الفصل 14 | من 28 فصل

رواية وجع الهوى الفصل الرابع عشر 14 - بقلم ايمي نور

المشاهدات
16
كلمة
4,521
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 50%
حجم الخط: 18

دَلفت إلى داخل الغرفة بعد أن أفسحت لها قدرية الطريق، وما زالت تلك الابتسامة الملتوية مرتسمة فوق شفتيها. تابعت تقدم ليلة إلى الداخل، ثم أغلقت الباب قائلة بصوت متهكم ساخر: "نقول حمد لله على السلامة، ولا جاية علشان تسألي وأجاوبك؟ ليلة بهدوء، عكس ما تنمُّ به المشاعر بداخلها: "أنا افتكرت كل حاجة، مش محتاجة غير إجابة سؤال واحد.. وهو ليه؟ ليه ضحكتي عليا وأخدتي مني الأرض بالطريقة دي؟ صرخت قدرية بحنق وقد تشيطنت ملامحها قائلة:

"ليه! بقى مش عارفة ليه؟! بقالك تلات شهور وأكتر ذلّنا عشانها الأرض دي، ولسه بتسألي ليه؟ اقتربت من ليلة بخطوات غاضبة سريعة، تقف في مواجهتها تفح من بين أسنانها قائلة وعينيها تتراقص بجنون، مما جعل ليلة تتراجع بخوف إلى الخلف: "بس كده؟! من عنيا هقولك ليه.. علشان يا بنت صالحة، أنا معنديش النفس الطويل اللي عند جلال وطولة البال والخطط بتاعته. أنا بخطف الحاجة اللي عاوزاها، وبعدها يحصل إيه يحصل." ليلة بتردد وخشية: "تقصدي إيه؟

.. تقصدي إن جلال كمان... قدرية وقد لمعت عينيها بالخبث والشماتة: "آه.. أقصد اللي فهمتيه بالظبط. أومال كنتي فاكرة حاله اللي اتغير معاكي بين يوم وليلة ليه؟ إنه حبك وداب في هواكي مثلاً؟ نكزتها في صدرها تدفعها تكمل بقسوة:

"فوقي لنفسك يابنت صالحة، جلال مش بيحبك ولا عمره هيحبك. جلال أهم من الأرض عنده مفيش. اللعبة كانت مرسومة من الأول وبالمظبوط، هو يحنن ويدلع ويحب لحد ما توقعي، وأنا أجي أضرب ضربتي.. فهمتي ولا لسه عاوزاني أقول كمان؟ شعرت ليلة بالأرض تميد من تحت أقدامها، وجهها شاحب بشدة، عينيها تتجمد، الدموع لكنها حاولت التظاهر بالتماسك حين همست بضعف: "فهمت كل حاجة.. مش محتاجة كلام تاني."

قدرية وهي تتحرك ناحية الفراش تجلس عليه براحة وعينيها تتطلع إلى ليلة بسخرية قبل أن تقول مستهزئة: "طيب كويس إنك فهمتي، أصل بصراحة الموضوع 'مرات الابن والحما الطيبة' كان طول ومسخ أووي، ولا إيه رأيك؟ لم تجبها ليلة، بل تحركت ببطء ناحية الباب، تبغي المغادرة وقد أصبح جو الغرفة مثقلاً بالكراهية والحقد فيشعرها بالاختناق. لكن تأتي كلمات قدرية لها توقفها قبل بلوغها الباب بعدة إنشات، حين قالت بسخرية متهكمة:

"طبعاً هتروحي لجلال تعيطي له وتقوليلي رجعلي أرضي، مليش دعوة انتي وأمك ضحكتوا عليا وأنا عاوزة الأرض من تاني." ليلة دون أن تلتفت لها بصوت بارد لا حياة فيه: "وتفتكري ده ه يجيب نتيجة بعد كل اللي عملتوه وتعبتوا نفسكم عشان توصلوا له؟ قدرية ببرود هي الأخرى: "بصراحة لا، ومش هينوبك وقتها غير كرامتك اللي هتتهان بعد ما جلال يطلع عليكي القديم والجديد، ماهو مش سهل عليه اللي عمله برضه عشان يوصلك، ولا إيه؟

شعرت ليلة بكلماتها كطعنات تنخر في قلبها بقسوة تدميه بجراح مستحيل شفائها، وهي تعلمها بتلك القسوة ماذا كانت وما تزال بالنسبة له. لذا شعرت بعدم جدوى أي حديث معها. فتحت الباب بعنف ثم غادرت الغرفة بخطوات سريعة دون أن تلتفت ولو لثانية ناحيتها، بينما وقفت قدرية تتابع خروجها، تلك المرة بقلق دون أن توقفها، قائلة تحدث نفسها وهي تلوك جانب شفتيها بتوتر:

"ياخوفي منك يا بنت صالحة.. ياما نفسي المرة دي بالذات كرامتك هي اللي تفوز على عقلك زي كل مرة، ومتعرفيش جلال حاجة عن كلامنا ده." سرعان ما تحول حالها للنقيض، ترتسم تلك الابتسامة والتي تجعلها تحاكي الشيطان في شره وخبثه، قائلة: "بس هو أنا لسه هستنى وبقى تحت رحمتك تقولي ولا متقوليش؟ لاااا، دانا هضرب ضربتي وبسرعة، وصدقيني المرة دي ضربتي للقبر." *** "عجبك اللي عملته ده يا آخر صبري؟ .. أنا كنت عارف إنها مش هتعدي على خير."

صرخ علوان بتلك الكلمات الحانقة في وجهه راغب المستلقي فوق الفراش، تغطي الكدمات وجهه تماماً، فاتحاً عينيه بصعوبة من شدة تورمها وهو يحاول التركيز على حديث والده بعد دخوله العاصف عليه. لتهب فوزية والدته من مكانها بجواره هاتفة بحنق هي الأخرى: "ده وقته يا علوان، انت مش شايف حاله عامل إزاي؟ الصباح رباح، سيبه دلوقتي يرتاح." جز علوان على أسنانه غيظاً مقترباً منها صارخاً بعنف جعلها تتراجع إلى الخلف خشية منه ومن غضبه:

"انتي بذات اخرسي خالص.. وكفاية عملتك السودا بقى، تنزلي توطي على رجليين ابن الصاوي عشان يسيبلك المحروس ابنك؟ فوزية بخوف وتردد: "لا، كنت أسيبه يموت ابنك من الضرب عشان يعجبك. وبعدين ده كل اللي همك؟ مش همك اللي عمله راغب مع ليلة؟ هنا دوى صوت راغب الشرس مقاطعاً حديثهم وهو يعتدل في الفراش، متجاهلاً الآلام التي انتشرت في جسده من أثر تحركه المباغت هذا:

"خلاااص.. اسكتوا انتوا الاتنين، مش عاوز أسمع ولا كلمة منكم واطلعوا يلا وسيبوني، عاوز أرتاح." علوان مبتسماً بتهكم قائلاً: "أهو ده اللي انت فالح فيه، الشخط والنطر فيا وفي أمك. أنما قدام ابن الصاوي تبقى زي الفرخة الدايخة من خوفك منه." ثم تحرك من مكانه متوجهاً ناحية الباب يكمل بغيظ وحنق: "قومي يا ولية من هنا خلينا نروح نتخمد.. جتها نيلة اللي عاوزة خلف من صنفكم، إن كان انت ولا أخوك الخايب التاني."

غادر علوان الغرفة بخطوات سريعة غاضبة، تاركاً خلفه جو من التوتر جعل فوزية تلتفت إلى راغب الجالس ينظر بشرود بعد خروج والده العاصف، قائلة بتردد وخشية: "متزعلش يا راغب، انت عارف أبوك طول عمره... قاطعها راغب عن إكمال حديثها هاتفا بحدة: "روحي انتي كمان نامي يا أمي وسيبيني لوحدي شوية." هزت فوزية رأسها برفض قائلة: "لااا، أنام إيه؟ الدكتور قايل لازم حد يسهر معاك الليلة." راغب وقد كادت قدرته على التحمل توشك على النفاذ، قائلاً

بنفاذ صبر وحدة: "روحي يا أمي وسيبيني دلوقتي، وابقى تعالي بعدين." ترددت فوزية لوهلة تهم بالرفض مرة أخرى، ولكنها تراجعت حين رفع لها راغب وجهه الحانق ناحيتها، لتومئ له برأسها بعدها بخوف، ثم تغادر الغرفة بخطوات سريعة. ليسود الصمت الغرفة قبل أن يهمس راغب محدثاً نفسه بغل: "بقى كده يابن الصاوي، أنا يتعمل معايا كده وتخليني مهزقة؟ طب وحياة الغالية اللي بتتحامى فيك مني، لدفعك انت وهي التمن غالي وبزيادة."

تحرك مائلاً بصعوبة وألم ناحية الطاولة الصغيرة، يختطف من فوقها هاتفه يجرى اتصالاً من خلاله، منتظراً إجابة الطرف الآخر لعدة لحظات قبل أن يهتف بجدية به: "أيوه... هيكون مين يعني يا زفت. أيوه أنا راغب، صحصح معايا كده واسمع اللي هقولك عليه ده كويس وتنفذه بالحرف.. مفهوم؟ تمضي به اللحظات يملي من معه على الهاتف كلمات سريعة متجهمة، تلتمع عينيه بالشر والحقد كلما توغل في الحديث معه. ***

تَمَلَّلَ في نومه بعد شعوره بالبرودة وافتقاده الدفء المنبعث من جسدها من جواره، لتمتد يده بحثاً عنها، وهو يغالب النعاس. فيهب فزعاً يناديها حين شعر ببرودة الفراش بجانبها، عينه تجول باحثاً عنها بقلق في أرجاء الغرفة، قبل أن يتنهد براحة حين وجدها تجلس فوق الأريكة، عاقدة ركبتيها بذراعها، وهو تتطلع نحوه بنظرات غامضة. فيبتسم لها بنعاس قائلاً بصوت أجش من أثر النوم: "قاعدة عندك ليه في البرد كده؟ تعالي هنا في حضني أدفيكي."

لم تتحرك من مكانها، بل ظلت على وضعها بجلستها المتصلبة، وعيونها المستقرة فوقه بجمود. ليعقد حاجبيه بقلق ناهضاً من مكانه سريعاً متوجهاً ناحيتها، ثم يجلس على عقبيه أمامها. أنامله تتلاعب بأصابعها المنعقدة بقوة ببعضهم البعض قائلاً بحنان: "هنا برد عليكِ، تعالي نامي في السرير أحسن، وابقي فكري فيه إزاي ما تحبي."

لم يتلقى منها ردة فعل سوى أنها زادت من احتضان نفسها، وهي تلقي برأسها فوق ركبتها، مشيحة بوجهها للجانب الآخر بعيداً عنه. زفر جلال بقلة حيلة وهو يرى حالتها المتباعدة هذه عنه، يشعر بنفسه مقيداً لا يدري كيفية التصرف حتى يعيد لها ابتسامتها، والتي أصبحت تنير له الحياة بضيها وإشراقة الفرحة بعينيها. لينهض من مكانه جالساً بجوارها، ماداً أصابعه يبعد خصلات شعرها عن وجهها قائلاً بصوت حاول إظهار الحماس به:

"طيب إيه رأيك من بكرة آخدك ونروح مكان نقضي فيه يومين أنا وانتي بس؟ انتظر منها ردة فعل على حديثه، ليهتف بها قلقاً حين قابله الصمت مرة أخرى: "ليلة، انتي كده بتقلقيني وتخوفيني عليكي؟ أدارت وجهها، ترفعه ناحيته فجأة، تنظر له ضاغطة فوق شفتيها المرتجفة، تترقرق في عينيها الدموع وهي تسأله بصوت يأس متألم: "بجد يا جلال، قلقان عليا؟ بجد انت بتخاف عليا؟ جلال بنبرة خشنة قوية: "ياااه ياليلة، بقى بتسأليني أنا السؤال ده؟

دانا ما بخافش في حياتي على حد قدك.. انتي متعرفيش أنا حسيت بإيه لما جه في تفكيري إن ممكن الحيوان ده يكون آذاكي أو عمل فيكي حاجة.. انتي بقيتي روحي يا ليلة." أنهى كلماته فوق شفتيها وهو ينحني عليها يقبلها برقة، متذوقاً تلك الدموع المنهمرة فوقها، يهمس لها بشوق ولهفة ما بين كل قبلة وأخرى: "انتي روحي.. عقلي.. عيوني.. النفس اللي بتنفسه.. الدنيا وكل ما فيها ليا."

كانت تشعر بكلماته كأنها البلسم لجروحها، كانت مع كل قبلة منه يلقي بأوجاعها وأحزانها بعيداً، وهو ينحدر بقبلاته الناعمة نحو وجنتها، ثم بشرة عنقها الحساس، قبل أن تجد طريقها مرة أخرى لشفتيها، يخطفها بقبلة أضاعت منها الأنفاس، لتخدرها بين ذراعيه كالمغيبة من وهج المشاعر والأحاسيس المتدفقة بينهم، تستسلم تماماً له، حين رفعها بين ذراعيه بحنان متجهاً للفراش، يضعها فوقه برفق، وعينيه تحدق بها بعيون قاتمة من شدة الرغبة بها، ينحني عليها يقبلها بشغف، بادلته إياه دون لحظة تردد واحدة منها، تمتزج أنفاسه بأنفاسها، كان الوقت والعالم تلاشى بهما، ولا يبقى سوى جسديهما المتلاحمين عشقا، ليعيشوا داخل جنتهم الخاصة.

***

استلقى جلال على جانبه مستنداً برأسه فوق ذراعه فوق الوسادة، يتأملها في نومها بابتسامة رقيقة تتلاعب فوق شفتيه، وهو يمرر أنامله فوق ملامحها التي تفتنه رقتها ونعومتها، وهي نائمة كطفلة سعيدة هانئة البال. لتتسع ابتسامته حين نزلت أطراف أصابعه فوق شفتيها المتورمة من أثر ليلتهم العاصفة أمس، متذكراً كل تفاصيلها بدقة، جعلت من نيران جسده تشتعل مرة أخرى رغبة وشوقاً لها. يشعر بالحياة تدب في خلاياه كلما كان بقربها، فهي أصبحت كالإدمان بالنسبة له، أصبح يعشق وجودها في حياته، مستعداً لفعل أي شيء حتى لا يرى حزناً أو قلقاً داخل عينيها التي تسحره بروعة نظراتها التي تمتزج بها البراءة مع الكبرياء، ليصبحا مزيجاً لا مثيل له، لا يراه إلا معها فقط.

شعر بها تتملل بضعف من أثر ملامسته لها، تهمهم في نومها، ثم تعاود النوم مرة أخرى بشفاه منفردة بشق بسيط، فتجذبه إليها، ينحني فوقها يقبلها ببطء وتروٍ، يستمتع بكل لحظة بالقرب منها. للحظات مرت عليه كالنعيم، قبل أن تتحول طبيعة قبلاته لها لتصبح أكثر شغفاً وجموحاً، حين علم باستيقاظها وتنبأه له ولمساته الشغوفة بها، تبادله قبلات هي الأخرى، تتأوه بنعومة أذابته تماماً، تخطفه للنعيم لم يشعر به إلا بين ذراعيها ومعها.

كانت ليلة تعلم باستيقاظ جلال واستلقائه بجوارها منذ فترة، حولت خلالها التظاهر بالنوم برغم صعوبة فعل ذلك، هرباً من مواجهته في ضوء النهار، لعلمها بأنها لن تستطيع إخفاء مشاعرها وحيرتها طويلاً عنه. فليلة أمس استسلمت له بكل جوارحها، رغبة وهرباً منها بأن تشعر أن ما قالته والدته لها ليلة أمس لم يكن صحيحاً. تحدث نفسها بأن ما تراه منه من خوف ولهفة عليها هو الحقيقة، وكل ما عداها كذب وافتراء عليه، وأنه يشعر وله بالقليل من المشاعر لها، وأن ما تراه في عينيه هو معها هي الحقيقة ولا شيء آخر سواها. ولكن يأتي الصباح ومعه تأتي الظنون والشكوك كأنياب شرسة تنهشها بلا رحمة أو شفقة، جعلتها تخشى القادم من أيامها.

لكن حين بدأ في تقبيلها بتلك الطريقة، وأنفاسه الدافئة تلامس وجهها، فتسرى النيران في عروقها وشعور من المتعة ينتشر بجسدها، فلا تستطيع الهرب منها، تنسيها مرة أخرى العالم وما فيه، لا تتردد لحظة تبادله قبلاته بشغف شديد، تهرب إلى نعيم قربه مرة أخرى دون لحظة تفكير واحدة.

لكن رغماً عنها عاودتها أفكارها السوداء، بطرقات هادئة فوق باب خلايا عقلها، تجاهلتها في البداية هرباً منها، لكنها عاودت الطرق مرة أخرى، ولكن بإلحاح وعنف هذه المرة، لتخرجها من جنتهم قسراً، تجعلها تهمس له بضعف: "جلال، أنا عاوزة أتكلم معاك في حاجة...

جلال. هتف به في آخر جملتها حين لم تجد منه استجابة، فاخذت تحاول الهروب من إلحاح عاطفته والتي كادت تغرقها مرة أخرى تحت هجوم لمساته وشفتيه فوق بشرتها، تهتف منادية له بصوت أكثر حزماً رغم ارتجافه: "جلال... أنا عاوزة أكلم معاك في موضوع مهم جداً." رفع جلال وجهه إليها بعيون قاتمة من شدة عصف المشاعر بها، يهمس لها بصوت أجش مرتعش: "عيون جلال... انتي تأمري وجلال ينفذ." اتسعت عينيها تطالعه بذهول هامسة بارتجاف: "بجد يا جلال...

بجد أنا مهمة عندك كده؟ جلال وشفتيه تمس شفتيها بحنان قائلاً: "طبعاً يا فرحة قلب جلال... استحالة يكون عندي اللي أهم منك لو مين ما كان." ليلة بتردد وهي تلوك شفتيها رعباً من إجابته عليها: "حتى ولو كانت الأرض اللي اتجوزنا عشانها؟ شعرت بانسحابه وتوتر جسده فوق نطقها كلماتها تلك، مبتعداً عنها وقد تحول للنقيض تماماً عما كان بين أحضانها منذ لحظات، قائلاً بتوتر: "وإنتي عرفتي الكلام ده؟

فجأة لمعت عينيه بطريقة أخافتها، قاطعاً كلماته يكمل بدلاً منها بخشونة وشك: انتي رجعتلك الذاكرة وافتكرتي يا ليلة؟ أومأت له برأسها، ليسألها بتوتر وخشونة: "من إمتى ده حصل؟ لم تجبه، بل أخفضت عينيها بعيداً عنه، ليدفع بيده أسفل ذقنها رافعاً وجهها إليه، يعيد سؤاله ولكن بهدوء تلك المرة، لتجيبه بعد لحظة تردد بخفوت: "لما كنت في بيت أهلي، لما راغب حاول إنه...

ارتعشت بعنف حين تذكرت ليلتها تلك وما حدث معها فيها، ولم يكن حاله هو أيضاً بأفضل منها، وقد رأت توهج عينيه عنفاً وإجراماً حين أتت على ذكر راغب وما فعله. قائلاً وهو يضغط فوق أسنانه، يفح من بينها: "وياترى افتكرتي لوحدك ولا بمساعدة حد؟ للمرة الثانية تخفض عينيها عنه، ليزفر بقوة هامساً بخشونة: "كده فهمت... علشان كده حالك متغير من وقتها، والموضوع مكنش من صدمة اللي حصل من راغب، مش كده يا ليلة؟

حين قابل سؤاله الصمت، أجاب عليه، أومأ برأسه ببطء، ثم فجأة تحرك من الفراش مغادراً متوجهاً إلى الحمام بخطوات سريعة، يغلق الباب خلفه بهدوء شديد، جعلها ترتجف خشية أكثر مما لو كان دفعه بعنف، لعلها تعلم منه ما يدور بداخله من أفكار. مر الوقت، ظلت مكانها خلاله تنتظر خروجه، وقد أجرت حديثاً عنيف اللهجة مع نفسها، تنهرها لضعفها وما تشعر به من توتر انتظاراً لردة فعله، تتساءل بحنق: لماذا كل هذا، وهي من معها الحق هنا؟

هي من تم التلاعب بها وبعواطفها من أجل وصولهم إلى هدفهم دون مراعاة لها ولا لمشاعرها، لذا اتخذت قرارها ولا رجعة فيه بأنها سوف تجري هذا الحديث معه، وقد طال انتظارها حدوثه ولا تراجع عنه بعد الآن. خرجت من أفكارها على صوت فتح الباب، ثم يخرج منه يلف خصره بمنشفة، متوجهاً إلى خزانته يخرج منها ملابسه دون أن يلتفت إليها، لتظل تراقبه للحظات بعيون منتبهة لأقل حركة منه، قبل أن تناديه بصوت خافت، فيلتفت إليها ببطء، لتكمل قائلة:

"عاوزة أتكلم معاك... في حاجات كتير لازم أفهمها ولازم نتكلم فيها." لمعت عيناه بمشاعر لم تستطع التعرف عليها إلا من لمحة ألم، سرعان ما اختفت قبل أن تتبينها، كأنها سراب، قبل أن يعود باهتمامه إلى ملابسه، يكمل ارتدائها قائلاً بصوت خالٍ من التعبير: "حاضر يا ليلة... اللي تشوفيه. مدام شايفة إنك محتاجة الكلام في اللي فات.. فحاضر."

شعرت بالذنب، وكأنها قامت بإهانته، ما هذا الإحساس بعدم الراحة الذي أخذ ينغزها بقسوة بعد حديثه هذا لها؟ ما الخطأ فيما قالته، فهي تحتاج لإجابات ويجب أن تحصل عليها. مرت لحظات صامتة بينهم، كأنها الهدوء الذي يسبق العاصفة، حتى تعالت الدقات فوق باب الغرفة، فهمت بالنهوض لفتح الباب، ليشير إليها جلال بالتوقف بحزم، ثم يتوجه هو ناحية الباب يفتحه، ليطالعه وجه نجية المرتبك، قائلة بلهث: "سيدي جلال...

الست قدرية عاوزاك تحت ضروري وبتقولك لازم تنزل لها حالا." أومأ جلال قائلاً بهدوء: "طيب انزلي انتي يا نجية وقولي لها أنا نازل حالا." هزت نجية رأسها بالموافقة مغادرة، ليلتفت جلال إلى ليلة بوجهه، قائلاً بهدوء: "أنا هنزل أشوف إيه.. وانتي جهزي وحصيني."

ثم غادر فوراً، يغلق الباب خلفه دون أن يمهلها الفرصة للإجابة. تقف مكانها للحظات مترددة، خائفة مما هو قادم، لكنها نفضت عنها أي مشاعر سلبية، تتجه بعزم ناحية الحمام استعداداً للمواجهة القادمة. *** نزلت الدرج بهدوء، ثم تتجه ناحية غرفة المكتب، ليوقفها صوت نجية وقد كانت تقف أسفل الدرج، قائلة بسرعة: "ست ليلة.. سيدي جلال في أوضة السفرة مش في المكتب، وهو مستنيكي هناك."

ابتسمت لها ليلة بضعف، قبل أن تتوجه ناحية غرفة السفرة، تهم بدخولها، حين استوقفها صوت جلال الغاضب قائلاً: "طيب وده ينفع يا أمي؟ أنا مش قلت محدش يكلمها في حاجة، وأنا هفهمها بطريقتي." قدرية بصوت خافت متردد: "طب وكنت عاوزني أعمل إيه؟ هي اللي جاتلي عاوزة تتكلم، وكانت عارفة كل حاجة، وأنا مقلتش حل غير أقولها الحقيقة." زفر جلال بغضب يهتف بها: "دلوقتي هتعندي؟

وقليل أما عملت لنا فضيحة في البلد كلها، مانت عارفة إنها رافضة الموضوع كله من الأساس، انت كده هديتي كل اللي عملناه." هنا، ولم تحتمل ليلة الاستماع للمزيد، وقد وضحت لها الصورة تماماً دون الحاجة لأي حديث معه، لتندفع إلى داخل الغرفة كالعاصفة، تصرخ بغضب أعمى وغل:

"متخافش يا جلال بيه، مفيش فضايح ولا حاجة. رجعلي أرضي وصدقني مش هبقى على ذمتك لحظة واحدة بعدها.. إلا والله لأفضحكم في البلد كلها وأقول إنك سرقت مراتك وكنت طمعان فيها وفي مالها، وبرضه هطلق منك بعدها، بس بعد ما أكون فضحتك." توقفت عن الحديث، تتطلع في عينيه المذهولة بعيون جاحدة مغلولة، لا ترى شيئاً مما حولها، ولا حتى قدرية، والتي وقفت تتابع الموقف بابتسامة منتصرة شامتة. حتى هتف جلال بها مذهولاً ووجهه شاحب:

"انتي بتقولي إيه.. انتي اتجننتي؟ بقى بتقوليلى أنا الكلام ده ياليلة؟ ليلة بغل وحقد أعمى، وقد تحفزت كل خلية في جسدها، صارخة: "أيوه بقولك كده يا جلال بيه.. إيه؟ كنت فاكر إني هفضل عمياء وعايشة في بحر العسل اللي نيمتني فيه على طول." صرخت تكمل بصوت وصل لعنان السماء: "اصحى يا جلال بيه وفوق لعبتك، انت والست الوالدة، انكشفت خلاص، والأرض اللي أخدتوها منى بلعبتكم الوسخة دي هترجع يعني هترجع."

تطلع جلال فيها بعيون عاصفة، لا تظهر على وجهه أي ردة فعل لكلامها للحظات. وقفت فيها تنهت بعنف، وهي تبادله النظرات بتحدٍ وغضب. ثم فصم نظراته عنها، يلتفت إلى والدته يسألها بهدوء شديد، يدرك من يعرفه بأنه أشد خطورة في حالته هذه عنه في غضبه الشديد: "ليلة بتتكلم عن إيه بالظبط يا أمي؟ همهمت قدرية بتردد، قبل أن تقاطعها ليلة، تتجه بالكلام له بعنف وغضب: "انت بتسألها كأنك متعرفش حاجة.. لسه عاوز تكمل كذبتكم لآخر....

فاكر إني لسه عبيطة وهصدق... "انتي اخرسي خالص ومش عاوز أسمع ليكي صوت لحد ما أخلص خالص وأفضالك. فاهمة؟ فزت ليلة فزعاً حين صرخ بها بتلك الطريقة، تراه على حالته، والتي رأته عليها لأول مرة في منزل ذويها بعد علمه بفعلة راغب الدنيئة معها، وقد انتفخت عروق رقبته، تلتمع عينيه بالوحشية، ووجهه محتقن بدماء الغضب، ولكن هذه المرة كان كل هذا موجهاً لها، لتصمت فوراً، وقد أرهبتها حالته هذه. تراه يلتفت إلى والدته قائلاً

بصوت حاد وغضب مكبوت: "أمي تعالي معايا على المكتب حالا." تحرك متوجهاً للباب، يمر بجوار ليلة يدفعها بكتفه في كتفها، متجاوزاً إياه كالعاصفة، قبل أن يتوقف بغتة قبل بلوغه الباب، قائلاً بصوت عاصف موجهاً حديثه لها هذه المرة: "وانتي كمان حصيني المكتب حالا، وإياكي تتأخري."

وقفت مكانها ذاهلة للحظات، تمر بجوارها قدرية بخطوات بطيئة، تبتسم ابتسامة مغيظة لا تليق لحالتها قبل قليل أمام جلال، بصلة تغادر هي الأخرى الغرفة. بينما وقفت ليلة مكانها بأقدام ثقيلة وجسد متجمد، تسري البرودة في عروقها شاحبة شحوب الموتى، حتى وصل إلى مسامعها جلبة شديدة بالخارج، جعلتها تخرج من حالتها هذه، تتحرك مغادرة هي الأخرى الغرفة بخطوات هامدة بطيئة، تتوقف مكانها متسعة عيونها وهي ترى تلك الوافدة الجديدة، والتي وقفت في

وسط البهو، تستقبلها قدرية بفرحة شديدة وهي تمهرها بالقبلات والأحضان. فتلتفت ليلة ناحية جلال الواقف بجوار غرفة مكتبه، مستنداً فوق إطاره، وجهه قاتم وعينيه تتبادل النظرات مع تلك الغريبة، والتي انسحبت من بين ذراعي قدرية، موجهة حديثها إلى جلال، قائلة بدلال وعيونها

تتراقص رموشها بغنج: "إيه يا جلال مش هتيجي تسلم عليا وتقولي حمدلله على السلامة؟ لم يتحرك جلال، بل ظل مكانه، يتبادل هو وتلك الغريبة النظرات غير المقروءة لها. شعرت ليلة معها بأن هناك الكثير والكثير خلف نظراتهم تلك، وأن قدوم تلك الزائرة لن يمر مرور الكرام في هذا المنزل أبداً.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...