كانت جالسة تستمع لكلمات قدرية لها بوجه شاحب مصدوم. تزداد خفقات قلبها سرعة منذ بدء حديثهم. بدأت قدرية قائلة بحزن: "أنا هقولك على كل حاجة يا بنتي، بس عاوزة منك تحلفيلي على كتاب الله إن اللي بينا ده هيفضل سر. أنا مش حمل اللي هيعمله فيا جلال لو عرف إني قلتلك." أسرعت ليلة تهز رأسها بالإيجاب بلهفة وتأكيد. ثم تنهض باتجاه إحدى الأدراج. تحت أنظار قدرية المتلفّة، تخرج إحدى المصاحف وتضع يدها عليها. وهي تهمس:
"بيمين الله إن يظل حديثنا سراً لا يعلم أحد عنه شيئاً مهما جرى." وضعت كتاب الله مكانه، ثم عادت إلى قدرية. تجلس أمامها مرة أخرى وكلها آذان صاغية في انتظار حديثها. تتنهد قدرية بحزن وأسف مصطنع. عينيها تلمع بدموع التماسيح قائلة:
"الحكاية ليها زمن. من أيام الغالي أبو جلال. كان دخل في كذا مشروع ورا بعض، بس الله يجازي اللي كان السبب. وبسببهم بقى كل مشروع منهم يفشل ويسيب وراه تل ديون. وهما مستكفوش بكده لااا، دول فضلوا يضغطوا عليه ويشتروا ديونه من الديانة لحد ما اضطر في الآخر يبيع ليهم أكبر حتة أرض من أرضنا. ومات بحسرته بعدها." سقطت دموعها فوق وجنتها. تكمل بصوت متحشرج ضعيف جعل ليلة تبكي هي الأخرى معها عطفا عليها. وهي ترى تلك المرأة القوية
منهارة بهذا الشكل أمامها: "بس طبعاً الأرض دي كانت تمن جزء بسيط من الديون اللي علينا. وكل يوم والتاني يجي حد عاوز حقه وفلوسه. وجلال وعمك صبري بقوا يحولوا الديون عليهم ويحاولوا هما يسدوها... بس خلاص يا ليلة، مبقاش في إيدينا حاجة تانية نعملها." ليلة بخوف وصوت مرتجف رعباً: "إزاي يا ماما؟ فهميني." قدرية وهي تجهش بالبكاء تمسك بكف ليلة تضغط عليه بقوة:
"خلاص يا بنتي، مبقاش فاضل حاجة نبيعها غير البيت اللي أوينا فيه. وجلال وعمك صبري بقوا مهددين بالسجن في أي لحظة. وطبعاً جلال استحالة هيسيب عمه يتسجن وهتبقى كل المصايب عليه لوحده." انفجرت بالبكاء بصوت تقطع لها نياط قلب ليلة. تسرع بالاقتراب منها تضمها إلى صدرها. فلم تجد مقاومة من قدرية. ترتمي في أحضانها وهي تبكي قائلة:
"من يوم ما دخلتي دارنا وأنا عقلي كان كارهك هنا، بس قلبي يقولي لا متقسيش عليها دي حنينة وطيبة. وهي ملهاش ذنب في اللي عمله أهلها زمان. وهو طلع قلبي عنده حق. ويوم ما حبيت أففض كان معاكي انتي." عقدت ليلة حاجبيها بحيرة. تهمس بذهول: "مش فاهمة تقصدي إيه... وإيه اللي عمله أهلي زمان؟ ابتعدت قدرية عنها سريعاً تهمس بارتباك: "مافيش يا حبيبتي... ده ماضي وعدى عليه زمن. وهو برضه جدك حاول يصلح شوية منه قبل جوازك بجلال."
زادت حيرة ليلة أكثر من حديثها. تسألها بصوت متوجس خائف من إجابتها على سؤالها: "انتي تقصدي إن عيلتي هي اللي...... مر لحظة انتظارها إجابة قدرية عليها كالدهر. حتى هزت قدرية رأسها بالإيجاب ببطء. وهو تقول متنهدة بحزن: "عمك علوان وابنه راغب. الله يجازيهم هما السبب في اللي إحنا فيه." أسرعت تكمل بتأكيد وحزم عندما لاحظت بادرة شك تظهر في عيني ليلة:
"بس جدك مكنش يعرف عن لعبهم الوسخ ده حاجة. وعشان كده لما جه جلال اتقدملك حب جدك يفتح صفحة جديدة معانا. وكتبلك أرضنا دي باسمك كهدية جواز منه ليكي ولجلال. بس هنقول إيه، يلا ربنا يرحم أمواتنا جميعاً ويجازي اللي كانوا السبب." نهضت قدرية تمسح دموع التماسيح عن وجهها. قائلة بحزن تنظر لليلة الجالسة بشرود وجمود مكانها. لتلمع عينيها بخبث للحظة. قبل أن تتنهد وبحزن وأسف مصطنع قائلة:
"يلا يا بنتي معلش دوشتك وشيلتك الهم في حاجة ملكيش ذنب فيها. بس هعمل إيه، كنت محتاجة أففض مع حد. تصبحي على خير."
تقدمت بخطواتها باتجاه الباب ببطء. بينما جلست ليلة كأنها في عالم آخر للحظات. قبل أن تنتفض من مكانها تنادي قدرية بحزم. لتتوقف خطوات قدرية قبل بلوغها الباب بسنتيمترات. تلتوي شفتيها بابتسامة جذلة خبيثة. ثم تلتفت إلى ليلة بحال آخر أسرعت برسمه فوق ملامحها تلونها بالحزن العميق والانكسار. لكنها كادت أن تفضح حين سمعت ليلة تقول بصوت جاد حازم: "لو حضرتك تقدري تشوفي محامي يقدر يشوف بيعة لأرض دي في أقرب وقت. وأنا مستعدة فوراً."
كادت قدرية أن ترقص فرحاً لنجاح مخططها. لكنها تمالكت نفسها قائلة بذهول واستنكار: "بتقولي إيه يا ليلة؟ هو أنا كنت بحكيلك عشان تقوليلي كده؟ ليه يا بنتي كده تزعليني منك؟ تقدمت منها ليلة تحتضنها بقوة قائلة بعاطفة وحنان: "ليه يا ماما؟ ... انتي قلتي بنفسك إنها هدية جدي ليا ولجلال. يبقى ليه الزعل؟ وبعدين لو ده مش وقت نبيع فيه الأرض هيكون إمتى؟ صدقيني يا ماما هو ده الحل الوحيد."
لمعت عيني قدرية بجشع. تلتمع أسنانها بابتسامتها الجذلة. قبل أن تبتعد عن حضن ليلة تنكس رأسها متظاهرة بالاستسلام: "بس جلال استحالة هيوافق. ولو عرف حتى إني قلت... ليلة سريعاً مقاطعة إياها: "جلال مش هيعرف حاجة. أنا همضي لحضرتك على توكيل. وبيه تقدري تتصرفي فيها بمعرفتك. وبفلوسها تقدري تساعدي جلال كأنها منك انتي." اتسعت عيني قدرية قائلة بذهول مصطنع: "انتي عاوزة تعمليلي ليا أنا توكيل ببيع الأرض؟ ليلة بتأكيد وحزم:
"أيوه هو ده الحل الوحيد. وأظن المحامي تبع العيلة هنا يقدر يخلصه في أسرع وقت ومن غير جلال ما يعرف حاجة." هزت قدرية رأسها قائلة بتفكير: "هو المحامي يقدر يعمل كده بس.... ليلة وهي تضمها مرة أخرى بحنان: "مفيش بس يا ماما... أنا وجلال واحد. واستحالة هقف أتفرج عليه وهو بيضيع مننا وأنا في إيدي الحل." ضمتها قدرية هي الأخرى بقوة قائلة بسعادة حقيقية هذه المرة. وعينيها تتراقص بغبطة شديدة: "خلاص يا ليلة خلاص...
اللي تشوفيه يا حبيبتي." *** "أهو أنا عملت اللي قلت عليه. والمطلوب بالظبط. مش هتقولي بقى عملنا كده ليه؟ قالها علوان لراغب. والذي جلس يطالع عدد أوراق أمامه بعناية. قبل أن يقول بلا مبالاة: "عشان نربط شروق بسعد في أقرب وقت. وليلة كمان تيجي تقعد هنا. ماهي مش ممكن تسيب أختها الوحيدة من غير ما تحضر معاها تجهيزات فرحها. حتى لو ابن الصاوي عمل إيه عشان يمنعها." هز علوان رأسه بعدم تصديق وانبهار قائلاً:
"إنت دماغك إيه يا واد إنت... شيطان." ابتسم راغب ابتسامة ملتوية. هو ما زال على اهتمامه بتلك الأوراق دون أن يعير والده اهتمام. ليسود الصمت للحظات. تململ خلالها علوان ليعاود سؤاله بفضول: "إيه الورق اللي معاك ده وفيه إيه مهم يخليك مركز أوي كده؟ ترك راغب الأوراق من يده ببطء. ثم تراجع في مقعده ينظر إلى والده بتفكير للحظة. يسأله بعدها متمهلاً: "ولو قلتلك هتسمع وتفكر معايا. ولا هتهيص وتزعق وتفرج علينا البلد؟
علوان بقلق وارتعاب: "ليه؟ هو فيه الورق ده بالظبط؟ راغب بابتسامة تخفي وراءها غضب وثورة عارمة: "ده ورق أخدته من المحامي بتاع أرض الست ليلة والست شروق. اللي جدي كتبها ليهم وبعلم ابنك سعد قبل ما يموت." ***
دلف إلى داخل جناحهم بلهفة. يجيء عينيه فيه بحثاً عنها. وقد تأخر موعد عودته عما نوى وقاله لها. وأصبح الوقت بعد منتصف الليل بقليل. ليتأكله القلق حين وجده فارغاً منها. فيهرع ناحية الباب بغاية البحث عنها. لكن يأتي صوتها الهامس المنادي باسمه برقة ونعومة يوقفه مكانه. ملتفتاً إلى الخلف بلهفة. لكن فرغ الهواء فجأة من الغرفة. تتسارع نبضات قلبه بصخب عالٍ داخل صدره. والذي اتسع لذلك الشهيق العميق من الهواء محاولاً أخذ أكبر قدر منه
داخله. وجسده يقف مكانه متسمراً بعينين تحدق في تلك الحورية الرائعة الجمال المثيرة. التي هلت عليه من داخل الحمام. ترتدي ثوب نوم قرمزياً ذو صدر من قماش الدانتيل الشفاف. ينحدر فوق جسدها رائع التفصيل بروعة وافتتان. وهي تتقدم منه بخطوات بطيئة خجولة. تلوك شفتيها. وخصلات شعرها الغجرية تحيط وجهها بملامحه الناعمة الرقيقة. ليجعله تقدمها منه ينسى التنفس للحظة. حتى أصبحت بالقرب منه. لا يفصل بينهم سوى إنش واحد. قطعته هي حين وقفت
فوق رؤوس أصابعها ترفع نفسها إليه مقبلة وجنته برقة. وهي تعقد ذراعيها حول عنقه تضم جسده إليها. تلامسه حرارة جسدها لتزيد من لهيب حرارته المتصاعدة. حين هم همست
بنعومة فوق بشرته تلهمه: "اتأخرت عليا ليه... ووحتشني أوي." لم يجيبها. بل أغمض عينيه. تتعالى أنفاسه محاولاً فرض السيطرة على نفسه. محدثاً إياها أن تتماسك ولا تنهار تحت وطأة قربها المهلك منه. لكن انهارت جميع محاولاته تلك. حين انحدرت شفتيها فوق بشرة عنقه تقبلها برقة. قبل أن تدفن وجهها في حنايا عنقه قائلة بعتاب وتدلل: "جلال إنت ساكت ليه؟ هو أنا ما وحشتكش؟
ارتجف جسده تأثراً بها. يبتلع لعابه بصعوبة. فتتحرك تفاحة آدم خاصته صعوداً وهبوطاً. وهو يقول بصعوبة بالغة وصوت خرج متحشرجاً مرتجفاً: "لاا... وحشتيني... هو... إنتي لسه صاحية ليه؟ رفعت وجهها إليه وهي تزم شفتيها بعتاب قائلة: "بقى كده؟ كنت عاوزاني أنام قبل ما أطمن عليك؟ جلال مرتجفاً. والقبضة التي في صدره تعتصر قلبه أكثر. وهو يقول بخفوت: "طيب إنتي مش اطمنتي عليا؟ يبقى تنامي بقى. الوقت اتأخر عليكي." مررت طرف أناملها
فوق صدره قائلة برقة ودلال: "ماشي موافقة... بس مش هتقولي تصبحي على خير الأول؟ جلال بمجهود شاق وصوت خرج أجش رغماً عنه: "تصبحي على خير. يلا روحي نامي بقى." عقدت ذراعيها خلف عنقه تتعلق به تهمس بشفاه مصبوغة بطلاء قرمزى. أطار الباقي من عقله أمام روعة جمالها: "بس أنا مش عاوزة أنام دلوقتي. عاوزة أقعد معاك." زفر جلال بقوة يهتف بها برجاء وصوت مرتجف: "ليلة... ارحميني... وروحي نامي."
"قبل ما تطيري شوية العقل الباقيين وأرجع في كلامي." ضغطت بأسنانها فوق شفتيها تهمس من بينهما بخجل. ولكن تغلبت عليه جرأتها والتي اكتسبتها حديثاً: "طيب لو قلتلك إني مش عاوزة شوية العقل دول بينا الليلة... هتقولي نامي برضه؟ وقف مكانه بقبضتين مضمومتين بقوة. وجسد ووجه متجمد لا يظهر لمحة من التأثر عليه. لتشعر بالإحباط يتسلل إليها. لا تعلم عن النار المستعيرة به شيئاً. وهي تلتفت مبتعدة بجسدها عنه ببطء قائلة بندم:
"الظاهر إني بضغط عليك... وإني فعلاً...... شهقت بذهول حين التف ذراعه حول خصرها يجذبها إليه. قابضاً بشفتيه فوق شفتيها بقوة وشوق. فيختفي الباقي من حديثها بينهم. تستكين فوراً بين ذراعيه تبادله قبلته بشوق وشغف هي الأخرى. تمر اللحظات بهما في عالم خاص. حتى ابتعد عنها أخيراً. ينهث بعنف وجبينه مستنداً بضعف فوق جبينها. قائلاً بتردد وصوت مرتعش شوقاً: "خايف ترجعي تندمي وتكرهيني بعد كده...
رفعت كفها تغطي به فمه تهز رأسها برفض قاطع. تهمس هي الأخرى وعينيها تلمع شوقاً ولهفة له: "مش ممكن أبداً أبداً أندم على لحظة واحدة تقربني منك." طبع بشفته قبلة رقيقة فوق كفها. حاسماً أمره بعد كلماتها الرقيقة تلك. ينحني عليها رافعاً إياها بين ذراعيه. متوجهاً بها ناحية الفراش. يضعها برفق فوقه. ثم ينضم إليها فيه. لينتهي أي حديث آخر بينهم. ليبدأ حديث من نوع آخر لا مكان فيه للكلمات بل للمشاعر فقط. ***
كانت قدرية في غرفتها تجوب أرضها بتوتر. تهمهم من بين الحين والآخر بكلمات غاضبة حانقة. قبل أن تتعالى طرقات فوق بابها. لتأذن للطارق بالدخول. ليدلف فواز يهمس بسلام متردد متقدماً للداخل بخشية. لتهتف به قدرية بغضب: "اتأخرت ليه يا غبي؟ أنا مش مكلمالك من ساعة وأكتر. وقلتلك تيجي. ولا خلاص مبقتش قادر تستغنى عن قعدة الأنس مع أصحابك؟ فواز بتردد ومحاولاً تهدئتها:
"غصب عني والله يا مرات عمي. العربية عطلت مني في الطريق. وده اللي آخرني." رمقته قدرية بنظرة نارية يظهر عدم تصديقها له فيها. زاد معها فواز ارتباكاً. قبل أن تقول قدرية بحنق: "طب اتنيل اقعد خلينا نتكلم في المهم." جلس فواز سريعاً فوق المقعد. تتبعه قدرية قائلة باهتمام: "اسمع اللي هقولك عليه وتنفذه بالحرف. وبكرة الصبح بالكتير الورق يكون عندي." فواز بعدم تصديق: "إيه ده؟ هو إنتي خلاص عرفتي تقنعيها تكتب الأرض لجلال؟
تراجعت قدرية للخلف بزهو قائلة بانتصار: "لاا. أنا خليتها تعملي اللي أحسن من كده. أنا خليتها تعملي توكيل ببيع الأرض. يعني أقدر أبيعها للي أنا عاوزاه وبراحتي. وكله بالقانون." انحنى فواز فوق كفها يقبله هاتفا بفرحة: "الله عليكي يا مرات عمي وعلى دماغك الألماظ دي. وطبعاً إنتي هتكبّيها لجلال ومن غير ما ندفع ولا مليم. صح؟ ابتسمت قدرية بخبث قائلة: "لا...
مش لجلال. جلال لو عرف بلي عملته تاني يوم هيرجعها. ويبقى ولا كاننا عملنا حاجة." عقد فواز حاجبيه بحيرة وتفكير للحظة. هاتفا بعدها بانتصار: "صح كلامك. يبقى إنتي هتكتبيها لنفسك؟ زادت ابتسامة قدرية وعينيها يزداد بريقها بخبثاً ولؤماً. تسرع في مقاطعته قائلة بحزم عندما هم بسؤالها مرة أخرى حين طال صمتها:
"مش لازم تعرف كل حاجة. خليها لوقتها. أنا المهم عندي نخلص موضوع التوكيل ده في أسرع وقت عشان ننفذ كل حاجة بعدها بسرعة. قبل ما جلال ولا حد من المغاربة يعرف." ***
تراجع بظهره على الفراش. لكنه جذبها معه لتستلقي بين أحضانه. ورأسها مستقر فوق صدره. ليظلا هكذا لمدة من الزمن. لا يقطع الصمت السائد في الغرفة سوى صوت أنفاسهم المتعالى. حتى همست ليلة بخجل باسمه. ليفتح عينيه سريعاً يطالعها بلهفة. فيرى في عينيها سؤال وحيرة خجلت أن تصرح بهما بشفاهها. لينحني فوق جبينها مقبلاً إياه برقة شديدة. ثم ينظر إلى عينيها بنظرات عاشقة ولهة. قائلاً بصوت أجش: "عارف يا قلب جلال. عاوزة تسأليني عن إيه؟
خفضت عينيها بخجل عنه. ووجنتيها تشتعل بالحمرة. ليمد أنامله أسفل ذقنها رافعاً وجهها إليه هامساً برقة وحنان: "إنتي اللي طلبتي مني إننا ناخد فترة عشان نتعود فيها على بعض. ده غير إن حصلت شوية ظروف....
زفر بقوة يقطع حديثه. تظهر الحيرة والتردد فوق ملامحه. لا يدري كيف يصيغ الباقي من حديثه لها. قبل أن يهم بالحديث مرة أخرى. لكنها قطعت ما تبقى من حديثه بوضعها سبابتها فوق فمه برقة. ظناً منها أنه يقصد بتلك الظروف فترة وفاة جدها. لتنهي الحديث عنه هامسة بخجل: "خلاص مش عاوزة أعرف حاجة. وكفاية إننا مع بعض دلوقتي. وإني أكون في حضنك وبس."
شدد من احتضانها بقوة إلى صدره. تتصارع المشاعر داخله. لا يدري كيف يوضح لها ظروف زواجهم وما حدث تالياً بعدها. خائفاً أن يعود معها لنقطة الصفر. دون أن تمهله الوقت حتى يمحو كل ذكرياتهم السيئة معاً. أنهت هي هذا الصراع الدائر بداخل عقله. حين أعقبت حديثها تدس وجهها في تجويف عنقه. تطبع قبلات ناعمة رقيقة. ارتجف لها جسده بعنف. زافراً من قوة الأحاسيس التي هاجمته في تلك اللحظة. فينسى معها أي حديث آخر قد نوى التفوه به. يخطفها معه إلى عالمهم الخاص مرة أخرى. بعيداً عن كل شيء قد يعكر صفو تلك اللحظات بينهم.
***
مرت أيامها معه كأنها الجنة. تحلق عالياً بسعادة تطفو فوق كل مشاعرها. فقد جعلها تشعر بنفسها أميرة في إحدى الروايات. وهو يغرقها باهتمامه ودلاله لها في كل لحظة من يومهم. يبثها عشقه وولهه في كل مكان وفي أي وقت. لا يوقفه شيء عنها. متجاهلاً نظرات ساكني البيت له ولها. أما لياليهم فقد كانت كسحر لا ينتهي. إلا بظهور خيوط النهار. لا يمل أو تنقص رغبته بها. بل تزداد شغفاً ليلة وراء ليلة. حتى أتى ذلك اليوم. وقد اتصلت بها شروق
تخبرها بأنه قد تم تحديد موعد زفافها من سعد. بناءً على رغبة عمها خوفاً عليهم من حديث أهل القرية عنهم. خاصاً بعد وفاة جدها. ورغبتها بحضورها إلى المنزل حتى تكون معها أثناء تحضيرات الزفاف. تنهي مع الحديث برجاء ودموع حاولت كبتها. تظهر خوفها من عدم حضورها أو رفض زوجها لحضورها. لكن ليلة أسرعت تطمئنها بثقة لا تملكها. أنها ستكون معها ولن تتأخر للحظة عنها. وها هي تقف أمام باب مكتبه تطرقه بتردد. ثم دلفت إلى الداخل بعد سماحه لها
بالدخول. تناديه بصوت متردد. ليهب واقفا من خلف مكتبه آتياً ناحيتها سريعاً. ليجذبها فوراً إلى أحضانه دون أن يمهلها الوقت حتى لطرفة عين. أخذ يقتل شوقه إليها. يدس أنامله في خصلات شعرها من الخلف جاذباً رأسها إليه. يثبتها أمامه قبل أن ينقض عليها مقبلاً إياها بشوق وشغف عارم. سرق منهم الأنفاس لدقائق لا تعلم مداها. غائبين عن العالم تماماً. حتى ابتعد أخيراً عنها. يضمها داخل أضلعه بقوة. هامساً
بتحشرج: "وحشتيني... تعرفي إن كنت لسه حالا هطلعك فوق." أبعدها عنه يطالع وجهها المشتعل وخصلاتها المبعثرة حول وجهها بجنون بشغف. هامساً بعدها بخبث وعينيه تلمع بنار الإثارة: "بس قلت لنفسي أعقل يا جلال. عاوز البيت يقول عليك إيه... وبعدين الليل طويل وهيبقى كله لينا لوحدنا وبس." عقب جملته الأخيرة بغمزة خبيثة من عينيه جعلتها تنكزه في صدره تهتف بخجل توقفه عن الحديث. فهتف بها باستنكار مصطنع قائلاً: "طيب أنا قلت إيه دلوقتي؟
مش دي الحقيقة؟ ليلة قائلاً بتحذير مستنكر: "جلال... والله لو ما سكتت هسيبك وأخرج ومش هقولك كنت عاوزاك ليه." لخصرها بذراعه يقربها بقوة من جسده هامساً أمام شفتيها بشغف: "طيب ما تسكتيني بطريقتك حتى. عشان أسمعك بعدها تركيزا." أخذت ليلة تلوك شفتيها تهز كتفها برفض ودلال. ليهتف جلال بها بدهشة: "والمفروض بعد حركتك دي إني أسمع كلامك بعدها؟ شكلك لسه متعرفنيش يا ليلة هانم."
عقب حديثه ينحني سريعاً فوق شفتيها بفمه يقبلها بلهفة وجنون. فلم تجد أمامها سوى أن تهمهم بمعارضة واهية بين شفتيه. قبل أن يقضي عليها بازدياد قبلاته حرارة وشوق. جعلها تنسى تماماً لما كان حضورها إليه من الأساس. حتى ابتعد عنها أخيراً يتنفس بعنف قائلاً: "هتجنن بيكي... أنا مبقتش عارف أبعد عنك لدقيقة واحدة." أخرجتها كلماته من حالة السكر التي أصابتها. تجدها فرصة لبدء الحديث عن سبب حضورها إليه. هامسة له بتردد:
"لا ماهو إنت لازم تتعود غيابي عنك اليومين الجايين دول." عقد جلال حاجبيه بحيرة. فمدت أناملها تتلاعب بأزرار قميصه. وعينيها فوقهم هرباً من مواجهة عينيه. تهمس قائلة: "ماهو ده الموضوع اللي كنت عاوزة أكلمك فيه. بس عشان خاطري ما ترفض."
رفعت وجهها ببطء إليه. وفي عينيها نظرة رجاء لم تغفلها عينيه. وهي تخبره بفحوى مكالمتها مع شروق. تقف بعدها في انتظار ردة فعله بخشية. وقد وقف بجمود يسيطر على كل ملامحه. فتعلم منها أن الرفض هو إجابته الآتية لا محالة. لكنها ذهلت تتسع عينيها بشدة. حين أتت الإجابة عكس توقعها. حين قال بهدوء شديد: "طيب وإيه المشكلة؟ "طبعاً شروق أختك الوحيدة. وحقها عليكي تبقى معاها في وقت زي ده."
وقفت مكانها تنظر له بصدمة من إجابته. قبل أن تصرخ فرحاً تلقي بنفسها عليه. عاقدة لذراعيها خلف عنقه تحتضنه. وهي تهتف شاكرة بسعادة. جعلته يبتسم بحنان ورقة. يضمها هو الآخر إليه. قبل أن يهتف محذراً: "بس مفيش بيات هناك يا ليلة. عاوزة تروحي كل يوم معنديش مانع. وأنا هوصلك وأجيبك. بس بيات هناك لا. قلتي إيه؟ ابتعدت ليلة عنه تهتف بتأكيد فرح: "وأنا موافقة... أنا أساساً مش عاوزة أبات هناك."
ابتسم لها يمرر طرف إصبعه فوق أنفها قائلاً: "يبقى اتفقنا... روحي يلا حضري نفسك عشان أوصلك." أومأت برأسها له تقبل على وجنته سريعاً. ثم تغادر تسابق الريح. بينما وقف هو يراقبها بحنان. رافعاً كفه مكان قبلتها. وعينيه تموج بالمشاعر. حتى غابت عن أنظاره تماماً. *** "ليلة وصلت يا راغب." مر راغب واقفا من خلف مكتبه بعد دخول والده يهتف به بكلماته تلك. فيسأله بلهفة أين هي. وهو يسرع من خلف مكتبه باتجاه الباب. لكن تأتي يد
والده لتوقفه قائلة بحسم: "على فين رايح؟ خليك مكانك. جوزها معاها. وإحنا مش عاوزين نهد كل حاجة لما يشوفك. إدامه. إنت تقعد مكانك. ولما يمشي ابقى اعمل اللي تعمله. بس كل حاجة بالعقل يا راغب. متودناش في داهية." رجع راغب إلى مكانه خلف مكتبه يجلس بهمود قائلاً بشرود كما لو كان يحدث نفسه: "وماله نصبر. مانا ياما صبرت. ومجتش على الشوية دول كمان." ***
كانت تجلس داخل غرفة أختها تفرز معها ما بداخل إحدى الحقائب. وتستعرض كل منهما من وقت لآخر إحدى القمصان الداخلية بين يديها. ثم تنفجران في الضحك الشديد. يمر بهما الوقت سريعاً. حتى دخلت والدتهم تسألهم: "إيه يا بنات لسه مخلصتوش كل ده؟ ولسه في شنطتين بس؟ شروق وهي تمسك بإحدى الحقائب المغلقة تلقي بها فوق الفراش بجوار ليلة: "وإحنا مستعجلين ليه يا ماما؟ وما لسه اليوم قدامنا طويل. روحي إنتي شوفي الغدا. وإحنا هنا هنخلص كل حاجة."
هزت والدتها رأسها بالموافقة. تهم بعدها بالخروج. قبل أن تهتف بها بعتاب: "شفتي نسيتيني أنا جاية ليه؟ يلا قومي الأول روحي شوفي مرات عمك عاوزاكي في إيه. وبعدين تعالي كملي مع أختك." عقدت شروق حاجبيها بحيرة تسأل ليلة بدهشة: "غريبة. وهي هتعوز مني إيه دلوقتي؟ ليلة بهدوء وهي تطوي قطعة من الملابس بين يديها: "قومي روحي شوفيها عاوزاكي ليه. وأنا هكمل لحد ما تيجي."
هزت شروق رأسها بالموافقة تنهض باتجاه الباب مغادرة مع والدتها. لتظل ليلة تقوم بعملها بجدية. حتى شرد عقلها إلى سبب سعادتها. تتذكر رحلتها معه في السيارة وحديثهم المرح معاً. ثم دخوله إلى منزلهم بحضوره الطاغي. جالساً لبعض من الوقت مع عمها وسعد. كانت عينيها وقتها لا تفارقه. تتابع كل حركة منه بشغف واهتمام. حتى نهض مغادراً. لتسرع معه حتى الباب الخارجي مودعة. يخطف معه دقات قلبها. حين انحنى فوق أذنها هامساً بها بشوق:
"شفتي لسه متحركتش بعيد عنك غير خطوتين. ووحشتيني أومال. أنا مش عارف هعمل إيه باقي اليوم من غيرك." ابتسمت فرحاً بحديثه. تحني رأسها بخجل. ليزفر بقوة قائلاً بإحباط ظاهري: "طيب واضح إن مش هوحشك. يبقى أمشي بقى أحسن." رفعت وجهها إليه تهتف بلهفة مؤكدة: "لا طبعاً هتوحشني. أنا حتى عاوزة اليوم يعدي بيا بسرعة عشان ترجعلي ونروح بيتنا." اللمعت عيناه بسعادة قائلاً هو الآخر بلهفة:
"وأنا مش هتأخر عليكي. أول ما تتصلي بيا هتلاقيني حالا قدامك حالا." وقفا يتبادلان النظرات. يغيب عنهم العالم للحظات. ثم غادر بعدها وخاطفاً قلبها وعقلها معه. عادت إلى وقتها الحالي متنهدة برقة. تعاود الاهتمام بما في يديها. قبل أن تسمع صوت الباب يفتح. لترفع رأسها مبتسمة ظناً أنها شروق. لكن اختفت بسمتها سريعاً. يحتل مكانها الخوف والذعر. حين رأت راغب يدلف إلى الداخل يغلق الباب خلفه. قائلاً بعدها بخبث ودهاء:
"أهلاً ببنت عمي. وخطيبتي سابقاً. ومرات جلال بيه الصاوي حالياً. ولا نقول أحسن وأصدق.... اتسعت بسمته بشراسة حتى ظهرت أسنانه. وهو يكمل بغل وشماتة: "ليلة... جارية جلال بيه اللي اتباعت ليه عشان الفلوس والأرض."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!