وقفت مكانها تراقب تقدم جلال البطيء من تلك الزائرة، وعلى وجهه قناع غير قابل للقراءة، قائلاً بهدوء: "أهلاً أميرة، حمدلله على السلامة." التفتت قدرية إلى جلال تهتف بسعادة: "شوفت يا جلال، أميرة جات تقعد معانا كام يوم تنورنا فيهم." جلال، وعيناه فوق أميرة بتفكير، رغم توجه بالحديث لأمه: "تشرف يا أمي.. بس مقلتيش يعني إنها جاية، كنا حتى على الأقل استقبلناها." توترت ملامح قدرية، تلتفت إلى أميرة لتسرع أميرة في إجابته قائلة:
"أنا اللي طلبت منها يا ابن عمتي، كنت عاوزة أعملهالك مفاجأة، بس الظاهر إنها مكنتش مفاجأة حلوة ليك." قالت كلماتها الأخيرة بعتاب وتدلل، جعلت من ليلة الواقفة تتابع ما يحدث بعيون متسعة، وهي ترى ابتسامة جلال التي ارتفعت فوراً فوق شفتيه، قائلاً برقة وترحيب: "لأ إزاي.. دي أحلى مفاجأة على فكرة، من زمان وأنا نفسي أشوفك وأشوف خالي وباقي العيلة." أميرة، وهي ترفرف برموشها بخجل مصطنع:
"وأنت كمان والله وحشتني، علشان كده جيت أقعد معاك ومع عمتي كام يوم، وبعدين بابا هيبقى يحصلني." هنا ولم تستطع ليلة التحمل لتهتف بعصبية منادية إياه: "جلاااال... التفت إليها جلال بجانب وجهه مجيباً إياها ببرود أرسل القشعريرة في جسدها، لتسرع قائلة بتردد متلعثمة، وهي تتابع بعينيها تلك الوافدة: "أظن كان فيه موضوع مهم كانا بنتكلم فيه." قال جلال دون أن يلتفت لها بخشونة: "مش وقته يا ليلة.. وقت تاني هنتكلم."
هتفت أميرة وهي تمرر نظراتها فوق ليلة من أعلاها إلى أسفلها والعكس بأستعلاء، قائلة بسخرية مبطنة لم تلاحظها سوى ليلة: "بقى إنتي ليلة... إزيك يا حبيبتي." لم تجبها ليلة، بل وقفت تطالعها هي الأخرى بأستعلاء، تمرر عينيها فوقها هي الأخرى، تلاحظ شعرها الأسود الفاحم والموضوع فوقه حجابها يظهر من أسفله نصفه، وعيون مرسومة بالكحل الثقيل، أما فستانها زهري ذو قصة قصيرة لا تناسب الأعراف هنا، قبل أن توجه حديثها
مرة أخرى لجلال قائلة بحزم: "لأ أنا عاوزة أتكلم دلوقتي وحالاً.. مش هستنى لحظة واحدة بعد كده، والا... قطعت جملتها حين التفت إليها جلال بغتة، عيناه تتطاير بداخلها الشرر، سائلاً إياها بهدوء مفترس: "والا إيه يا ليلة؟ أحب أعرف اللي هتعمليه." نظرت ليلة متوترة ناحية أميرة، والتي رفعت لها حاجبها بتحدي، تسرع قائلة بارتباك: "نتكلم في أوضة المكتب أحسن."
لكن، وأمام عينيها المنصدمة، صدعت ضحكة جلال الساخرة وهو يجاهد للحديث بصعوبة، بعدها قائلاً: "إنتي شايفة كده؟ طب متخلينا هنا أحسن ويبقى وفرتي على نفسك المجهود." ليلة ووجهها قد أصبح محتقناً من سخريته منها بتلك الطريقة أمام الآخرين، لكنها قالت بحزم رغم ارتجاف صوتها: "لأ أوضة المكتب أحسن.. وياريت دلوقتي وفوراً."
خفض جلال رأسه مشيراً لها بطريقة مسرحية ساخرة ناحية غرفة المكتب أن تتقدمه، لتتحرك بخطوات ثابتة رغم ارتجاف ووهن جسدها، تشعر به خلفها إلا بعدة خطوات، بعد أن طلب من والدته أن تتبعهم هي الأخرى. دَلفت إلى غرفة المكتب سريعاً، يتبعها هو أيضاً، يتقدم بخطواته ناحية مكتبه، يجلس خلفه بهدوء وراحة، عاقداً كفيه أمام شفتيه، وهو يطالعها بنظرات متفحصة بطيئة، جعلتها تتملل في وقفتها من قدم إلى أخرى، للحظة تهتف به بتوتر:
"هتفضل ساكت كده كتير وقاعد تبصلي وخلاص.. اتكلم قول حاجة." لم يجيبها جلال، بل ضاقت نظراته فوقها أكثر، جالساً في مكانه كتمثال نحت على هذا الوضع، لتصرخ به تلك المرة بحدة وعنف: "متفتكرش إنك كده بتخوفني وإني هسكت.. لأ.. فوق يا جلال بيه، أنا ممكن... "اخرسي." كلمة واحدة خرجت منه بهدوء كحد السيف، وكان لها مفعول السحر عليها، إذ بهتت ملامحها على أثرها، تقف فاغرة الفاه وعيناها متسعة بصدمة، بينما يتراجع هو في مقعده للخلف،
يكمل بهدوء شديد أرعبها: "صوتك مسمعهوش.. وأظن كل اللي عندك قلتيه، يبقى تخرسي خالص وتسمعي وبس.. مفهوم؟ صرخ بكلمته الأخيرة بصوت جهوري غاضب، جعلها تشهق بفزعة وهو تغمض عينيها بشدة خوفاً منه، ليشعر بتسلل الندم إليه على فعلته هذه وقسوته تلك معها، لكنه أسرع بإزاحة ندمه هذا فوراً جانباً، يرتفع بدلاً عنه غضبه وحنقه منها سريعاً، يكمل بصوت خشن جاف: "اقعدي عندك، مسمعش ليكي صوت لحد ما أفهم إيه الموضوع بالظبط."
فتحت فمها لتجيب إياه مستنكرة، لكنها أسرعت تطبق شفتيها سريعاً حين هتف بها بغيظ: "قلت صوتك ميطلعش، واقعدي عندك زي ما قلت." تحرك من مكانها بأقدام مرتعشة، تجلس تحت أنظاره المراقبة لها بحدة، فوق المقعد المقابل له، في الوقت ذاته تقدمت قدرية إلى داخل الغرفة مرتجفة، تتبعها أميرة بخطوات واثقة، لتسرع قدرية قائلة بتوتر حين هم جلال بالحديث: "أميرة عندها كلمتين ليك يا جلال." جلال بحدة وعينه ترسل رسالة إلى والدته واضحة المعنى:
"مش وقته يا أمي، بعدين لما نخلص من موضوعنا ده الأول." تقدمت أميرة إلى الأمام ناحية المكتب تحت أنظار ليلة المتابعة بحيرة ما يجري، تتسع عيناها ذهولاً، حين قالت أميرة بثقة وصوت حازم: "ما هما الكلمتين بتوعي يبقوا بخصوص الموضوع ده بالذات يا جلال." *** "خلاص يا راغب، فهمت والله وحفظت الكلام، تحب حتى أسمعلك." أمدت يد راغب تصفع مؤخرة رأس المتحدث بقوة، جعلته يشهق بألم، بينما راغب ينهره بعنف قائلاً:
"بلاش غلاسة وركز كويس، أقل كلمة ممكن تضيعنا وتضيع كل اللي ناوي عليه." دفعه في جانب رأسه بغلظة، يكمل: "افهم يا غبي، هنا غير القاهرة، هنا الناس كلها عارفة بعضها، وأي غريب بيتعرف في ثانية، يعني كله لازم يخلص في يومها، وبعدها طيارة بره البلد، فهمت يا نسيم." حك نسيم رأسه قائلاً بتردد: "فهمت يا كبير، بس ااا... راغب زافراً بنفاذ صبر: "اخلص، عاوز تقول إيه؟ نسيم قد أخفض صوته تماماً، ينحني على أذن راغب قائلاً باهتمام:
"الجماعة اتصلوا من كام يوم بالوسيط وعاوزين باقي فلوسهم، وإنت عارف دول ملهومش صبر على حد." عقد راغب حاجبيه بشدة، يهمس هو الآخر بقلق: "عارف، بس هعمل إيه؟ الدنيا اتعقدت هنا على اللي كنت ناوي له، ده حتى أبويا مش طايق ليا كلمة بعد اللي حصل." نسيم مأنباً إياه بتردد وخشية قائلاً: "ليه حق يا راغب، حد يهبب اللي هببته ده، لأ وكمان رايح تعرفها بموضوع الأرض، ما كنت سبتها على عماها، وهو كنا عرفنا نطلع بمصلحة منه، الموضوع ده."
زفر راغب بضيق، ناظراً للبعيد قائلاً بصوت حانق: "أهو اللي حصل بقى.. أنا قلت لما أعرفها حقيقة جوازتها وألعب في دماغها شوية، وأنا راسم الطيبة والخوف عليها، هتبقى زي العجينة في إيدي ونخلص." جز فوق أسنانه، يلتفت ناحية نسيم، يكمل بغيظ: "بس بنت الـ... قامت تدور على المحروس بتاعها وتتحامى فيه، ومحستش بنفسها غير وأنا بدور فيها الضرب." لوى نسيم شفتيه، يهمس بأستهزاء: "هو كان ضرب بس يا راغب؟ ده إنت كنت هتاخدها غصب."
تلمعت عين راغب بشهوة، يضغط فوق شفتيه بأسنانه قائلاً: "آه يا نسيم، كنت خلاص ثواني وهتبقى ملكي، لولا الغبي أخويا هو والزفتة أختها وصلوا قبلها بثواني، بس آه لو كان حصل، كانت هتبقى سكة تانية لينا خالص نلعب بيها على كيفنا." طوح نسيم بيده في الهواء بعدم اهتمام، قائلاً بعدها: "اللي حصل حصل.. خلينا في فلوس الجماعة، هتجهزها إزاي؟ خصوصاً بعد حركة جدك ونص الأرض اللي ضاعت منك دي لبنات عمك." ضاقت عين راغب بتفكير،
تتلاعب أصابعه بطرف ذقنه: "كله حاجة وليها حل، بس نخلص الأول من اللي جبك علشانه، وساعتها اللعب هيبقى على المكشوف، ونبقى نشوف مين هينجدها بعدها مني." *** نهضت ليلة عن مقعدها صارخة بغضب هستيري، تلتفت إلى جلال الجالس بهدوء خلف مكتبه، تضرب سطحه بعنف قائلة: "يعني إيه الكلام ده؟ عاوز تفهمني إنك أول مرة تسمع وتعرف بلي عملته أمك؟ جلال وهو ما زال على هدوئه رغم ارتجاف عضلة في وجهه تبين عكس ما يظهر:
"ملككيش دعوة إن كنت أعرف ولا معرفش، وأظن إنك جاوبتي بنفسك على سؤالك ده من قبل حتى ما تسأليني فيه." جلست ليلة بإحباط مكانها تهتف ذاهلة: "يعني إنتوا بتخيروني، لتاخدوا الأرض مني، لتتجوز بنت خالك عليا." هنا تحدثت أميرة تضع قدماً فوق أخرى، قائلة بانتصار شماتة: "بالظبط كده يا حبيبتي، وأظن مفيش غلط في اللي قلته، مانتي عملتيه قبل كده."
جلال بحدة يهتف بها وهو ينهض عن مقعده متجهاً ناحية جلوسها هي وقدرية، وعيناه تلمع بنيران مستعيرة، تقع شرارتها فوق قدرية تحرقها، والتي جلست تفرك كفيها ببعضها بتوتر، تعلم علماً يقيناً أنها لن تمر بفعلتها مرور الكرام أبداً: "متتكلميش معاها كده قدامي.. كلامك معايا أنا... وخلاصة الكلام، أنا هشترى الأرض منك بضعف تمنها مرتين، وأظن كده إنتي الكسبانة." أميرة وهي تتراجع في مقعدها، قائلة بنعومة تتمطى بحروفها بإغراء وميوعة:
"وأنا بقولك استحالة.. دي فرصة وجاتلي على طبق من دهب.. ده حتى أبويا نفسه موافقني عليها."
عم الصمت أرجاء الغرفة، كان جلال وأميرة يتبادلان النظرات، تتحدث بالكثير والكثير، بينما جلست ليلة تتابع ما يجري بينهم بذهول، تشعر كأنها وقعت بين المطرقة والسندان، يوسوس لها شيطانها بكلمات كالاشواك داخل عقلها، بأن ما يحدث لم يكن سوى مسرحية هزلية وقعت هي ضحيتها، كان أول الممثلين في دورها الرئيسي هو جلال، وهي تراقب حديث العيون بينه وبين تلك الأفعى، لتدرك أن بينهم ما هو أكثر مما تظهره المظاهر بينهم، لذا وقفت على قدميها ببطء شديد، عيناها ببرودة الجليد،
قائلة بصوت لا حياة فيه: "مفيش داعي لكل ده... أنا موافقة تتجوزها وترجعلي أرضي بعدها." *** جلست قدرية في غرفتها بعد حين، وهي تبكي بهستيريا، تجلس بجانبها أميرة تربت فوق كتفها، قائلة بصوت رتيب تدير عينيها بملل: "ما خلاص بقى يا عمتي.. مانتي كنتي عارفة إنه ده اللي هيحصل، يعني كنت مستنية منه إيه بعد اللي عملتيه." قدرية بصوت متألم باكي:
"أنا كنت فاكرة إنه هيفرح، خصوصاً لما محولش يوضح لمقصوفة الرقبة دي إنه مكنش يعرف عن لعبتي حاجة، قلت بس ده ماشي معايا على الخط." تراجعت أميرة برأسها إلى خلف، تهتف بدهشة وتعجب: "نعم! بقى عاوزة تعملي كل اللي عملتيه ده ومن وراه، ومستنية منه يقولك برافو."
ارتجفت قدرية مدركة صدق حديثها، وهي تتذكر ما حدث تالياً، فبعد خروج ليلة فوراً بعد أن ألقت بقنبلتها غير عابئة بأحد، بينما وقف جلال مراقباً إياها ببرود دون أن يحاول إيقافها، ثم يلتفت ببطء إليهم، وقد تحول وجهه للنقيض تماماً، يهتف بهم بشراسة وعيون تشتعل بالغضب: "بقى كل ده تعملوه من ورايا؟ بترسموا وتخططوا ومستنين من الأهبل العبيط يوافقكم، مش كده؟ انتفضت قدرية مكانها حين تحول عنهم ناحية مكتب، يطوح بيده كل ما فوقه، صارخاً:
"أنا يتعمل معايا كده؟ لا ومن مين؟ من أمي." قدرية بصوت مرتعش تحاول امتصاص غضبه: "يبني، كنت بساعدك، كنت عاوزاه... التفت جلال إليها، يشير ناحية أميرة، والتي جلست تتابع ما يحدث بقلب مرتجف رعباً من حالته تلك، لكنها أظهرت الثبات فوق ملامحها، وهو يصرخ عالياً بحنق: "تساعديني بإيه؟ بإنك تكتبي الأرض لبنت أخوكي عشان تجبريني أتجوزها قصاد إنها ترجع الأرض لمراتي اللي ضحكتي عليها بتمثيلية وس...
قطع حديثه بغتة قبل إتمامه لفظه النابي، واضعاً يده في خصلات شعره، يجذبها بعنف وهو يدور في أرجاء الغرفة، يراقب كنمراً حبيساً يستعد لانقضاض عليهم في أي لحظة، حتى تحدثت قدرية بصوت مختنق ضعيف يظهر الانكسار به: "أنا عملت كده عشانك.. عشان مش دي اللي أتمنيتها لابني تبقى مراته.. مش دي اللي تبقى مرات الكبير، فاهم يا جلال، وإن كان على الأرض، مستعدة أخلي أميرة ترجعها لك وحالاً، بس متزعلش مني." التفت إليها جلال بعدم تصديق،
يسألها: "ببساطة كده؟ ترجعي الأرض وكل حاجة ترجع زي الأول؟ كأنك مولعتيش الدنيا؟ هنا وهبت أميرة واقفة، تهتف به بصوت حاولت إظهاره قوياً ثابتاً: "إنت بتكلمها كده ليه؟ مش ذنبها إن الست هانم مراتك مصدقتش إنك متعرفش حاجة وإنها مش لعبة منك عليها.. دي زي ما تكون ما صدقت تلاقيلك غلطة عشان تطلب الطلاق." تقدم منها جلال سريعاً وبخطوات غاضبة، تعصف في عينيه غريزة القتل في تلك اللحظة، يفح من بين أسنانه مما جعل أميرة
تتراجع للخلف برعب وهلع: "إنتي تخرسي خالص، ودقايق وتخفي من البيت خالص، ومشوفش وشك تاني." تمالكت أميرة نفسها سريعاً، ترسم ابتسامتها الناعمة، قائلة بخبث: "أمشي أروح فين يا روحي؟ مش هنا برضه هنعيش بعد الجواز." تجمد جلال بصدمة، يسألها: "إنتي مجنونة صح؟ جواز إيه اللي بتتكلمي عنه؟ اقتربت منه أميرة ببطء، تمد أناملها تتلاعب بأزرار قميصه، قائلة بدلال: "جوازنا يا قلبي.. اومال هرجعلك الأرض قصاد إيه." قدرية وجهها يزداد شحوباً:
"أميرة.. إنتي مش قولتي هترجعي الأرض وقت ما أطلب." التفتت أميرة إليها، تزداد اقتراباً من جلال، تضع رأسها بكل جرأة فوق صدر جلال، الذي تعالت أنفاسه نفوراً، قائلة: "آسفة يا عمتو، بس دي فرصة متتعوضش.. إني أبقى أميرة مرات جلال الصاوي، كبير عيلة الصاوي، ولا أبقى مرات أي واحد تاني ميسواش في عيلتنا اللي أغنى ما فيها شحات."
أمسكها جلال بقسوة من ذراعيها، غارزاً أظافره في لحمها، يدفعها عنه بعنف حتى كادت أن تسقط أرضاً، وعيناه تدور بينهم بذهول وعدم تصديق: "إنتوا أكيد اتجننتوا.. أوعوا تفتكروا إني هسيبكم تعدوا باللي عملتوه ده." تحرك مغادراً بخطوات عاصفة، ليتوقف مكانه فجأة، يلتفت ناحية قدرية مشيراً لها بسبابته، قائلاً بقسوة وشراسة:
"إنتي بقى تنسي إن ليكي ابن من هنا ورايح.. وحاضر، هنفذلك اللي طلبتيه.. فعلاً بنت أخوكي هي اللي تستاهلي تبقى مرات ابنك." ثم التفت يكمل خطواته مغادراً، لتنهار قدرية فور مغادرته، تبكي لأول مرة بدموع حقيقية منذ أمد طويل. *** خرجت قدرية من دوامة أفكارها، حين هتفت بها أميرة بقلق: "عمتي.. روحتي فين؟ أوعي تكوني رجعتي في كلامك وهترجعيني بيتنا عشان أتجوز المنيل ابن عمي." ضربت قدرية بعنف فوق ذراعها، تهتف بها وهي تزيل دموعها
المنسابة فوق وجنتها بحزم: "لمي لسانك يا بت، دي تبقى ابن أخويا برضه." لوت أميرة شفتيها من جانب إلى آخر بسخرية قائلة: "بلا نيلة، كلهم عالم مش لاقية تاكل.. أنا بقى نفسي أهرب منها عيشة الفقر دي وأبقى زيك كده هانم وسط دارها." هربت قدرية فوق كفها، تهتف بها بتأكيد: "هيتحصل يا عين عمتك، وبكرة تشوفي.. جلال مدام قال هيعملها يبقى هيعملها، وخصوصاً إن الخايبة أقصّرت علينا نص السكة بكلامها الدبش وشكها فيه."
ارتفعت أميرة من فوق مقعدها، تصفق بجزل، قائلة بفخر: "بس إيه رأيك فيا وأنا واقفة زي الأسد قدام ابنك وبقوله مفيش أرض هترجع إلا بجوازنا، وإنتي يا عيني عاملة فيها الطيبة الغلبانة اللي مفيش في إيديها حاجة." أخفضت صوتها قائلة بلوم: "ميعرفش إنك واخدة عليه ورقة ضد تخليكي توديني في داهية لو قلت بم بس ليكي." هتفت بها قدرية باستنكار وحدة: "لأ، كنت هسيبلك أرض تسوى ملايين الملايين يا عين أمك من غير ما أضمن حقي." أميرة
بابتسامة صفراء منافقة: "طبعاً حقك يا عمتي، وهو أنا قلت حاجة." لتكمل بعدها بحيرة: "بس ما قولتيش إنتي مخترتيش سلمى ليه؟ دي حتى تبقى بنت عمه ومن بيت عز، وإنتي طول عمرك عينك منها لجلال." قالت جملتها الأخيرة بحقد، وعيناها تلمع بغيرة لم تلاحظها قدرية، هي تشرُد للبعيد قائلة بأسف:
"آه والله، كان نفسي تكون هي مرات ابني، بس سلمى بقت كرت محروق، وبشخطة واحدة من جلال كانت هترجع كل حاجة ليه، ومش بعيد تفضحني، ده غير أبوها طبعاً مكنش هيسكت." التفتت إلى أميرة، والتي أسرعت بإخفاء مشاعرها سريعاً، وقدرية تقول بحزم: "وبعدين مانتي بنت أخويا برضه، وأولى من الغريبة، مش كده ولا إيه يا بت." أميرة بابتسامة ملتوية صفراء تخفي وراءها نوايا سوداء كقلبها:
"طبعاً يا عمتي، هو كنت أطول أتزوج كبير عيلة الصاوي، ده حاجة ولا كانت حتى في الأحلام." *** كانت تخرج ملابسها من داخل خزانتها، تدفعها داخل الحقيبة بعيون لا ترى شيئ من شدة دموعها المنهمرة، فلأول مرة في حياتي تتعرض لانكسار والإهانة بتلك الطريقة، حتى عندما زوجها جدها له بتلك الطريقة لم تشعر كما تشعر الآن، يتلعب عليها إحساسها بالخديعة، وبأنها كانت لقمة سائغة له ولأهله.
صرخت بداخلها بألم.. أكان يستحق منه الأمر كل هذا التخطيط وتعريضها لتلك المعاناة من أجل أرض، لو كان طلبها منها بنفسه ما ترددت ثانية أن تعطيه إياها، خاصاً بعد ما رأته منه من حنان ومراعاة في فترة مرضها، ولكن آآآه وألف آآآه، فقد كان كل هذا تمثيل وتخطيط منه لها.. لم يشعر اتجاهها ولو بذرة واحدة من الحب، قد رفعها للسموات السبع ثم خسف بها إلى أسفل السافلين، ينهيها ويعتصر قلبها دون رحمة أو شفقة، حين خيرها ما بين زواجه من أخرى أو رجوع حقها لها.
انفجرت الدموع تشهق معها بصوت متألم بشدة، ترمي ما بيدها أرضاً، ثم ترتمي بجسدها بعده، صارخة دون صوت يريحها، تتساءل.. ماذا كان ينتظر منها.. أكان ينتظر رفضها وتشبثها به، فتلفظ كرامتها أمام الجميع وهم يروا يأسها للاحتفاظ به.. أكان يتوقع أن تنحني على أقدامها تتشبث به خوفاً من أن تسرقه واحدة أخرى غيرها. أخذت تدور الأسئلة بداخلها كدوامة سوداء تبتلعها، حتى انتهى بها الأمر تسأل سؤال لم تستطع الفكاك منه:
"هل ما فعلته هو الصواب.. أكان تصرفها هو الصحيح فيما حدث.. أكان يستحق الأمر أن تحتمل كل هذه الآلام حين تخلت عنه لأخرى غيرها."
ظلت مكانها ترتمي أرضاً لوقت غير معلوم، حتى قررت استجماع شتات نفسها، تنهض واقفة بأقدام مرتعشة، تستأنف عملها السابق بوجه شاحب وعيون شديدة الاحمرار وحركات هامدة، حتى سمعت صوت فتح الباب، لتسرع برسم اللامبالاة فوق ملامحها، تتجاهل تقدمه البطيء للداخل، حتى توقفت خطواته أمامها تماماً، يسود الصمت التام، شعرت خلاله بتحديقه الثابت بها وهو يتابع حركاتها، ليصدح صوته الحاد بعدها صارخاً بها: "أقدر أعرف إيه اللي بتعمليه ده؟
تابعت ليلة عملها، لا تعيره اهتماماً، ليتقدم نحوها جاذباً إياها من ذراعها نحوه، مرتطمة بصدره بعنف، منحنا بوجهه نحوها، يفح من بين أنفاسه: "لما أكلمك تردي عليا.. إياك تتجاهليني مرة تانية." حدقت به بخيبة أمل، ترتفع ابتسامة ساخرة مريرة فوق شفتيها، هامسة: "أهلاً بجلال بيه الحقيقي.. طالت الغيبة والله."
تحركت عضلة بجانب فكه، كانت الدليل الوحيد على تأثره بحديثها، تومض تعبيرات وجهه بشيء لم تستطع تفسيره، اختفى سريعاً، ترتفع ستار البرودة فوق وجهه، هامساً هو الآخر: "بالظبط، جلال القديم ظهر.. ماهي واحدة زيك مستاهلة غيره.. وعلشان كده تردي عليا من غير كلام كتير." ليلة وعيناها تنطق بالتحدي: "راجعة بيت أهلي.. استحالة أقعد هنا ثانية واحدة مع ناس زيكم."
تراجع رأس جلال للخلف، ضاحكاً بصخب، جعلها تتوتر وتتملل بين ذراعه، وهي تراه يقترب بوجهه منها مرة أخرى، وعيناه ملتمعة بشدة، يسألها باستهزاء: "وفين بيت أهلك؟ الناس اللي فيه أحسن من هنا طبعاً.. نقول زي راغب مثلاً؟ شحب وجهها حين أتى على ذكره أمامها، يذكرها بكل لحظة سوداء مرت عليها بسبب ذلك الحيوان، لكنها أسرعت تتماسك، تقترب بوجهها منه أكثر بتحدي، تهتف بشراسة:
"أيوه زي راغب اللي ميجيش حاجة جنب أستاذ كبير زيك.. راغب اللي بفضله رجعت افتكرت أد إيه إنتوا ناس ماتتعشرش، وكنت هفضل على عمايا معاكم كتير." التزما كلاهما الصمت بعد حديثها ذاك، كانت عيناهما بنظراتها المتحدية الغاضبة أبلغ من أي حوار آخر بينهم، قبل أن يقول جلال بصوت خالٍ النبرات ووجه غاضب: "مدام إنتي شايفة كده يبقى...
تلمعت عيناه فجأة بنظرات تدركها جيداً، وهو يمررها ببطء فوق حنايا جسدها، متراجعاً إلى الخلف قليلاً، ليشعل نيران غير مرحب بها فوق كل مكان بجسدها، تستقر عينه فوقه، فترتفع غصة في حلقها، جعلت من الصعوبة عليها الحديث، وقد تسلل برد الخوف والتوتر إلى جسدها، فحاولت جذب نفسها من بين ذراعيه علها تنهي ما يحدث بينهم، لكنه تشبث أكثر بها، يقربها منه حتى أصبح لا يفصل بينهم سوى أنفاسهم المتصاعدة بوتيرة عالية، وهو يهمس بخشونة فوق شفتيها، وعيناه تراقب حركة
لسانها المضطربة فوقهم: "على فين؟ مش تستني يمكن أكون أستاذ عنه في حاجات تانية." رفعت عيون مصدومة إليه، ومعها كفها تنوي صفعه صفعة قاسية كقسوة كلماته لها، ولكنه كان أسرع منها، يمسك كفها قبل بلوغه وجهه، يلويه بقوة خلف ظهرها، ضاماً جسدها أكثر إليه، ليلتصق صدرها بصدره بشدة، لكنها أخذت تحاول التملص منه بيأس، بينما ينحني عليها، يبتسم ابتسامة شرسة ذئبية، قائلاً بصوت أجش: "فاكرة آخر مرة إيدك اتمدت عليا عاقبتك إزاي؟
ولا لحد هنا وذاكرتك وقفت؟ بس أنا بقى هفكرك." لم يمهلها لحظة سوى لالتقاط الأنفاس، ينقض على شفتيها، يقبلها بقسوة جعلتها تتأوه ألماً، لكنه لم يعيرها اهتماماً، يتراجع بها ناحية الفراش بخطوات متخبطة دون أن يفصم قبلتهم، حتى وصل أخيراً بها إلى الفراش، يلقيها فوقه، فاخذت تتراجع إلى الخلف بتعثر، وهي تهتف به محذرة بهلع: "عارف لو قربت مني ها... ها... صوت وألم عليك البيت."
لوى شفتيه بابتسامة ساخرة لم تصل لعينيه، ويده تزيح حقيبة ملابسها، تلقي بها أرضاً، قائلاً بصوت ثقيل: "ياريت.. ساعتها يمكن يفتكروا إني بربيكي من أول وجديد زي ما إنتي محتاجة فعلاً."
صرخت بقوة حين قبض فوق كاحلها بغتة، يجذبها منه ناحيته، حتى أصبحت تستلقي أمامه تماماً، يسد بجسده طريق الهروب أمامها، وفجأة أصبح فوقها، يمسك بذراعيها فوق رأسها، يراقبها بعينان كانت أكثر ما يخيفها فيه، تظهر نواياه بها، لتتسع عيونها جزعة، هامسة باسمه بتضرع دون إرادة منها، وعيناها يغشاها الدموع، تتطلع له برجاء، لتتوقف حركته كآلة نزع مقباسها، يقف متجمداً، صدره يتعالى بأنفاس متسارعة، تضيق قبضته أكثر فوق معصميها، في لحظات مرت عليها كالدهر، قبل أن تنحل قبضته شيئاً فشيئاً، يفرج عن نفسه، حاد متراجعاً عنها ببطء بنظرات مذعورة،
يهتف بصوت أجش مرتعش: "إنتي إيه.. عاوزة توصيلني لإيه.. عاوزة تثبتي ليا ولنفسك إني زي ما عقلك المريض مصورني ليكي.. أنا... صمت، يتجعد وجهه اشمئزاز، يكمل بخشونة: "أنا.. بقيت مقروف من نفسي ومنك، إنتي بقيتي بتطلعي أسوأ ما فيا.. أنا.." زفر بعنف، يدفع كفه بين خصلات شعره، يتلفت حوله كالتائه، ثم تحرك ناحية الباب بخطوات سريعة، تاركاً لها على الفراش كما تركها جسد ملقى بإهمال ووجه شاحب شحوب الموتى.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!