وقفت أسفل الدرج في الصباح الباكر تنظر حولها بارتباك، لا تعلم أي طريق قد تتخذه. منذ حديثه معها ليلة أمس، غادر الغرفة سريعًا بعد إلقائه بضع كلمات مقتضبة عن حاجته للنزول لغرفة المكتب لإنهاء بعض الأعمال. تظل هي بانتظاره طوال الليل، يجافيها النوم حتى ظهرت أول خيوط النهار. لتحسم أمرها وتقرر النزول فورًا للحديث معه وتوضيح أمر ذلك السلسال وصاحبه اللعين له، لتنهي هذا الموضوع معه تمامًا وإلقائه خلفهم.
لا حديث مرة أخرى عنه بينهما. تصاعد في أجواء المنزل الهادئة صوت نسائي بالغناء، تظهر بعده إحدى العاملات بالمنزل. توقفت بغتة حين رأت ليلة الواقفة تتلفت حولها بحيرة، تسألها بقلق: "ست ليلة! خير يا ست، في حاجة عاوزاها؟ ليلة بلهفة ورجاء: "كنت عاوزة أعرف هي فين أوضة المكتب بتاعت جلال بيه." أشارت الخادمة إلى إحدى الغرف قائلة بتعجب: "أهي يا ستي، بس خير، في حاجة أقدر أعملهالك؟
هزت ليلة رأسها بالنفي، تشكرها وهي تتحرك باتجاه الغرفة. لتقف أمام بابها تزفر عدة مرات في محاولة للهدوء وتهدئة نبضات قلبها المتسارعة خشية من ردة فعله. وهي تطرق الباب بهدوء في انتظار إجابته. لكن طال انتظارها، فأخذت تتملل من قدم لأخرى وهي تلوك شفتيها بحيرة. ثم حسمت أمرها سريعًا، تدفع الباب بشق يسمح برأسها فقط بالدخول.
تجول بعينيها في أرجائها حتى توقفت على تلك الأريكة، ترى ذراعه ممددة خارجها وجسده مستلقٍ بوضع غير مريح عليها. فمن الواضح أنه أمضى ليلته فوقها تجنبًا لها وأي حديث بينهم بعد خروجه المبهم من غرفتهم ليلة أمس. دفعت الباب، تدلف إلى الغرفة بخطوات بطيئة هادئة. حتى تلك الأريكة، واقفة لبرهة تتأمله بابتسامة حنون. وهي تركع على ركبتيها بجواره، أناملها المرتعشة تقترب مشتاقة من صفحة وجهه بخطوطها الناعمة من أثر استغراقه في النوم.
تتلمسها بشوق ونعومة، تزداد بسمتها حين همهم برفض لتلك اللمسات وهو مازال نائمًا. يتقلب بجسده الضخم فوق الأريكة حتى كاد أن يسقط عنها. لتصرخ ليلة له محذرة بخوف: "حاسب يا جلال، كده هتقع." انتفض جسد جلال بفزع من أثر صرختها، يفتح عينيه بصعوبة وهو يهب جالسًا يتلفت حوله قائلًا بتعثر وقلق: "ليلة! ليلة مالك.. فيكي حاجة؟ أسرعت ليلة بالنهوض من مكانها تتجه إليه جالسة بجواره، واضعة كفها فوق وجنته برقة هامسة له بحنان:
"متقلقش.. أنا كويسة. أنا بس كنت جاية أطمّن عليك." تطلع جلال إليها بعينين مبهمتين تمر فوق ملامحها للحظة، قبل أن يلتفت بعيدًا عن لمستها قائلًا بصوت أجش صارم: "متقلقيش عليا، أنا كويس. اطلعى انتي أوضتك، أنا ورايا شوية شغل هخلصهم." تجمعت الغصة بحلقها حتى كادت أن تخنقها، وهي ترى معاملته الجافة تلك لها. لكنها حاولت التماسك تقول بصوت مختنق: "بس أنا كنت بفكر أعمل لينا فطار نفطر أنا وانت سوا قبل ما تروح تشوف شغلك."
نهض جلال واقفًا بغتة قائلًا بحدة: "لا متتعبيش نفسك، أنا مش متعود أفطر. افطري انتي لو تحب." نكست رأسها، تتراكم الدموع بعينيها، تخشى بصرها تمامًا. فهبت ناهضة قبل أن تخذلها بالسقوط أمامه، تتحرك سريعًا باتجاه الباب وهي تهمهم بكلمات معتذرة غير مترابطة. لتتوقف بغتة حين فتحت الباب فجأة، تصطدم برؤية سلمى الواقفة خلفه تتطلع إليها بابتسامة بشماتة. فلا يخفى عليها ماذا كانت تفعل بوقفتها تلك.
لتتأكد ظنونها حين رمتها بنظرة يرتسم فيها الانتصار الممزوج بالخبث. ثم تتقدم إلى الداخل دون أن تعير ليلة اهتمامًا، موجهة الحديث إلى جلال الواقف بجمود مكانه قائلة بحروف ممطوطة مائعة: "جلال.. أنا حضرتلك الفطار. تحب تفطر دلوقتي ولا تستنى بابا وفواز وباقي البيت؟ التفتت سريعًا ليلة تنظر إلى جلال بانتظار إجابته. لتتسع عينيها ذهولًا، ضاغطة شفتيها بغيظ حين قال ببطء وعيناه تمر فوقها يتابع ردة فعلها على حديثه:
"لو الفطار جاهز يبقى دلوقتي أحسن عشان خارج كمان ساعة." رفعت ليلة أنفها عاليًا بأنفة أمام وجهه، تنسى دموعها السابقة وهي ترميه بنظرات كالسهام. قابلها هو ببروده ولا مبالاته المعتاد معها منذ الصباح. ثم تكمل طريقها إلى الخارج في اتجاه الدرج. ليتبعها جلال وعيناه تتابع صعودها باهتمام. يومأ لسلمى بشرود موافقة دون أن يرد ما قالت. لتهتف سلمى بجذل وصوت عالٍ: "حالا هيكون الفطار جاهز ليا ولك. ثواني ومش هتأخر عليك."
وصلت كلماتها إلى مسمع ليلة، لتتوقف خطواتها فوق الدرج. تشعر بالنيران تنهش قلبها من الغيرة. تود لو تأتي بسلمى تلك من خصلات شعرها فتنزعها خصلة خصلة من رأسها بمتعة، علها تهدئ من تلك النيران. لكن مهلًا، لن تكون ليلة بنت المغربي إن جعلت من تلك المهزلة تحدث. ولتعلنها حربًا عليها، تلك الحرباء المدعوة بابنة عمه، هي ومن قام بالموافقة على حديثها كي يرد لها الصاع على فعلة ليلة أمس.
ما أن تقدمت سلمى بخطوتين باتجاه أبواب المطبخ، حتى تعالى صوت ليلة المتألم. تراها تستند بوهن فوق حاجز الدرج، تضع يدها فوق رأسها. لكن ما أغاظها وأشعل نيران غيرتها حين رأت لهفة جلال الشديدة وندائه المتلهف خوفًا عليها. تتسابق قدماه الريح صاعدًا إليها بخطوتين فقط، يلف خصرها بحماية وهو يسألها بلهفة وجزع عما حدث لها. لتجيبه ليلة وهي تدس وجهها بين حنايا عنقه بصوت متألم ضعيف: "حاسة بدوخة جامدة...
الظاهر إني كل ما أزعل هتجيلي الحالة دي." انحنى جلال يرفعها بين ذراعيه قائلًا بتأكيد وندم: "طيب تعالي نطلع الأوضة فوق ترتاحي وأنا هكلم الدكتور حالا." دست وجهها بين كتفه وعنقه بمتعة منتصرة، وهو يصعد بها الدرج بخطوات سريعة. لكنها لم تغفل أن ترمي بنظرة انتصار خبيثة من خلف كتف جلال باتجاه سلمى. والتي وقفت تتابع المشهد بعينين تنطق بالغل. حتى غابا عن أنظارها، لتضرب الأرض بقدمها تصرخ بغيظ وحقد:
"هتشل من البت دي وعمايلها.. وأنا اللي قلت دي مش فاكرة حاجة وهيبقى اللعب معاها سهل.. دي طلعت أنيل من ليلة بتاعة زمان." دلف بها إلى داخل الغرفة بخطوات سريعة. يضعها فوق الفراش برفق وحنان، أنامله تمتد تزيح حجابها بلهفة. وهي مازالت تتقمص دورها بإتقان، تغمض عينيها تئن بألم. فانهض فجأة من جوارها باتجاه الباب. لتنسى فورًا تظاهرها بالمرض، تعتدل جالسة وهي تسأله بحدة: "انت سايبني ورايح فين؟ عارف لو نازل للبت مقصوفة الرقب...
توقفت خطوات جلال بغتة، يقف متجمدًا مكانه. فاخذت تلعن غباءها وغيرتها التي أعمته وجعلته يتصرف بتهور. تلوك شفتيها بتوتر، وهو تراه يلتفت ناحيتها ببطء، عينيه غامضة غير مقروء التعبير. ليزداد توترها قائلة بخشية وتلعثم: "أنا... كنت... يعني... أصل... في طرفة عين كان يستند بركبته فوق الفراش مقتربًا بوجهه من وجهها. لتتراجع شاهقة تراه يجز فوق أسنانه يهمس من بينهم: "بقى كده؟
بتستغلي خوفي وقلقي عليكي وبتعملي حركات العيال دي.. طيب يا ليلة أنا هعرفك شغل العيال اللي بحق وحقيقي بتعمل إزاي." كاد أن يتحرك ناهضًا من مكانه، لكن توقف حين رأى تبدل حالها وعينيها تمتلئ بالدموع. فجأة، تزم شفتيها كطفلة صغيرة مذنب في انتظار عقابها. لتمحو رؤيته لها بهذه الحالة كل غضبه منها، كأنه لم يكن، كحاله دائمًا معها. زافرًا بقوة سألها بصوت يائس: "طيب انتي بتعيطي ليه دلوقتي؟ هي من بين شهقات دموعها بصوت طفولي:
"عشان انت زعلان مني." جلس مرة أخرى يجذبها إلى صدره، ضامًا لها بقوة. لتشهق بدموعها فور ملامستها لجسده الصلب. ليزيد هو من ضمها، أنامله تندس بخصلات شعرها قائلة بصوت مرتجف يمرر كفه فوق ظهرها بنعومة بحركة مطمئنة، وهو يدس وجه بين خصلات شعرها قائلًا بحنان: "لا مش زعلان منك ولا حاجة.. أنا بس قلقت وترعبت عليكي بسبب اللي عملتيه تحت. ده غير إني كمان منمتش كويس ومضغوط شوية."
ابتعدت عنه ببطء، ترفع أناملها تلامس عينيه وخطوط الإرهاق الظاهرة عليها، قائلة بحزن وأسف: "عارفة.. وعارفة إني السبب في إنك متنمش كويس. بس صدقني أنا كنت هقولك على زيارة مرات عمي والسلسلة كمان." توترت عضلات جسده حين أتت على ذكر تلك الزيارة. لتسرع قائلة بلهفة وعيناها تعاود الامتلاء بدموعها: "أنا كنت حتى هرميها في أي درج بعيد عن إني أشوفها، بس انت مخلتش ليا فرصة أعمل أي حاجة." جذبها جلال إليه مرة أخرى يهمس لها بندم:
"حقك عليا. عارف إني اتعصبت عليكي وماكنش لازم اتصرف معاكي كده. وكان لازم نتكلم سوا بخصوص الموضوع ده." انحنى عليها يقبلها برقة، وشفتيه تلامس شفتيها بقبلة حاول بثها اعتذاره وأسفه من خلالها. لتستكين بين أحضانه مغمضة العين تتأوه بنعومة. حين تتبعت شفتيه مسارها حتى أذنيها بقبلات صغيرة رقيقة، قبل أن يهمس لها بصوت متحشرج:
"أنا شايف إن فكرة الفطار اللي قلتي عليها دي فكرة حلوة بدل ما أتهور وأنا عارف حظنا ونلاقي حد فوق دماغنا زي كل مرة." انطلقت منها ضحكة مرحة خجولة تنكزه بصدره. ليبتسم هو الآخر فرحًا بضحكتها التي خطفت دقات قلبه. ماد أنامله يزيح دموعها عن وجنتيها يسألها برجاء: "لسه زعلانة مني؟ هزت رأسها له بالنفي قائلة بلهفة وخجل: "لا خالص.. وهروح حالا أحضر لينا الفطار." نهضت مسرعة باتجاه الباب، تتابعها عينه بشغف. قبل أن يسألها غامزًا
بعينه بخبث مرح: "هتعرفي مكان المطبخ ولا أجي معاكي أساعدك؟ غمزت بعينيها له هي الأخرى قائلة بدلال: "متخافش عليا يا جلال بيه، أنا عارفة طريقي كويس." خرجت فورًا تغلق الباب خلفها. لتنهد جلال بحرارة قائلًا بصوت أجش: "جلال بيه هو اللي بقى يتخاف عليه من بعد ما قلبتي كيانه وخللتيه واحد تاني مبقاش عارف هو أصلاً مين." تجمعت عائلة المغربي حول مائدة الإفطار، يسود الوجوم وجوههم. حتى تحدث علوان بصوت جهوري خشن موجها الحديث إلى سعد:
"اعمل حسابك يا سعد، جدك هيتم التلات شهور ونعمل فرحك انت وبنت عمك." تصاعدت الهمهمات المذهولة، بينما هتف سعد قائلًا بحدة: "كلام إيه ده يابا؟ فرح إيه اللي بتتكلم عنه؟ وجدي لسه مكملش السنة." راغب ببرود دون أن يرفع وجهه عن طعامه: "ماهو عشان جدك مات يا محروس، لازم تكتب على بنت عمك. ولا عايز تفضل متكلم عليها بس العمر كله؟ وبعدين ماهو بيقولك هنستنى تلات شهور." شروق بغيظ تنتفض من مكانها قائلة: "وإيه علاقة موت جدي بجوازنا؟
وبعدين إنت إيه دخلك في الكلام ده؟ رفع راغب وجهه ببطء يبتسم ابتسامة صفراء لها. لكن تأتيها الإجابة من عمها علوان يصرخ بها بغضب: "بت لمي لسانك بدل ما أقطعهولك، ومتعليش صوتك على ابن عمك الكبير." سعد بغضب هو الآخر: "يعني هي تلم لسانها وابنك اللي بتقول عليه كبير سايبه طايح فينا من يوم ما جه." علوان وعيناه تطلق الشرر وهو يدور بهم بين وجوه الجميع:
"راغب يعمل اللي يعمله ومحدش ليه حاجة عنده. ودي كلمة ومش هتنيها تاني، أول خميس بعد التلات شهور اللي قلت عليهم هيكون دخلتك على بنت عمك زي ما جدك وصاني قبل ما يموت، ولا عاوزين تفضلوا العمر كله مخطوبين." عم الصمت أرجاء المكان، يتبادل الجميع النظرات فيما بينهم. تسأل شروق بنظراتها سعد عن رأيه فيما يجري، فترى الحيرة والتفكير عليه.
أما راغب فقد جلس في مقعده باسترخاء، يتابع البلبلة التي قام بإحداثها بمتعة ونشوة، وهو يرى مخططاته تسير على خير ما يرام. وقفت تقطع الخضار وهي تدندن بسعادة، تتراقص ببطء على كلمات الأغنية المنبعثة من ذلك المذياع الصغير الموجود في إحدى أركان المطبخ. غافلة تمامًا عن من يقف مستندًا باستمتاع فوق إطار الباب بعد أن أشار خفية للعاملة بالانصراف، والتي ابتسمت بخجل تسرع في تنفيذ أمره.
ليقف هو، عينيه تمر فوق منحنياتها بشغف، متحركًا من مكانه في اتجاهها كالمغيب. حتى وقف خلفها تمامًا، وفجأة ودون إنذار جذبها للخلف، يلصقها به، يحيط خصرها الصغير بذراعيه. لتشهق، ترمي السكين من يدها بفزع. تنهد باطمئنان حين سمعت صوته الهامس الأجش بالقرب من أذنيها هامسًا بها: "جيت أشوفك لو محتاجة مساعدة ولا حاجة، وكمان عشان... تسارعت أنفاسها حين شعرت فجأة بشفتيه تستقر فوق النبض الخافق بعنقها.
ليقبله ببطء، قبلات رقيقة صغيرة متتالية وهو يزيد من ضمها إليه. فتتأوه، تغمض عينيها تنتفض لاهثة وهي تشعر بشغف قبلاته يزداد. تتعالى أنفاسه معها، تشعر بها تلفح بشرتها الحساسة بلهيبها. حتى وصل إلى بشرة أذنها الحساسة يهمس فوقها: "وحشتيني، بقيتي في كل ثانية بتوحشيني. مبقتش عاوز غير إني أكون معاكي انت وبس." ابتسمت تنير وجهها السعادة، هامسة له بصوت يكاد يسمع من شدة خجلها: "وأنت كمان وحشتني أوي."
جلال وهو يديرها بين ذراعيه لمواجهته يسألها بلهفة فرحة: "بتقولي إيه! قوليها تاني كده." خفضت عينيها أرضًا تلوك شفتيها بارتباك. تشعر بنفسها بين ذراعيه صغيرة للغاية وجسده يحتويها بقوته. تهز رأسها له بالنفي، وجنتيها مشتعلة. ليزيد هو من ضمها لها قائلاً بلا اهتمام مصطنع: "حيث كده مدام مش هتقوليها تاني، خلينا واقفين زي ما إحنا كده لحد ما كل البيت يدخل علينا هنا." انحنى بوجهه متقربًا من شفتيها هامسًا فوقهم بخبث:
"ومن واقع حظي معاكي أنا متأكدة مش هيعدي وقت كتير وهيحصل على طول." ما أن كلمته حتى صدق حدوثه بدخول حبيبة المفاجئ تصحبها سلمى. فتتعالى شهقتهما المصدومة، قبل أن تحني حبيبة وجهها، تبسم بخجل. أما سلمى فوقفت بعيون جاحظة بغل وهي ترى مدى تقاربهم الشديد. تزيد نار غيرتها بصدرها اشتعالًا وهي ترى جلال غير مبالٍ بدخولهم. ينحني أكثر على ليلة يقبلها ببطء رغم محاولتها الخجلة لابعاده. يهمس لها بعدها، عامزًا بعينه لها بمرح ساخر:
"مش قلتلك.. أنا عارف حظي معاكي." أخيرًا استجاب لمحاولتها إبعاده، يفك حصار ذراعه من حولها. يبتسم لها بحنان قبل أن يتحرك مغادرًا، يلقي بتحية صباح مرحة سعيدة. تاركًا خلفه المكان جوًا مشحونًا بالكثير والكثير. كانت قدرية تجلس فوق الأريكة الموجودة في البهو، تظهر علامات التوتر على وجهها. تهمس بغيظ: "الغبى ده منزلش ليه لحد دلوقتي.. تلاقيه نام ولا في دماغه حاجة، مانا عارفاه طول عمره بـ... لـ... ملهوش غير في الأكل والنوم وبس."
زفرت بحدة تهم بالنداء على حبيبة. لكن فغرت فاها بذهول حين رأت جلال يخرج من اتجاه المطبخ، وجهه ينطق بالسعادة وعلى شفتيه ابتسامة مرحة سعيدة. لتخرج من ذهولها تسأله بدهشة: "جاى من المطبخ ليه خير.. ده عمرها ما حصلت ودخلته مرة في حياتك." فلم يجيبها جلال، بل زادت ابتسامته، يلقي عليها بتحية صباح مرحة قائلًا بعدها: "أنا في المكتب، ولما عمي ينزل خليه يحصلي." ثم اتجه بخطوات سريعة ناحية مكتبه. لتهتف به قدرية وهي حالتها المذهولة:
"طيب والفطار؟ مش هتفطر معانا؟ التفت لها جلال، عينيه ملتمعة بشدة قائلة بابتسامة مرحة خبيثة: "لاا، أنا فطرت من زمان وأحلى فطار." ثم استمر في طريقه، يدلف إلى داخل مكتبه يغلق بابه خلفه بهدوء. لتعقد قدرية حاجبيها بحيرة قائلة: "فطر فين وامتى ده؟ وكان بيعمل إيه في المطبخ على الصبح كده؟ "أنا هقولك يا مرات عمي، البيه ابنك كان بيعمل إيه على الصبح كده في المطبخ."
صدح صوت سلمى بغل تحاول الإفلات من بين يدي حبيبة التي أخذت تحاول إيقافها عن إكمال حديثها. بينما وقفت ليلة في الخلفية، وجهها شاحب وعينيها تلمع بالدموع وهي تفرك كفيها معًا بتوتر. للتدير قدرية عينيها بينهم قبل أن تقول بصوت قوي حاد لا يقبل بالمناقشة: "سيبيها يا حبيبة.. وإنتي يا سلمى تعالي هنا وقوليلي تقصدي إيه." جذبت سلمى ذراعها من بين يدي حبيبة بحدة وغضب، ثم تتجه ناحية قدرية قائلة بغيظ وغل:
"البيه ابنك كان عامل وصلة حب وعشق في المطبخ مع الهانم مراته، ولا همه أصحاب البيت ولا اللي شغالين فيها." كفهر وجه قدرية، تنطق عينيها بالشر، جعل من ليلة وحبيبة يرتجفان خوفًا من عاصفة غضبها. أما سلمى فوقفت تهز قدميها تنظر ناحية إلى ليلة بانتصار. سرعان ما اختفى حين أتت كلمات قدرية الصادمة قائلة بلا مبالاة وهي تعتدل في مقعدها براحة: "طب وفيها إيه؟ مش مراته وحلاله وماحدش ليه عنده حاجة."
ثم توجه حديثها إلى سلمى، يتبدل حالها تمامًا، عينيها تطلق نظرة تحذير وشر لها قائلة بحدة وصوت قوي: "وتاني مرة أشوفك تتكلمي على كبيرك ومراته بالطريقة دي، أنا بقى اللي هربيكِ ساعتها من أول وجديد." اتسعت عيني سلمى بذهول ورعب، هي تسألها بصدمة قائلة: "بتقوليلي أنا الكلام ده يا مرات عمي.. عاوز تضربيني عشان حتة البت دي؟ قدرية بغضب عاصف:
"اخرسي خالص.. اياكي أسمعك تغلطي فيها تاني.. ليلة دي تبقى مرات كبير الدار دي وهتبقى كبيرة حريمُه من بعدي، فاهمة يا بنت زاهية؟ ولا تحبي أفهمك بطريقتي." تساقطت دموع سلمى بخزي وهي تهمس بصوت خرج بالكاد منها تجيبها بالإيجاب. ثم تسرع باتجاه الدرج تشهق بدموعها. تتابعها عيني ليلة وحبيبة الواقفين بذهول وصدمة منذ بدء الحديث حتى بعد اختفائها خلف الجدار. ليأتي صوت قدرية الهادئ فيخرجهم من ذهولهم هذا.
حين التفتت إلى ليلة تناديها برقة وهي تشير لها بالاقتراب. لتتردد ليلة للحظة، ثم تتقدم منها بخطوات خائفة مترددة حتى وصلت إليها. لتجذبها قدرية تجلسها بجوارها تربت فوق كفها قائلة بحزم وهدوء: "أنا مش عاوزاكي تبقي خايفة وعبيطة كده، وحتة عيلة زي سلمى تخليكي واقفة ترتعشي كده. انت مرات جلال الصاوي وماحدش ليه عندك حاجة لو مين ما كان، فاهمة يا مرات ابني؟ ولا أقول تاني." ظلت ليلة مذهولة من تبدل حال والدة زوجها إلى النقيض تمامًا.
ترفع عينيها بحيرة باتجاه حبيبة تسألها المشورة بنظراتها. لكنها وجدت أنها لا تقل عنها حيرة أو ذهولًا وهي ترى والدتها، والتي تعرفها خير المعرفة، تتغير بين ليلة وضحاها لتلك الدرجة من ناحية من أعلنت رفضها وكرهها لها منذ الوهلة الأولى. تشعر بالقلق يزحف إلى صدرها سريعًا، تدرك جيدًا أن وراء هذا التحول أمر شديد ولن يكون في صالح ليلة أبدًا. كانت تستلقي في فراشهم بعد غفوة صغيرة من النوم.
تبتسم بسعادة وهي تتذكر ما حدث منه أثناء الإفطار، والذي غابت عنه سلمى ووالدتها. ومراعاته لها وإصراره على الاهتمام بطعامها وحديثه الرقيق معها طوال مدة جلوسهم على الطاولة. واشتعال وجنتيها بخجل من ملامسته الخفية لها من خلف الطاولة. حتى كادت أن تغص بطعامها أكثر من مرة حين كان يفاجئها بحركاته المتهورة تلك. تدعو الله ألا ينتبه أحد من الجالسين لما يدور بينهم، خاصة والدته والتي كانت تراقبهم بعين حادة كالصقر.
حتى انتهى الإفطار أخيرًا ليقف جلال ومعه عمه معلنًا عن خروجهم لأمر ما وأنه قد يغيب طوال النهار متغيبًا عن الغذاء. فجلست في مقعدها تتابعه بعينيها بحزن. لاحظه هو فورًا لينحني عليها يمرر إصبعه فوق جسر أنفها برقة متجاهلاً العيون المتابعة لهم قائلاً لها بحنان: "متقلقيش مش هتأخر عليكي.. على أول الليل وهكون عندك هنا." اتفقنا؟ سألها بكلمته الأخيرة بنعومة وهمس. لتهز له رأسها بالإيجاب.
ليبتسم لها برقة، ثم يعتدل واقفًا مناديًا لعمه ليغادرا معًا. لتطلب حماتها منها فور مغادرتها أن تذهب لارتياح في غرفتها خوفًا عليه من الإرهاق حتى يحين موعد الغذاء. وها هي تجلس منذ ذلك الحين في غرفتهم. لتعقد العزم على النزول لأسفل حتى تكون في استقباله عندما يحين موعد عودته. لكن أتت طرقات هادئة فوق الباب لتتوقف أفكارها. تأذن للطارق بالدخول، فتسرع بالجلوس فورًا بالاعتدال حين رأت والدة زوجة تدلف من خلاله قائلة بتساؤل:
"إنتي لسه نايمة يا ليلة؟ أجابتها ليلة فورًا وهي تنهض سريعًا من الفراش: "لا.. أنا صحيت من بدري وكنت نازلة حالا." هزت قدرية رأسها بالرفض وهي تتقدم إلى الداخل قائلة بتأكيد: "لاا خليكي براحتك، جلال لسه مجاش متقلقيش.. أنا بس قلت أطلع أشوفك لو صاحية أهو أقعد معاكي شوية بدل ما أنا قاعدة زهقانة لوحدي. بس لو تعبانة ولا حاجة أنا مم... ليلة بسعادة وترحيب: "لا خالص بالعكس، أنا مش تعبانة خالص وفرحانة جدًا إن حضرتك هتقعدي معايا."
جلست قدرية فوق الأريكة تربت على الجهة المجاورة لها قائلة لليلة: "طب تعالي اقعدي.. و خلينا نحكي مع بعض شوية ونسلي نفسنا لحد ما جلال يجي. وكمان أنا عندي موضوع عاوزة أكلمك وأخد رأيك فيه." ليلة وقد ارتسمت ملامح القلق فوق وجهها تسألها: "خير يا ماما اتفضلي.. أنا سمعاكي." قدرية بندم وأسف مصطنع، أتقنت إظهاره على ملامحها قائلة بنبرة حزينة:
"أنا عارفة إن مقابلتي ليكي من يوم ما رجعتي ماكنتش قد كده، بس غصب عني يا بنتي اللي فيا مش قليل والتفكير خلاص مش مخليني عارفة أتصرف وخلقي ضاق على الكل. مانا معذورة وبشوف ابني هيضيع مش عارفة أعمله إيه." ليلة بوجه خائف صوتها مرتعش من شدة فزعها: "ماله جلال يا ماما.. أرجوكي قوليلى فيه إيه." تنهدت قدرية بحزن قائلة:
"هقولك يا بنتي بس أوعديني، أووعي كلامنا ده يوصل لحد ولا حتى جلال. إنتي عارفة جوزك كرامته عنده فوق أي حاجة حتى لو فيها سجنه." تعبت ملامح ليلة تستمع إلى كلمات قدرية التالية وعينيها تمتلئ بدموع خوفها وجزعها عليه. تتوالى عليها الكلمات كطعنات سكين تتغمد صدرها بقسوة وعنف.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!