام مكتبها تكتم صوت ضحكاتها:
"آه يا راسي."
وكاد عمران يبتسم ولكن منع ابتسامته وظل ينظر إليها.
فارتبكت حياة وأبتعدت عن طريقه.
وقبل أن تتخطاه وجدت عمران ينحني نحوها:
"سلامتك."
ثم تابع بخبث:
"أعتبريها ضريبة عن القهوة."
وتابع خطواته وأبتسم.
لتقف مها تُطالع الموقف وهي لا تُصدق أن عمران العمري يبتسم.
***
وقفت نهى تُطالعه من بعيد.
وكلما تقابلت عيناه كان يشيح بوجهه نافراً وكأنه لا يطيق رؤيتها.
وذهبت لتجلس على مكتبها وهي مطأطأة الرأس تتذكر أي شيء فعلته يجعله ينفرها هكذا، ولكن لم تجد.
وأدمعت عيناها ولأول مرة تُدرك أن للحب ضريبة.
وتنفست بصعوبة وهي تمسح دموعها.
فالشخص الوحيد الذي أحبته قد تركها بعد أن فتحت معه صفحة جديدة مع الحياة ونسيت ماضيها المؤلم من والد يتهم زوجته باطلاً بل ويأتي برجل لها كي يحكم خطته ويثبت أنها عشيقته ويجعلها تتنازل عن كل أملاكها من أجل أن لا يفضحها.
وعادت الذكريات تخنقها.
فسحبت حقيبتها من على مكتبها وخرجت تركض من مقر عملها دون أن تشعر بشيء حولها.
ونظرات آخر يقف من بعيد يُطالعها.
***
كان شعور حياة مختلف وهي تنهض من فوق فراشها بحماس.
فالعيد قد أتى ولأول مرة تشعر بفرحة هكذا.
وظلت تدور بحجرتها وتُدندن بالأغنية التي سمعتها أمس في هاتف نعمة:
"العيد فرحة وأجمل فرحة تجمع شمل قريب وبعيد."
وقفت تتذكر باقي الكلمات ولكن تلك الجملة الوحيدة التي تذكرتها من الأغنية.
ورن هاتفها لتركض نحوه.
وابتسمت وهي تهتف بسعادة:
"كوكو الجميلة."
***
وضعت منيرة القهوة أمام كل من عمران وأمجد.
وانصرفت نحو المطبخ تعد وجبة الإفطار لها ولحياة.
أخذ أمجد فنجان قهوته وارتشف منها:
"أنا مش عارف ماما وفرح هيفضلوا لحد إمتي في المزرعة."
فتنهد عمران وهو يعبث بهاتفه:
"مدام مرتاحين يا أمجد يبقى خلاص."
ونهض من فوق مقعده:
"أنا هقوم أجهز قبل ما أسافر."
وحرك يده على لحيته.
فضحك أمجد:
"وياريت تحلق كمان."
فأبتسم عمران وتابع سيره.
ليزفر أمجد أنفاسه وهو ينظر إلى هاتفه فيجد رسالة من نهى.
فتحها كي يقرأها ولكن أغلق هاتفه وأكمل احتساء قهوته.
***
وقفت حياة تستمتع بالحديقة وهي ترتدي ثوبها الجديد.
وأكملت سيرها نحو المطبخ، فوجدت أمجد يقف بجانب سيارته يتحدث في هاتفه.
وعندما لمحها أشار إليها أن تقترب منه.
فأقتربت منه بأرتباك وهي تعبث بيديها بفستانها.
وأنهى أمجد مكالمته وابتسم لها:
"عيد سعيد يا حياة."
فأتسعت ابتسامتها فهي كانت تظن أن بعد لقائهم الأخير سيعاملها وكأنها لا شيء.
"عيد سعيد ليك أنت كمان."
فأبتسم أمجد ومازحها قليلاً.
ولا يعلم لما شعر بالضيق من عمران وسألها بود:
"هتعملي إيه في العيد؟"
فنظرت حولها وهي لا تعلم الإجابة وحركت يداها بعفوية:
"هقعد مع ماما منيرة في المطبخ."
فضحك أمجد:
"يعني هتقضي أيام العيد في المطبخ مع منيرة؟"
فأرتبكت من ضحكته وحركت رأسها:
"آه."
نظر إليها بتمعن وهتف بجدية:
"ما تيجي معانا المزرعة أنا وعمران."
وعلى اسم عمران جاء الآخر بوسامة لم تراها فيه من قبل.
فقد حلق لحيته وأصبح عمره أصغر.
كما أن ملابسه منمقة كالعادة ورائحة عطره تملأ رئتيها.
ووقفت تتأمله وقلبها يدق بعنف.
وعندما وجدت عيناه تتفحصها طأطأت رأسها أرضاً.
ونظر أمجد إلى شقيقه بهدوء:
"كنت بقول لحياة تيجي معانا المزرعة يا عمران، إنت إيه رأيك؟"
وغمز له بعينيه بأن يوافق.
ولكن عمران ظل يُحدق بحياة.
فرفعت حياة عيناها نحوه وعندما وجدته هكذا خشيت من ردة واحراجها:
"لأ، أنا مبسوطة كده. أنا وماما منيرة عندنا خطط كتير هنعملها."
وتحركت من أمامه بعدما استأذنتهما.
ليهتف أمجد به:
"حرام عليك، أحرجتها. كنت أتكلمت ولا قولت حاجة، البنت خافت لترفض لي."
ليضع عمران نظارته على عيناه ويتحرك نحو سيارته:
"يلا عشان منتأخرش."
ركب سيارته وهو يشعر بالضيق من تصرفه معها ولكن هكذا أفضل لها وله فطرقهم مختلفة.
***
ضحكت حياة وهي تُشاهد إحدى المسرحيات وتحمل طبق الحلوى ومنيرة تجلس بجانبها وتضحك أيضاً.
ووضعت بيدها على بطنها التي قد انتفخت من طعام منيرة الشهي:
"أنا بقول كفاية أكل كده."
لتضحك منيرة وهي تتأملها:
"ومين اللي هياكل الكيكة اللي أنا عملتها؟"
فشهقت بألم في معدتها:
"لأ كفاية كده."
وتابعت بدعابة:
"فينك يا أمل انتي ونعمة؟"
فوكزتها منيرة بخفة:
"حد يقول لأكل منيرة لأ."
وظلوا هكذا طيلة اليوم إلى أن حل الظلام.
***
جلسوا يتمازحون مع والدتهم وكل منهما عاد وكأنه طفلاً صغيراً.
ومال أمجد على كتف والدته ينام عليه.
وعمران جالس بجانبها يتصفح هاتفه تارة وتارة أخرى ينهض ليُجيب عن اتصالات المعايدة.
فنظرت إليه ليلي بحنان:
"كفاية كده وأقفل تليفونك اللي مبطلش رن من الصبح."
فضحك أمجد وهو يطالع عمران:
"أنا ريحت نفسي وقفلت التليفون يا ست الكل."
فـ"ـربتت" ليلي على شعره بحنان:
"طول عمرك مريحني ياحبيبي."
فضحك عمران وهو يرفع يدها يقبلها:
"بقي كده يا ست الكلب؟"
أبتسمت ليلي وضمته إليها:
"مش ناوي تتجوز وتفرحني بيك؟"
فتمتم عمران بحنق:
"إن شاء الله."
فتنهدت ليلي بضيق منه.
ليعتدل أمجد في جلسته وينظر إلى عمران ويغمز له بمكر.
نظر إليه عمران بقوة.
ليضحك أمجد:
"أنا بقول أدخل أشوف البت فرح أحسن بدل ما أفضح الدنيا."
ليقبض عمران على يده وهو يتوعد له.
ونظرت ليلي إليه:
"هو في إيه؟ انت وأخوك مخبين عني حاجة؟"
فأسترخى عمران بجلسته:
"تفتكري إحنا نقدر نخبي عليكي حاجة؟"
فحدقت به وهي تتساءل:
"إيه رأيك في نيرة يا عمران؟ أنا صحيح مش راضية عن لبسها وتحررها الزايد، بس هي بنت حلوة ومثقفة وعيلتنا وعيلتها أصدقاء من زمان."
فزفر أنفاسه بيأس وأبتسم وهو يحتضنها ويُقبل رأسها:
"لو لقيت عروسة زيك يا ست الكل، أوعدك هتجوزها على طول."
لتضيع ليلي مع كلماته وتبتسم وهي تدعو له.
***
أشرق يوم جديد.
وذهبت حيث مكانها الدائم لتجد منيرة تُحادث أحدهم بالهاتف.
وبعدما انتهت من مكالمتها.
نظرت إلى حياة التي جلست أمامها بنظرات متسائلة:
"دول أهل جوزك الله يرحمه."
فأبتسمت منيرة وهي تتذكر الطفل الصغير ابن شقيق زوجها الذي سيكون عُرسُه غداً ويدعوها لحفل زفافه.
وتنهدت بسعادة:
"آه ياحبيبتي."
ونظرت إلى حياة وهي لا تعلم أتذهب كما وعدتهم أم لا.
وأخبرت حياة بإصرارهم عليها لمشاركتها فرحتهم.
فأبتسمت حياة وهي تربت على كفها:
"روحي افرحي. أكيد بقالك كتير متجمعتيش معاهم."
وتساءلت منيرة بقلق:
"طب وانتي يابنتي؟"
ثم دارت بداخلها فكرة:
"إيه رأيك تيجي معايا؟"
فطالعتها حياة بخجل ولم تريد أن تكون عبئ عليها:
"متقلقيش عليا، أنا هخرج أفسح مع منار وكمان مها."
وتابعت بحماس كي تجعل منيرة تسافر دون قلق:
"أنا حكتلك عنهم، وإنتي اه بتقولي يومين وراجعة."
فحركت منيرة رأسها برفض:
"محدش قاعد في الفيلا، نعمة وأمل إجازة، وعمران بيه مسافر."
فأبتسمت حياة:
"نسيتي الحارس اللي على البوابة."
وجذبت يدها:
"قومي نحضر الشنطة."
وأقنعتها أن تذهب كي تُرَفِّه عن نفسها.
فمنيرة نادراً ما تترك الفيلا.
فعندما رأت بعينيها رغبتها في الذهاب وهي العائق الوحيد لها.
قررت أن لا تجعل نفسها أنانية وتحرمها من تلك السعادة التي ستجدها مع أقاربها.
وجاء صالح بالسيارة وحمل حقيبة منيرة وهو ينظر لحياة التي تقف تُطالعهم بحماس:
"كويس إنك أقنعتيها ياحياة تخرج. أنا مش فاكر آخر مرة منيرة خرجت كان إمتى."
وضحك وهو ينظر لمنيرة التي تُحدق به شزراً.
واقتربت منيرة من حياة وضمتها إليها:
"خلي بالك من نفسك. تعالي ياحياة معايا عشان أطمن عليكي أكتر."
فقبلتها على وجنتيها وهتفت بمشاغبة:
"هكلمك كل دقيقة. وأوعي تنسي تصوري لي الفرح."
فضحكت منيرة وودعتها وأتجهت نحو السيارة.
وبعدما انطلقت السيارة.
جلست على الدرج وهي تتأمل طيف السيارة والبوابة تغلق والسكون يعم المكان.
***
نظر عمران إلى هاتفه وهو يدق لتنظر إليه والدته بحنق:
"مش قولت أقفل التليفون ياعمران."
وأخذت ليلي الهاتف وكادت أن تغلقه لتجد رقم منيرة.
"إزيك يامنيرة؟"
فهتفت منيرة بود:
"إزيك يا ست ليلي."
وتساءلت منيرة:
"هو عمران بيه موجود جنبك؟"
فنظرت ليلي إلى عمران:
"آه يامنيرة قاعد بيفطر، في حاجة حصلت في الفيلا؟"
نظر عمران إلى والدته وهو يرتشف من كأس العصير الذي أمامه وينتظر أن يعرف منها لما هاتفته منيرة.
وأغلقت ليلي الهاتف بعد أن انتهت المكالمة وعلمت سبب اتصال منيرة.
وجلست على المقعد الذي بجانبه:
"منيرة سافرت تحضر فرح في بلدها وتقضي إجازة العيد معاهم. يومين وهترجع."
فأكمل أرتشاف العصير وحرك رأسه بتفهم وقد نسي أمر حياة.
ليقترب أمجد منهم ويُقبل والدته على وجنتيها.
ويُطالع عمران:
"فين فرح؟"
فتمتمت ليلي وهي تضع الطعام في الطبق الخاص بها:
"راحت الملجأ."
فتمتم عمران وهو يتناول إفطاره:
"أدهم عازمنا النهارده على الغدا في مزرعته."
***
وقفت فرح تنظر إلى الأطفال وهم يرتدون ملابس العيد ولكن وجوههم ليست سعيدة.
وأقتربت من أحد الأطفال تسأله:
"مالك زعلان كده ليه يا كرم؟"
نظر لها كرم بحزن:
"إحنا مش هنخرج في العيد يا ماما فرح. أنا نفسي أخرج."
وسألها بنبرة حزينة:
"هو اللي معندوش بابا وماما مبيخرجش؟"
فضمته إليها بحزن وربتت على ظهره.
ولاول مرة تشعر أن الحياة أعطتها الكثير وهي لا تعلم.
والدتها تركتها بسن صغير ولكن والدها عوضها بكل شيء.
لديها عمة تحبها وكأنها ابنتها ولديها عمران وأمجد اللذان يحبونها ويُدَلِّلونها.
لديها المال والأهل فحتى لو فقدت شيئاً بحياتها.
فلديها ما يعوضها.
ولكن هؤلاء من سيُعوضهم؟
وأبتسمت ومسحت على وجهه:
"وعد مني بكرة هفسحكم."
فأنطلق الصغير يُخبر رفقائه.
ووقفت هي تضحك عليه كيف تبدل حاله من مجرد وعد بسيط.
وتمتمت:
"أنا محتاجة مساعدة من حد في الموضوع ده."
وسمعت صوت خلفها يسألها:
"إيه هي بقى المساعدة دي وأنا في الخدمة."
فأبتسمت فرح وهي ترى الصغير مالك بين ذراعيه.
ومدت يداها له.
وأخذت الصغير تُقبله وتُدغدغه.
فضحك الصغير.
"ها مقولتيش على المساعدة اللي محتاجاها؟"
فتنحنحت فرح بحرج وبدأت تخبره عن رغبة الأطفال في التنزه.
فأبتسم أدهم وهو يُفكر في أمر ما:
"بسيطة يا ستي."
فطالعته بتسأل:
"يعني هتقدر تساعدني؟"
فحرك أدهم رأسه وهو يبتسم:
"بكرة الساعة تسعة جهزي الأطفال."
وظهرت السعادة على وجهها:
"أنا مش عارفة أشكرك إزاي."
وتأوهت بألم وهي تجد مالك يصفعها على وجهه.
لتضحك فيضحك ويشير لصغيره:
"مالك عيب كده."
فتمتم الصغير بكلمات أصبح يفهمها والده.
فقبلته فرح ضاحكة ثم قرصت وجنتيه بخفة:
"بقيت عفريت."
***
نظرت حياة إلى هاتفها بعد أن هاتفت مها ومنار وكل منهما اعتذر لها عن مقابلتها هذا اليوم.
فمنار ستخرج مع خطيبها.
ومها ستذهب إلى أقاربها.
وأخذت تُطالع غرفتها وهي تشعر بالوحدة.
وسقطت دموعها فالكل لديه عائلة إلا هي تجلس وحيدة.
فاليوم أدركت ما معنى كلمة عائلة.
ولو خيروها الآن بأي شيء تريد ستتمنى أن تحظى بعائلة.
وأتكأت بجسدها على الفراش وغفت وهي تمسح دموعها.
***
تغيرت ملامح نيرة وهي تجد والدها يُرحب بأحدهم.
وبدأ يُعرفها عليه ويعدد لها مميزاته ووالدتها تهتف:
"ما شاء الله."
ونظرت إليهم بشك فهي الآن علمت سبب هذا الجمع.
وعندما وجدت والدها يدعو ذلك الرجل للجلوس معهما يقنت أنه عريس آخر.
***
تعالت ضحكاتهم وهم يحتسون القهوة ويشاهدون الصغير مالك كيف يجذب فرح من حجابها ويُشاكسها إذا لم تنتبه له.
كانت جلسة هادئة ودافئة.
وبدأ الحديث يأخذ طريقه إلى السياسة وأحوال البلد والاقتصاد.
وتعلقت عين ليلي بأمجد وهي تراه أغلب الوقت شارداً.
ثم نظرت إلى فرح لتستعجب من تجنبها له والابتعاد عنه.
وأبتسمت وهي تري كيف يختلس أدهم النظرات نحو فرح.
وأنتهت جلستهم التي ظلت لثلاث ساعات.
وأكد أدهم على فرح لقائهم غداً.
***
صعدت ليلي إلى غرفتها بعد أن جاؤوا من مزرعة عائلة القاضي.
واتبعتها فرح.
واتجه أمجد نحو الأسطبل لعله يجد الهدوء مع حصانه المفضل.
أما عمران جلس يُدخن بعقل شارد.
وفجأة أطفئ سيجارته.
وألتقط هاتفه بعد أن تذكر شيئاً.
ليأتيه صوت منيرة وحولها أصوات صاخبة:
"منيرة، حياة فين معاك؟"
فنطقت منيرة بصوت عالٍ:
"مرضتش تيجي معايا. وفضلت في الفيلا."
وقبل أن تُكمل منيرة حديثها.
أغلق الهاتف وصعد لغرفته يجلب مفاتيح سيارته.
وعندما لمحه أمجد من بعيد أشار له بأن ينتظره:
"إنت رايح فين يا عمران؟ ومالك قلقان كده؟"
فأردف عمران داخل السيارة:
"محدش في الفيلا، منيرة سافرت ونعمة وأمل إجازة. حياة لوحدها هناك ومافيش غير الحارس."
فوضع أمجد يده على شعره:
"ما أنا قولتلك ناخدها معانا. أنا البنت دي بقت تصعب عليا. فين أهل أبوها طيب محدش ليه بيسأل عنها؟"
فتمتم عمران قبل أن ينطلق بسيارته:
"بعدين يا أمجد نبقى نتكلم."
وظل يبحث عن رقمها وهو يقود.
ليكتشف أنه لا يعرفه.
وزفر أنفاسه بقوة.
وهو يشعر بالخوف عليها.
ودق القلب دون شعور صاحبه.
رواية ودق القلب الفصل السادس عشر 16 - بقلم سهام صادق
وضعت رأسها بين ساقيها، وكل دقيقة كانت ترفع عيناها تتأمل السكون الذي يُحاوطها. اتجهت بعينيها نحو الفيلا التي أصبحت مظلمة، ثم أغمضتهما بخوف.
بعد ساعات قضتها بالنوم، خرجت من غرفتها تجلس أمامها على أحد المقاعد. شعرت بالجوع، ولكن خوفها من أن تذهب للفيلا بمفردها منعها. رفعت هاتفها تريد أن تُهاتف أي حد يتحدث معها، ولكن الجميع مشغول.
ظلت تنظر يميناً ويساراً. رفعت هاتفها مجدداً وقررت أن تدق على رقم فرح، لعلها أعادت الخط. ولكن كالمعتاد، "الهاتف مغلق".
تذكرت صديق والدها. "يا ريتني كنت فضلت في لندن".
عادت تدفن وجهها بين ساقيها. وعندما تقلصت معدتها من الجوع، نهضت نحو الداخل تبحث بين ملابسها لعلها تجد بسكوتها المفضل. وجدت علبة، وأخذت تفتحها وبدأت تأكل منها. خرجت من الغرفة عائدة إلى جلستها. وكلما قضمت من البسكوت، تنظر حولها بضعف.
سمعت صوت سيارة وبوابة الفيلا تُفتح. لتقف غير مصدقة أن أحد قد عاد. انتظرت أن ترى من جاء الآن. فوجدت سيارة عمران. تبدل خوفها لشعور غريب لا تعلمه، ولكنها ابتسمت.
عندما خرج عمران من سيارته، وجدها تقف أمام باب غرفتها، تُحاوط جسدها بشال خفيف فوق منامتها وتضع حجابها على رأسها وتُمضغ شيئاً بفمها.
أقترب منها ليري ابتسامتها.
"الحمد لله إنك جيت، أنا كنت خايفة أوي."
لم يشعر عمران بنفسه إلا وهو يجذبها نحوه يحتضنها بقوة.
"انتي كويسة؟"
فحركت رأسها داخل حضنه دون أن تتكلم، وكأنه يرى حركتها. أبعدها عنه قليلاً ليرفع وجهها بيده يُطالعها بصمت. شعر بخفقان قلبه وابتسم وهو يزفر أنفاسه براحة. فخجلت من نظراته. أما هو، كان يغوص في أعماق عينيها.
***
جلس أمامها على أحد المقاعد بالمطبخ، بعد أن وضع طبق به بعض السندوتشات الخفيفة.
"للأسف السندوتشات هي الحاجة الوحيدة اللي أنا شاطر فيها."
فضحكت حياة وهي تلتقط واحداً وتقضمه بجوع.
"طعمه جميل."
فطالعها عمران وهو يلتهم واحداً.
"أكيد لازم يبقى طعمه جميل."
فضحكت ليضحك هو الآخر.
"مغرور!"
ليضم عمران حاجبيه وبجدية مصطنعة.
"اسمها ثقة."
وضحكوا مجدداً. لتنظر إليه بتمعن.
"ما انت بتضحك أهو عادي، ليه ديما مكشر؟"
وبدأت ترسم ملامحه عندما يكون عابس الوجه. فأبتسم عمران وهو يلتقط أحد المناديل ليمسح فمه.
"شكلك عجبك وشي التاني."
وعندما عادت ملامحه للعبوس، وضحكت وهي تنهض.
"لأ خلاص، انت حلو كده."
وقفت على قدميها وبحركة عفوية قرصة وجنتيه.
"أضحك، الصورة تطلع حلوة."
لم يعرف عمران أَيضحك أم يُعنفها أم شيئ آخر. بدأ قلبه يريده بشدة. وتأمل شفتاها وأبتلع ريقه وهو يراها تبتعد عنه وتبتسم.
"هرجع أوضتي بقى عشان عيب أفضل هنا."
فلم يتمالك عمران ضحكاته. فبعد احتضانه لها ووجودهم بمفردهما واقترابهم بهذا الشكل، تخبره بأن وجودها معه لا يصح.
شعرت بأستخفافه من نظراته.
"أنا عارفة إن مش حرام وجودي معاك لوحدنا."
وقضمت شفتيها بخجل وتابعت.
"لأنك..."
ولم تستطع إخراج الكلمة من حلقها. فتابع هو.
"لأني جوزك يا حياة."
وأكمل بهدوء: "إيه رأيك نسهر شوية قدام التلفزيون؟"
وبعد أن كانت تريد أن ترحل، حركت رأسها له بالموافقة. فهي لا تعلم لماذا أحبت وجوده وقربه. ولكن الآن أهم شيء بالنسبة لها أنها لم تعد وحيدة.
***
تنهدت ليلي بيأس بعد أن أنهت اتصالها بعمران، الذي أخبرها أنه عاد للقاهرة لسبب ما لم يخبره به. ونظرت نحو أمجد الجالس بصمت يُتابع أحد البرامج. وأقتربت منه.
"أمجد."
فألتف لها أمجد. لتبتسم.
"حاسة إن فيك حاجة من ورايا."
وأحتوى كفيها بكفيه وأخذ يُقبل كل منهما.
"ما فيش حاجة يا ست الكل."
وضمها إليه بحنان.
"وإحنا صغيرين شايلة همنا، ولما كبرنا برضوه شايلة همنا."
فدفعته ليلي برفق وهي تنظر لوجهه.
"اتجوز وأنا أبطل أشيل همك."
فأتسعت ابتسامته وهو يهتف بدعابة وقد نسي ما يشغله.
"عمران هرب ومسكتيني أنا؟"
ونهض من جانبها.
"أنا بقول أهرب أنا كمان."
فضحكت وهي تراه يذهب من أمامها وتتوعد له.
***
رفع عيناه بأرهاق بعد مُطالعة أوراق القضية التي أمامه. فمنذ أن فتح مكتبه الخاص وأغلب القضايا المهمة تحولت إليه. فاسمه كان يتصدر دوماً الصحف الأمريكية.
وأسترخى بجسده وهو يُدلك رقبته. وأبتسم عندما ظهرت صورتها أمامه. وظل يتخيلها وهو يلوم نفسه.
"تاني يا أدهم.. تاني هتجرب الحب وتمشي في نفس الطريق."
وزفر أنفاسه وهو يغمض عيناه. إلى أن قرر أن ينهض كي يريح جسده. فرحلته غداً ستحتاج منه كل تركيزه.
***
كان يُقلب في قنوات التلفاز بملل وهي تجلس على الطرف الآخر من الأريكة التي يجلس عليها وتفرك يديها بتوتر. إلى أن وقف عند أحد الأفلام الأجنبية لتصرخ فجأة وكأنها وجدت ضالتها.
"سيب الفيلم ده شكله حلو."
فترك عمران الفيلم ونظر إليها.
"متأكدة إنك عايزاه؟"
فأبتسمت حياة وأسترخت بجلستها وحملت طبق التسالي من فوق المنضدة التي أمامه.
"أه، شكله ممتع."
رغم علم عمران برعب الفيلم، إلا أنه تركه لها. فهي لاول مرة تشاهده. وبدأت تُشاهد الفيلم بأستمتاع. إلى أن أتسعت عيناها وهي تجد الرجل رأسه تنفصل عن جسده. ووضعت يدها على عينيها كي لا ترى المشهد.
ثم أزاحت يدها برفق تنظر إلى الشاشة. فتري أن المقطع قد انتهى. وألتفت نحو عمران لتجده جالس بأسترخاء ويضحك على هيئتها.
فزمت شفتيها وهي حانقة منه ومن الفيلم.
"كان مجرد مقطع رعب."
وعقدت ساعديها على صدرها وعادت تُطالع الفيلم بمتعة. وبدأت الإثارة مرة أخرى والرعب قد ازداد. لتجد نفسها تقترب بتمهل من عمران. ومع كل مشهد كانت تقترب خطوة. إلى أن أصبحت ملتصقة به. وعمران يُشاهد كل ذلك وهو يكتم صوت ضحكاته. وأصبح مستمتع بتلك الجلسة ولا يريد أن ينتهي الفيلم.
وكاد أن ينهض كي يحضر قهوة. فوجد يد حياة تمسك بذراعيه.
"رايح فين؟"
فأبتسم على هيئتها ونهض.
"هروح المطبخ أعمل قهوة."
ونظر إلى يدها المتشبثة به. فأزاحت يدها سريعاً.
"تمام. بس روح وتعالى بسرعة."
فضحك وهو يربت على وجنتها كالأطفال.
"حاضر."
وعندما تحرك خطوة، صدح صوت صراخ من التلفاز. ليجدها فجأة أصبحت بين ذراعيه متعلقة برقبته.
"أنا خايفة. حول من على الفيلم ده."
كان عمران غارقاً في رائحتها وانفاسها الدافئة التي تلفح عنقه. وقربها الذي شتته. وجد نفسه يحضتنها بقوة وهو يهمس لها بدفئ وحنان بعيداً عن شخصيته الباردة.
"حياة خلاص المقطع خلص، متخافيش."
فرفعت وجهها نحوه لتشهق بفزع بعد أن رأت وضعها. وأرتبكت وهي تزيح يديها من على عنقه. وطأطأت رأسها بتوتر وأبتعدت عنه كي تُداري خجلها.
"هتروح تعمل قهوة؟"
فحرك عمران رأسه وهو يتأملها بشعور عجيب غارق في لذته. وتمتمت بخوف.
"هاجي معاك!"
فأبتسم عمران ومدّ لها يده. وقد أصبح هائماً بلحظتهم تلك. وسارت معه وهي تمسك يده. ووقفت خلفه كالظل وهو يحضر قهوته. ليضحك وهو يراها تتبعه مع كل خطوة.
"مكنتش أعرف إنك جبانة كده يا حياة."
فأرتبكت وهي تبتعد عنه.
"بخاف من الدم. اعتبرها عقدة."
فحرك رأسه بتفهم وأنهى صنع قهوته.
"طب يلا نشوف برنامج أو حاجة كوميدية تنسيكي الرعب ده شوية."
ثم سألها وهو يخشى الإجابة.
"ولا عايزة تروحي تنامي؟"
فحركت رأسها وتقدمت أمامه بحماس.
"لأ، عايزة أتفرج على حاجة جديدة عشان أمسح الفيلم ده من ذاكرتي."
فضحك وهو يتبعها. وجلس كل منهما على طرف الأريكة وأندمجوا مع أحد الأفلام القديمة. وكان فيلم "الشموع السوداء". وأبتسمت حياة وهي سارحة بالفيلم بحالمية. وتتنهد وهي ترى قصة الحب التي نشأت بين الأبطال. وكيف يعيق الماضي قصة حبهم من طرف البطل.
كان عمران جالس لا يفكر بشيء وينظر للفيلم بهدوء. فلم يكن يوماً يستهويه قصص الحب مهما كانت بدايتها أو نهايتها. طيلة حياته كان رجلاً مسؤولاً نشأ على أنه القدوة لإخوته. وأنه السند لوالده وجده. وأنه من سيُكمل الطريق بعدهم ويُحافظ على العائلة.
وانتهى الفيلم أخيراً وأفاق من شروده. ونظر جانبه ليجدها غافية ورأسها تميل على كتفها. وأقترب منها يتأملها بمشاعر مضطربة. ثم رفع يده نحو وجهها يُلامسه. وأزاح حجابها ومدّ يده نحو خصلات شعرها. وتنهد وهو يُقاوم تلك الرغبة التي اقتحمته. وأغمض عيناه بقوة.
"من أمتي وانت ضعيف كده.. وجودها ليه وقت في حياتك وهينتهي.. أوعى تنسى الماضي اللي جمعكم."
وفتح عيناه بعد أن استطاع أن يتحكم بقلبه. ونظر إليها طويلاً. ثم حملها ليصعد بها نحو غرفته. وسطحها على فراشه. ليجدها تميل على جانبها الأيمن. وأتسعت ابتسامته وجلس جانبها ينظر إليها وغفا دون أن يشعر.
***
أقتربت ليلي من فراش فرح وجلست جانبها. فأغلقت فرح الكتاب الذي كانت تقرأ فيه وأبتسمت لها.
"مدام جيتي أوضتي وقاعدتي القاعدة دي يبقى في حاجة يا لولو."
فأبتسمت ليلي وهي تربت على يدها بحنو.
"تعرفي أنا اتجوزت عمك فاروق إزاي؟"
فحركت فرح رأسها بنفي.
"اتقابلنا صدفة في مستشفى. هو كان بيزور جوز عمتي وأنا في اليوم ده كنت بزوره."
وتنهدت بشرود: "في اليوم ده اكتشفت إن الإنسان اللي فضلت أحبه خمس سنين من عمري كداب. كانت الدنيا كلها ضلمة في وشي. حسيت إن روحي بتنسحب وفي حاجة ناقصة. روحت أزور جوز عمتي مع العيلة رغم إني حاسة إن ماليش رغبة في الحياة، بس لبست وقررت أخفي حزني وأخرج من أوضتي."
ونظرت لها فرح بتركيز وهي لا تعلم لما عمتها تحكي لها تلك الحكاية.
"بعدها بأسبوع اتقدملي عمك فاروق. في الأول رفضت. بس بعد إصرار العيلة إني أقعد معاه وأدي نفسي فرصة. وكأني ده كان طريقي الجديد. وكل حاجة حصلت من غير ما أحس. اتخطبتله وبعدها بشهور اتجوزته. كنت ابتديت أحبه فعلاً."
وأبتسمت وهي تتذكر: "أنا حبيته فعلاً. حبيت حنيته ورجولته. حبيت حبه لأهله، لاحترامه ليا، حبيت كل حاجة فيه."
وتنهدت بحنين: "واتعلمت أهم حاجة في حياتي: 'هيتقفل قدامنا طريق كنا فاكرين إنه هو سعادتنا. وهيفتح طريق تاني هنلاقي نفسنا خايفين نمشي فيه. هتفضل روحنا متعلقة لا عارفين نرجع لورا ولا عارفين نبص لقدام. وللحظة هنحس إننا تايهين لحد ما قدرنا هياخدنا على طريقنا اللي هيكون في شقائنا أو سعادتنا. ويوم ما هنوصل للسعادة هنعرف إننا اخترنا الطريق الصح. وفي اللحظة دي هتعرفي أهم حاجة في الدنيا إن اختيار ربنا دايماً لينا هو الأجمل.'"
كان كلام ليلي يدور بعقلها يُذكرها بحلمها وبالرجل المجهول. أيعقل أنه هو نصيبها؟ ولم تشعر بـ ليلي وهي تُغادر غرفتها وتتركها تسبح في عالمها.
***
أغمض أمجد عيناه بعد أن أغلق هاتفه. واتكأ على جانبه وهو يتذكر لحظاتهم الجميلة وكيف وقع في غرامه.
نظرت نهى إلى هاتفها بيأس. فقد أغلق هاتفه ولم يرد على رسائلها. وسقطت دموعها التي لم تتوقف. وتسطحت على فراشها تضع بيديها على عينيها تبكي بحرقة وهي تردد: "أنا حبيتك يا أمجد ليه عملت فيا كده."
***
أبتسمت مها بألم وهي تقرأ أحدى الروايات. وترى نفسها بطلة تلك الرواية وكأن الكاتبة كانت تحكي معاناتها. ولكن في النهاية حصلت البطلة على أمنيتها في حب البطل لها. وتنهدت بوجع وهي تزفر أنفاسها.
"ده خيال يا مها.. والخيال عمره ما كان حقيقة."
كان العقل يُخبرها بهذا. أما قلبها مازال يحلم ويدق.
ونهضت من فوق فراشها كي تطمئن على والدته. لتجد والدتها تجلس وتحمل المصحف بين يديها وتنطق بخشوع.
﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً ﴾
***
جالساً في وسط الضجيج. الكل يرقص ويضحك. عالم اختاره بسبب ماضي أضعفه ولم يقويه. ونسي أنه عندما خسر شيئاً بحياته عوضه الله عما فقد.
أقتربت منه إحداهن تتمايل بخطواتها ثم جلست جانبه. وعندما لاحظت صمته وشروده. أقتربت منه أكثر وحركت يدها على ذراعيه.
فألتف نحوها مروان دون كلمة. لتمد يدها نحو وجهه.
"وحشتيني."
فضحك مروان بتهكم وهو يُطالعها. فمالت نحوه ووضعت شفتاها على شفتيه تُقبله.
***
جاء الصباح بيوم جديد. فتحت حياة عيناها ببطء ومدت ذراعيها. وأتسعت عيناها بصدمة وهي تنهض من فوق الفراش متسائلة.
"أنا فين؟"
ونظرت إلى الغرفة الواسعة. فعلمت الإجابة. وخرجت بخطوات راكضة تلتف حولها يميناً ويساراً. وهبطت الدرج. وهي تبحث بعينيها عنه. لتجده يقف أمام الشرفة التي تطل على الحديقة ويرتشف من فنجان قهوته.
وعندما شعر بخطواتها خلفه. ألتف إليها وهو يبتسم.
"صباح الخير."
فأرتبكت حياة وأبتسمت بخجل.
"صباح النور."
وحركت بيدها على شعرها وهي تلتف حولها.
"أنا نمت هنا إزاي؟"
فأقترب عمران منها. ومال نحوها هامساً.
"نمّتي وإنتي بتتفرجي على الفيلم."
وضحك وهو يتخطاها.
"شكله كان عجبك فعلاً."
فأبتسمت وهي تعلم أنه يسخر منها.
"كنت مستنيكي عشان نفطر سوا."
فأتبعته وهي لا تُصدق بأن هذا الرجل هو عمران. الرجل الذي كانت تُعنته داخلها بألقاب عدة. فظ.
وقفت في المطبخ تجد تلك الطاولة الصغيرة مُعدة. وأشار إليها بالجلوس.
"وقفة كده ليه؟"
وتابع وهو يجلس.
"كل حاجة كانت موجودة في التلاجة. معملتش غير البيض بس."
وضم حاجبيه ببعضهم.
"أتمنى يعجبك."
فضحكت وهي تجلس على أحد المقاعد. وأول شئ قامت بتذوقه هو البيض.
"مش بطال."
فجذب عمران الطبق من أمامها وهو يُشاكسها.
"مدام مش بطال. يبقى خلاص ماتكليش."
فضحكت على تصرفه. ليضحك هو الآخر.
كانت جلسة هادئة يملؤها الضحك الذي لم يُجربه من قبل. ومع كل ضحكة تصدر من أفواههم كانت قلوبهم تتلاقي. ووجد القلب ما كان يبحث عنه.
***
نظرت فرح بدهشة إلى الباصات التي وقفت أمام الملجأ. وأمام كل باص كان يوجد رجلين وداخله يوم السائق. وأقتربت فرح من أدهم الذي يحمل صغيرة كالعادة. والأثنان يرتدوا نفس الملابس. كانوا نسختان.
ورفع أدهم نظارته وهو يبتسم لها وينظر للأطفال.
"ها مستعدين؟"
فضحكت فرح وهي تُشير للأطفال ليعلوا بصوتهم.
"آه مستعدين!"
فأبتسم أدهم وهو لأول مرة يشعر بتلك السعادة. أن تمنح أحد السعادة دون مقابل. تلك هي السعادة الحقيقية.
وسار الأطفال يتقدمهم موظفين الملجأ. وفرح تتبعهم وبجانبها أدهم.
"انت جايب حرس معانا؟"
فحرك أدهم رأسه.
"في كل باص هيكون فيه حارسين. أنا حجزت لينا مكان خاص بالأطفال."
وقفت فرح تتسأل.
"طب وصاحب المكان وافق؟"
فضحك أدهم وهو يُشير لها أن تتحرك. فالأطفال قد صعدوا لأماكنهم.
"ده منتجع فيه كل حاجة. وصاحب المنتجع معندوش أي اعتراض. متقلقيش."
فأبتسمت فرح بحماس.
"طب كويس. أهم حاجة الأطفال يتبسطوا."
وتابعت بسعادة: "متعرفش اللي عملته ده شيء عظيم أوي عند ربنا. هتلاقي ثمرته في حياتك قبل أخرتك."
كلامها كان لأول مرة يسمعه. وكيف كان سيسمع وحياته كانت عبارة عن خمر ولهو وتحرر ليس له مثيل.
***
عندما أخبرها بأنه سيأخذها في نزهة لم تُصدق. ولكن بعد ساعة ونصف ها هي ترى بعينيها.
وقفت سيارته أمام إحدى القرى السياحية. وهبط عمران من سيارته بعد أن فتح له حارس الأمن بابها مع ابتسامة مُرحبة. وأتبعته حياة وهي تتأمل روعة المكان. وهمست بتعجب.
"مصر فيها أماكن حلوة أوي."
فأبتسم عمران وهو يتقدمها بخطواته.
"بالفلوس بتشوفي كل حاجة حلوة في مصر."
فحركت رأسها بتفهم. فهي منذ أن انتقلت من حياة الثراء لحياة البسطاء. فهمت هذا المعنى.
وبدأت جولتهم في القرية. كان عمران يرى سعادتها فيشعر بأنها كالطفلة. وتجولت عيناه على ملامحها بحرية. فأكثر ما يميزها بشرتها البيضاء المتوردة. وبدء عمران يندمج معها. إلى أن تنحى عقله جانباً وأصبح قلبه في المقدمة.
كان يضمها حين يُطالعها على شيئ ما. وكانت تترك له نفسها. وجلسوا على الرمل يتأملون الأمواج الهادئة. وتنهدت بسعادة.
"الجو هنا جميل أوي."
فتمتم عمران وهو يُطالع المياه: "فعلاً."
ووجدها تلتف نحوه وتبتسم.
"إيه رأيك نتصور؟"
فنظرت عمران إليها طويلاً.
"تمام نتصور."
وأتسعت ابتسامتها وطالعته بأرتباك.
"طب ممكن تديني تليفونك؟"
وتابعت بخجل: "تليفونك حديث عن تليفوني."
وأخرجت هاتفها من حقيبتها التي تُعلقها على كتفها. وأخذت تحركه بين يديها.
"مش هيطلع الصورة حلوة."
فأبتسم وهو يعطيها هاتفه.
"اتفضلي يا ستي!"
وتسأل دون قصد: "هتعرفي تستخدميه؟"
فأبتسمت وهي تنظر للهاتف الذي كانت تملك أول إصدار منه عندما بدأت الشركة بصناعته. ولكن الحياة قد تغيرت.
"أه أكيد متقلقيش."
ومالت نحوه وهي تبتسم: "أبتسم."
وأبتسم بالفعل لتنظر إلى الصورة بسعادة.
***
وقفت فرح تنظر إلى الحديقة الواسعة وكيف يركضوا الصغار ويلعبون بالألعاب. ونظرت نحو أدهم الذي يقف مع أحد الأشخاص. ترغب بسؤاله كيف استطاع إدخالهم لمكان كهذا. وهي تعلم أنه فُتح منذ أشهر وأخذ ضجة عالية لأن مستثمره من خارج البلاد.
وأخرجت أنفاسها ببطء وهي تنظر لمالك كيف يلعب أمامها ويتعثر في خطواته. لتنحني نحو الصغير وتحمله.
"كده هنوسخ هدومنا النضيفة."
فضحك الصغير وهو يُداعبها بيديه الصغيرة ويُهمهم بكلمات مبهمة.
"ماشي يا أبو نص لسان انت."
وتقدم أدهم نحوها وهو يبتسم وأخذ منها صغيره وقبله.
"حبيبي بابا."
فأبتسمت فرح وهي ترى اهتمام أدهم بصغيره مهما كانت مشاغله. وتلك النقطة كانت تعجبها به بشدة وتذكرها بوالدها.
ونظر لها أدهم.
" سرحتي في إيه؟"
فأرتبكت وأتجهت بعينيها نحو الصغار.
"الأطفال فرحانين أوي. حتى المشرفين فرحانين بالمكان."
وتابعت بسعادة: "أنا مش عارفة أشكرك إزاي يا أدهم."
فضحك: "دي عاشر مرة تشكريني يا فرح."
فداعبته بمرح: "طب كويس إنك بتعد عشان لما نوصل للعشرين تبقى تقولي."
فتعلقت عيناه بها. كل يوم يكتشف بها شيئ غريب. شيئ يجذبه ويغرقه بها. وترددت في أن تسأله كيف أقنع صاحب المكان بترك لهم المكان ويهتمون بهم هكذا. ولكن عزمت أمرها وتسألت.
"شكل علاقتك بصاحب المكان قوية أوي. دول مهتمين بينا جدا."
وأشارت إليه ضاحكة: "أوعى تكون في الآخر انت صاحب المكان."
فضحك وهو يُحرك رأسه.
"للأسف، فعلاً."
فحدقت به وهي تنظر لضخامة المكان. فهي لم تظن أن أدهم غني لتلك الدرجة. وعندما رأى أدهم نظراتها للمكان.
"أنا وصديق ليا شركا فيه. بصراحة في البداية كنت معترض. بس بعد ما أقنعني قولت أهي تجربة أستثمر رأسمالي هنا."
وعاد بذاكرته لثلاث أعوام مضت عندما أقنعته كاميليا بالفكره. وفاق من شروده على اعتذارها.
"اسفة بس أنا دايماً عندي فضول لكل حاجة."
وتابعت وهي تمازحه.
"بما إنك صاحب المكان بقي هنعمل تعاقد معاكم علطول."
وأشارت له بيدها وكأنه تُحذره.
"ومش هندفع ولا مليم."
فأبتسم أدهم وداخله يهتف: "ليه بتعملي كده.. ليه عايزة توقعيني في حبك."
وحرك رأسه بأبتسامة مُحبة.
"موافق!"
***
أنتهت رحلتهم وكل منهم يحمل ذكرى جميلة لذلك اليوم.
أوقف عمران سيارته وهو ينظر إليها.
"أتبسطتي؟"
فحركت حياة رأسها بسعادة ظاهرة على وجهها.
"جداً. وتابعت بأمتنان: "شكراً على اليوم الجميل ده. مش هنساه أبداً."
فأبتسم عمران. وتحركت بجسدها تفتح باب السيارة. وألتفت بفزع عندما وجدت يد عمران تمسك ذراعها. ووجدته يميل نحوها. ولم تشعر إلا وهو يُقبل وجنتها بدفء.
وابتعد عنها. فأرتبكت من فعلته. وتمتم عمران بهدوء وهو يُصارع رغبة قلبه بها.
"تصبحين على خير!"
رواية ودق القلب الفصل السابع عشر 17 - بقلم سهام صادق
رفعت وجهها عن شاشة الحاسوب ورائحة عطر ذلك الواقف تغزو أنفها.
فأبتسم لها وهو يُطالعها.
- شكلي قطعت اندماجك.
فأبتسمت مها بترحيب.
- لأ أبدا يافندم.
وتسأل رامي بلطافة لاول مرة تعهدها مها من جنس الرجال.
- ممكن أقابل بشمهندس مروان .. ولا لازم يكون في ميعاد سابق؟
فحركت مها رأسها دون وعي بلا.
فأبتسم رامي أكثر وظهرت غمازتيه.
وأشاحت وجهها بعيداً عنه وهي تُتمتم داخلها.
- لأ هو عشان رمضان خلص يرجع شوشو بذنوبه.
وتابعت وهي توبخ نفسها.
- لأ نتعدل كده.
وعادت تنظر إليه بعملية تُداري أرتباكها.
- ثواني هديله أخبار.
وسارت خطوتان ثم عادت إليه سريعاً.
- انت قولتلي اسمك ايه؟
وعندما ضحك .. عضت على شفتيها بقوة من حماقة جملتها غير المهذبة.
- قصدي أبلغه مين حضرتك يافندم.
فجلس رامي على المقعد الذي أمام مكتبها وأسترخى في جلسته.
- رامي!
وعلى سماع اسم ذلك الذي يجلس خارجاً .. اندفع مروان للخارج هاتفاً دون تصديق.
- مش معقول رامي!
فنهض رامي من فوق مقعده .. وأقترب منه يحتضنه بشوق.
- أنا قولت نسيت ان ليك صاحب.
وأبتعد رامي عنه وهو يعتذر عن غيبته التي دامت لأكثر من خمس سنوات.
- ليك وحشة يا أبو عيون ملونة .. وغمز لمروان الذي ضحك.
وعندما لاحظ مها التي تقف تُطالعهم وعلي وجهها ابتسامة جميلة .. نظر إليها بجمود.
- آنسة مها.
فأنتبهت مها لوقفتها وتنحنحت حرجاً .. ليشير مروان لرامي نحو مكتبه.
- تعالا نكمل كلامنا ...
ثم سأله: تحب تشرب ايه صحيح؟
فحرك رامي رأسه نافياً.
- قول هنتغدى ايه.
فضحك مروان وساروا سوياً نحو غرفة المكتب .. ووقفت مها تنظر إلى طيفهم .. ثم بدأت تُقلد صوت مروان بضيق.
نهض من فوق مقعده بعدما أخبرته سكرتيرته بوجودها.
وأقتربت منها نيرة تُقبله على وجنتيه كالعادة.
وعندما لاحظت نفوره الدائم من حركتها تلك ضحكت بدلال.
- برضه هسلم عليك كده .. مهما اعترضت.
فتجهم وجه عمران .. وأشار لها بالجلوس.
- قولتيلي في التليفون ان موضوع مهم عايزة تكلميني فيه.
فحركت نيرة يدها على خصلات شعرها وزفرت أنفاسها ببطء.
- بابا يا عمران مصمم اني أتزوج .. وكل يوم عريس.
وكشرت بوجهها وهي تصف له كل رجل قد تقدم إليها بطريقة ساخرة.
وعمران يستمع وداخله يزداد اشمئزاز من تصرفاتها التي لا تعجبه.
وأنتظرت أن يتكلم ولكن فضل الصمت.
- إيه يا عمران مش هتقول حاجة؟
فطالعها عمران بجمود وهو يعدل من رابطة عنقه.
- كلامي مش هيعجبك يا نيرة فبلاها.
فأقتربت منه وهتفت بدلال.
- عمران انت عارف أنا قد إيه بثق في كلامك.
ومالت نحوه هامسة.
- انت رأيك من رأي مش كده.
فحدق بها عمران ساخراً وهو يبتعد عنها.
- شوفتي إزاي انتي مستنية أقولك إنك صح.
وأكمل بجدية: بس انتي مش صح يا نيرة .. أنا مش شايف سبب مقنع لرفضك لكل اللي بيتقدموا .. تعليم ومكانة وكل حاجة أي بنت تتمناها.
فتأففت بضجر: لأ مش معقول انت وبابا وماما .. لأ يا عمران بليز خليك معايا.
وأخذ ينفخ أنفاسه بحنق .. ويطرق بأصبعه على مكتبه إلى أن دخلت نجوى سكرتيرته.
- الاجتماع هيبدأ يافندم.
فنهض وهو يتنفس براحة .. فالاجتماع قد نجده.
ونظر إلى نيرة بابتسامة هادئة عكس ما بداخله.
- آسف يا نيرة بس انتي عارفة الشغل بقي .. لو حابة تفضلي في المكتب براحتك.
وتحرك من أمامها .. لتُطالعه هي بهيام.
- بحبك يا عمران.
وقفت تنتظر خروج سكرتيرته .. وعندما خرجت من مكتبه.
أقتربت منها نهى بلهفة.
- ادخلي.
نظرت لها الأخري بأسف.
- مش فاضي يا نهى .. تعالي وقت تاني.
فحدقت بها نهى بشحوب.
في هذه هي المرة الثالثة تطلب فيها مقابلته على مدار يومين ولكن الرد "مشغول".
وأنصرفت بملامح باهتة.
وخرج أمجد بعدها دون كلمة.
كان عمران يأخذ غرفته ذهاباً وإياباً يُفكر بها.
إلى أن سمع صوت طرقات فهتف.
- ادخل.
دخلت منيرة وهي تتسأل.
- نحضرلك العشا يابني.
فأبتسم عمران: لأ يا منيرة مش جعان.
وألتفت منيرة بجسدها كي تُغادر الغرفة.
- ابعتيلي حياة يا منيرة.
أردفت منيرة للمطبخ تسمع ضحكات حياة مع نعمة وأمل.
- حياة عمران بيه عايزك.
فسعلت حياة وهي تمضغ الطعام .. متسائلة بقلق.
- عايزني أنا.
فحركت منيرة رأسها .. ونظرت كل من نعمة وأمل لبعضهما ثم نظروا لها.
ونهضت بتوتر وغادرت المطبخ.
وقفت أمامه وعندما رفع عيناه نحوها تذكرت تلك الليلة.
وأطرقت رأسها بأرتباك.
ليقترب عمران منها مُبتسماً.
وأتجه نحو باب الغرفة واغلقه.
فطالعته بأرتباك.
وظلت واقفة بمكانها.
- في خبر عن عمو حسام.
فأشار إليها عمران بأن تجلس على الأريكة.
وجلس جانبها وشعرت بالخوف.
إلى أن.
- لأ يا حياة وضعه زي ما هو.
فظهر الألم على وجهها.
- طب وأنا هفضل هنا لحد إمتي.
لم يجد عمران إجابة.
ووقفت كي تُغادر مكتبه.
- احكيلي عاملة إيه في شغلك.
فتعجبت من سؤاله كما تعجب هو من نفسه.
فهو يُريدها أن تجلس معه ولكن كيف سيُخبرها بهذا وهو يُنكر مشاعره تجاهها.
وجلست ثانية وظلت تخبره عن سعادتها بعملها الجديد وصداقتها بمها.
ولأول مرة يكتشف أنه يعشق ثرثرة النساء.
إلى أن صمتت فجأة وهي تتسأل بغباء.
- أنا اتكلمت كتير مش كده.
فأبتسم عمران وهو يتأمل احمرار وجهها.
- لا بالعكس.
فضحكت وهي تعلم أنه يكذب عليها وتسألت بمرح وكأنها تحدث صديقتها.
- وانت بقي عامل إيه في شغلك.
فضحك عمران حتى ظهرت نواجذه.
فهو لم يتخيل سؤالها هذا.
- الحمدلله يا حياة.
وتعجبت من ضحكته.
وشعرت بالحرج من غبائها وكادت أن تنهض.
- خليكي يا حياة.
فأعتدلت في جلستها رغماً عنها وفركت يديها بتوتر.
ونهض هو نحو مكتبه ليفتح احد الأدراج واخرج شيئاً منه.
وأقترب منها وهو يحمل تلك الصورة التي ألتقطتها بهاتفه.
- أنا طبعت الصورة اللي اتصورناها.
فأندهشت ونهضت أتجاهه وألتقطت الصورة منه بسعادة.
وأبتسمت وهي تتأملها.
ومرت الدقائق وهو يجلس معها ويضحك دون تكلف.
كلما نظرت للصورة تُخبره أنه هو الأجمل.
وألتقط منها عمران الصورة كي يُطالعها هو الآخر ولكنها جذبتها منه سريعاً.
وظلوا هكذا إلى أن انفجروا ضاحكين من فعلتهم.
وترك لها الصورة.
وأقترب منها ودون شعور منه كان يُحاوط خصرها وينظر لصورتهما.
- انتي الأجمل ياستي مش أنا.
فألتفت نحوه بأرتباك وهي تري ذراعيه تُحاوط خصرها بتملك.
وشعرت بالحرارة تسري بجسدها.
ونهضت فجأة وهي تبعد ذراعيه عنها وأتجهت نحو باب الغرفة.
- أمل كانت عايزاني في موضوع مهم.
وتركت الغرفة سريعا دون أن تلتف إليه او تنتظر رده.
فأبتسم عمران وهو يمسح على وجهه وبدأ قلبه يخفق بين ضلوعه بعنف.
تعجبت فرح من مُهاتفة أدهم لها في الصباح ويبدو من صوته أنه حانق بشدة وصراخ مالك لا يتوقف.
ودخلت بسيارتها بوابة المزرعة لتري نظرات محروس وتبتسم له.
- نفسي اعرف بتكرهني ليه.
فأشاح محروس عيناه بعيداً عنها.
لتضحك على فعلته.
كان أدهم يتحدث بهاتفه ويحمل بعض الأوراق والخادمة تحمل مالك الذي لا يكف عن الصراخ.
وأقتربت منها الخادمة بلهفة.
- البيه من الصبح مش طايق حد.
فأخذت فرح منها الصغير الذي أستكان بين ذراعيها.
وأنهى أدهم مُكالمته بتأفف.
ونظر إلى فرح واقترب منها.
- معلش يا فرح صحيتك من النوم.
فأبتسمت فرح ثم نظرت للصغير تُقبله وتمسح دموعه.
- مفيش مشكلة أنا كده كده كنت هصحى عشان أروح الملجأ.
ونظر لصغيره الذي لم يكف عن الصراخ منذ الصباح.
- محتاج مربية جديدة لمالك.
فتعجبت فرح من طلبه وتسألت.
- اومال فين المربية بتاعته .. دي أول واحدة تقعد أكتر من شهر معاه.
فتذكر أدهم فعلتها الوقاحة ليلاً.
وكيف اندست جانبه بالفراش تخبره برغبتها الشديدة به.
وأنتظرت فرح اجابته.
فغمغم بحنق.
- طردتها .. وبلاش تسألي عن السبب.
فأطرقت رأسها بحرج.
- مش قصدي يا فرح بس الإجابة مش لطيفة.
ولم تفهم مقصده ولكن قررت أن لا تلح عليه مدام لا يريد أن يُخبرها.
ونظر في ساعته بضيق.
- لازم أروح القاهرة .. عندي مرافعة بعد 3 ساعات.
ومسح على شعره وقد شعر بالعجز لأول مرة في حياته.
وطمأنته ببتسامة هادئة.
- متقلقش على مالك .. هاخده معايا الملجأ.
ثم قبلت الصغير الذي يلعب بيديه.
- وبعدين نروح نقعد مع تيته ليلي لحد ما بابا يجي.
فأصدر الصغير همهمته.
فضحكت عليه وهي تسمعه يقول "تيته".
فأبتسم أدهم بأرهاق.
- مش عارف أشكرك إزاي يا فرح.
فحركت رأسها بتفهم.
وأنحني نحو صغيره يقبله على رأسه.
وأرتجف جسدها وهي تشعر بأنفاسه حوله ورائحة عطره القوية.
وابتعد وهو يري احمرار طفيف على وجهها لا يعلم سببه.
جلس مروان أمام عمران يُخبره عن انضمام رامي لشركتهم.
كان عمران جالس يستمع إليه وعقله شارد في سفرته القادمة التي سيغيب بها أشهر لا يعرف عددها.
وتسأل مروان بقلق: مالك يا عمران.
فزفر عمران أنفاسه ببطء واخذ يُدلك جبهته برفق.
- المشروع اللي بيني وبين شريكي الاماراتي .. هنبدأ فيه من الأسبوع اللي جاي.
فتذكر مروان ذلك المشروع والذي سيدخله عمران بالمناصفة.
- طب وايه المشكلة .. انتوا بتستعدوا للمشروع ده بقالكم فترة كبيرة.
فتمتم عمران بضيق لا يعرفه.
- لازم أسافر الفترة دي الامارات انت عارف وجودي ضروري هناك.
وساد الصمت بينهم للحظات.
إلى أن نظر مروان نحو عمران وهو لا يعلم لما تذكر حياة.
وأخذ يتسأل داخله "معقول يكون حبها .. عمران عمره ما اتضايق من سفر خاص بالشغل".
وتذكر اعجاب احد الموظفين بحياة وحان الوقت كي يُخبره بذلك.
وبدون تمهيد للحوار.
- البشمهندس هاشم انت عارفه اكيد يا عمران.
فحرك عمران رأسه.
ليتابع مروان بخبث.
- معجب بحياة وعايز يتقدملها.
وفي تلك اللحظة نهض عمران وقد تجمدت ملامحه.
- بتقول إيه.
وأخذ زجاجة المياه التي كانت امامه وبدء يرتشف منها.
واستجمع اعصابه وهو يُطالع صديقه الذي يبتسم.
- خلي البنت تشوف نصيبها يا عمران.
وأغمز بعينيه بمكر.
ثم نهض من فوق مقعده.
- فكر وقولي رأيك في الموضوع.
وألتف بجسده يضحك على ملامح صديقه.
فالآن تأكد مما أراد.
انصرف مروان ليجلس عمران على مكتبه بضيق.
ورفع سماعة الهاتف بملامح جامدة.
- احجزي تذكرتين مش تذكرة واحدة يا نجوى.
جلست تنظر للمكان حولها بغرابة وهي مازالت لا تُصدق أنها معه هنا.
وشردت في أحداث الأيام الماضية عندما أخبرها بأنها ستُسافر معه في رحلة عمله ثم سيأخذها من هناك لصديق والدها لرؤيته.
وهاهي الأن تجلس في الشقة الخاصة به هنا وهو يقف على مقربة منها يتحدث في هاتفه بأمور خاصة بالعمل.
وعندما أنهى حديثه أقترب منها بتسأل.
- مالك يا حياة .. لسه متعودتيش على المكان.
يومان قد مرا وهما هنا وهي إلى الآن لم تعتد على وجودها معه في نفس المكان.
وحركت رأسها بنفي.
- هنسافر إمتى لعمو حسام.
فتمتم عمران وهو يزفر أنفاسه.
- لما حالته تسمح.
فتسألت بلهفة: يعني هو فاق فعلاً.
فحرك رأسه بنعم.
فحسام قد فاق من غيبوبته منذ أيام وهذا ماتفاجئ به في ذلك اليوم الذي قرر أخذها معه.
ولكن يخاف أن يعطيها الأمل.
فكما أخبره كريم ابن حسام أن حالة والده ليست مستقرة وانه يستيقظ ثم يعود لغيبوبته مرة أخرى.
ووجدها تبتسم وتحلم باليوم الذي سيأخذها فيه حسام.
وحرك يده على شعره بضيق.
وأبتعد عنه.
ليجدها تقترب منه وتقف امامه.
- انت هتسبني لوحدي.
فتعجب من سؤالها.
فتابعت هي بتذمر.
- هناك كنت بقعد مع أمل ونعمة وماما منيرة.
اما هنا مش لاقية حد وانت مبتعملش حاجة غير قاعد في مكتبك بتشتغل.
وحركت شفتيها بأمتعاض.
فضحك على فعلتها.
- عايزة إيه يا حياة وبلاش شغل الأطفال ده.
فأبتسمت وجذبت يده وهي تتقدم أمامه.
- تعالا نعمل أكل وناكل ونرغي.
وسار معها وهو يُتمتم بحنق.
- حياة أنا ورايا شغل.
وبدأت تُثرثر كما أعتادت مع نعمة وامل.
وعمران جالس على احد المقاعد بالمطبخ يعقد ساعديه أمام صدره.
ووضعت أحد الأطباق امامه وهي تهتف بحنق.
- رجعني مصر مدام مضايق كده.
نظر إليها بملامح جامدة وهو يتذكر حديث مروان.
وجذب منها الطبق بعنف وبدأ يأكل فيه.
فأبتسمت وهي تُطالعه.
وجلبت طبقها وجلست أمامه.
فرفع عمران عيناه نحوها ليجدها أخيراً قد صمتت واراد مشاكستها.
- تعرفي انك رغاية أوي .. وتجيبي صداع للقدامك.
فألتغيرت ملامحها ونظرت إليه بألم.
- أنا عمري ماكنت كده .. بس لما تلاقي نفسك وحيد فجأة من غير أهل ولا صحاب.
وطأطأت رأسها نحو طبقها.
ليفهم عمران مغزى كلامها.
وحرك مقعده بالقرب منها وأبتسم بحنو لم تعهده منه من قبل.
- بصيلي يا حياة.
فرفعت عيناها نحوه.
لتجد في عينيه دفئ.
- أنا راجل عملي يا حياة مبعرفش أذوق الكلام.
أحياناً بقول الكلام من غير قصد أو بمعنى تاني بكون عايز أنكش اللي قدامي شوية.
وأحيانا بكون قاصد كل كلمة عشان أوقف اللي قدامي عند حده وألزمه حدوده.
وتنهد وهو يتأملها بأبتسامة مُحبة.
- أنا كنت بهزر معاكي على فكرة.
وعندما أبتسمت رفع كفه نحو وجنتيها يُداعبهما بلطافة.
- انت اتغيرت معايا ليه.
فطالعها عمران دون فهم.
لتتابع بتعلثم.
- الأول كنت بحسك بتكرهني وكأنك مجبور على وجودي في بيتك بس دلوقتي معاملتك.
وأرتبكت وهي تُتابع حديثها.
- أحم لطيفة يعني.
فضحك وابتعد عنها.
وتنفس ببطء.
- أنسي اللي فات ومتفكريش فيه.
فطالعته قليلا وحركت رأسها بتفهم.
ثم تذكرت شيئاً.
- تحب أعملك تشيز كيك.
فنهض عمران وهو يضع بيده على بطنه.
- تصبحي على خير يا حياة.
فضحكت وهي تراه يخرج من المطبخ.
وضربت كفوفها ببعضها.
- انت الخسران!
كانت نهى تعبث بهاتفها.
تنظر إلى المنشورات والصفحات التي تُتابعها على حسابها الشخصي.
وفجأة وقفت عند أحد المنشورات لتبدأ بقراءة إحدى القصص المعروضة.
وأنهت قرائتها بعد ان علمت أنها قصة حقيقية.
لتدخل صفحة تلك الفتاة التي تعرض بعض القصص ونهايتها دائماً يكون فيها جبر وعوض.
قصة وراء قصة أنهتها وعيناها تدمع مع كل كلمة تقرأها.
اكتشفت أنها ليست الوحيدة التي عانت بحياتها فالجميع يُعاني.
الكل لديه جزء بحياته مخفي.
حكاية وراء حكاية تتذكر معها حكايتها.
أب تزوج من امرأة تكبره كي ينعم بأموالها.
خيانة متكررة إلى أن أراد أن يتخلص منها ليأخذ منها ثروتها.
اتخذ صديقتها عشيقة ولعبوا لعبتهم في جعلها تُدمن إلى أن أسقطوها في بئر الخيانة.
وعاد المشهد أمام عينيها.
والدته لم تكن خائنة ولكن الرجل الذي جلبه والدها للمنزل هو من استغل ضعفها وعدم وعيها.
وعندما سقطت مغشية عليها عرتها عشيقته ليحكم لعبته عندما تستيقظ وترى نفسها في أحضان رجل.
وأنها زانية خائنة.
كل هذا رأته وهي ما كانت إلا فتاة في سن مراهقتها لم تتجاوز الخامسة عشر.
تتذكر يومها وكأنه كان بالأمس يوم أن عادت من بيت صديقتها فقد كانت تنوي أن تظل عندها الليلة كما طلب منها والدها أن تقضي اليوم مع رفيقتها ليذاكروا.
ولكنها لم ترغب في البقاء بعد أن سمعت مشاجرة بين والدي صديقتها.
فهي أصبحت تكره الخناق والأصوات العالية.
وعادت إلى منزلها لتري أسوأ كابوس مر بحياتها.
إلى الآن لا يعلم والدها أنها رأت كل شيء.
رغم أنها دوماً تقف امامه تنظر إليه وتخبره عيناها أنها تعلم كل شيء.
تعلم كيف أقهر والدتها بعد أن تنازلت له عن مالها.
وبعدها تزوج من صديقتها.
لتنتهي والدتها وتنتهي هي.
وأصبحت فتاة لعوبة تكره الرجال.
توقعهم في شباكها وتأخذ منهم الأموال والهدايا كي تنتقم.
ومع أمجد كانت لعبتها أكبر.
كانت تريد أن تتزوجه رغبة بأمواله وشهرته.
ولكن انقلب كل شيء.
أحبته بل عشقته.
أصبحت تتمني فقط أن تحظى بدفء ذراعيه.
تري ابتسامته.
تسمع صوته.
حب لأول مرة تعرف معناه.
حب بدون انتقام دون هدف.
حب وجدت به ما ينقصها.
وتعال صوت نحيبها ووضعت بيدها على قلبها.
- ليه حبيته .. ليه مفضلتش وحش .. ليه ضعفت ونسيت أن كل الرجال خاينين.
ليه عايزة أوي كده .. ليه عايز تضحي بنفسك عشانه.
وعادت تنظر في هاتفها.
وضغطت على صفحة الفتاة.
وظلت للحظات تفكر هل تحكي حكايتها أم تظل مع ماضيها.
وفي النهاية حسمت قرارها.
رواية ودق القلب الفصل الثامن عشر 18 - بقلم سهام صادق
وقفت فرح تنظر إلى العمال وهم يعملون، تشعر بالسعادة لما ستفعله من أجل الأطفال. معهم نسيت وجعها ونسيت حبها لمهنة الصحافة. تنفست بحنين وهي تتذكر والدها:
"هكون بذرة طيبة في الأرض يابابا."
ودمعت عيناها وهي تتذكره. إلى أن سمعت صوتاً خلفها:
"تعالي صاحبتي تماماً."
فالتفتت نحوه بعد أن مسحت دموعها:
"إنتي كنتي بتعيطي؟"
فأشاحت وجهها بعيداً عنه، ليقترب منها بقلق:
"فرح فيكي إيه؟"
لم تعلم لما قلبها دق فجأة وهي ترى لهفته وقلقه عليها، ولكن نفضت تلك الأفكار من رأسها سريعاً، فهي مازالت تُشفي من حب انتهى قبل أن يبدأ. وتسأل أدهم مجدداً وهو يزفر أنفاسه بحنق:
"فرح ردي عليا."
فتمتمت بارتباك:
"مافيش حاجة.. بس افتكرت بابا الله يرحمه."
شعر بالحزن لأجلها، ولم يجد ما يقوله. وأزال نظارته السوداء لتسقط أشعة الشمس على عينيه. وأخذ يغمض عينيه بحنق، لتضحك هي:
"لسة متعودتش على شمس أم الدنيا."
فابتسم وهو يطالع المكان حوله:
"هتعود أكيد زي ما بقيت أتعود على حاجات كتير هنا."
وابتعدت عنه، لينظر لها بحب لأول مرة يعرفه. حب لا يعلم كيف نبت في قلبه ولماذا هي.
جلست تنتظره إلى أن يعود من العمل لتعد له وجبة العشاء، فهذا أصبح روتينها اليومي منذ أن جاءت معه من أسبوع. تنتظره بلهفة لا تعلم سببها. وتذكرت أمل ونعمة ومنيرة وكيف كانت تقضي يومها معهم بالمطبخ.
نهضت من فوق الأريكة لتصعد لأعلى، فالشقة التي يمكثون بها تتكون من طابقين.
ودخلت غرفتها التي بجانب غرفة عمران، وفتحت أحد الأدراج لتخرج صور خطبة نعمة في حارتهم البسيطة.
وسمعت صوت عمران يهتف باسمها، فوضعت الصور بمكانها وهبطت الدرج بخفة، وعلى وجهها ابتسامة سعيدة لقدومه:
"حمدلله على السلامة."
فابتسم عمران وهو يطالعها بشوق يخفيه لسانه ولكن قلبه يفضحه:
"الله يسلمك ياحياة."
وتسأل وهو يصعد الدرج:
"ها قوليلي عملتي إيه النهارده؟"
فأخذت تخبره عن مكالمتها مع كرستين ومنيرة.
وتبدلت ملامحها للعبوس وهي تتذكر كذبها على منيرة التي سألتها عن مكان إقامتها وكيف حال صحة صديق والده.
لينظر إليها عمران بعد أن خلع سترته، وتسأل:
"مالك ياحياة؟"
فأخبرته بما يزعجها، ليجلس على فراشه وينحني قليلاً يخلع حذاءه بملامح جامدة.
وعندما لم تسمع رد منه، انصرفت وهي تتمتم:
"عن إذنك."
وألتف نحوها وهي تغادر غرفته، وزفر أنفاسه بضيق لأنه السبب في ذلك الوضع الذي بات يمقته.
تعالت صوت ضحكاتها وهي تستمع لمدح صديقتها:
"إمتي هتعلني خطوبتك انتي وعمران يانيرة؟"
فأسترخت نيرة بجسدها وهي تزفر أنفاسها في أظافرها المطلية:
"قريب ياسوزي."
ثم تابعت بزهو وهي تلعب بخصلات شعرها:
"عمران للأسف حالياً مسافر الإمارات عنده مشروع ضخم فيه."
وبدأت تُثرثر عن علاقتهما التي تصنعها هي بخيالها، إلى أن هتفت سوزي:
"بصراحة يانيرو عمران العمري ده صيدة تقيلة."
وأبتسمت وهي تتخيله:
"لأ وجنتل مان آخر حاجة ورياضي.. راجل مثالي."
وتأففت وهي تتذكر زوجها الذي يبلغ من العمر خمسون عاماً والذي تزوجته من أجل ماله:
"ديما بتقعي وقفة يانيرو."
فضحكت نيرة بعلو وهي تنظر إلى صديقتها:
"نيرة ديما بتاخد اللي هي عايزاه."
وقعت عيناها على رجلاً يدخل بهيبته ويبدو أنه في العقد الرابع من عمره، واقترب منه رجلاً آخر يُصافحه بحرارة:
"سوزي مين ده؟"
وأشارت نحوه وهي تُتابع حركته.
فابتسمت سوزي وهي تنفس أنفاسها بحرارة:
"ده فهد الحسيني ثري عربي."
لتلمع عين نيرة وهي تُطالعه، وألتقطت عيناهما، وانصرف بعدما نظر لها وأبتسم.
ابتسمت مها عندما وجدت رامي أمامها، فرامي أصبح يعمل بالشركة ومنذ بداية عمله وهو يعاملها بلطف:
"أتفضل يابشمهندس."
وأشارت نحو غرفة مكتب مروان، ليبتسم رامي:
"مديرك فاضي ولا هعطله؟"
فابتسمت بود:
"الكلام ده لباقي الموظفين أما حضرتك لأ."
فضحك رامي وهو يتقدمها، لتتبعه وتحمل بعض تقارير العمل.
وابتسم مروان عندما رأى صديقه، وأشار إليه بالجلوس.
لتقترب منه مها وتضع التقارير أمامه.
فنظر إليها مروان بجمود وهي يرى ابتسامتها الخجلة لصديقه:
"اتفضلي انتي يامها."
فطالعته بارتباك، وانصرفت وهي تشعر بالحنق من أسلوبه الفظ معها. لينظر رامي لصديقه:
"بنت هايلة بجد يامروان."
فتجمدت ملامح مروان وهو يطالع صديقه، وهتف بنبرة عملية كي يغير محور الحديث:
"مبسوط معانا في الشغل؟"
وضعت أمامه قهوته وجلست جانبه، ثم نظرت إلى الكتاب الذي بيده واقتربت منه تُحدق في محتواه:
"ده كتاب خاص بمجال شغلك."
فحرك عمران رأسه ومال نحو الطاولة ليلتقط فنجان قهوته وبدأ يرتشف منه:
"قهوتك تجنن ياحياة."
وأبتسمت بارتباك لمدحه وتابع وهو يكمل إرتشاف قهوته:
"زي ما أكلك كمان حلو."
وتوردت وجنتاها وهي تشعر بالسعادة. وعندما عاد إلى ما يقرأه، نظرت للمكان حولها بضجر.
وحملت فنجان القهوة خاصتها وبدأت تسأله عن بعض الأشياء، ليجيب عليها بكلمات مختصرة.
"فضلت الصمت، وأقتربت تقرأ معه حتى لو لم تفهم في مجال عمله."
وأسترخي بجلسته وهو يرى أقترابها، ثم مدّ أحد ذراعيه على أريكة.
كان يظهر مشاعره ولكن بطريقة عمران العمري الرجل الذي لم يُحب يوماً إلا في مرهقته، وكانت قصة حب كلما تذكرها ضحك على حاله.
وكتم ضحكته وهو يطالعها بطرف عينيه، فهي تفتح عينيها على وسعهما كي تلتقط الكلمات.
وتنحنح بخشونة، وأقترب منها وهو يتسأل:
"تحبي نتفرج على فيلم رعب؟"
فانتفضت خائفة وهي تتذكر الفيلم الذي شاهدوه سوياً، فهي لم تكن يوماً من محبي هذه الأفلام.
"ليضحك عمران وهو يتذكر تلك الليلة وعاد يتسأل:"
"خلاص شوفي أنتي عايزة تتفرجي على إيه؟"
وأبتسمت حياة وهي لا تُصدق أنه سيترك الكتاب الذي كان يأخذ كل تركيزه وسيجلس معها. وأقترحت بشغف:
"أحكيلي عن التاريخ الإسلامي."
وعندما رأت نظراته التي لم تفهمها، طأطأت رأسها بأسف:
"أنا معرفش حاجات كتير عن الإسلام."
"فشعر بالأسف نحوها لنشأتها مع أب لم يهتم يوماً بأن يعلم ابنته أمور دينها."
وتسأل:
"حياة أنتي إتحجبتي إمتي؟"
"فابتسمت وهي تستعيد ذكري ذلك اليوم:"
"سنة وتلت شهور."
"فابتسم وهو يرى سعادتها."
"ووجدته بدأ يسرد عليها بعض القصص."
"وأقتربت منه دون شعور وهي تنظر إليه كيف يتحدث، وكيف لديه كم هائل من المعلومات."
"وأخذت تتأمله ولا مرة تتمنى أن يكون زواجهم حقيقي."
"وضمه عمران بذراعيه وهو يتسأل:"
"المكتبة اللي في الفيلا فيها كم هايل من الكتب عن التاريخ الإسلامي والسيرة النبوية، وكتب دينية كتير هتعجبك."
"وتذكر جده رحمه الله:"
"جدي الله يرحمه كان شغوف أوي بالقراية وخاصة الكتب الدينية."
"وتابع وهو يتذكر جده بحب:"
"رغم إنه كان رجل شديد وصارم إلا أني اتعلمت منه حاجات كتير أوي."
"فهتفت بحماس وهي لا تشعر أنها بين ذراعيه:"
"كنت بتحبه أوي مش كده؟"
"وفجأة أبتعد عنها وهو يتذكره ويتذكر عمته، ونظر إليها ليجد صورة والدها فيها."
"وتمتمت بكلمات جامدة:"
"هبقى أجيبلك الكتب."
"وتابع وهو يتجه نحو الدرج:"
"تصبحي على خير."
"تعجبت من ابتعاده عنها ونظرت إليه وهو يتجه إلى غرفته."
"وجلست تُطالع ما أمامها بشرود."
استيقظ عمران من نومه وهو يشعر بالعطش، ونهض من فوق فراشه يُحرك يده على خصلات شعره، وهبط الدرج حافي القدمين، ووقف يُحدق في تلك التي تنام على الأريكة التي كانوا يجلسون عليها منذ ساعات قبل أن يتركها ويصعد لغرفته مع الماضي.
وأقترب منها بخطوات بطيئة، ونظر إلى وجهها في الظلام.
كانت نائمة بعمق منكمشة كالجنين، وأنحنى نحوها يتأمل تفاصيلها، وسقطت عيناه على ساقيها البيضاء.
وتقلبت لجهته وأصبحت أنفاسها قريبة من أنفاسه.
ومدّ كفه ببطء نحو وجهها يُلامسه بضربات عنيفة تخترق أضلعه.
ومال أكثر نحوها بشفتيه ليُطبع بقبلة دافئة على جبينها.
وعندما وجدها تفتح عيناها أعتدل في وقفته وطالعها بجمود مصطنع يُداري خلفه ارتباكه:
"حياة أطلعي نامي في أوضتك."
كانت الرؤية أمامها مشوشة، وعاد صوته يُناديها من جديد.
"فنظرت نحوه بنعاس، ثم تذكرت هيئتها، وأعتدلت سريعاً وهي تُغطي ساقيها بطرفي فستانها:"
"محستش بنفسي، فنمت مكاني."
"فمدّ كفه نحوها كي يُساعدها على النهوض، ونهضت معه."
"وهي تشعر بوجع في جسدها بسبب نومتها على الأريكة."
"وسارت بتمايل وهي تتثاءب ولا ترى شيئاً أمامها غير الفراش الذي ستقسط فوقه فور أن تصل إلى غرفتها."
"وأبتسم وهو يرى حركة جسدها وهي تتمايل."
"وحاوط خصرها:"
"لأ إنتي شكلك لسة نايمة."
"وصعد بها إلى غرفتها، لتتسطح على الفراش دون أن ترفع الغطاء من أسفلها."
"فضحك وهو يزيح الغطاء ويعدل نومتها."
"ووقف يتأملها بحب ينبض داخل قلبه ولكنه يرفضه."
"واغلق نور غرفتها وأنصرف وهو يعنف قلبه:"
"اشمعنى ديه اللي حبيتها، ليه عايزها أوي كده، ليه حياتك بقي ليه روح."
"ونسى أن يخبر نفسه:"
"لا سُلطة لنا على قلوبنا."
تلاقت عيناهما وكل منهما سار نحو طريقه، لتقف نهى بعد عدة خطوات وتلتف نحوه بحنين.
أما هو شعر بالألم وهو يراها كل يوم تنطفئ وتزبل، لم تعد نهى التي عرفها بل أصبحت كالعجوز، حتى مظهرها الذي كانت تهتم به بشدة بات شاحباً.
وأكمل سيره وهو يُصارع رغبته في الذهاب لضمها، وبين كرامته فهو إلى الآن لم ينس وصف فارس له وكيف كانت تُغريه لتتقرب منه.
وعندما تذكر بعض اللحظات التي كانت بينهم، أغمض عينيه بقوة وهو يهتف بداخله:
"انساها ياغبي."
انتهى عشاء العمل وجلسوا يحتسون قهوتهم ويتحدثون بعملية. كان عمران كل لحظة ينظر إلى ساعته، فهو يتوق للذهاب إليها ولكن عشاء اليوم جاء فجأة ولم يستطع إحراج شريكه ورفقائه فقد أحبوا أن يتعارفوا عليه.
كان يدور بعينه في المكان، فالحديث بات ممل بالنسبة إليه.
ووقعت عيناه على أخر شخص يتخيله، لتتلاقي عيناهما.
"وانهض بعدما اعتذر من الجالسين."
وكلما خطى خطوة نحو تلك الجالسة تنظر إليه بارتباك.
تذكر مازن شقيقه، فها هي ندى التي كان يرى حبها لأخيه وعشقها له.
"ونظر إلى الجالس جانبها وطفلاً صغيراً يجلس على المقعد المخصص للأطفال."
"ووقف أمامهم وعلى وجهه ابتسامة باردة:"
"إزيك ياندى؟"
"فابتسمت بتوتر ونظرت إلى زوجها الذي يُطالعها بنظرات جامدة:"
"عمران العمري."
"وعندما جاء بذهنه اسم عائلة العمري تذكر اسم زوجها الراحل، فأبتسم بتهذيب وهو ينهض كي يُصافحه:"
"أهلاً وسهلاً."
"وعرفه بنفسه: دكتور أحمد منصور."
"فصافحه عمران وهو يُطالع تلك الجالسة وكأنه يتهمها على زواجها بعد شقيقه."
"وأشار الرجل نحو صغيرهم:"
"مازن ابننا."
"ليقع الاسم على مسمعه، فيجد نفسه يُحدق بالطفل الذي يشبه والده."
"وبأبتسامة دبلوماسية أنهى الحوار وانصرف خارج المطعم بأكمله متجهاً نحو سيارته."
كانت تجلس تنتظره ومن حين لآخر تنظر إلى الساعة، فشعرت بالقلق عليه.
"وكملت قراءة أحد الكتب التي جلبها له وبالها مشغول به، وأرادت أن تُهاتفه ولكنها شعرت بالحرج."
"وبعد ساعة سمعت صوت الباب يُغلق، فنهضت من فوق الأريكة وأتجهت نحوه بلهفة:"
"قلقت عليك أوي، إنت اتأخرت ليه؟"
"فطالعها عمران بجمود وصعد إلى غرفته دون أن يُجيبها."
"لتقف حائرة في أمره، وظلت تدور حول نفسها إلى أن عزمت قرارها وصعدت إليه."
"وجدت باب غرفته مفتوح وهو متسطح على الفراش بحذائه وملابسه وقد تخلى فقط عن سترته ورابطة عنقه."
"وأرتبكت وهي تردف لغرفته:"
"مش هتتعشى؟"
"فتنهد عمران وهو يزفر أنفاسه بقوة:"
"اتعشيت بره."
"وعاد لشروده، فأقتربت منه بتوتر:"
"في حاجة ضايقتك؟"
"فلم يُجيبها ولكن صوت أنفاسه كانت تُخبرها بأن يوجد أمراً ما قد ضايقه."
""وقفت للحظات تنظر إليه."
"وأخيراً أقتربت من الفراش وجلست على الطرف الآخر:"
"احكيلي وصدقني مش هتندم."
"مازحته بلطافة كي تُخفف عنه:"
"يلا ياعمران يابني أحكيلي."
"كان صوتها يشبه العجائز، فلم يتمالك نفسه وأبتسم."
"وألتف نحوها وهو يُطالعها:"
"حياة أنا عايز أنام ممكن."
"فأسترخت بجلستها وعقدت ساعديها وهي تُحرك رأسها برفض:"
"أنا حابة القاعدة هنا ومش همشي غير لما أعرف."
""وحركت جفونها بطريقة مُضحكة."
"ليتنهد عمران وهو يُطالع الفراغ الذي امامه وبدأ يسرد لها رؤيته لندي زوجة شقيقه مازن رحمه الله."
"ظلت تستمع له دون أن تُقاطعه."
"وشعرت بالأسى لحبه الشديد لشقيقه وأبتسمت وهي تضع بيدها على ذراعيه:"
"يمكن كلامي ما يعجبكش، بس اللي ندي عملته شيء عادي ومن حقها أنها تكمل حياتها."
"فهتف عمران بجمود وهو يحدق بها بقوة:"
"والحب اللي كان بينهم؟"
"تنهدت وهي تختار كلماتها بعناية:"
"لو كل واحد فارق إنسان غالي عليه ووقف حياته، الحياة عمرها ما هتمشي. في ناس حياتها بتقف وفي ناس بتقدر تكمل حياتها من تاني. ولا ده وفيّ ولا التاني خاين للذكري بس كل واحد فيهم اختار الطريق اللي هيكمله. الذكري الحلوة والحب الحقيقي عمره ما بيتنسي ومش معنى إن الإنسان قدر يكمل حياته فهو خان العشرة. الحياة عبارة عن رحلة والرحلة لازم تكمل."
"وتابعت وهي تتسأل:"
"ابنها اسمه مازن؟"
"فحرك رأسه بعدما هدأ قليلاً:"
"متوقعش في يوم هتنساه، هتفضل فكراه في ابنها."
""وأصبح صوت أنفاسه هو من يملأ المكان."
"إلى أن هتفت:"
"أعملك قهوة؟"
"فألتف نحوها وهو يبتسم:"
"اعملي ياحياة."
""وركضت وهي تتمتم بتحذير:"
"أوعي تنام."
""فأتسعت ابتسامته."
"وكل يوم يسقط في بحور عشقها رغماً عنه."
الكل يُصفق وصوت الغناء يصدح في أرجاء المكان، والمباركات هنا وهناك. وهي تجلس تلعب بهاتفها تُلهي نفسها عن الأعين التي تُطالعها.
"وأبتسمت ساخرة وهي تتذكر عدد المرات التي سمعت فيها تلك الجملة التي تمقتها:"
"عقبال مانفرح بيكي يامها ياحببتي."
"ثم تتبعها زغروطة طويلة تصم أذنيها."
"ونظرت إلى والدتها وخالتها التي تجلس جانبها، ولمياء شقيقتها والتي تقف بجانب العروس ترقص معها."
"وسمعت صوت خالتها وهي تلوي فمها بامتعاض:"
"ياحببتي قومي كده فرفشي وهيصي مع البنات، ما إنتي لو فضلت كده مش هتتجوزي فكيها شوية."
"وكظت شقيقتها:"
"ما تخلي بنتك تدردح ياصفية."
"فأمتعضت صفية من حديث شقيقتها، ونظرت لمها التي أشاحت بوجهها بعيداً عنهم."
"اطلعي شمي شوية هوا ياحببتي بره القاعة، أنا عارفة إنك بتتخنق من الجو ده."
"ثم نظرت لأختها بضيق:"
"ما تحسبي على كلامك ياروحيه."
"لتتأفف الأخرى:"
"خليها قاعدة جنبك كده."
"فابتسمت صفية:"
"بكرة بنتي ربنا هيكرمها، ماهو ياحببتي مش بالرقص والهيافة، ماياما رقصوا وحطوا الأحمر والأخضر وفي النهاية إيه؟ اتجوزوا اه بس قوليلي اتجوزوا الراجل الصح اللي يصونهم ويحميهم."
"وعندما وجدت ملامح شقيقتها قد تغيرت، لأنها ذكرتها بأبنتها التي تطلقت بعد عامين من زواجها."
"وتنهدت بضيق فالكلام الجارح ليس من طباعها:"
"كل واحد وليه نصيبه، ووقت ما ربك بيأذن بتتعجبي من تدبيره."
خرجت من الفندق الذي يُقام فيه حفل الزفاف، ووقفت في الخارج تستنشق الهواء. أعتادت على تلك الكلمات حتى أصبحت لا تشعر بشيء. وتنفست بعمق وأخذت تُعدل من حجابها. وأتسعت عيناها وهي تجد مروان جالس بسيارته وبجانبه فتاة يُقبل يدها.
"وسار بسيارته، لتسقط دموعها."
"انتهى من سهرته التي اعتاد عليها وخرج من الملهى الليلي."
"فأقتربت منه إحداهن:"
"ممكن توصلني؟"
"ثم ضحكت وهي تتمايل:"
"ولا مش فاضية؟"
"فابتسم مروان وهو يميل نحوها:"
"تعالي يلا."
"كان يعلم بأنها تريد أن تصطحبه لشقتها كالأخريات، وهو كان يُسيرها ويصعد معهم، كان يُبرر لنفسه أنها مجرد قبلات لا أكثر ثم يرحلون."
"وصعد سيارته لتصعد الفتاة جانبه تُثرثر وتضحك، بل وتلامس جسده بيدها."
""ووقف فجأة بسيارته وهبط وهو يجد منظر صدمة."
"رجلاً يجلس وبجانبه أطفاله يأكلون من صندوق القمامة."
""وااقترب منهم، ليفزع الرجل وينهض يجذب صغاره نحوه."
"فنظر إليهم مروان بألم:"
"متخافش."
""وااقترب من الطفلة الصغيرة ومال بجسده نحوها يمسح على وجهها."
"فالطفلة كانت تأكل كسرة من الخبز العفن."
"المشهد أوجعه، وهو يرى حياة غيره."
"وبدأ يمر شريط حياته أمام عينيه، الفتاة التي ركض خلفها وأحبها وتزوجها، وعندما خسر أمواله التي تزوجته من أجلها، هجرته وطلبت الطلاق لأنها لم تتحمل حياة الفقر، ليصبح إنسان بائس مدمر. ولكن الله لم يتركه."
""وأقترح عليه عمران الذي تعرف عليه من خلال شاكر الذي كان صديق والده رحمه الله، لِتفتح له الحياة أبوابها من جديد."
"وبدلاً أن يُدرك نعمة الله عليه، ضاع وسط حياة اللهو."
""وأفاق على صوت الطفلان وهم يجذبون ذراع والدهم بخوف."
"ووجد الرجل يأخذ أطفاله كي يبتعد، فأمسك ذراعيه ليخرج بعض الأموال من حافظته."
"لكن الرجل أشاح وجهه:"
"لأ يابيه أنا مش بشحت."
""وأدمعت عيناه، ووقف حائراً وهو يرى نظرات الصغار لأبيهم."
""ليهتف الرجل بمرارة:"
"طردوني من الشغل عشان مبقتش أصلح للعمل."
"وأشار نحو رجله العرجاء، ثم أزال بقايا دموعه:"
"طب تحب أساعدك بأيه قول؟"
""فتهللت أسارير الرجل:"
"شوفلي شغل الله يكرمك."
""لينظر مروان إلى صغاره ثم إليه:"
"خلاص تمام أنا موافق."
""وأخرج كارته الخاص:"
"تعالى العنوان ده، واديهم الكارت بتاعي."
""ووضع المال بيده وهو يبتسم:"
"خليهم معاك دول مني عشان ولادك."
""وأتجه نحو سيارته حيث التي تجلس تتأفف من الانتظار."
""ليسمع صوت الرجل وهو يدعو له:"
"ربنا ينور قلبك وطريقك يابيه."
"هوت بجسدها على أقرب مقعد ومازال صدى كلماته في أذنيها، صديق والدها قد مات، أمس أخبرها أنه أصبح بخير، أما اليوم فكل شيء قد تبدل."
""وأخذت تُردد بضعف:"
"مات!"
""كان عمران يقف بوجه شاحب من الصدمة بعد أن تلقى الخبر، وشعر بالوجع وهو يرى نظرة الانكسار في عينيها."
""وأقترب منها يمسك كفيها ليحتويهما بين كفيه:"
"عيطي ياحياة، البكا ساعات كتير بيريح."
""فرفعت وجهها نحوه بألم:"
"حكايتنا كده انتهت، تقدر دلوقتي تتخلص من عبء."
""فلم يشعر بنفسه إلا وهو يضمها بقوة:"
"مين قال أن حكايتنا انتهت، إحنا."
"وقبل أن يُكمل باقي عباراته، دفعته بعيداً عنها وركضت لأعلى نحو غرفتها."
""فصعد خلفها راكضاً، ليجدها تضع حقيبتها وتُخرج ملابسها:"
"أنا كنت أمانة عندك عشانه هو، أنا مينفعش أفضل هنا ماليش حد وسطكم."
""ووضعت ملابسها داخل الحقيبة ومازالت الصدمة تخترق قلبها."
""وفجأة سقطت على ركبتيها وهي تنتحب:"
"ليه كلهم بيروحوا ويسبوني."
""كانت كلماتها تُدمي قلبه، لا يُصدق أن هذه تلك الفتاة التي تبتسم وتعطي الأمل لمن ينظر إلى وجهها."
"ليجثي على ركبتيه وقلبه لم يعد يتحمل رؤيتها هكذا:"
"حياة أنا معاكي وعمري ما هخلي عنك."
""فطالعته بنظرات تائهة وهي تُتمتم:"
"كلهم قالولي كده."
""ولم يشعر بنفسه وهو يضمها ويُقبلها بقبلات متتالية دافئة كأنه بذلك يُخبرها حبه."
""وأرتجف جسدها وأصبح قلبها يدق بعنف."
""وعندما أرادت دفعه لتبتعد، همس بحب:"
"عايزك ياحياة."
""وتعلثمت وهي تنظر إليه بضعف:"
"إنت مبتحبنيش."
"""وضاعت معه بعد كلمتها الأخيرة، ليُخبرها في كل لمسة وهمسة منه أنه يعشقها ويُريدها بقلبه وعقله وكيانه كله."
رواية ودق القلب الفصل التاسع عشر 19 - بقلم سهام صادق
فتحت عينيها ببطء وهي تنظر للنائم بجانبها، وأخذت تتأمل تفاصيل وجهه وقلبها ينبض بحب لذلك الرجل الذي أحبته دون أن تشعر. أحبته لرجولته وقسوته التي يغلف بها حنانًا أدركته. شهر واحد مر عليهما هنا جعلها تكتشف حقيقة من كانت تخشاه.
فتح عينيه وهو يبتسم لها، فأرتبكت وهي تشيح وجهها بعيدًا عنه بخجل.
ليفتح ذراعيه لها قائلاً بدفء:
"تعال."
فأقتربت منه ليضمها بذراعيه ويُقبل جبينها.
"أنتي كويسة؟"
فحركت رأسها بخجل وهي تدفن وجهها في صدره.
وأبتسم وهو يضمها وأبعدها عنه قليلاً ليرفع وجهها.
"بصيلي يا حياة."
وعندما نظرت إليه بأعين تلمع بالدفء، ضاع معها مرة أخرى في عالمهم الخاص.
***
رفع مروان عينيه نحوها بعدما وضعت الأوراق أمامه وأشاحت وجهها بعيدًا عنه. فأصبح يرى نظرات احتقارها بعد أن كانت تلمع عيناها بحبه.
وهتفت بجدية:
"في حاجة مطلوبة مني تاني يا فندم؟"
فحرك مروان رأسه لها بمعنى لا. ليجدها انصرفت في الحال دون أن تطالعه. وأسترخى بجلسته يطالعها، فبعد أن كانت تتحجج بأن تظل أمامه، الآن تنفر من وجودها معه.
وتساءل وهو يحرك يده على ذقنه:
"آه لو أعرف مالك يا مها."
***
يجلسون متشابكين الأيدي، تنام على كتفه تحكي له عن حياتها. كان يشعر بالوجع وهي تسمعها، فعلم أنه أخذها بذنب لا تستحقه. هي ضحية لأنها كانت ابنته كما كانت عمته ضحية لحبه.
وعندما توقفت عن الكلام، رفع وجهه نحوها.
"سكتي ليه؟"
فأبتسمت وهي تطالعه.
"عارف يوم ماشوفتك قولت عنك إيه؟"
فضحك عمران وهو ينتظر إجابتها.
"قولت عليك إنك مغرور وقاسي الطبع."
فتعالت ضحكاته وهو يميل نحوها.
"وأنا قولت عنك إنك مصيبة وقعت على راسك."
فتسعت عيناها وهي تدفعه بيدها بعيدًا عنها.
"أنا مصيبة؟ أنت اللي..."
وقبل أن تكمل كلامها، كان يحملها بين ذراعيه هامسًا بشوق.
"بس طلعتي أجمل مصيبة حصلت لي."
وسار بها نحو غرفتهما وهو يغمرها بقبلاته.
***
وقفت أمامه وهي تتلهف لرؤيته والحديث معه، فأخيرًا قد سمح له بمقابلته. ظلت واقفة لدقائق وهو جالس ينظر في بعض الأوراق دون أن يعطي لها أي أهمية، ولكن بداخله يشتعل شوقًا لها.
وخرج صوته بعد أن ملّ من هذا الصمت.
"كنتي عايزاني في إيه يا آنسة نهى؟"
أبتلعت نهى ريقها ثم رطبت شفتيها بلسانها.
"أنا عملت حاجة ضيقتك يا أمجد؟"
فنهض أمجد من فوق مقعده بجمود وهو يطالعها.
"آنسة نهى، الأفضل إننا نحتفظ بالرسمية في الألقاب."
فأوجعتها كلمته، ونظرت إليه بألم.
ليشير نحو الباب:
"لو معندكيش حاجة مهمة تقوليها اتفضلي على شغلك، لأني مش فاضي."
هيئتها كانت تدمره، ولكن حقيقتها دمرته.
وأطرقت رأسها أرضًا.
"أنا بحبك."
وعندما لم تجد منه ردًا، انصرفت وهي لا تصدق أن هذا هو الرجل الذي أحبته وأصبحت تتعالج من سواد ماضيها لأجله.
***
كان أدهم يرى فرح يوميًا، فـ"مالك" دائمًا معها. كما أنه أصبح يدعمها في الملجأ ويساعدها في كل شيء. حياتها كانت تسير بهدوء واستطاعت أن تتجاوز محنتها وبدأت تشك في حبها لأمجد. فأحيانًا نظن أننا نحب، وفي النهاية يكون مجرد تعلق لا أكثر.
***
كانوا يتجولون بسعادة ويلتقطون الصور في كل مكان. ورغم أن عمران يمقت هذا، إلا أنه فعل كل ما يرضيها ويسعدها.
وقفت حياة تلتقط صورة أخرى لهم.
"اضحك يا عمران."
فأبتسم، لتلتقط الصورة بسعادة. وكادت أن تخبره أن يلتقطوا صورة أخرى.
"لأ، كفاية كده. دي الصورة العشرين يا حياة، أنتي زهقتيش؟"
فضحكت وهي تتأمل ملامحه الغائقة.
"خلاص كفاية كده، ولا تزعل نفسك."
فأبتسم وضمها بذراعيه.
"مبسوطة يا حياة؟"
فأغمضت عينيها بسعادة.
"مبسوطة جدًا."
ورفعت يديها وهي تدعو.
"يارب تفضل الحياة حلوة كده."
ونظرت إليه بمشاكسة:
"وتفضل طيب يا عمران."
فقرص وجنتيها وهما يسيران في شوارع دبي.
"هسكت عشان أحنا بره بيتنا، بس لما نروح لينا حساب تاني."
فأبتسمت وهي ترفع عينيها نحوه.
"هتسكت برضو؟"
فضحك وكل يوم يزداد عشقه لها. حياة كانت كنقيض بالنسبة له وكأنها تكمله. من يقترب منها يرى أنها حياة كاسمها، تبعث الأمل والحياة لمن تكون معها. أحيانًا كثيرًا يجلس مع نفسه لا يصدق أنها ابنة ذلك الرجل الذي كرهته عائلته لسنين طويلة.
وفاق من شروده عندما ابتعدت عنه، واتجهت نحو طفلة صغيرة تمسك بيد والدتها وقبلتها على وجنتها وهي تداعب خصلات شعرها الصفراء. والصغيرة تضحك لها.
***
ضغط على أسنانه بقوة وهو يرى نظراتها المشمئزة له. فأزاح الأوراق التي وضعها أمامه وضرب على مكتبه بقوة.
"لأ بقي، أنا عايز أعرف معاملتك اتغيرت ليه؟ وإيه النظرة دي؟"
فطالعته مها ببرود وهي تنظر للأوراق.
"مدام حضرتك مش عايزني... أروح أشوف شغلي."
لينهض مروان وهو يحترق من داخله، فاللعبة قد انقلبت. وبعد أن كانت تتمنى نظرة واحدة منه، أصبح هو من يتمنى نظراتها التي كان يرى بهما حبًا قويًا.
وتساءل بهدوء عكس ما بداخله.
"مها، أنتي بقالك أكتر من سنتين بتشتغلي معايا... أنا ضيقتك في حاجة؟"
فطالعته بألم، وذلك اليوم لم تنساه. وكادت أن تبكي، ولكن عادت لجمودها.
"حضرتك المدير وأنا موظفة هنا، وأكيد الموظف ملهوش حق يزعل من المدير."
وأتابعت وهي تخبر قلبها بأن يصمد.
"حضرتك عايز مني حاجة تانية؟"
وعندما لم تجد ردًا منه، غادرت ومشهد ذلك اليوم بعقلها. ووقف مروان يطالع طيفها متعجبًا من تغيرها العجيب معه. فأين هو حبها؟ حبها الذي كان يجعله يشعر بسطوته عليها. ولكن يبدو أن الحب قد رحل من كثرة جفائه معها.
***
يجلس يطالع تلك الفاتنة التي تجلس مع رفيقاتها تضحك بعلو صوتها. كان يتأملها بافتتان وهو يتابع كل تفاصيل حركتها.
ونظر إلى الرجل الذي يقف خلفه، يسأله عن المعلومات التي جلبها عنها. فهي أصبحت تشغل جزء كبير من تكفيره.
"نيرة فؤاد، طبيبة صيدلانية."
وتابع الرجل:
"ومغرورة جدًا يا فهد باشا."
***
كان يأخذها بأحضانه يشاهدون أحد البرامج، لتتساءل وهي تنعم برائحته.
"إحنا هنرجع مصر إمتى؟"
فيتابع ما يطالعه بتركيز.
"لما المشروع اللي أنا ماسكه هنا يخلص."
وزفرت أنفاسها وأبتعدت عنه وهي تنظر للبرنامج السياسي الذي يتابعه.
"عمران."
فتمتم دون أن يطالعها.
"ها، قولي عايزة إيه."
فتنهدت بضجر:
"سيب البرنامج السخيف ده، واتكلم معايا."
فالتف نحوها ينظر إلى ملامحها الغائقة.
"برنامج سخيف؟"
وأبتسم وهو يجذبها نحوه.
"ارغي كعادتك في أي موضوع وأنا سامعك، هركز مع البرنامج ومعاكي."
وعاد يطالع البرنامج، لتُحرك وجهه نحوها بيدها.
"احكيلي عن نفسك يا عمران."
فحدق بها ثم ضحك على إصرارها في جذبه نحوها.
"أنا عارف إني مش هعرف أتفرج على البرنامج."
وأبتسم وهو يفتح لها ذراعيه.
"تعال."
كانت تستمع له وهي لا تصدق أنه يعمل منذ الخامسة عشر. صحيح أنه كان مدللاً من جده وأبيه، ولكنه تربى كيف يكون رجلاً منذ الصغر، وأن الإنسان لم يخلق للعبث فقط. فخر وفخر يعلو داخلها وهي تسمعه. حياته كانت عمل في عمل، وحبه وحياته كانت لعائلته.
وفجأة وجدها تضمه بقوة تُخبره.
"انت جميل أوي يا عمران."
ولم يشعر بنفسه إلا وهو غارق معها في عشق لم يعرفه إلا بوجودها، وكأنها جاءت من بلادها البعيدة لتُعلمه كيف يكون الحب. وتُخبرنا الحياة أن تدبير الله هو الأجمل دوماً.
***
كان مدعوًا لحفلة زفاف كأغلب من يعملون بالقناة. وبعد أن كان العروسين هما من يُسلط عليهما الضوء، أصبح هو نجم الليلة. من يقترب منه ليُصافحه، ومن يُخبره عن حبه لبرنامجه وشخصيته، ومن يفتخر به، ومن يريد أن يأخذ صورة معه.
وقفت نهى تُشاهد كل ذلك بحنين إليه، وقلبها يريد أن يركض نحوه، ولكن كرامتها أبت أن تظل ذليلة له.
واقترب منها منير الذي أصبح يدور حولها معظم الوقت. ناظرًا إليها بأعجاب.
"فستانك يجنن يا نهى."
فأشاحت وجهها بعيدًا عنه.
"شكرًا يا منير."
ليشير لها نحو أمجد بحقد:
"دايمًا بيخطف الأضواء في أي مكان بيروحه."
وجاءت إحداهن إليه تطلب منه مراقصتها. وعندما وجدها تقف تُثرثر مع منير الذي يطالعها بشهوة، فالفستان يرسم معالم جسدها، ألقى بنظرات مشمئزة نحوها وسار مع الفتاة يُراقصها.
لتقف هي تُطالعه بقهر، لا ترى شيئًا حولها غيره.
"تحبي ترقصي يا نهى؟"
نظرت إلى منير ثم لأمجد الذي يُراقص الفتاة ويضحك معها. وجذبت يد منير لتفعل مثلما فعل.
كانت ترقص بجانبه وهو لا يهتم لأمرها. وكلما أصبح ظهرها له كان يُطالع نظرات منير. فيضغط على أسنانه بحنق.
وشعرت بيد منير تتحرك بحرية على ظهرها، لتبتعد عنه بضيق.
"إيه اللي بتعمله ده؟"
وقبل أن يجذبها منير إليه ثانية، وقعت عيناها بعين أمجد الذي كان يُحدق بها بقوة. وخطت بخطوات مرتبكة تبتعد عن ساحة الرقص، لتترك منير يُطالعها بأعين متفحصة لجسدها.
وأنهى رقصته مع الفتاة بلطفه بعدما رآها تغادر قاعة الزفاف.
"نهى!"
وقفت لا تُصدق أنه يناديها، وأقتربت منه بلهفة.
ولكنه صدها بكلماته.
"عجبك إيه في منير؟ ولا منير اللعبة الجديدة؟"
وأشار إليها بأشمئزاز.
"أحب أقولك إن منير مجرد موظف عادي، مش هتلاقي معاه اللي عايزاه."
أوجعتها كلماته، وقبل أن تُدافع عن نفسها وجدته يتخطاها مبتعدًا عنها. ولحقته وهي تجذب ذراعيه.
"انت تقصد إيه؟ انت فاهم غلط، مفيش حاجة بيني وبين منير."
وفجأة وجدته يُخبرها أنه يعلم حقيقتها. ووضعت بيدها التي أصبحت ترتجف على شفتيها وهي لا تُصدق أن أمجد يعرف فارس.
***
تتقيئ دومًا حتى أنها أصبحت تكره ما كانت تحبه وبدأت تشك في الأمر. ونظرت إلى اختبار الحمل الذي في يدها. وشهقت بسعادة وهي تضع يدها على بطنها. ستصبح حاملًا بطفله، سيكون لديها عائلة كما تمنت. وركضت نحوه فقد كان جالسًا بالأسفل على الأريكة يُطالع حاسوبه. ووجدت شيئًا يوضع أمامه وهي تبتسم. ونظر إليها ثم إلى ما وضعته.
"إيه ده يا حياة؟"
فلمعت عيناها بسعادة حقيقية.
"أنا حامل."
كانت تلك الكلمة آخر شيء كان يُفكر فيه. حياة ابنة محمود الرخاوي تحمل طفله وأصبحت دماؤهم مرتبطة.
واعتدل في جلسته وأبتعد عنها وهو يتمتم بداخله.
"مش معقول."
ليجدها تقترب منه بقلق.
"مالك يا عمران؟ أنت مش فرحان؟"
ووقفت أمامه تُطالعه بصدمة.
"أنت مش عايز مني أطفال؟"
ونظر إليها وقد تحولت سعادتها لقلق. فأبتسم بصعوبة وهو يبتلع ريقه واحتوى وجهها بين كفيه.
"أكيد فرحان يا حياة."
وأبتعد عنها هاربًا من نظراتها.
***
تسطحت فرح على فراشها تنظر إلى "مالك" الذي يغفو جانبها بعمق. وأبتسمت وهي تداعب شعره.
"شبه الملائكة وأنت نايم، أما وأنت صاحي..."
وعندما تحرك في غفوته أكملت عبارتها وهي تضحك.
"ملاك برضو."
وألتقطت الكتاب الذي بجانب فراشها وأندمجت بالقراءة. وشعرت باهتزاز هاتفها، فرفعت بجسدها لتنظر للهاتف.
"أسف إني بتصل بيكي دلوقتي يا فرح. مالك أخباره إيه؟"
فنظرت نحو مالك وأبتسمت.
"نايم، متقلقش عليه."
فزفر أنفاسه بهدوء. فعمله أصبح يجبره على الابتعاد عن صغيره. وبدأ يسألها عن يومها، وكانت تخبره بحماس عن كل شيء يخص الملجأ وهو يستمع لها بحب. أما هي فكانت تشعر بإحساس عجيب لا تريد تفسيره ومعرفته.
***
كانت الغرفة غارقة بالظلام وهي تنام كالجنين تضم ساقيها.
أقترب منها يهتف اسمها بخفوت.
"حياة."
وعندما لم يجد ردًا، تسطح جانبها على الفراش، وضمها من خصرها إليه يتنفس رائحتها.
"عارف إنك صاحية."
كانت تسمعه وعقلها حائر بما فعله. تخاف أن يتركها فتعود وحيدة مجددًا. عمران قد أحاطها بحنان لم تُجربه من قبل. حنان تمنته في والدها ولم تجده. ووجدت يده تتحرك نحو بطنها المسطحة هامسًا بدفء بعد أن طبع قبلات متفرقة على عنقها.
"أنا مبسوط إن هيكون ليا ابن منك يا حياة."
***
تمتمت وهي لا تُصدق ما سمعته من سكرتيرته.
"أمجد سافر لبنان!"
***
لم تصدق ما سمعته وأخذت تتساءل بصوت مسموع.
"كده يا عمران تتجوز من غير ما أعرف وكمان مراتك حامل؟"
رغم سعادتها لأنه أخيرًا تزوج، إلا أن قلبها حزين. وأقترب منها فرح بعد أن سمعت آخر جملتها.
"مين مراته اللي حامل؟"
فطالعتها ليلي بأعين شارده.
"عمران اتجوز ومراته حامل يا فرح."
فشهقت فرح بصدمة، ولكن سريعًا ما ابتسمت.
"أنا قولت إنه هيفاجئنا بجوازه، عمران دايمًا مختلف عن الآخرين."
ونظرت إلى عمتها فعلمت أن مزحتها ليست لطيفة. وجلست جانبها تربت على يدها.
"يا عمتو، أنتِ من زمان نفسك يتجوز وتشوفي أولاده. وأمنيتك أهي اتحققت، زعلانة ليه بقي؟"
فتنهدت ليلي بأسى.
"كنت عايزة أفرح بيه يا فرح. بكرة لما تبقي أمي هتعرفي إحساسي."
وأبتسمت وهي تفهم شعور عمتها.
"مش أنتِ أهم حاجة عندك سعادته؟"
فطالعتها ليلي وهي تُحرك رأسها. لترفع فرح كفها تُقبله.
"يبقى نفرح بقي وبلاش كآبة، ده انتي هتبقي تيته خلاص."
كانت الكلمة لها شعور آخر عليها، لتنسى ليلي فعلة عمران وتبتسم وهي تتذكر قريباً سيكون لديها حفيدان. فحياة حامل بتوأم.
***
تتحرك أمامه ببطنها التي أصبحت بارزة، فقد أصبحت في شهرها الرابع. وابتسم وعمران وهو يتأمل كيف ازدادت جمالًا. وجاءت لتجلس جانبه وهي تأكل طبق الموالح خاصتها وتتساءل.
"هننزل مصر خلاص؟"
فأبتسم وهو يضع بيده على بطنها.
"شهر يا حبيبتي بس قدامي."
وتابع وهو ينحني نحو بطنها يضع أذنه عليها.
"أخبار حبايب بابا إيه؟"
فضحكت وهي تحرك يدها على خصلات شعره.
"زهقانين وعايزين يخرجوا يتفسحوا."
فأبتعد عنها وهو يضحك.
"هما برضو ولا ناس تانية هي اللي عايزة تتفسح؟"
وتابع ضاحكًا:
"ده انتي من ساعة ما بقيتي حامل وانتي عايزة تتفسحي وبس. هو الحمل جاي معاكي خروج؟"
فتعالت ضحكتها وهي تتذكر الشهور الماضية. وفجأة وجدته يحملها.
"وأنا مش هزعلك ولا هزعل ولادي."
وصعد بها للأعلى كي يرتدوا ملابسهم ويخرجوا يستمتعوا بجمال دبي ليلاً.
***
جلست تُفكر في كلمات ذلك الرجل الذي يُدعى "فهد". فهو يريدها زوجة ثانية. وتذكرت ما أخبرها به. سيكون لديها شركة أدوية، فيلا بأرقى الأماكن، ورصيد بالبنك. آه الزواج الذي حلمت به، ولكنها لا تشعر برغبة. وكلما تذكرت أنها ستكون زوجة ثانية كانت ترفض رغبة عقلها بذلك الأمر. وزفرت أنفاسها وهي تنتظر صديقتها سوزي.
ولوحت لها سوزي بيدها من بعيد وأقتربت منها وهي تخلع نظارتها.
"مالك يا نيرو سرحانة في إيه؟"
فهتفت نيرة بحنق:
"عمران غاب كتير أوي وبصراحة وحشني. ده بقاله خمس شهور مسافر وكل كلامنا أما تليفون أو فيديو، وكله كلام في الشغل."
فضحكت سوزي وهي تنظر في مرآة حقيبتها وتعدل من مكياجها.
"طب ما تسافري له."
وغمزت لها بعينيها.
"أنا مش عارفة انتي مستغلتيش الفرصة دي إزاي."
وتابعت بمكر:
"راجل عازب وقاعد لواحده بعيد عن أهله، أكيد هيكون محتاج ست حلوة تهون عليه الأيام."
كانت نيرة تستمع لكلماتها ولأول مرة تكتشف أنها غبية. فالعمل في الشركة قد أخذها عن هدفها الأساسي.
وأبتسمت بسعادة.
"أنا محتاجة أسافر فعلًا أغير جو."
فضحكت سوزي وهي تسترخي بجلستها.
"وماله يا نيرو، سافري واستمتعي يا حبيبتي."
***
كتم غضبه وهو يستمع لكلمات رامي اللطيفة لتلك التي تقف أمامه تخفض رأسها بخجل. ونظر إليها بقوة وهو يُخبر نفسه بأن يهدأ. ولكن كيف سيهدأ وصديقه قد انفصل عن حبيبته والآن يرى لطفه مع مها. يشعر أنه سيسمع إعلان خطبتهما عن قريب.
وكلما تخيلها مع رامي كان جنونه يزداد.
ليهتف رامي:
"بجد مش بجاملك يا مها، انتي من أكفأ الناس اللي اتعاملت معاهم. بتهتمي بشغلك كويس حتى إنك بقى عندك شغف في مجال شغلك."
فأبتسمت مها وهي تتمتم بأرتباك.
"شكرًا يا باشمهندس، ده بس من لطف حضرتكوا."
وأخيرًا قرر أن يخرج عن صمته.
"مش هنشوف شغلنا؟"
فرفعت عينيها نحوه تُطالعه بجمود ثم انصرفت من أمامه.
ليُطالعه رامي:
"إيه يا بني، أحرجت البنت. والله دي خسارة فيك إن يبقى عندك سكرتيرة زيها."
ولو يُلكم رامي، ولكن تمالك غضبه وهو يضغط على لوحة مفاتيح حاسوبه بقوة كأنه يُخرج حنقه فيها.
***
وقفت واجمة مما رأت. أمجد قد عاد، ولكنه عاد ومعه تلك التي تعرفها حق المعرفة، "نجوان رمزي" رئيسة تحرير مجلة نسائية. منذ رحلته للبنان من أجل حضور أحد المؤتمرات كانت تُطالع صفحته الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي. كانت ترى صورًا كثيرة له مع تلك السيدة وقد ظنت أنها مجرد صداقة وحين يعود فكل شيء سينتهي. ولكن نجوان قد أتت معه بأناقتها المعهودة وجمالها الراقي، غير أنها من عائلة غنية جدًا.
واستمعت لهمسات البعض.
"شكلنا هنسمع خبر الموسم قريب، نجوان رمزي وأمجد العمري."
طيلة الأيام الماضية كانت تُحاول أن تمضي بحياتها الجديدة، ولكن اليوم أدركت أنها مازالت مُعلقة بحبه. وأدمعت عيناها وهي لا تتخيل أمجد لامرأة أخرى.
***
كانت تقف أمامه تتحايل عليه أن تحلق له ذقنه كما كانت تفعل البطلة في المسلسل الذي كانت تُشاهده. وتجذبه من بين أوراقه صاعدة به للأعلى. والآن تخبره بما تريد فعله.
فحرك عمران رأسه برفض.
"لأ يعني لأ، متحوليش. أنا مش مستغني عن نفسي."
وتمايلت بدلال أمامه.
"عشان خاطري يا عمران."
فكتُم ضحكاته بصعوبة وهو يرى حركتها ببطنها المنتفخة.
"لأ."
وأنقذه منها جرس المنزل. فيبدو أن الحارس جلب له الأغراض التي كان يريدها. وترك لها الغرفة وهبط الدرج وهو يضرب كفوفه ببعضهم ثم حرك يده نحو ذقنه.
"أدي اللي بناخده من المسلسلات."
وتحرك نحو الباب كي يرى من جاء إليهم في ذلك الوقت. ليتفاجئ بقدوم آخر شخص يتوقعه.
"نيرة."
فأبتسمت نيرة وهي تعدل من وقفتها.
"مفاجأة مش كده؟"
فتحرك عمران للخلف وهو يُحرك بيده على وجهه. ثم أشار لها بأن تردف للداخل.
دخلت وهي تنظر للشقة التي تحتل إحدى المناطق الراقية.
"واو يا عمران، الشقة تجنن بجد."
وتمايلت في خطواتها وهي تُطالع كل شيء بانبهار. وفاءت من انبهارها على صوت إحداهن تهبط الدرج وتهتف.
"عمران، متحاولش تهرب."
وحدقت بتلك الواقفة ثم نظرت نحو عمران الذي كان يقف بينهم وتنحنح بحرج.
"دي نيرة، أكيد شوفتيها قبل كده في الفيلا."
وجالت عين نيرة بجسد حياة، بطن منتفخة وملابس قصيرة بعض الشيء. ونظرت لهيئتهم معًا وهي لا تُصدق أن عمران لديه عشيقة وحامل منه. وأخذت تتذكر ملامح حياة إلى أن...
"مش دي البنت اللي كانت قاعدة في الفيلا؟"
فجذب عمران حياة نحوه وضمه إليه بحب.
"حياة مراتي يا نيرة."
لم تشعر بقدميها ولا بجسدها، كل ما كانت تشعر به أنها خسرت لأول مرة بحياتها.
رواية ودق القلب الفصل العشرون 20 - بقلم سهام صادق
لم يعد قلبها يتحمل رؤيتهما سويا.
كان الكل يراهم مناسبين لبعض، حتى أنهم أصبحوا ينتظرون إعلان خطبتهم عن قريب.
تسمع في صمت وتنظر إليه وهي تترجاه بأن لا يتركها.
تعلم أنها أخطأت، ولكنها فاقت ودفعت ثمن ما فعلته.
***
ما زال لقاؤهما يدور بعقلها دون هوادة.
وإلى الآن لم تنسَ نظرة الحب التي كانت تحتل عيناه لتلك.
وزفرت أنفاسها بقوة.
لتجد سوزي تسألها:
- هتوافقي على عرض فهد؟
فتنهدت نيرة وهي تتذكر عمران:
- عمران اتجوز. ده بقى عاشق يا سوزي. آه لو شفتي نظراته ليها. فضلت سنين حواليه عمره ما حس بيا. وتيجي دي في لحظة تاخده مني.
طالعتها سوزي وهي تضحك على حظها وحظ صديقتها:
- ما كل واحد بياخد اللي بيتمناه يا نيرو. إحنا عايزين بنك فلوس وبس.
فضحكت نيرة ساخرة:
- جواز من غير حب. انتي متجوزة راجل عمره ضعف عمرك. وأنا هكون زوجة تانية.
***
نظر بصدمة إلى تلك الواقفة أمامه.
وأخذت عيناه تجول على وجهها الملئ بالكدمات.
والآن علم سبب غيابها عن العمل.
كانت عيناه تبحث عنها الأيام الماضية بقلق لا يعلمه.
رغم غضبه منها ولم ينسَ أفعالها وأنها كانت تدور حوله لتجعله كالباقية.
يشتعل الغضب بداخله، ولكن الآن قلبه يئن بالألم لرؤيتها هكذا.
وحدقت به بانكسار:
- انت هتتجوز نجوان؟
فأشار إليها بأن ترفد للداخل وطالعها وهو يتساءل:
- مين اللي عمل فيكي كده وإيه اللي حصلك؟
فابتسمت ساخرة وهي تتذكر والدها وضربه لها عندما صرخت بوجهه وأخبرته بأنه هو سبب كل ما تعيشه:
- مش مهم تعرفي.
واقتربت منه بألم:
- قوليلي الحقيقة، انت هتتجوز نجوان؟
وسقطت دموعها وهي تتذكر الحلم الذي نهضت مفزوعة منه:
- مهم أوي إنك تعرفي.
وصمتت للحظات لتنظر إليه.
تخشى الإجابة.
وقبل أن ينطق بشيء.
أقتربت منه تضع يدها على فمه:
- لاء خلاص متقولش. مش هقدر. مش هقدر.
وجثت على ركبتيها تبكي بحرقة تُخبره عن حياتها التي تغيرت منذ أن توفت والدتها.
ومع كل كلمة كانت تقولها كان ينصدم مما يسمعه.
وتمتمت بقهر:
- محدش لمسني. أنا كنت بلعب عليهم. كنت بنتقم منهم فيه. أنا محبتش حد غيرك انت. أنا اتغيرت عشانك انت.
كان يقف يُطالعها وقلبه يدق بعنف.
يُريدها.
وكلما هرب لمكان.
لا يرى أحد غيرها.
حتى تقرب نجوان منه لم يعني شيئاً بالنسبة له رغم أنه يعلم سبب هذا التقرب.
وابتلع ريقه وجثى بجانبها:
- ما فيش حاجة بيني وبين نجوان يا نهى.
تابع وهو يمسح دموعها ونظر لوجهها وضغط على إحدى الكدمات لتتأوه بألم:
- قوليلي مين اللي عمل فيكي كده؟
وكانت صدمته قوية وهي تخبره بالإجابة.
ووجدها تدفن وجهها بصدره:
- خبيني يا أمجد.
ولم يشعر بعدها إلا وهي فاقدة الوعي بين ذراعيه.
***
احتضنها بعشق بعد أن أنهت مكالمتها مع والدته.
فليلى أصبحت تهتم بالسؤال عنها رغم ضيقها في البداية من طريقة زواجهم.
وقبل جبينها ثم وجنتيها وانتقل إلى أنفها.
وكاد أن يطبع بقبلته على شفتيها فدفعته عنها:
- عمران ابعد. هتخنق خلاص.
فضحك وهو يبتعد عنها:
- في واحدة تقول لجوزها هتخنق؟
وحرك رأسه بمشاكسة:
- وأنا اللي كنت ناوي أعزمك على العشا بره.
فاتسعت عيناها بحماس واقتربت منه تُقبل وجنته:
- لاء خلاص. انت هتاخد على كلام حد.
فطالعها بمكر ثم أشاح بوجهه بعيداً عنه:
- متحاوليش يا حياة. خلاص.
فقبلت وجنته الأخرى وهي تبتسم:
- طب كده.
وظلت تُحايله إلى أن أشار نحو شفتيه.
ولكنها نهضت من جانبه جاذبة يده:
- عيب يا حبيبي. ولادنا شايفينا.
ولم يتمالك نفسه.
وتعالت صوت ضحكاته وهو يضمها له:
- وماله يا حبيبتي.
وحملها فجأة لتصرخ بفزع ثم تعالت صوت ضحكاتهما.
***
استيقظت لتجد نفسها نائمة في فراش غير فراشها.
ونظرت حولها تستعيد كل ما حدث ليلة أمس.
ودخل أمجد يطمئن عليها وعلى وجهه تلك الابتسامة التي كان يخصها بها دومًا.
ليلة أمس قضاها ينظر إلى وجهها بألم.
وكأن ما بها فيه.
ليلتها عرف أن "نهى" لم تخرج من قلبه وأن القلب لا يفرق بين العيوب والمزايا.
سيمسك يدها ويكملوا طريقهم معاً.
سيغيرها من أجل نفسها لا لأجله.
وتسأل بنبرة حانية:
- عاملة إيه دلوقتي؟ بقيتي أحسن؟
فحركت رأسها وهي تعتذر عن ما فعلته ليلة أمس.
ونهضت من فوق الفراش تمسد ملابسها متمتمة:
- أوعدك مش هتشوفني تاني. هتفضل ذكرى جميلة في حياتي هحتفظ بيها لنفسي.
ووقف يسمع ما تقوله.
وخطت بخطوات ضائعة نحو الخارج كي ترحل وداخلها يتمنى أن لا يتركها.
وشعرت بالأسى وهي تكمل خطواتها ببطء.
لتسمع آخر كلمة كانت تظن أنها ستسمعها منه بعدما سقطت من نظره:
- تتجوزيني يا نهى؟
***
وقف يُطالعهما بنظرات جامدة وهو يكاد ينفجر من غضبه.
وأخرجت من حقيبتها إحدى العلب:
- ماما لما لما عرفت إن الجلاش بتاعها عجبك. عملته ليك مخصوص.
وضحكت وهي تتابع:
- وده جلاش ماما طبعًا ميترفضش.
فابتسم رامي وهو يفتح العلبة وينظر داخلها:
- لاء أنا كده هستأذنك وأروح مكتبي.
ووجد مروان يقترب منهم فهتف باسمه.
فارتبكت مها وتحركت للخلف.
ونظرت نحو الذي يتقدم نحوهم مصافحًا رامي الذي يخبره عن صنع والدة مها.
وشعرت بنظراته القوية.
فتمتمت بحرج:
- هرجع أكمل شغلي. عن إذنك.
لينصرف بعدها رامي.
ومروان يقف يضغط على قبضته بقوة.
ثم أتبعها بحنق ووقف أمام مكتبها:
- عايزك في مكتبي.
فأتبعته بقلق.
لتفزع وهي تجده يتخطاها ويغلق باب مكتبه بقوة:
- قوليلي بقي انتي بقيتي عايزة من إيه؟
فنظرت حولها بخوف.
وتراجعت للخلف.
وكلما ابتعدت اقترب منها:
- بشمهندس انت بتعمل إيه؟
فجذبها مروان نحوه وهو يشير إليها باحتقار:
- معرفتيش تلعبي عليا. فقولتي تلعبيها على رامي.
فدفعته بقوة وقهر وصدمة لم تتخيلها:
- انت أبشع إنسان قبلته في حياتي. انت إيه فاكر إن انت محور الكون.
وتابعت بألم:
- أنا بكره قلبي عشان حبك في يوم.
لم يصدق ما تفوه به لسانه.
ومسح على وجهه وكلماتها تخترق جدار قلبه.
واندفعت نحو مكتبه تأخذ إحدى الأوراق من عليه.
تكتب استقالتها وهي تكره قلبها الذي أحبه وما زال يحبه.
***
تنظر بسعادة حولها وهي ترى اكتمال المشروع.
كان اليوم هو حفل لأطفال الملجأ.
الملجأ الذي تبدل هيئته وأصبح بشكل آدمي.
كانت تنظر في عين كل طفل بحنان.
فهم أصبحوا عالمها الصغير.
وألتقت عيناها بذلك الذي يقف مع عمتها يتحدث معها.
فأدهم كان له دور كبير في اكتمال هذا المشروع.
وابتسم لها وكأنه يخبرها أنه معها دوماً.
وعندما بدأ قلبها يشعر بمشاعر غريبة لم تعد ترغبها.
أشاحت وجهها بعيداً عنه وانتقلت بنظراتها نحو الأطفال وهم يأكلون الحلوى.
كانت ليلي تتابع نظرات أدهم:
- صارحتها بحبك.
فحدق بها وابتسم:
- هو أنا بقيت مفضوح أوي كده؟
فضحكت ليلي وهي تربت على ذراعيه:
- نظراتك فضحتك.
- أنا فعلًا بحبها. فرح بقت بالنسبالي زي الهوا اللي بتنفسه. حاولت كتير أسيطر على قلبي.
وأطرق رأسه أرضاً:
- بس للأسف مقدرتش.
فابتسمت ليلي وهي تزفر أنفاسها بحنين إلى زوجها الراحل:
- هو في حد بيقدر يمنع قلبه إنه يحب يا ابني؟
فتمتم بأرتباك:
- خايف أظلمها معايا بسبب تجربتي من جوازي الأول.
ونظر نحو فرح التي تقف بين الأطفال وصغيرة معه.
لتفهم ليلي نظرته:
- الحب ما يعرفش قوانين يا ابني.
وألقت بنظراتها الدافئة على ابنة أخيها:
- وفرح لما بتحب بتدي قبل ما تفكر تاخد.
***
تنظف الأرضية بحنق.
وكلما شعرت بألم ظهرها:
- منك لله يا لمياء. أنا مالي ومال الليلة دي كلها.
وتمتمت وهي تسكب الماء على الأرضية:
- ما يجي خطيبك وأهله عادي والبيت مش متنضف.
وأمسكت الفوطة التي على كتفها لتتجه نحو النافذة:
- أنا ليه سبت الشغل؟ أهي الهانم في شغلها دلوقتي.
وخرجت والدتها من المطبخ تنظر إليها بحنق:
- لو فضلت تندبي حظك ده طول اليوم مش هنخلص. خلصي اللي في إيدك وتعاليلي المطبخ.
فتمتمت بقهر:
- حاضر يا ماما.
ورن الجرس الباب.
لتنظر إلى هيئتها البشعة وتسمع صوت والدتها:
- أكيد مرات البواب جابت الخضار. روحي افتحي يا مها.
وأتجهت نحو الباب.
ووقفت متسعة العينين تنظر للواقف أمامها:
- انت!
وقبل أن يهتف مروان بكلمة أغلقت الباب بوجهه.
لتسمع صوت ضحكاته.
وأطرقت رأسها تنظر إلى هيئتها من قدمها لرأسها:
- يانهار أسود.
فقد كانت ترتدي جلباب قصير أسفله بنطلون بيجامة قد جار عليه الزمن.
وتعقد فوق رأسها قطعة قماش.
ورن الجرس مرة أخرى.
لتسمع صوت والدتها:
- يا بنتي هو انتي لسه فتحتيش الباب؟
وخرجت من المطبخ تُطالعها بضيق:
- انتي تدوري على شغل من بكرة. وجودك في البيت هيشلني.
واتجهت والدتها نحو الباب وقبل أن تفتح.
جذبت ذراعها:
- يا ماما ده واحد غلط في العنوان.
فدفعته والدتها بيدها:
- يبقى أكيد دي صباح جابت الطلبات.
وقبل أن تفتح والدتها الباب ركضت نحو غرفتها تزفر أنفاسها بصعوبة.
***
دخلت إليها والدتها بوجه حانق:
- كده تسيبي مديرك على الباب؟
وذهبت نحو دولاب ملابسها تختار لها شيئًا منمق ترتديه.
وكانت هي تقف تُطالع والدتها.
وقبل أن تسألها عن سبب قدومه.
أعطتها فستانًا لا ترتديه إلا في المناسبات:
- البسي ده وحصليني.
فهتفت مها:
- يا ماما استني بس.
ولكنها وجدت باب حجرتها يُغلق بوجهه.
لتنظر للفستان ثم تذكرت ما فعله بها آخر مرة.
فقذفته حانقة:
- مش هلبس الفستان.
وألتقطت أول طقم.
وأزالت عصابة رأسها.
وفتحت الباب:
- مش هرجع الشغل تاني مهما عملت. أنا مش هشتغل سكرتيرة تاني.
وعندما اقتربت منهم وجدت والدتها تضحك معه ومروان جالس بكل أريحية.
وسمعت صوت والدتها:
- والله أنا ارتحت ليك يا ابني.
ليشكرها مروان.
ثم وقعت عيناه عليها.
لتلتف والدتها تجاهها.
وعندما رأتها بتلك الهيئة ضغطت على أسنانها بقوة.
ونهضت نحوها بغل:
- ملبستيش الفستان ليه؟ ده منظر ده.
فأتقع وجه مها.
وقبل أن تتحدث:
- اقعدي مع البشمهندس لحد ما أعمل العصير.
وأنصرفت والدتها.
لتزفر أنفاسها بقوة:
- يا ماما تعالي أنا هعمل العصير.
فضحك مروان وهو يُطالعها:
- هتفضلي واقفة كده؟
فأقتربت منه بحنق.
وجلست على أقرب مقعد أمامها:
- أفندم يا بشمهندس.
وقبل أن تنتظر رده تابعت:
- لو جاي عشان أرجع الشغل مش هرجع.
وألجمته عباراته:
- طب ممكن تديني فرصة أتكلم يا مها؟
فجلست وهي ما زالت تتذكر ذلك المشهد الذي لم تنساه.
كانت عيناها تُحدق بعيداً عنه.
فتنهد مروان بأسف:
- أنا آسف يا مها على الكلام اللي قولته.
وألتقت عيناهما.
لتنظر له بألم:
- اعتذارك مقبول يا بشمهندس.
ونهضت من فوق مقعدها:
- ارتاح وريح ضميرك.
وتابعت وهي تُغادر من الغرفة:
- عن إذنك.
ثم اتسعت عيناها وهي تسمع ما لم تتوقعه:
- مقابلتنا منتهتش يا مها. أنا جاي أطلب إيدك.
وقبل أن ترد عليه بالرفض.
ألجمتها كلمته الأخيرة:
- عشان بحبك يا مها. مش شايف حياتي غير بيكي.
ألتفت نحوه تنظر لعينيه:
- بس أنا شوفتك مع واحدة.
ووجدته يخفض رأسه أرضاً هاتفاً بخجل:
- كان طريق وربنا هداني يا مها. أنا بعدت عن كل حاجة حرام ورجعت لنفسي.
وتابع وهو يزفر أنفاسه:
- في حاجات كتير متعرفيهاش عني.
وفجأة وجدته يبتسم وهو يتذكر هيئتها منذ قليل:
- شكلك كان حلو وانتي مربطة ست الحجة والجلبية المشجرة.
فلم تتمالك ابتسامتها.
ليبتسم هو بحب:
- والله بحبك وكنت غبي.
***
كانت تخشى من هذا اللقاء.
ولكن ليلى بأمومتها وحبها لأولادها أزالت كل ذلك الخوف.
لتتأكد أن الصورة التي كونتها عنها في اللقاء الوحيد بينهم والمحادثات الهاتفية التي كانت تطمئن بها عليها بعد أن علمت بزواجهم وحملها لم تخطئ.
وتذكرت نظرة منيرة لها التي وقفت للحظات لا تصدق أن هذه هي زوجة عمران.
وتجاوزت دهشتها بابتسامتها الدافئة.
وكانت تود أن تضمها بين ذراعيها.
ولكن الوضع الجديد أصبح مختلف.
ولكنها ركضت اتجاهها تحتضنها وتقبلها وتخبرها عن شوقها لأحاديثهم.
والآن تجلس بجانب عمران الذي يحاوطها بذراعيه بحب ويضحك مع والدته التي أخيرًا وجدت ابنها عاشقًا.
ودخل أمجد فاتحًا ذراعيه.
فنهض عمران يحتضنه بحب:
- مبروك يا أمجد.
وتابع مؤكدًا:
- مدام اختيارك فأنا واثق أنك اخترت صح.
ضرب أمجد على كتفه بتقدير.
ثم نظر نحو حياة الجالسة بخجل:
- هتخليني عمو؟
فضحك عمران وهو ينظر نحو حياة:
- إذا كان عجبك.
فأبتسم أمجد ومال نحو عمران وبصوت هامس لم يسمعه سواه:
- الطلعة عندك باتنين يا أبو صفوك.
فضحك عمران بخفة على ذراعيه:
- مش هخلص من لسانك ده أنا عارف.
فضحك واقترب من والدته يقبل رأسها.
ثم نظر إلى حياة بود:
- شوفت الكلام أخدنا ومرحبتيش بمرات أخويا.
واندمجت حياة في الحديث معهم ولاول مرة تشعر بمعنى كلمة عائلة.
وكأن أمنيتها قد تحققت.
وكاد أن يتساءل أمجد عن فرح ونهى.
ففرح أصبحت ترافق نهى في كل شيء كي ينجزوا ما تبقى.
فالعرس قد اقترب.
ودخلت فرح ونهى يضحكون.
وفرح تهتف بحنق:
- دي غلطتي إني رجعت من المزرعة. لاء ده أنا هاخد عمتو ونهرب منكم.
فضحكت نهى وهي تقبلها على وجنتها:
- إحنا آسفين يا ستي. وخلاص عجبني الفستان ومش هغيره.
واردفوا نحو الجالسين بصياح.
ونهض أمجد نحو نهى:
- قوليلي البت دي زعلتك في إيه؟
كانت عينا فرح على تلك التي تجلس تخفض رأسها أرضاً.
ورفعت حياه عيناها عندما هتف عمران:
- أخيرًا فرح هانم شرفت.
وابتسم وهو ينهض اتجاهها:
- وحشتيني يا أم لسان طويل.
ولم يلاحظ نهوض حياه التي تحركت خلفه.
وانتبهوا على صوت حياه:
- فرح.
وتلاقت عيناهما.
لتفتح لها فرح ذراعيها غير مصدقة.
أن حياة هي زوجة عمران.
وبكت حياه وهي تضمها بقوة:
- تعرفي على قد زعلي منك بس انتي وحشتيني أوي.
وكان الجميع يتابعون الموقف بذهول.
وبدأت ليلي تربط الأمور ببعضها.
وهتفت غير مصدقة:
- هي دي حياة يا فرح اللي كنتي بتحكي عنها؟
وابتعدوا عن بعضهم.
ونظرت فرح لعمتها تحرك رأسها بصمت.
فهمست نهى لأمجد الواقف جانبها:
- أنا حاسة إني شوفت حياة قبل كده فين يا نهى؟
فضرب أمجد جبهتها.
لتدفعه عنها وضحك وهو يتأملها:
- عشان تعرفي تفكري كويس يا حبيبتي.
ثم نظر إلى ملابسها:
- الطقم ده ميتلبسش تاني.
وكادت أن تتكلم لكنه أوقفها بنظرة حازمة منه.
أما عمران كانوا ينظر إلى زوجته وابنة خاله بحنان.
وأخيرًا جذبت فرح يد حياه قائلة:
- إحنا نسيب الناس دي ونطلع الجنينة.
ونظرت إلى عمران تضم حاجبيها ببعضهم:
- أنسي مراتك الفترة دي. وعلى فكرة دي صاحبتي قبل ما تعرفك.
وانصرفت معها حياه وهي تضحك على هيئة عمران الذي وقف ينظر إلى والدته وأخيه:
- لاء كده أنا اطمنت إن فرح القديمة رجعت.
***
كان يستمع إلى عمران وهو يحادث حياة غير مصدق أن هذا الشخص هو صديقه.
ليضحك بعدما أنهى عمران مكالمته التي لم تخلُ من النصائح والاحتراس على نفسها.
وزفر أنفاسه وطالع صديقه الذي يكتم صوت ضحكاته:
- مالك في إيه؟
فصدح صوت ضحكات مروان ولم يعد قادر على كتمها:
- انت بقيت زي الأمهات.
وتابع غامزاً:
- محتاج حد يقرصني ويقولي إن اللي قدامي ده عمران.
فطالعه عمران بحنق.
وأخذ فنجان قهوته يرتشف منها:
- لاء انت محتاج بوكس حلو يفوقك.
فضحك مروان وهو يخفي وجهه بيديه:
- لاء وعلى إيه اسكت أحسن.
فابتسم عمران وهو يتذوق قهوته:
- أخبارك إيه انت و مها؟
فأشرقت ابتسامته:
- كنت غبي لما حرمت نفسي من حبها.
فابتسم عمران وهو سعيد بما يسمعه من صديقه.
فأخيرًا مروان تخلص من فشل زيجته الأولى.
***
تجلس ليلي بينهم تنصح كل منهم بأمومة.
ونهى وحياة يبتسموا لحديثها.
وفرح تنظر لعمتها بحب.
ونهضت ليلي نحو غرفتها كي تستريح قليلاً.
ليجلسوا الثلاثة يثرثرون.
فنهى أصبحت شبه مقيمة معهم هنا.
فأمجد من يتكفل بكل شيء خاص بها.
فوالدها قالها له صراحة إذا أرادها تأخذها دون أن تنتظر أي شيء.
كان هذا الأمر صعب عليها بشدة.
ولكن أمجد لم يشعرها بأي شيء بل أخبره أنه يريدها فقط.
يومها علمت أنها أحبت رجلًا وأن ليس كل الرجال أمثال والدها.
وانتقلت أحاديث فرح وحياة عن كل شيء حدث لهم.
وانتبهوا فجأة لبكاء نهى.
فنظروا إليها متسائلين:
- مالك يا نهى؟
فمسحت دموعها وهي تبتسم لهم:
- أصل اتأثرت شوية.
وتذكرت أن كحل عينيها.
ونهضت بفزع:
- الايلاينر.
وما كان من فرح إلا أن انفجرت ضاحكة.
واتبعتها حياة:
- مجنونة. اهي دي اللي هطلعه على أمجد.
وقبل أن يعودوا لحديثهم مجددًا.
كان هاتف فرح يُعلن عن وصول رسالة.
لتجدها من أدهم يُخبرها فيها.
- أنه سيأتي لرؤية عمران اليوم. وأنه افتقدها بشدة.
***
كانت تجلس وسط خالاتها.
وهم إلى الآن يتحدثون عن مروان والشبكة التي قدمها لها وسيارته ووضعه الاجتماعي.
لتهتف خالتها التي كانت ذات يوم تخبرها بأنها لن تتزوج لأنها لا تفعل ما يفعله فتيات اليوم:
- صبرتي ونلتي يا مها.
فضحكت وهي تنظر إليها هاتفة داخلها:
"سبحان مغير الأحوال."
***
جلست تثرثر مع منيرة التي تضع أمامها الطعام والفواكه:
- كلي يا حبيبتي واتغذي كويس.
فأسترخت حياة بجلستها وربتت على بطنها وهي تحادث طفليها:
- ماما منيرة بذات نفسها مدلعاكم.
وأبتسمت منيرة بحب وتسألت:
- يعني نعمة اتجوزت؟ وأمل سافرت بلد جوزها؟
فحركت منيرة رأسها بنعم.
فطالعت حياة الخادمة الجديدة:
- وحشني هزارنا وضحكنا.
فربتت منيرة على يدها بحب:
- هي الدنيا كده يا بنتي.
ثم نظرت إلى الطعام:
- كلي عشان حبايب دادة منيرة.
فنظرت حياة بحب لتلك المرأة التي عاملتها وكأنها ابنتها ذات يوم:
- قصدك تيته منيرة.
فهتفت منيرة بأعتراض:
- كده ست ليلى تزعل.
فأخذت تحرك حياه رأسها بنفي.
تخبرها أنها أيضًا جدتهم.
كانت سعادة منيرة لا توصف.
وهي ترى جميل ما صنعت معها.
وجذبت حياه طبق الطعام أمامها وأخذت تأكله بشراسة.
ومنيرة تبتسم لها بل وتسألها.
ماذا تشتهي أن تأكل؟
رغم أن شهور وحمها قد انقضت.
ليسمعوا صوت عمران وهو يهتف بأسمها.
ثم دخل للمطبخ.
ووجدها تأكل بأندماج وضحك وهو يطالعها:
- كده الفستان مش هيدخل فيكي يا حبيبتي.
لتتذكر الفستان الذي جلبته مع فرح من أجل أن ترتديه في حفل زواج أمجد ونهى.
وتركت الطعام من يدها سريعًا.
تنظر لمنيرة:
- لاء خلاص كفاية أكل كده.
وألتفتت إلىه ببرائة:
- أصل أكل ماما منيرة كان وحشني أوي.
فجذبها نحوه وهو يضحك غامزاً لمنيرة:
- أنا بفكر أقفل المطبخ عشان تبطلي أكل.
لتضحك منيرة وتضحك الخادمة الأخرى.
فدفعته بيدها حانقة.
ليقربها أكثر منه:
- بهزر يا حبيبتي.
وخرجوا سوياً وهم يتشاكسون.
لتنظر منيرة إلى طيفهم مبتسمة وهي لا تصدق أن هذا هو عمران.
وتسمع تنهيدات الخادمة والتي تدعى سعاد:
- البيه حنين أوي.
***
كانت تقف تنظر إليهم بسعادة وهي لا تصدق أن حياة زوجة عمران.
فالقدر يلعب لعبته بطرق مهما فكرت وتساءلت كيف حدث هذا؟
لن تجد إجابة غير أن تقف حائرة.
واتسعت ابتسامتها وهي ترى كيف يضم عمران حياة بتملك أمام ضيوفه.
وكيف تتحرك يداه على خصرها صعوداً لبطنها المنتفخة.
وانتقلت بعينيها نحو أمجد ونهي وضحكت وهي ترى حنق أمجد من أفعال نهى التي لم تقف عن الرقص.
نهى طيبة القلب ولكن هذه الطباع هي مجرد اعتياد لا أكثر.
اليوم علمت أن حبها لأمجد كان مجرد تعلق.
فلم تحزن يوم أن علمت برغبته في الزواج من حبيبته.
ولا حتى عندما رأت أيديهم متشابكة ببعضهم حينما عرفهم بها في أول لقاء جمعهم.
قلبها أصبح في حالة سكون تام لا يعرف ما يريد.
واقترب منها أدهم برائحته المميزة:
- واقفة لوحدك ليه؟
فألتفت وقد بدأ قلبها يدق نحو الرجل الذي أعطاها كل اهتمامه ودعمه:
- لاء عادي بس أنا ماليش في الدوشة.
وخطى بخطواته ووقف جانبها:
- تعرفي أنك جميلة أوي النهارده.
فابتسمت بخجل وأطرقت رأسها أرضاً:
- الفستان هو اللي جميل.
فألتف لها بعينيه يتأملها بحب.
حب اكتفى من إخفائه.
فلم يعد قادر على محاربة قلبه في قربها.
نسي معها زواجه الفاشل واكتشف أنه كان اختياره هو.
من نظر إلى الجمال والتبرج.
هو من لهث خلف رغبته.
أما الآن معها لا يوجد رغبة فقط.
توجد حياة يراها فيها.
دفء لا يراه إلا في عينيها.
عطاء لم يشعر به من قبل.
فرح كانت نكهة خاصة لم يذقها.
فزفر أنفاسه وهو يراها تتأمل أمجد ونهى وهم يرقصان وعيناها تلمع.
بلمعة يعلم معناها.
لمعة أنثى تتمنى أن تحظى بنصفها الآخر.
- تتجوزيني يا فرح؟
وأتسعت عيناها وانحصر كل شيء أمامها على تلك الكلمة.
ونظرت إليه بصمت وقلبها يدق طبولاً لا تعرف سببه.
***
كان يراقبها بعينيه ينتظر ابتعادها عنه ليحادثها:
- حياة.
فألتفت حياة نحو من ينادي عليها.
وأقترب منها الرجل الذي لأول مرة تراه:
- أنا كريم حسام نور الدين.
كان اسمه ليس غريب عليها.
وابتسمت عندما تذكرت أنه ابن صديق والدها.
- أكيد عرفتي أنا مين.
فحركت رأسها بتفهم.
ليبتسم كريم وهو يرى هيئتها ببطنها المنتفخة ووجهها الذي يشع سعادة.
فيبدو أن ما كان يخاف منه والده قبل رحيله لم يكن إلا خوفًا ليس موجود.
- أنا جيت مخصوص النهارده عشان أطمن عليكي.
وتنهد بأسى وهو يتذكر والده:
- لو احتاجتي أي حاجة اعتبريني أخ ليكي.
وأخبرها عن وصية والده التي اختصها بها وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة.
وتنهدت بحزن وهي تتذكر بشاشته.
وأخذت تتمتم له بالدعاء.
وألجمتها تلك العبارة التي لم تفهمها في وسط حديثه:
- كويس إن عمران نسي الماضي ومأخدكيش بذنب مالكيش دخل فيه.
وابتسم وهو يطالع بطنها:
- مين يصدق أن عيلة الرخاوي وعيلة العمري بقى بينهم رابط دم دلوقتي.
وخرج صوتها بضعف وهي لا تستوعب كلماته:
- تقصد إيه؟ أنا مش فاهمه حاجة.
فشعر كريم بغبائه ومسح على وجهه بحنق من استرساله في الكلام:
- متاخديش في بالك يا حياة. باين عليا اتكلمت كتير.
وانسحب من أمامها بلطفه بعد أن أعطاها كارته الشخصي وانصرف وهو حانق من نفسه.
وقفت هي تربط الكلمات ببعضها.
ماضي وكره العائلتين.
وتذكرت عندما خطت قدماها لذلك البيت وكيف كان عمران ينظر إليها.
وأخذت تبحث عنه بعينيها.
لتجده واقف مع ضيوفه يضحك غير منتبه لها.
وتحركت قدماها نحوه.
لتقع عيناها في عين ليلي التي ابتسمت لها بدفء.
وأقتربت منه هاتفه بأسمه بخفوت:
- عمران.
فألتف نحوها بأبتسامة محبة وجذب يدها يعرفها بضيوفه بنبرة تحمل كل معاني العشق والفخر.
وهمست وهي تمسك يده:
- عمران أنا عايزة أتكلم معاك.
وأنحنى نحوها وهو يتساءل:
- دلوقتي يا حياة؟ استني طيب يا حبيبتي لما الفرح يخلص ونطلع أوضتنا.
ودنا منها أكثر ليهمس بوقاحة:
- النهاردة مش هتنازل.
وبتر كلماته بعدما وجدها قد فهمت مغزاها.
كانت كلمات كريم تدور بعقلها.
فلم تتحمل تجاهله وضغطت على أسنانها:
- عمران لو سمحت أنا عايزة أتكلم معاك.
وبدأ القلق يظهر على ملامحه.
ونظر إليها وسار خلفها وهو يشعر بأن إصرارها به شيء.
وكان كما توقع.
ودخلت خلفه غرفة مكتبه:
- إيه الماضي اللي كان بين عيلتي وعيلتك يا عمران؟
فشحب وجهه وهو يطالعها:
- إيه اللي انتي بتقوليه ده يا حياة؟
فتابعت وهي تخبره بما أخبرها به كريم دون قصد وهروبه منها بعد أن علم أنها لا تعرف شيئاً.
وتخطاها وهو يهتف بتعلثم:
- حياة مش وقته. أنا أصلًا مش عارف إيه الكلام اللي بتقوليه ده.
فجذبته من يده بقوة:
- كداب يا عمران. عينيك قالت كل حاجة.
وبدأت تذكره بكل ما فعله معها حين أتى بها حسام إلى هنا.
وجلس على الأريكة التي خلفه:
- بلاش يا حياة تفتحي دفاتر الماضي.
فصرخت بوجهه وهي تضع يدها على بطنها:
- يعني في ماضي؟
وبدأ يحكي لها كل شيء كما رغبت.
عن عمته ووالدها.
ومع كل كلمة عن والدها كانت ترى كرهه.
وتنهد وهو يرخي من ربطة عنقه:
- ارتحتي لما عرفتي الحقيقة.
وعندما لاحظ شحوب وجهها.
نهض بقلق نحوها:
- حياة.
فطالعته وقد جف حلقها وأصبحت الأرض تدور بها:
- اسمها حياة. هي دي اللي كان بيحكي عنها قبل ما يموت.
فضمها عمران إليه:
- حياة أنسي الماضي.
ووضع بيده على بطنها:
- خلينا نفكر في حياتنا وولادنا.
وابتسمت ساخرة وهي تتذكر تلك الليلة التي أخبرته فيها بحملها وكيف كانت نظراته إليها.
وسقطت أمام عينيه ولم تشعر بشيء بعدها.