تقدم منها بخطوات بطيئة ومازالت ابتسامته الذئبية مرتسمة على وجهه وهو يراها تنهض عن الفراش. مراقبة تقدمه منها بعيون خائفة مذعورة تبحث عن مخرج للهروب منه. قائلة بذعر: عاوز إيه مني يا راغب؟ اطلع بره وإلا هصوت وهلم عليك البيت. تقدم راغب منها قائلاً بسخرية: هطلع متقلقيش يا بنت عمي... بس الأول عندي ليكي كلمتين عاوز أقولهم. وقف مواجهاً لها تماماً وعينيه داخلهما تلك النظرة والتي مازالت ودائماً أصابتها بالقشعريرة والنفور منه.
وهو يكمل بتمهل وانتصار: مش لازم تعرفي كل حاجة عن جوازة الهنا وعن جلال بيه اللي اتجوزتيه وعرضوكي ليه قصاد حتة أرض عشان يرضى يتجوزك. ليلى بصوت مرتجف وعينيها يتراقص فيها الخوف: تقصد إيه؟ مين ده اللي باعني؟ أنت أكيد كداب. ارتفعت ضحكة راغب الساخرة ترج أرجاء الغرفة من قوتها. قائلاً بعدها لليلى الواقفة بوجه شاحب وعيون تائهة وجلة: كداب؟
طيب اسمعي يا بنت عمي واشتري مني، ولو مش مصدقاني بعدها تقدري تسألي شروق ولا حتى أمك، وأظن إنهم استحالة هيكذبوا عليكي هما كمان. اقترب منها فجأة يفح من بين أسنانه بغل وحقد بالغين، قاصداً أن تكون كلماته كطعنات يسددها لها ببطء وتلذذ. حين قال:
ابن الصاوي عمره ما شافك ولا حتى كان يعرف إن فيه واحدة اسمها ليلى موجودة من الأساس. ابن الصاوي لما دخل البيت ده أول مرة كان داخل عشان يشتري حتة أرض كانت ليهم عندنا من زمان بس جدك رفض يبيعها إلا بتمن تاني غير اللي عرضه ابن الصاوي عليه. عرفتي هو إيه ولا تحبي أقولهولك؟ تراجعت تجلس فوق الفراش بضعف وهمود، عينيها متسعة بذهول وصدمة. تشعر بكلماته تنزل فوقها كصاعقة تضرب رأسها بلا رحمة ولا شفقة.
غافلة تماماً عن اقترابه منها جالساً على عقبيه أمامها. قائلاً وهو يطالعها بقسوة ويكمل بلا أدنى شفقة بها ولا بحالتها الماثلة أمامه: التمن اللي جدك كان عاوزه من ابن الصاوي انتي يا ليلى، وموافقتك على جوازه بيكي. يعني جوازة قصاد الأرض، وطبعاً جلال بيه مقلش لأ، ماهو مش خسران حاجة. عروسة غنية وفوقيها أرض تسوى الملايين هتكتب باسمه من غير ما يدفع فيها مليم واحد.
رفعت ناحيته عيون متألمة تملأها دموع القهر وتهز رأسها رافضة كل كلمة قالها. لينهض راغب واقفاً وهو يقول بحزم وثقة: مش مصدقاني؟ ليكي حق، مانا راغب شرير الرواية اللي عايز يفرق بين البطلة والبطل وينهي قصة حبهم العظيمة. عشان كده بقولك اسألي شروق يا ليلى، وأظن إنها مش هتكذب عليكي هي كمان.
تحرك ناحية الباب وقد أنهى مهمته وتاركاً الباقي من الأحداث بين يديها هي. ويدرك جيداً أنها لن تترك الأمر يمر دون أن تعلم حقيقة كل ما أخبرها به. توقفت خطوات أمام الباب للحظة بتردد، ثم التفت مرة أخرى إليها. عينيه تظهر فيها التعاطف لوهلة، هو يرى حالة التيه والضياع والتي أصابتها جراء كلماته. قائلاً بصوت مشفقاً بصدق حين قال:
سامحيني يا بنت عمي، بس مقدرتش أسيبك عايشة على عماكي، وأنا عارف إن جوزك ممكن يستغل حالتك دي في لحظة ويخليكي تكتبي الأرض ليه، وتبقى اتبعتي بالرخيص يا بنت عمي. جلست مكانها كما هي، كتمثال قديم من حجر، لا تظهر أي لمحة من المشاعر فوق صفحة وجهها الشاحب. عينيها حائرة مذهولة. ناهضة ببطء فوق قدميها التي أخذت تهتز تحت ثقلها. قائلة بصوت مرتعش حائر: أنا... عاوزة... أنا... هو... جلا...
ثم فجأة وأمام عينيه المصدومة، هوت فوق الفراش مغشياً عليها، استجابة لتوسل عقلها طلباً للرحمة من الآلام التي هاجمته دون هوادة. لا تدري شيئاً عن هتافه المرعب باسمها. *** تملل في مقعده ينظر إلى ساعته، ربما للمرة الخامسة التي ينظر إليها خلال الخمس دقائق الفائتة. يتساءل بحنق عن سبب تأخرها بالاتصال به. يتساءل بحنق وغيرة: هل أعجبتها الزيارة لتلك الدرجة لتنسى معها الاتصال به حتى يحضرها؟ هل ستطول تلك الزيارة إلى ما لا نهاية؟
أخذ عقله يدور في تلك الحلقة المفرغة من الأسئلة، غافلاً عن عمه وابتسامة المعرفة التي ظهرت فوق وجهه وهو يرى حال ابن أخيه منذ ذهاب زوجته إلى منزل ذويها. تتسع بسمته أكثر حين رأى ينظر مرة أخرى إلى ساعته زافراً بقوة. ليحدثه صبري بهدوء ومعرفة: روح هاتها يا جلال. رفع جلال وجهه إليه عاقداً حاجبيه بحيرة، جعلت ابتسامة صبري تتسع. قائلاً بمرح: أقصد ليلى. روح هاتها، الوقت اتأخر، ولا هي هتبات هناك؟ هز جلال رأسه نافياً بقوة قائلاً
بحزم: لا طبعاً، تبات إيه؟ استحالة أسيبها تبعد عني يو... تنحنح قاطعاً حديثه. يكمل بعدها بحرج: احم... أقصد يعني تبعد عن البيت ويعني... ظهر الإحراج فوق وجهه. لا يدري كيف يصلح خطأه هذا وإظهاره لهفته عليها. ليقول بحدة وارتباك يتظاهر بالنظر في الأوراق أمامه: وبعدين خليها براحتها، هي قالت هتتصل عشان أجيبها. خلينا في شغلنا أحسن.
هز صبري رأسه بتفهم ومازالت تلك الابتسامة تزين وجهه. يأخذهما حديث العمل بعيداً للدقائق، حتى عاود جلال النظر إلى ساعته مرة أخرى عاقداً حاجبيه بضيق. ليحدثه عمه سريعاً في محاولة لالهائه عن التفكير والقلق: مقولتليش هنعمل إيه في موضوع أرض المغاربة وفي اللي عمله راغب؟ جلال بلامبالاة وهو يتراجع في مقعده للخلف: ولا حاجة. سيبه يعمل اللي يعمله، وبصراحة موضوع الأرض ده مبقاش يهمني. اتسعت عينا صبري هاتفا بذهول:
يعني مش هتكلم ليلى على موضوع الأرض تاني؟ تقدم جلال من مكتبه مستنداً فوقه بمرفقيه. قائلاً بجدية وحزم: لا مش هتكلم معاها تاني فيه، حتى لو رجعت افتكرت كل حاجة. أنا خلاص يا عمي مش عايزها الأرض دي. صبري بحيرة وذهول: بس يا ابني، ده أنت كنت هتتجنن عليها الأرض دي بالذات. طب جدتك هتقولها إيه؟ وهى قايمة نايمة تحلم بالأرض ورجوع هيبة العيلة بيها. رقت ملامح جلال عند ذكره لجدته. ليقول بهدوء وحنان:
أنا هتكلم معاها وأفهمها إن هيبة عيلة الصاوي مش بالأرض دي بالذات، وبعدين إحنا نملك نص أراضي البلد، مجتش على دي بالذات. رجعت الابتسامة تزين وجه صبري. يسأل بمرح: وطبعاً كل ده عشان ليلى؟ تنهد جلال بقوة ينهض من مقعده ملتفاً حول مكتبه. قائلاً بهدوء: مش هخبّي عليك يا عمي، بصراحة آه. عايز أبدأ معاها صفحة جديدة، مش عايز أي حاجة تقف بيني وبينها من تاني، حتى لو أرض جدودي. نهض صبري من مقعده هو الآخر متقدماً نحوه، يربت فوق كتفه.
قائلاً بحنان صادق: ربنا يهنيك يا ابني، أنت تستاهل كل خير. ومحدش فينا ممكن يقف قدام سعادتك. وإن كان على جدتك أنا هتكلمها. هز جلال رأسه برفض. قائلاً: لا سيبلي أنا الجدة، أنا هقدر أتكلم معاها وأفهمها. صبري بتفهم وابتسامة فرحة: اللي تشوفه يا ابني، وهي ما هتصدق وهتفرح أوي لما تشوف في عينيك اللي أنا شايفه دلوقتي. ابتسم جلال هو الآخر بحرج وهو يتحرك مسرعاً ناحية مكتبه مرة أخرى. قائلاً بارتباك:
طيب مش نشوف شغلنا بقى عشان نلحق نخلصه قبل ما أروح أجيب ليلى. أومأ صبري برأسه موافقاً، جالساً مرة أخرى فوق مقعده، يمضى بيهم الوقت في متابعة الأعمال، كانت تتخللها نظرات جلال الخلسة إلى ساعته بين دقيقة وأخرى. *** ليلى... ليلى... فوقي يا ليلى. تخلل هذا الصوت الذكوري غيمتها السوداء مبدداً إياها رويداً رويداً مع كل نداء منه عليها، حتى تلاشت تماماً. لتفتح عينيها ببطء وضعف هامسة بأقرب اسم تبادر إلى ذهنها في تلك اللحظة...
جلال. ولكن ما إن نطقت باسمه بصوتها المتوسل الضعيف، كأنها تستنجد به دون وعي منها، حتى اشتعلت النيران براغب وقد كان جالساً بجوارها فوق الفراش يحاول إفاقتها. ليقوم ودون تفكير، تحركه غيرته، يصفعها على وجنتها بقسوة. تدوي صرختها المتألمة وهو ينقض فوق خصلات شعرها من خلف حجابها، يجذب رأسها إليه حتى تواجهت أعينهما. هي برعب، وهو بعيون نارية شرسة. صارخاً: إنتي إيه مبتحسيش؟ لسه بتناديه حتى بعد كله اللي عرفتي عنه وقلته ليكي؟
عاوزة إيه بعد كل اللي قلتهولك عشان تفوقي بقى؟ تطلعت له شاهقة بذعر تحاول الإفلات من بين قبضته، وهي تراه يقترب منها ببطء، تظهر نواياه في عينيه بنظراتها الشهوانية. تحاول إثناءه عنها. قائلة برعب وصوت خرج مرتجف: ابعد عني يا راغب، ابعد عني وفوق لنفسك. راغب وهو يزداد اقتراباً منها حتى كاد يجثم فوقها. قائلاً بلهث شهواني: أنا سمعت الكلام وبعدت كتير، بس خلاص أنا لا قاتل ولا مقتول هنا.
أعقب كلماته منقضاً عليها، يطوقها بذراعيه، يطبق بشفتيها فوقها محاولاً تقبيلها. فخرجت صرخة ذعر منها، فيزيد من إحكام قبضته عليها بقسوة. فتلهث مرتعبة وهي تحاول فك حصاره عنها. قائلة: ابعد عني، أنت اتجننت؟ ابعد عني يا حيوان. رفع راغب وجهه نحوها، عيونه مشتعلة ووجهه محتقن بالدماء. صارخاً بها:
عندك حق حيوان عشان سبتك لغيري. سبتك لجدك يبيعك لابن الصاوي عشان يبعدك عني. وقفت أتفرج وساكت، بس استحالة بعد كده هسكت. انت ليا وبتاعتي، برضاكي غصب عنك بتاعتي. صرخ بجملته الأخيرة بشراسة قبل أن ينقض عليها، يدس وجهه في حنايا عنقها يقبلها بشراسة وغضب. بينما كانت هي تحاول الدفع به بعيداً عنها، تقاومه بعنف. تمتلأ عينيها بدموع القهر والذعر وهي تقبض فوق خصلات شعره تدفعه منها بعيداً وهي تصرخ بشدة، تقطعت معها أنفاسها.
ليتراجع عنها مبتسماً بشراسة. قائلاً: تفتكري لما هاخدك ويحصل اللي عاوزه ابن الصاوي هيخليكي حتى ولو لثانية على ذمته؟ لا مش كده... هيرميكي بعدها زي الزبالة. وساعتها هترجعيلي تبوسي إيدي عشان أخليكي ولو يوم على ذمتي عشان تداري عارك. كانت أثناء حديثه تحاول التملص منها، تدفعه بكل قواها في صدره، تحاول رفعه عنها دون جدوى من شدة ثقله عليها وتكبيلها بجسده الجاثم فوقها.
وحين لم تجد نفسها القدرة على الاستمرار على مقاومته، رفعت عينيها، يغشيها الدموع، تتوسله بصوت مرتعش خائف: عشان خاطري يا راغب، سيبني. عشان خاطر أبويا وجدي. افتكر إنك عرضي قبل ما أكون عرضه. ولم تهتز عضلة واحدة في وجهه. ينظر إليها بعيون حاقدة تمتلأ بالغل: بتترجيني دلوقتي؟ فكراني هحن زي العبيط لكلمتين فاضيين زي دول وشوية الدموع اللي في عينيكي الحلوة دي... توت شفتيه، تلمع أسنانه بابتسامة شرهة. يكمل قائلاً:
لا دي فرصة وجات لحد عندي، واستحالة هضيعها من إيدي. انقض عليها قابضاً على ثوبها يشقه لنصف، فتظهر مفاتنها أمام عينيه، ليسيل لعابه عليها قبل أن ينحني ينهل من بشرة صدرها المكشوف أمامه، لا يعير لصراخها أو مقاومتها الشرسة له أدنى اهتمام، غائباً عن العالم أمام وجبته الدسمة والتي طال انتظاره لها.
تمر بها اللحظات ثقيلة وهي بين يدي هذا الوحش والذي أخذ يستبيح حرمة جسدها. تنفذ منها قوتها شيئاً فشيئاً حتى تسرب اليأس إليها من أن يتم إنقاذها من بين براثنه. تغمض عينيها تحاول الهروب من تلك الدوامة السوداء التي أحاطتها، لا ترغب في السقوط داخلها، حتى تقاومه لآخر رمق. غير منتبهة لصوت فتح الباب وصراخ شروق الذي وصل لعنان السماء حتى وصل لجميع ساكني المنزل.
وفجأة شعرت بثقله ينزاح من فوقها، وتعالى أصوات صراخ عالية مهددة بوعيد وتحطم لأشياء بدوي عالٍ. لكنها كانت في عالم آخر سقطت بداخله ولا قدرة لديها على الخروج منه، حتى أتى صوت شروق المتلهف يناديها بحزن لتنتشلها من تلك الهاوية، وهي ترفع رأسها إليها تحتضنها تبكي بمرارة وهي تردد: متخافيش يا ليلى... الحمد لله لحقناكي... الحمد لله.
ثم أخذت تردد بلهفة الكثير من الحمد والشكر لله لاستطاعتهم اللحاق بها وإنقاذها من بين براثن هذا الحيوان قبل أن ينتهي كل شيء. أما ليلى فقد استلقت بين ذراعي أختها بوجه شاحب متجمد التعبير وعيون مذهولة تتجمد بداخلها الدموع. *** لم يحتمل الانتظار طويلاً وقد طال اشتياقه لها، ليقرر الذهاب فوراً إلى منزل ذويها دون انتظار اتصال منها.
وها هو يجلس بتملل في مقعده في انتظارها، غافلاً تماماً عن حديث سعد معه، حتى انتبهت حواسه حين تحدث قائلاً بارتباك وتمهل: إيه رأيك يا جلال تخلي ليلى معانا الكام يوم الجايين دول بدل ما هي... قطع حديثه حين التفت إليه جلال وحاجباه معقودين يسأله بحدة: هي ليلى عاوزة كده؟ لا أنا عايزة أمشي من هنا وحالا. أتت الإجابة منها وهي تتقدم إلى داخل الغرفة بجسد واهن، وجهها شاحب كشحوب الموتى، تستند إلى شروق ووالدتها.
ليرتجف قلبه لهفة عليها وهو يراها على تلك الحالة، ناهضاً بحركة سريعة باتجاهها. يسألها بلهفة وقلق: ليلى... مالك فيكي إيه؟ حصلك إيه؟ لم تجبه، بل كانت تنظر بعيداً إلى الفراغ، وجهها كصفحة بيضاء بلا أي تعبير. ليلتفت إلى شروق موجهاً لها السؤال لكن بعصبية تلك المرة. لتجيبه شروق بتلعثم وارتباك وهو يرى عينيه تضيق فوق ليلى محدقاً فيها بتركيز: مفيش حاجة، هي بس تعبت شوية لو تخليها أحسن معانا. تحدثت ليلى بصوت ضعيف مرتعش،
تقاطعها قائلة: قلت مش عايزة أقعد هنا، عايزة أمشي، عايزة أمشي. نطقت بكلمتها الأخيرة ثم انفجرت شاهقة بالبكاء، تلقي بنفسها بين ذراعي شروق، والتي أخذت تربت فوق خصلات شعرها بحنان. لكن لم يحتمل جلال أن يراها تلجأ لغيره طلباً للمواساة، ليمسك بمرفقها يجذبها إليه، يضمها بين ذراعيه هو، يزيد من احتضانها حين أخذت تقاومه مرتعشة، يهمهم لها بكلمات هامسة مطمئنة حتى استكانت أخيراً. تتعالى شهقاتها الباكية، تغمغم من
بينها بكلمات غير مترابطة: عاوزة أمشي... خديني بعيد عنه... أنا خايفة منه. كانت مع كل كلمة ينصت إليها منها يزداد جسده معها تخفزاً، وعينيه تدور بين وجوه الموجودين بحدة وشراسة. فتتوارى عنه أرضاً بخزي وأسف. فيتجه بنظرات مذهولة إلى رأسها المندس في صدره، يمد أنامله إلى ذقنها رافعاً وجهها إليه، يسألها بعينيه بنظرات حائرة قلقة عما حدث. فتجيبه شهقات التي ازدادت عنفاً، تمحو معها آخر خيوط تماسك. يهتف بها بحدة: انطقي يا ليلى...
الحيوان ده عملك حاجة؟ ردي عليا انطقي. لم يمهلها الوقت للإجابة وهو يمد يده بارتجاف، يزيح حجابها الموضوع فوق رأسها بإهمال. يلاحظ لا أول مرة حين جالت عينيه فوقها اختلاف الرداء المرتدية إياه الآن عما أتت به صباحاً. تكسو جسده قشعريرة برودة تكاد تجمد الدماء في عروقه. لا يعير اهتماماً لشهقات المحيطين بهم المصدومة من فعلته.
ملقياً به أرضاً فيسود الصمت التام الغرفة في انتظار ردة فعله، وقد وقف مكانه يطالع تلك العلامات التي خلفها راغب فوق بشرة عنقها بعيون مشتعلة شرسة، وشعور من التوحش يسيطر عليه. تتحفز كل عضلة في جسده، تشوق راغبة لغريزة القتل. ليهدر فجأة بصوت عنيف شرس ينادي راغب... كما لو كانت أبواب الجحيم فتحت على مصراعيها.
يتخطاهم جميعاً متجهاً إلى خارج الغرفة، هادراً بصوت متوحش هز أرجاء المنزل ينادي راغب، فأتى صوت سعد من خلفه مرتجفاً قائلاً: صدقني يا جلال، مفيش حاجة حصلت من اللي في دماغك دي. إحنا قدرنا نلحقه قبل ما... هدر به جلال بصوت قوي ترتعد له الأنفس وعيون مشتعلة قائلاً: والمفروض ده يخليني أسيبه؟ ده أنا قبل ما أقتله هقطع له إيده اللي فكر يمدها عليها. وقف الجميع بعيون وأجساد ترتعد خوفاً من رؤيته على تلك الحالة، كمن تلبسه الشيطان.
صوته ترتج له الجدران من شدة غضبه، هو ينادي راغب، يتبع كل نداء بالسباب. ليقول سعد برجاء: راغب مش هنا، صدقني يا جلال. راغب ساب البيت بعد اللي حصل على طول. لم يعره جلال اهتماماً. بكل وقف فجأة يرهف السمع وقد تعالى صوت توقف سيارة بالخارج، ليتحرك بخطوات سريعة متخفزة إلى الخارج دون انتظار لحظة واحدة. تهتف ليلى برعب لسعد قائلة: الحقوه يا سعد، الحقوه هيموته لو مسكه في إيده. زفر سعد بقوة هامساً بحنق وهو يتحرك باتجاه الباب:
ياريت والله، يبقى جلال كسب فينا ثواب. و خلينا نخلص بقى من قرفه ومن عمايله السودا. *** نزل راغب من السيارة بهدوء وتروٍّ، لا يعكر صفو باله شيء وهو يدندن لحناً من بين شفتيه. حتى شعر بتلك القبضة فوق كتفه تديره بعنف الناحية الأخرى، فينفجر بعدها ضوء ساطع فجأة في عينه حين نزلت تلك اللكمة فوقها، تتبعها أخرى فوق فكه، سمع معها صوت تحطم عظامه.
تتوالى عليه اللكمات في كل أنحاء جسده، لا تمهله الفرصة سوى على التأوه ألماً حين سقط أرضاً يتلقى جسده اللكمات بطرف حذاء جلال وهو يهدر به غاضباً وعروقه نافرة من شدة غضبه: بقى انت يا كلب تعمل في مراتي كده يا وس... ده أنا هطلع روحك في إيدي النهاردة يا ابن ال... توالى عليه باللكمات والضربات حتى كاد أن يزهق روحه بين يديه. ليخر راغب على ركبتيه يستعطف بوجهه تنزح منه الدماء وصوت يئن ألماً: ارحمني... أبوس رجلك...
ارحمني هموت في إيدك. جلال بوحشية، ينحني فوقه قابضاً بقبضته حول عنقه، يرفعه منه، يضغط مع كل حرف ينطقه به عليه، حتى انتفخت عروق وجه راغب المحتقن، طالباً للهواء. تُجحّظ عينه حتى كادت تخرج من محجريهما، فاخذ يحاول الفكاك من قبضة جلال الفاتكة بعنقه بلا رحمة. يخور كثور يلفظ أنفاسه. هنا قرر سعد، بعد كان يقف مراقباً بصمت دون أن يحاول التدخل، تاركاً لجلال الأخذ بحقه بما يناسبه حتى هذه اللحظة، وقد خارت قوى راغب تماماً بين يديه.
مقترباً بخطوات سريعة منهم، يحاول فصم قبضة جلال من حول عنق راغب. هاتفاً به بتوسل: كفاية يا جلال، أنت أخذت حقك وبزيادة. لم يعره جلال اهتماماً وهو يعطي تركيز كله لراغب، لا يحيد بعينه بعيداً عن وجهه باستمتاع وحشي، مراقباً خروج الروح منه ببطء. حتى دوت صرخة نسائية تشق عنان السماء، تجري بعدها والدة راغب وهي تصرخ برجاء وتذلل، تتبعها نساء العائلة: سيبه يا ابني، سيبه، أبوسك إيدك سيبه. انحنت فوق قدمه تتعلق
به بشدة وهي تبكي وتنوح: حقك عليا أنا... لو عايز اقتلني بداله... بس سيبه. أخذ سعد يحاول رفعها عن قدم جلال المتشبثة بها، والذي وقف بجسد يرتجف حنقا وغضبا. وهو يرى تلك المرأة المسكينة تنحني بكل هذا التذلل أمامه من أجل هذا الوغد الحقير. يلعن من بين أنفاسه، وقبضته تنحل رويداً رويداً من حول عنق راغب حتى تركته تماماً. حين قالت المرأة بصوت هستيري منهار: أبوس إيدك يا ابني، اعتبرني زي أمك وسيبه. خد حقك مني لو عايز، بس سيبه.
تحرك جلال للخلف، تركاً لراغب تماماً، ليهوي أرضاً بعنف، يلهث بعنف. ليبو بصق عليه جلال هادراً بصوت شرس قوي كالرعد: أوعى تفتكر إنها خلصت على كده، لااا، ده أنا لسه هخليك تتمنى الموت. متقلقوش يا ابن... ثم انحنى على والدة راغب، يرفعها على قدميها بتمهل، ثم يتحرك باتجاه ليلى الواقفة بذهول، محتضنة جسدها المرتعش بخوف.
ينحني فوقها، يرفعها بين ذراعيه، متجهاً بها ناحية سيارة، يضعها داخلها، ثم يتلف حول مقعده، يقود السيارة مغادراً تحت أنظار الجميع المراقبة. *** بعد رحلة العودة صامتة بينهم بوجوم، تتخللها نظرات قلقة منه ناحيتها من حين إلى آخر، حتى وصولهما إلى المنزل. يصعد بها الدرج دون أن يعيرها نداء والدته أو حبيبه اهتماماً. يدلف بها إلى داخل غرفتهم، يضعها فوق الفراش بحنو ورقة، ثم يجلس بجوارها.
عينيه تدور فوقها بلهفة، تتشرب ملامحها الشاحبة المنهكة داخله للحظات، قبل أن يختطفها إلى صدره، يضمها إليه بصمت، وجسده يرتجف بقوة. للوهلة قبل أن يقول بصوت مرتعش أجش: الكلب ده عمل إيه فيكي بالظبط؟ إذاكي إزاي؟ احكيلي كل حاجة، عايز أعرف. شعرت ليلى بحاجته لكلامها حتى يتوقف عقله عن تخيل أبشع الصور لما يحدث لها. لذا لم تتردد لحظة في بث الطمأنينة إليه. تضمه إليها، دافعة بأناملها في خصلات شعره من الخلف بحركات مهدئة.
قائلة بهمس مؤكدة: متخافش، ملحقش يعمل اللي كان ناوي، شروق وسعد لحقوه قبلها. ازداد ارتجافه، دافناً وجهه بين حنايا عنقها، يزيد من ضمها بذراعيه حتى كاد أن يعصرها بينهم. يهمس بصوت مرتجف نادم: أنا اللي غلطان، مكنش لازم أوافق وأسيبك هناك لوحدك. كان لازم أرفض حتى لو كنتي هتزعلي بعدها مني.
لم تجبه ليلى، تغمض عينيها هامسة بداخلها بألم، تتمنى لو حقاً فعلها ورفض طلبها، وقتها لم تكن ستعرف كل ما تعرفه الآن، ولا أن تتعرض لكل ما فعله بها ذلك الحيوان المسمى بابن عمها. كانت ستظل داخل تلك الشرنقة محمية من كل هذه الأوجاع والتي أخذت تهاجمها الآن دون رحمة أو هوادة.
لم تشعر بتلك الدموع والتي سالت فوق وجنتها تغرقها، حتى تصاعدت شهقة باكية منها جعلته ينتفض مبتعداً عنها، قلبه ينفطر وجعاً لرؤيته دموعها تلك كسكين يتغمده ببطء. قبل أن يحني مقبلاً تلك الدموع دمعة دمعة ببطء وتمهل. هو يهمس بألم ما بين قبلة وأخرى: لو أقدر آخد جوايا كل حاجة ممكن تكون بتوجعك، مش هتردد لحظة واحدة إني أعملها، ولأني أشوفك قدامي بالشكل ده. شهقت تبكي بمرارة بكلمات غير مترابطة عاجزة: ليه أنا... ليه هو... أنت كنت...
أنا... مش... أنت... أنا تعبانة... عاوزة... أخذت تدور برأسها حولها بحيرة وانهيار جعله عاجزاً أمام انهيارها هذا. وهو يراها تنهض عن الفراش بغتة وهي تقول بهستيريا وألم: أنا هدخل الحمام... عاوزة أغسل كل حتة لمستني يمكن أقدر أنسى كل اللي حصل. أسرع هو الآخر ينهض عن الفراش يجذبها إلى صدره، يحاول تهدئتها، لكنها كانت كمن وضع أمر صوب عينيها وواجب التنفيذ.
تحارب شياطين مجهولة له، وهي تحاول التملص من بين ذراعيه، تتصاعد صرختها الهسترية تطالبه بدخول الحمام، وهي تمزق الملابس من فوقها.
فلم يجد حلاً أمامه سوى أن يرفعها بين ذراعيه رغم مقاومتها له، يدخل بها إلى داخل الحمام، يوقفها على قدميها، قبل أن يشرع في نزع ملابسها سريعاً، رغم محاولتها اعتراض يديه، حتى انتهى من مهمته سريعاً، متجاهلاً تلك العلامات الظاهرة فوق بشرة عنقها، برغم ما يشعر به من نيران مستعيرة داخل صدره، لاعناً نفسه آلاف المرات لاستجابته لدموع والدة ذلك الحقير دون أن يزهق روحه بيده نتيجة لفعله القذر معها.
رفعها سريعاً بين ذراعيه مرة أخرى، متوجهاً إلى كابينة الاستحمام، يوقفها داخلها، ثم يتبعها هو الآخر بكامل ملابسه. يمد يديه إلى صنبور المياه لتتدفق المياه فوقهم وهو يحتضنها بين ذراعيه بحماية. أنامله تقوم بإزاحة خصلات شعرها عن وجهها برقة وحنان، بينما هي وقفت مستكينة بين أحضانه، تسند برأسها فوق صدره، وقد استنزفت كل قواها ولم تعد لديها القدرة على المقاومة أو حتى التفكير. ***
كانت تستلقي فوق الفراش بعد أن انتصف الليل، تستمع إلى صوت تنفسه الهادئ المنتظم، دليل على استغراقه في النوم. فبعد خروجهم من الحمام بعد مضي بهم الكثير من الوقت تحت المياه المنهمرة فوقهم، كان الصمت بينهم وقتها أبلغ من ألف حديث. يقف معها تحت شلال المياه يحتضنها فقط بحماية، حتى ارتجف جسدها برداً، ليسرع في إغلاق المياه، يخرجها من الك
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!