بعد منتصف الليل جلست أميرة فوق الفراش تضحك بسعادة وعيونها المنبهرة تتطلع في أرجاء الغرفة وهي تتحدث في هاتفها قائلاً: "اسكتي ياما على العز اللي بنتك فيه... هنا ياما هنا." صمتت للحظة تستمع لطرف الآخر عاقدة حاجبيها بتركيز تهتف بعدها: "لا... وأنا أعرف منين؟ هو رمى لي أنا وعمتي الكلمتين واختفى... ومن بعدها مشفتهوش لهو ولا المحروسة مراته." توترت ملامحها تهمس بانزعاج: "تفتكري إنه يعملها؟
عادت تكمل فوراً تقنع نفسها قبل أن يكون إقناعاً للطرف الآخر: "لا متخافيش... هو خلاص سلم ووافق... وبعدين ماكنش قدامه حل غير كده... لا لا متخافيش عمتي مظبطة كل حاجة وبنتك أخيراً هتعيش وتاخد على وش الدنيا." قطع حديثها طرقات هادئة فوق بابها لترتفع الحيرة فوق ملامحها وهي تتطلع إلى الباب قبل أن تعاود التحدث في الهاتف هامسة باستعجال وهي تنهض من مكانها متوجهة ناحية الباب: "بقولك إيه ياما اقفلي دلوقتي وهكلمك بعدين...
أصل فيه حد على الباب هشوف مين وأرجع لك." أغلقت هاتفها بينما تمتد يدها لمقبض الباب وهي تسأل بقلق وحيرة عن هوية الطارق في مثل تلك الساعة فيجيبها الصمت من الطرف الآخر لتقف مكانها بحيرة تلوك شفتيها قلقاً حتى تغلب فضولها أخيراً عليها حين عاود الطرق مرة أخرى ولكن هذه المرة بإصرار لتحسم أمرها وتفتح الباب فوراً.
فتتسع عيونها ذهولاً وصدمة وتتراقص أمارات الخوف والقلق فوق ملامحها حين رأت أمامها آخر شخص تتوقع حضوره إليها في تلك الساعة وهو يقف مستنداً فوق إطار الباب بارتخاء وراحة تتراقص ابتسامة ساخرة فوق شفته القاسية ليزحف الشحوب إلى وجهها تزيده البرودة المنبعثة من عينيه لها جاعلة دمائها تتسرى في عروقها كسقيط تشعر وكأنه زحف الموت إليها ببطء شديد. ***
لا تدري كيف مر عليها اليوم فبعد خروجه العاصف من الغرفة ظلت مكانها فوق الفراش تطالع السقف بعيون شاردة متألمة لا تعلم كيف لها أن تتصرف. أ تذهب إلى منزل ذويها كما نوت منذ البداية وتتجاهل شعورها بالخوف من راغب وما يستطيع فعله بها خاصة بعد خروجها عن حماية جلال لها. أم تظل هنا تشهد بعينيها كرامتها المهدرة ونظرة الانتصار في أعين الجميع لها بعد أن يعلم الجميع ما حدث معها وكيف تم استغلال سذاجتها.
تظل على حيرتها حتى بعد حضور حبيبة إليها ومحاولتها الاستفهام منها عما حدث وكيف أصبحت ابنة خالها هي الزوجة المنتظرة لجلال. لكن استقبلت ليلة جميع أسئلتها وحيرتها بالصمت والسكون التام. لا تجيبها بحرف واحد تجلس شاردة باهتة الملامح حتى استسلمت حبيبة تزفر بحيرة وهي تغادر الغرفة تاركة ليلة مكانها كتمثال قديم من حجر. بعد فشل جميع محاولات حبيبة المتكررة لإخراجها عن صمتها هذا.
حتى تعدت الساعة الثالثة بعد منتصف الليل وهي ما تزال على جلستها هذه بعد أن بدلت ملابس النوم إعلاناً منها باستلامها ومكوثها هنا حتى إشعار آخر. تتأكلها الأفكار حتى شعرت بثقل عيونها وزحف النوم إليها وقد حاولت مقاومته كثيراً لكنه تغلب عليها أخيراً متكاتفاً معه إرهاقها وإجهادها طوال اليوم ليسقط جسدها المرهق فوق الأريكة تغيب عن العالم تماماً.
فلا تشعر بشيء عن دخوله الهادئ إلى الغرفة ولا وقوفه بصمت عدة لحظات يتطلع إليها بنظرات لا تقرأ للحظات طوال. حتى تقدم منها ينحني على عقبيه أمامها متأملاً وجهها عن قرب يلاحظ علامات الإجهاد فوقه وشحوبه الشديد. ليهاجمه شعور من عدم الرضا عن رؤيته لحالتها هذه يزعجه بقوة زافراً بحدة لعله يمحو شعوره ذاك قبل أن ينحني عليها يرفع جسدها بين ذراعيه برقة متجها بها ناحية الفراش بخطوات هادئة خوفاً من استيقاظها.
لكنها ظلت مغلفة داخل شرنقة النوم لا تشعر شيئاً مما يجري حتى بعد أن وضعها في فراشهم بحنان ثم يغيب عنها للحظات يعود بعدها إلى الفراش ببنطال نومه وصدره عارٍ يستلقي بجوارها بهدوء يتتطلع إلى ملامحها وأنامله تتلاعب بخصلات شعرها يبعدها عن وجهها قبل أن يجذب جسدها إليه بهدوء يقربها منه يزيد من ضمها إليه وهو يغمض عينيه بإرهاق مستسلماً لسلطان النوم سريعاً.
استيقظت صباحاً تفتح عينيها سريعاً بإدراك تتسع بصدمة حين وقعت نظراتها فوق عضلات معدته والتي كانت يدها تقوم بتحسسها باستنتاع قبل قليل. شاهقة بفزع وهي تحاول التحرك مبتعدة عن جسده لطرف الفراش لكنها فشلت فشلاً ذريعاً حين قبض بيده على معصمها يجذبها إليه لتستلقي فوقه بنصفها العلوي وصوته الأجش من أثر النوم يصل إليها ساخراً: "على فين يا مراتي يا حلوة يا مؤدبة كده على الصبح... إيه شفتي عفريت؟
رفعت ليلة عينيها إليه تتطلع إليها بتوتر وقلق وهي ما تزال تحاول الابتعاد عنه بحركات هوجاء قائلة: "سيبني خليني أقوم... إنت ماسكني ليه كده... وبعدين مين اللي جابني هنا جنبك؟ أحاطها جلال بذراعه الآخر من خصرها يضمها أكثر قائلاً بهدوء غير مبالٍ متجاهلاً محاولتها الفكاك منه: "هيكون مين يعني... إنتي بنفسك اللي جيتي الفجر وقلقتي منامي ونمتي جنبي بالشكل اللي شوفتيه ده حتى معرفتش أبعد عنك طول الليل من تكتيفك ليا."
كانت ليلة تطالعه بذهول عينيها متسعة يظهر عدم تصديقها له فيهما. لكن تمالكت نفسها سريعاً تهمس بصوت مرتعش متوتر وقد بدأ يزحف دفء جسده إليها كنار لاهبة من خلال كفيها المستقرتين فوق صدره قائلة بتلعثم رغم محاولتها إظهار التماسك: "طيب... أنا آسفة... ممكن... بقى تسبني أقوم." هز جلال كتفه يهمس بابتسامة متلاعبة فوق شفتيه: "اتفضلي... أنا مش ماسك فيكي على فكرة."
توترت ليلة تشعر بالخجل الشديد حين وجدت صدق حديثه فقد اختفى ذراعه من حول خصرها ليصبح فجأة خلف رأسه براحة لا تعلم متى حدث ذلك. بينما وهي من تستلقي فوقه بجسدها دون أي تمسك بها من ناحيته لتنهض سريعاً بارتباك مبتعدة عنه ثم تغادر الفراش بلهفة كادت أن تسقطها أرضاً تتجه بخطوات سريعة ناحية الحمام. ولكن وقبل بلوغها إياه نداها صوته الناعس غير مبالٍ وهو يعاود النوم على جانبه: "لما تخلصي حمامك صحيني... عشان أقوم أنا كمان أستعد...
يدوب ألحق أسافر أنا وأميرة بلدهم عشان أكلم خالي في موضوع جوازنا." وقفت مكانها كمن ضربتها صاعقة تضربها كلماته في مقتل تسحب منها روحها بعيداً عن جسدها. فكل حرف كان يخرج من شفتيه صب في آذانها كالمعدن المنصهر يثقل جسدها فتصبح جسداً هامداً بلا روح إلا من شفتيها والتي أخذت تحاول التحرك بلا صوت تشعر بها ثقيلة كباقي جسدها حتى خرجت أخيراً منها كلمة واحدة كصرخة متألمة: "هتتجوزها؟!
اعتدل جلال في الفراش على ظهره مرة أخرى ينظر إليها ببطء وعينه تلتمع بشراسة قائلاً بقسوة: "وليه لا... على ما أظن ده كان بموافقتك امبارح... ولا أنا غلطان؟
وقفت مكانها لا تدري بأي كلمات تجيبه تتلعثم الحروف داخل جوفها دون أن يخرج منهم شيئاً للنور. فقد ظنت ليلة أمس حين عرضت عليهم ابنة خاله ذلك الأمر أنه بمثابة شرط تعجيزي منهم لها حتى ترضى بما حدث وتصمت في مقابل احتفاظها به. ليأتي كلامه لها الآن ليمحو ظنها هذا تماماً فتتكسر إلى شظايا. حين عاود الاعتدال مرة أخرى على جانبه يغمض عينه وهو يكمل بصوت خشن جاف: "يوم كتب الكتاب أرضك هترجعلك... وأظن كده أبقى نفذت طلبك."
ليله بصوت خرج أخيراً من بين شفتيها تهمس برجاء منكسر رغماً عنها: "بس أنا مش عايزة الأرض... أنا عايزة أنت." لم يتحرك جلال أبداً كانها لم تنطق بشيء بل ظل مكانه مغمض العينين لا يظهر عليه أي ردة فعل بأنه استمع لها. فتعلم أنها قد همستها لنفسها كأن كرامتها ما تزال لها السلطة العليا على جسدها تتحكم به دون رحمة أو شفقة به. ***
جلست قدرية في صحن الدار تتناول فنجان قهوتها الصباحي بمتعة وتلذذ. بينما نزلت حبيبة تقترب منها حتى وقفت أمامها غاضبة هاتفة بحدة: "ارتحتي لما عملتي اللي في دماغك مش كده يا ما قدرية؟ وهي ما تزال تستلذ بطعم قهوتها محركة شفتيها باستمتاع قائلة بعدها بهدوء: "أيوه يا قلب أمك ارتحت... ولسه هرتاح أكتر لما الجوازة تتم." حبيبة بذهول وصدمة: "طيب ليه؟ عملتلك إيه الغلبانة دي عشان تعملي فيها كده؟ ما الأرض رجعتلك عايزة إيه تاني؟
وضعت قدرية فنجان قهوتها فوق الطاولة تهتف بحدة وعصبية تتخلى عن هدوئها: "عايزة مرات ابن تملي عيني قبل عينه هو... مرات ابن نقاوة عيني ليه... عيلة المغربي خطفت مني الحاجة اللي أي أم تتمناها... إنها تختار وتنقي عروسة ابنها ليا." وقفت حبيبة تتطلع إليها بذهول تهمس: "وأميرة بقى هي دي مرات الابن اللي تملي عينك وتعجبك؟ تراجعت قدرية في مقعدها تهتف بحزم واصرار:
"أيوه يا حبيبة أميرة هي اللي تملي عيني وهتبقى مرات أخوكي غصب عن الكل." صرخت قدرية بجملتها الأخيرة لتتسمر خطوات سلمى وزاهية فوق الدرج بصدمة حين وصلهم صوت قدرية الغاضب. فتسرع سلمى بالنزول سريعاً بعدها فتتبعها زاهية هي الأخرى تسأل بصوت مرتعش مصدوم: "مين دي اللي بتكلموا عنها... مين دي اللي هتبقى مرات جلال؟ عم الصمت أرجاء المكان لا يجيبها أحد لتهتف زاهية هي الأخرى: "هو جلال هيتجوز تاني... مين يا قدرية قولي."
لم تجبهم قدرية بل ظلت محتفظة بصمتها لتتحدث حبيبة وهي تتطلع إلى والدتها بخيبة أمل قائلة: "قوليلهم مين هي عروسة جلال... ولا تحبي أقول أنا؟ هتفت سلمى وزاهية في وقت واحد يطالبن بإجابة لتلتف لهما حبيبة ببطء قائلة: "أميرة... أميرة بنت خالي حسن... هي العروسة اللي اختارتها أمي لجلال." وقفت زاهية فاغرة فاها بذهول وصدمة. أما سلمى فقد كان حالها كمن تلبسه الجنون تفح من بين أسنانها صارخة: "أميرة مين اللي تبقى مرات جلال؟
دانا أصورلكم قتيل هنا." ثم أسرعت ناحية الدرج تصعده سريعاً متجاهلة كل ندات الجميع لها. وقد كانت فكرة واحدة تسيطر عليها التخلص من تلك الدخيلة مهما كان الثمن. *** وقفت مكانها تراقبه للحظات أخذت فيها تستجمع شجاعتها حتى استطاعت أخيراً النطق قائلة بصوت خرج منها مرتجفاً: "بس أنا مش موافقة إنك تتجوز عليا يا جلال."
ظلت واقفة تفرك كفيها بتوتر في انتظار إجابته على ما قالته له فتأتيها الإجابة في صورة اهتزاز جسده الشديد لتعقد حاجبيها بقلق وتوتر للحظة راقبته فيها قبل أن تصدح ضحكته الرجولية الساخرة داخل الغرفة. ينهض سريعاً على قدميه متجهاً ناحيتها ليزداد توترها حين توقفت ضحكته ينحني نحوها فجأة بوجهه وعينيه الشرسة يسألها بصوت حاد رغم سخريته: "بتقولي إيه يا روح جلال... سمعيني كده تاني."
حاولت ليلة ترطيب شفتها قبل أن تعاود التحدث مرة أخرى بقلب يرتجف خوفاً وهي تكرر كلماتها السابقة تتوقع إجابة ساخرة أخرى منه. لكنها شهقت فزعة حين أحاطها بذراعه من خصرها يجذبها بعنف إلى صدره منحنياً عليها حتى امتزحت أنفاسهم يهمس لها وعينيه تتطلع إلى شفتيها: "ليه مش عايزة أرضك ترجعلك؟!
هزت رأسها كمغيبة له بالنفي ليزداد هو اقتراباً من شفتيها تظهر نوايا في بريق الشغف بها في عينه. فتغمض عينيها دون إرادة منها شوقاً ولهفة له ولتلك اللحظة. لكن طال انتظارها لها حتى شعرت بابتعد أنفاسه عنها وانسحابه بعيد لتفتح عينيها ببطء تتطلع إليه بارتباك وهي تراه يقف بوجه جامد وعينه تختفي منها نظرتها الشغوف تماماً تحل مكانها برودة بعثت الرجفة في أوصالها قائلاً بقسوة ساخراً: "بس أنا بقى لازم أرجعها لك...
وإلا تفضحيني في البلد وتقولي... انجووني يا خلق جلال سرقني وأخد مني أرضي مش كده ولا إيه يا ليلة." شحب وجهها ترتجف بشدة ترتفع الغصة في حلقها وهي تسمعه يلقي بكلماتها السابقة له في وجهها مرة أخرى فلا تستطيع الدفاع عن نفسها وإنكار تلك الكلمات. فيسود الصمت بينهم يتطلع كل منهم إلى الآخر للحظات طوال حتى تعالت صوت صرخات عالية وأصوات متداخلة ليهرع جلال إلى الخارج فوراً. ***
وصل جلال إلى مكان آتية منه تلك الأصوات ولم يكن سوى غرفة أميرة وتتبعه ليلة والتي وقفت أمام بابها تتطلع إلى ذلك المشهد المتمثل أمامها بذهول شديد وهي ترى تجمع نساء العائلة حول الفراش ويحاولون جذب سلمى الجاثمة فوق أميرة وهي تكيل لها الضربات من كل حدب وصوب. ثم تكللها بجذبها لخصلات شعرها حتى كادت أن تقتلعها. وأميرة بلا حول ولا قوة بين يديها تتعالى صرخاتها العنيفة المتألمة. حتى اندفع جلال أخيراً بينهم ويقوم هو برفع سلمى عن أميرة بقوة قاومت بها سلمى وهي تحاول التملص من بين ذراعيه المقيدة
لها تصرخ بغضب وثورة عارمة: "سيبوني... لازم أطلع روحها الحرباية دي كمان... إيه خلاص الرجالة خلصت من الدنيا ومبقاش غير جلال." عقبت كلماتها تحاول التملص مرة أخرى مندفعة اتجاه أميرة التي صرخت برعب مستنجدة بجلال: "الحقي يا جلال... المجنونة دي هتموتني... الحقني."
سكنت حركة سلمى تماماً تلتفت إلى جلال ببطء وعينيها ما تزال تتراقص بجنون. ولكن ارتجاف شفتيها الباكي ناقضه ليرخي جلال قبضته من حولها حين رأى عودتها إلى رشدها يتراجع إلى الخلف وهو يتطلع إلى الجميع بعيون صارمة ووجهه محتقن بالغضب رغم هدوء نبراته: "والله عال يا حريم عيلة الصاوي... بقيتوا حاجة تفرح بصحيح... خناق وضرب تلاقي... مؤامرات وشغل تلات ورقات تلاقي... ولا كأن ليكم حاكم ولا كبير."
حاولت سلمى التحدث برجاء وصوت مستعطف تناديه لكنه قاطع حديثها صارخاً بعنف: "مش عايز أسمع حاجة من حد... الظاهر إني سبت الحبل ورخيته لكم على الآخر... لحد ما نسيته إن البيت ده ليه كبير." التفت يدير أنظاره الحادة بين وجوههم الناظرة أرضاً بخزي حتى توقفت فوق أمه لترفع عينيها إليه للحظة أسرعت بعدها تخفض عينيها عنه خجلاً. ليكمل حديثه موجهاً إياه إلى سلمى التي وقفت تبكي بشهقات عالية هاتفا بها بصرامة:
"ظبطي حالك وتنزيلي أوضة المكتب عشان عايزك في كلمتين." ثم التفت إلى زاهية هي الأخرى مشيراً لها يكمل: "وإنتي كمان عايزك معاها يا مرات عمي." أسرعت زاهية تهز رأسها له بالإيجاب فوراً ليرتفع صوت قدرية بلهفة سائلة: "تحب أكون معاهم أنا كمان يا جلال؟ أجابها بحزم دون أن يلتفت لها متوجهاً إلى الباب: "أظن أنا قلت عايز مين بالظبط غير كده محدش يدخل المكتب غير اللي طلبتهم."
تعالت شهقة زاهية بصدمة وهي تتطلع بتساؤل إلى قدرية الواقفة بجمود ووجه شاحب بعد كلمات جلال لها. بينما يسرع هو ناحية الباب بخطوات سريعة لكنه توقف بجوار ليلة المتابعة بصمت وذهول ما يحدث تلتقي عينيه بعينيها فترى بداخلهما نظرة من خيبة الأمل ومعها شيء آخر لم تستطع التعرف عليه موجهين لها قبل أن يتحرك مرة أخرى مغادراً. تتبعه هي الأخرى بخطوات مثقلة حزينة. *** "شوفتوا علشان الست هانم يخصمني أنا!!!
أنا أمه يقولي متدخليش عليا أوضة المكتب." ارتفعت ابتسامة صفراء فوق شفتي أميرة وقد كانت تجلس على يمينها بكامل زينتها. أما حبيبة فقد زفرت بضيق وعدم تصديق لكلمات والدتها الظالمة لتلتفت لها قدرية بحدة تصرخ بها: "مش عاجبك كلامي يا ست حبيبة... إيه زعلانة أوي على حبيبة قلبك ومش همك زعل أمكه؟ هزت حبيبة رأسها بقلة حيلة ناهضة من مكانها تهتف: "أنا هقوم من هنا أحسن أروح أشوف بيعملوا إيه في المطبخ."
خطت قدرية بكفها لها بعدم اهتمام تعاود الالتفات إلى غرفة المكتب تطالعها باهتمام وهي تضرب بكفيها فوق ركبتها تهتف بغل: "آه يا ناري... دي عمرها ما حصلت إن جلال يكلمهم في حاجة ومكنش أنا موجودة معاهم فيها." أميرة وهي تتطلع إلى أظافرها قائلة بخبث: "معلش... ماهو دايماً كل حاجة وليها أول." تجمدت حركة قدرية تلتفت إلى أميرة ببطء تهتف بها بحدة وذهول: "تقصدي إيه بكلامك ده يا بنت أخويا؟ أميرة وهي ما تزال تتطلع إلى أظافرها
توليها اهتمامها تهز كتفها: "مقصديش يا عمتي... ما تاخديش على كلامي... ركزي إنت مع جلال وسيبك مني." همت قدرية بالرد عليها ولكن أتى صوت بكاء سلمى وخروجها المفاجئ من الغرفة وهي تجري ناحية الدرج كالعاصفة تلحقها زاهية هي الأخرى. لكنها توقفت حين نادتها قدرية تسألها بلهفة عما جرى. فتجيب زاهية بصوت هادئ ولكنه حزين: "جلال وصبري خلاص حددوا كتب كتاب سلمى على علي ابن أخويا يوم الخميس الجاي." اتسعت عين قدرية بذهول تصرخ مستنكرة:
"وإزاي ده يحصل من غير حد ما يعرفني ويديني خبر... من امتى حاجة زي دي بتحصل من غير علمي؟ "من هنا ورايح حاجات كتير هتحصل من غير علمك في البيت ده يا حاجة قدرية." تعالى صوت جلال الحاد يهز أرجاء المكان بهذه الكلمات يبعث الرجفة في أوصال الحاضرين وهو يتقدم خارجاً من الغرفة بخطوات بطيئة واثقة. تراقبه أميرة بعيون متسعة رهبة ممزوجة بالإعجاب على عكس قدرية والتي وقفت شاحبة عينين تتسع بعدم تصديق قائلة: "بقى كده يا جلال...
بتقولي أنا الكلام ده؟ لم تهتز ملامح جلال كأنه لم يستمع إلى شيء موجهاً حديثه إلى أميرة يسألها بحزم: "هجهزتي حالك... عشان هنتحرك بعد الفطار." هبت أميرة واقفة تهتف بسعادة: "جاهزة من بدري... ومستعدة في أي وقت." أومأ جلال برأسه لها ثم التفت إلى زوجة عمه زاهية قائلاً لها بهدوء: "عايزك يا مرات عمي تهدي سلمى وتحاولي تعقليها وتفهميها إن اللي حصل ده لمصلحتها... وعلي إنسان كويس وهيصونها." زاهية بهدوء هي الأخرى:
"حاضر يا بني أنا هتكلم معاها... وربنا يهديها... عن إذنكم هطلع أشوف عاملة إيه وأتكلم معاها." تحركت بعدها صاعدة الدرج يتبعها جلال هو الآخر لتسرع قدرية فور صعوده تجذب أميرة بعنف من ذراعها تلفها إليها تفح من بين أنفاسها: "رايحة فين انتي وجلال يا بت... ومعرفتينيش ليه؟ تأوهت أميرة بألم مصطنع وميوعة قائلة: "آه إيدي يا عمتي هتخلعيها في إيدك." صرخت قدرية بحنق وعينيها تشتعل غضباً:
"انطقي يا بت إنتي وبلاش دلع ماسخ وإلا هتلاقي إيدك على وشك تطقع." أسرعت أميرة تجيبها ولكن لم يخلو صوتها من الشماتة قائلة ببطء مغيظ: "هنروح عندنا يا عمتي... جلال هيطلب إيدي من أبويا النهارده... هنروح أنا وهو بس." رنحت قدرية إلى الخلف كمن ضربتها صاعقة تسقط فوق مقعدها تهمس بصدمة وتلعثم: "لوحدكم... طب... وأنا..... هزت أميرة كتفها بعدم اكتراث وابتسامة صفراء تعلو شفتيها قائلة: "معرفش...
ده بقى حاجة بينك وبين جلال. أروح أنا أشوف حبيبة في المطبخ بتعمل إيه... وما هو لازم آخد على البيت واللي فيه ولا إيه يا عمتي." تحركت مغادرة دون أن تنتظر رد لقدرية والتي جلست تتطلع أمامها بذهول تهمس لنفسها بحرقة: "إيه اللي بيحصل يا قدرية... إيه اللي بيحصل شكلها حسبتيها غلط وإنتي اللي هتشيلي الليلة على دماغك وإلا إيه." ***
فتح الباب بهدوء ليقف هو مستنداً فوق إطاره عاقداً ذراعيه فوق صدره يراقبها وهي تجلس فوق الفراش تضم الوسادة إلى أحضانها بتوتر شاردة تماماً في أفكارها. ليظل يراقبها قبل أن يسألها بهدوء متقدماً إلى الداخل: "قاعدة عندك هنا لحد دلوقتي ليه؟ نهضت ليلة تلقي بالوسادة فوق الفراش فوراً تنظر إليه بحيرة وحذر وهي تتابع تقدمه نحوها بخطواته الواثقة وملامح وجهه الصارمة أصابتها بالتوتر حتى وقف أمامها تماماً يكمل ببطء:
"قاعدة هنا مستنية مين يعمل الفطار لجوزك حبيبك؟ ... أميرة مثلا! اشتعلت عينيها غيرة فور ذكره لتلك الأفعى أمامها تزداد نيرانها غضباً حين رأت تلك الابتسامة العابثة ترتفع إلى زاوية فمه تدرك أن شعر بما يثور داخلها من مشاعر تهتف بحنق وغيرة عمياء: "متجبش سيرتها وإنت بتتكلم معايا يا جلال إلا والله هنزل أجيبها من شعرها الأصفر أم... صمتت تحدق بذهول به حين وضع سبابته فوق شفتيها يصمت الباقي من حديثها قائلة بهدوء مستفز:
"لااااا عيب يا ليلة... في ست مؤدبة تتكلم قدام جوزها كده وتشتم بالشكل ده... مش إنتي مؤدبة برضه يا روح جلال؟! تساءل في آخر حديثه بسخرية مبطنة أشعلتها أكثر وأكثر تبتعد عن مرمى يده تصرخ بغضب وعدائية شديدة: "لا مش مؤدبة يا جلال وهسمعك الشتيمة اللي هي تستحقها بحق... دي واحدة خطافة رجالة...
شهقت عالياً بقوة حين جذبها من خصرها إليه بقوة ترتطم بصلابة جسده بقوة فتضع يدها فوق صدره كحائل بينهم في محاولة عابثة لإيقاف تلك الحرارة المنبعثة منه إليها والتي أصابتها بالرجفة نتيجة هذا القرب تتراجع برأسها إلى الخلف تتطلع إليه بوجل حين انحنى عليها واضعاً كفه خلف عنقها يوقف تراجعها عنه يجذبها مرة أخرى ناحيته تلفح أنفاسه وجنتيها حين تمتم بتهديد خشن: "الظاهر مبقاش فيه حل أسكت بيه لسانك ده غير حاجة واحدة بس."
ارتجف جسدها بكل عصب به ترقباً وشوقاً لتهديده هذا تتراقص عينيها أمام عينيه لهفة لم يستطع هو مقاومتها كثيراً ترتفع دقات قلبه بخفقات متسارعة استجابة لها لينقض على شفتيها يلتمهما بشوق ولهفة جعلتها تتأوه بنعومة بين شفتيه تزداد رجفة جسدها شوقاً لقربه منها هامسة باسمها كالمغيبة حين انحدرت شفتيه بقبلات متلهفة على بشرة عنقها قبل أن تستقر فوق شريانها الخافق بجنون بقبلة بشغف يرتجف جسده هو الآخر من شدة رغبته بها وهو يزيد من ضمها إليه حتى كادت أن تختفي بين أضلعه يهمس باسمها من بين قبلة وأخرى كأنه ترنيمة عذبة يعشق ترديدها.
ليظلا هكذا كالمغيبين عن العالم داخل لحظتهم المجنونة تلك غافلين تمام عن باب الغرفة المفتوح ووقوف تلك العقربة التي وقفت تراقب ما يحدث بعيون حاقدة مغلولة قبل أن يصدح صوتها كصوت غراب متألم: "جلال....
شهقت ليلة تبتعد فوراً عن جلال بوجنتيها المشتعلة احمراراً من أثر ما حدث بينهم وشعرها مشعث أهوج. تلتفت إلى أميرة الواقفة تلوك شفتيها بغيظ ثم تلتفت إلى جلال ليدهشها وقوفه الثابت وبرودة ملامحه برغم عينيه ما تزال تشتعل ببقايا عاطفتهم إلا أنه أجاب بصوت هادئ رتيب أجش: "أفندم يا أميرة." أميرة وعينيها مسلطة فوق ليلة تمررها من أعلاها إلى أسفلها تعي عينيها جيداً حالتها المضطربة ومظهرها المشعث لتقول بغيظ مكبوت:
"أنا كنت جاية أقولك إن الفطار جاهز والعيلة كلها تحت مستنيك." جلال بهدوء وحزم: "طب انزلي إنتي وأنا وليلة هنحصلك." ضغطت أميرة فوق أسنانها بقوة ترمي ليلة بنظرة غيرة وحسد كالسهم ثم تغادر بخطوات حانقة متيبسة. ليلتفت جلال بعدها إلى ليلة بأسف ساخر: "الظاهر إن حظي معاكي وهو كمان متغيرش زي حاجات تانية كتير."
وقفت مذهولة من كلماته لا تدري ابتسم لمزحته والتي اعتاد قولها لها في السابق أم تبكي على ما اتبعها من كلمات تدرك جيداً مقصده منها. لكنها لم تفعل أي من ذلك بل وقفت صامتة وهي تراه يتركها مغادراً ناحية الباب قبل أن يتوقف مرة ثانية يلتفت إليها يكمل بابتسامة ساخرة: "كان نفسي أقولك إني شبعت وده كان أحلى فطار... بس يا خسارة ده كلام كان يقولوه جلال الحرامي لزوم النصب على ليلة المسكينة... علشان كده مبقاش ليه لزوم ما بينا......
سلام يا..... مراتي." غادر صافقاً الباب خلفه بعنف ارتجت له الغرفة حتى جسدها هب هو الآخر فزعاً تشهق بصدمة. ولكن ليس من عنفه مغادرته ولكن ومن وقع كلماته والتي نزلت فوقها كدلو من الماء المثلج في أقسى ليالي الشتاء برداً.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!