الفصل 17 | من 28 فصل

رواية وجع الهوى الفصل السابع عشر 17 - بقلم ايمي نور

المشاهدات
19
كلمة
4,876
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 61%
حجم الخط: 18

"عليكي وعلى رخمتك وعلى اليوم الأسود اللي شفتك فيه... اللهي يا بعيدة ما تلحقي ترجعي هنا تاني." أخذت تتمتم بتلك الكلمات المتلاحقة بحنق وغيظ، وهي تشرع في عمل القهوة. اقتربت منها نجية تسألها بقلق: "بتقولي حاجة يا ست ليلة؟ تحبي أعمل أنا القهوة؟ زمجرت ليلة، تلتفت لها بوجه مشتعل غيظًا، تتمتم من بين أسنانها: "لأ... مينفعش. أصل القهوة من يد ليلة عليها سكر وعسل، وحد غيرها لأ... آآآه يا ناري."

نطقت كلمتها الأخيرة بصوت عالٍ بطريقة جعلت نجية، رغمًا عنها، تطلق ضحكة أسرعت في مدارتها. حين التفتت ليلة إليها، تمسك بالقدح بين يديها مشيرة إليها به بتحذير: "نجية، بقولك إيه؟ مش ناقصاكي على الصبح. اجري روحي شوفي لو حد عاوزك في حاجة، وسيبيني في حالي."

أومأت نجية لها سريعًا وهي ما زالت تبتسم بمرح، تخرج سريعًا. توقفت خطواتها أمام الباب، تتطلع بدهشة إلى جلال المستند براحة على الحائط. أشار لها بالصمت والمغادرة بطرف عينه حين فتحت فمها ترحيبًا به، فتكمل طريقه، تدعه مكانه. يتابع بنظراته ليلة، والتي ما زالت تتمتم بكلماتها غافلة عنه تمامًا. تكمل بغيظ: "البت لازقة فيه لازقة، دانا اللي مراته مش بعمل كده. ولا البيه بكل برود يقولي قومي اعمليلي قهوة يا روحي...

يا أخي طلعت روحها وخلصتنا من رخمتها بنت الـ... "لأ لأ... طب ده ينفع؟ مش قولنا نخلينا مؤدبين وبلاش غلط يا روحي." اتسعت عينيها ذهولًا وحرجًا حين سمعت صوته الساخر. اقتراب خطواته منها، لكن سرعان ما انطلق صفير غيظها من بين أسنانها حين قال كلمته الأخيرة. تلتفت إليه وهو ما زالت تحمل القدح الفارغ بين يدها، تبتسم ابتسامة مغتصبة صفراء: "مين قالك إني مؤدبة؟

اللي قالك عني كده غلطان. وبعدين اطلع عند عروستك الحلوة المؤدبة لحد ما أخلص القهوة." هز جلال كتفه بعدم اكتراث قائلًا: "طيب، زي ما تشوفي. عمومًا أنا هكون مستني مع أميرة في الصالون... بس أوعي تتأخري بالقهوة عليا." التفت يعطي لها ظهره، فتضغط شفتيها بغيظ، تهمس من بينها حنقًا وهي ترفع القدح تنوي رميه في اتجاهه. بعد مغادرته، تسمرت يدها في الهواء حين التفت إليها بغتة وعينيه تتطلع إلى القدح في يدها بنظرات منتصرة فرحة، قائلًا:

"مش عيب يا ليلة... إنتي ما اتعلمتيش من آخر مرة؟ أسرعت بأنزال القدح تخفيه خلف ظهرها، قائلة باضطراب وتلعثم: "مكنتش هرميه عليك على فكرة... كنت هرميه بعد ما تخرج." أومأ برأسه لها، يتقدم منها بخطوات، راقبتها بعيون خائفة، متحفزة لأقل حركة منه. هو يقول بهدوء مستفز: "لأ عندك حق، بتفرق كتير طبعًا."

صرخت بزعر حين هجم عليها على حين غرة فور انتهاء حديثه، لكنها استطاعت الفرار من قبضته، تهرول باتجاه الباب. لكنها تسمرت مكانها حين التف ذراعه حول خصرها يجذبها إليه، ليلتصق ظهرها بصدره، تشعر بكل عضلة به تلامسها، فترسل الحرارة في عروقها. تغمض عينيها وهي تحدثه بصوت ضعيف، أسف، تحاول التقاط أنفاسها المتسارعة ما بين كل كلمة وأخرى: "أنا آسفة يا جلال، مش هعمل كده تاني... بس عشان خاطري سيبني."

"همم." بالرفض، تشعر به ينحني عليها، يستند بذقنه فوق كتفها وهو يزيد من ضمها أكثر إليه، لتنسى كل شيء عن خوفها واضطرابها وهي تسمعه يهمس لها بخشونة: "مين قالك إني مش عاوزك تعملي كده تاني؟ ده أحلى حاجة عندي وأنا بفكر في كل مرة بتعمليها هعاقبك إزاي بعدها."

ارتجفت بين ذراعيه من أثر كلماته، لكنه لم يكن ارتجافًا من الخوف، بل ترقبًا وشوقًا لذاك العقاب. لذا لم تقاومه حين أدارها بين ذراعيه، وقد تشتت أفكارها تمامًا حين رأت نظراته الخطرة، والتي أصبحت تعشقها هي، وأنفاسه اللاهثة الملامسة لبشرتها. وهو يقترب منها ببطء، فيملأها غرور الأنثى وهي تعلم أنها المسؤولة عنها. ترى مدى رغبته وشغفه بها في كل حركة منه نحوها، يقربها من صدره. وقبل أن يمهلها الفرصة لالتقاط أنفاسها، كانت شفتيه تسرق ما تبقى منها،

حين همس فوقهم ببطء: "بس مش وقته خالص، لأن العقاب اللي في دماغي ليكي مينفعش هنا خالص. وبعدين أنا عارف اللي فيها، هتلاقي دلوقتي البيت كله افتكر المطبخ وواقفين على دماغنا حالا." ارتفعت غصة الإحباط في حلقها حين ابتعد عنها، يعدل من وضع ملابسه، قائلًا: "وبعدين عشان كمان متأخرش على أميرة والناس اللي مستنينا."

التفت تحت أنظارها الحانقة، يزيد من اشتعالها حين ابتسم، يشير لها بيده قائلًا كأنها طفلة صغيرة حمقاء، وهو يتحرك مغادرًا: "يلا سلام... عاوزك تبقي عاقلة كده ومؤدبة لحد ما أرجع، مش عاوز حد يشتكي منك أبدًا." أنهى كلماته أمام الباب، يلقي لها بقبلة في الهواء، ثم يختفي خلف الباب مغادرًا، لتجز فوق أسنانها غيظًا وهي تبحث عن شيء تلقيه به. "يا جبروتك يا شيخة."

دوت كلمات سلمى الساخرة في أرجاء المطبخ، لتكمل وهي تدلف إلى الداخل، متقدمة ناحية ليلة المولية ظهرها لها، تولي اهتمامها للطعام فوق الموقد: "جوزك خارج مع واحدة غيرك عشان يطلبها من أهلها، وحضرتك واقفة هنا تحضري ليهم الغدا؟ توترت نجية، تدير عينيها بين ليلة وسلمى بارتباك، حين أجابت ليلة بهدوء دون أن تلتفت إليها: "ابعدي عني الساعة دي يا سلمى، واديكي قولتي بنفسك جوزي أنا. يا ريت بقى تخليكي في حالك."

صرخت سلمى، لا تهتم بخروج نجية السريع من المطبخ، لتتقدم أكثر من ليلة قائلة بحدة: "إيه البرود اللي انتي فيه ده يا بني آدمة انتي؟ ده أنا لو مكانك كنت... تلتفت إليها ليلة بحدة تهتف بها: "كنت عملتي إيه يا سلمى؟ كنت رميتيها هي كمان من فوق السلم زي ما عملتي معايا؟ شحب وجه سلمى، تندفع إلى الخلف بقوة وهي تنظر إلى ليلة بصدمة، حين هزت ليلة لها رأسها قائلة: "أيوه يا سلمى، أنا فاكرة كل حاجة." "طيب ومقولتيش لجلال ليه؟

اتسعت عيني سلمى بذعر، حين لم تجبها ليلة، بل التفتت إليها بهدوء، وقد سحبت السكين من مكانها، موجهة نصلها أمام وجه سلمى، وقد كان قاب قوسين أو أدنى منه. تحول وجهها للنقيض تمامًا، وقد لمعت عيونها إلى الحدة، سكن الغضب ملامحها وهي تضغط فوق حروفها، قائلة ببطء شديد: "عشان أنا دلوقتي نفسي أعمل اللي إنتي عملتيه... فيكي وفيها... فبقولك تاني، ابعدي عن وشي الساعة دي يا سلمى، أحسنلك."

فتحت سلمى فمها تحاول الحديث عدة مرات في محاولة لإظهار ثباتها أمام ما تراه لأول مرة من ليلة جديدة تقف أمامها الآن، لكن فشلت تمامًا حين اقترب منها نصل السكين ومعه وجه ليلة تفح من بين أسنانها: "عاوزاكي تفهمي إن جلال مش ليكي ولا لغيرك، جلال ده جوزي أنا... براضكم أو غصب عنكم... فهمتي ولا تحبي أفهمك بطريقتك؟

نظرت سلمى لنصل السكين اللامع بارتجاف، ثم إلى ليلة، لترتعب من نظراتها أكثر من نصل السكين الموجه إليها، لتلتفت فورًا، فارّة من أمامها بخطوات مرتعشة متعثرة ناحية الباب، لترتطم بحبيبة ونجية بقوة، لكنها لم تعيرهم أي اهتمام، تلوذ بالفرار، لتكمل طريقها خارج المطبخ سريعًا. لتدلف حبيبة إلى الداخل، تنظر إلى ليلة وإلى السكين الذي بين يدها بتفهم، قبل أن تبتسم قائلة:

"أنا كنت جاية أنقذك منها لما نجية قالت إنها عندك، بس الظاهر إنك خلاص مبقاش يتخاف عليكي هنا." جلست أميرة داخل سيارة جلال المتجهة بهم إلى منزله، تتأفف من الصمت السائد وعدم اهتمامه الواضح بها، يولي الطريق أمامه اهتمامه الخالص، كأنها الفراغ بجواره. لتوجه بالحديث إليه بعد حين بتردد: "هنقولهم كنا فين؟ وهقول إيه لـ عمتي وهي أكيد هتكلم أبويا تفهم؟ "منهج." ببرود، وعينيه ما زالت على الطريق أمامه: "هتقولي اللي حصل...

خرجنا اشترينا الشبكة، لما روحنا البيت عندكم ولقينا خالي مش موجود ومسافر أسبوع.. وأنا كلمت خالي وعرفته هيقول إيه لأمي لو سألته." "لوت." أميرة شفتيها بضيق، تهمس: "شبكة؟ شبكة إيه دي يا حسرة اللي على الساكت؟ هتضحكي على مين بكلامك ده؟ أجابها جلال بصرامة وحدة: "متبرطمش بالكلام. وبعدين واحدة زيك المفروض، ميهمشهاش غير دهب الشبكة وبس." "تت." أميرة إليه، تهتف بعتاب غاضب: "وليه بقى كده يا جلال؟ إنت نسيت إني بنت خالك؟

وبعدين يعني مش شبه الست لي... قطعت الباقي من حروفها حين التف لها، وبعينه نظرة أرجفتها، وهي تراه كمن تلبسه الشيطان، يهتف بها بوحشية وعنف: "اخرسي خالص... اسمها ميجيش على لسانك، ومتنسيش نفسك. وإن كان على موضوع بنت خالتي ده، فـ أنا نسيته، ومن وقت ما دخلتي نفسك في لعبة وسخة عشان طماعة... فـ بلاش النغمة دي معايا."

رسمت أميرة دموع التماسيح داخل عينيها، تنظر إليه بحزن، لكنه لم يتأثر به، بل عاد باهتمامه للطريق مرة أخرى، لتنكس رأسها إلى أسفل، متظاهرة بالخزي والخجل المصطنع، لكن كانت عينيها كانت تنطق بكل حقد وغل العالم، موجها لاسم واحد فقط. نهرها هو منذ قليل عن النطق به، لكن سرعان ما رفعته حين سمعت صوت جلال يسأل بحدة وتوتر، وهو ينظر إلى المرآة الجانبية: "بيعمل إيه الغبي ده؟ دي سواقة بها...

نظرت أميرة هي الأخرى بقلق لتلك السيارة، والتي أخذت تترنح فوق الطريق يمينًا ويسارًا، حتى أصبحت بمحاذاتهم، لتصطدم بهم من الجانب بقوة، حتى كادت أن تخرجهم عن الطريق، لولا استطاعت جلال السيطرة على السيارة، فيوقفها بجانب الطريق، وعينه تضيق بحدة، وهي تتابع توقف السيارة الأخرى أمامهم مباشرة. لتمتد يده إلى داخل سترته، يسحب سلاحه الخاص، قائلًا لها بصوت حاد صارم: "خليكي مكانك، متتحركيش منه أبدًا مهما حصل."

أومات أميرة له بالإيجاب، وقد سيطر الرعب على ملامحها، وهي ترى جلال ينظر ناحية الأخرى بنظرات ثابتة هادئة، يتابع خروج رجلين منها، يتقدم أحدهم صوبهم، أما الآخر فوق بجوار السيارة، وكل منهم يوجه سلاحه إليهم، حتى وصل الرجل إليهم، يميل فوق نافذة جلال، قائلًا بصوت متحشرج وأنفاس كريهة: "براحة كده ومن غير حركة كتير... العربية دي تلزمنا." ابتسم جلال له قائلًا بهدوء ساخر: "لأ يا راجل، حركة إيه وبتاع إيه...

العربية أهي متغلاش عليكم... بس سيبنا ننزل منها وحلال عليكم." ابتسم الرجل هو الآخر ابتسامة ثقة، مبتعدًا عن الباب، وهو ينظر إلى زميله الآخر، يومأ له، وقد كانت الفرصة التي انتظرها جلال ليخرج سلاحه فورًا، لـ تتعالى صرخات أميرة المرتعبة مع دوى إطلاق الرصاص، وينتهي كل شيء في لمح البصر.

ظلت تجوب أرض البهو ذهابًا وإيابًا بقلق وتوتر، تنظر إلى ساعة الحائط، وهي تزفر بحدة، تتساءل بقلق تجاوز غيرتها عن مكانه حتى الآن، وأن يكون قد ذهب هو وتلك الحرباء حتى هذا الوقت، ولم لا يرد على اتصالاتهم؟ زفرت مرة أخرى بقلق، هذه المرة ليتعالى صوت قدرية تهتف بها بحدة: "اقعدي بقى يابت انتي في مكان... مش ناقصاكي انت كمان." تلتفت لها ليلة قائلة بحدة: "قلقانة يا حاجة، قلقانة على جوزي، ولا بلاش أقلق؟

احتقن وجه قدرية غيظًا حين سمعت منها كلمة زوجي بتلك الطريقة، تهم بالرد عليها بحدة، لكن قاطعتها زاهية قائلة بخبث: "والله ليكي حق تقلقي جوزك برضه وخايفة عليه." لوت سلمى شفتيها هي الأخرى حنقًا، تنهض عن مقعدها مستأذنة بحدة، ثم ترتقي الدرج كمن لدغتها حية، هي تبرطم بكلمات غير مفهومة، جعلت ليلة عينيها تتسع ذهولًا، وقد سمعت اسمها يتردد من بين كلماتها. لتسرع حبيبة بعد اختفائها، تتحدث قائلة بصوت حاولت تهدئة الأجواء به:

"متقلقيش يا ليلة، إن شاء الله خير... عمي هو وفواز بيحاولوا يوصلوا لحاجة." وقفت قدرية من مكانها تصرخ غاضبة: "فيه إيه منك ليها؟ هو جلال ده عيل صغير؟ إياك وعاملين الهيصة دي كلها عشان اتأخر شوية." زفرت ليلة، تغمض عينيها في محاولة للصبر، بينما قالت حبيبة بقلق: "ياما، ما الوقت اتأخر فعلاً... وبعدين مش بيرد على حد فينا، يبقى لينا حق نقلق ولا لأ؟

توترت قدرية، تعلم جيدًا أن ما قالته صحيح، يتأكلها القلق والخوف عليه، ولكنها أظهرت التماسك، قائلة بحدة تتمزج معها السخرية، تقتل بها قلقها هذا: "عادي تلاقيه مشغول هنا ولا هنا... إنتوا ناسين إنه عريس، وأكيد وراه مليون حاجة يجهز لها مع عروسته." توقفت ليلة عن الحركة، تلتفت لها ببطء، عينيها تطلق نظرات كالرصاص ناحية قدرية، والتي وقفت تبادلها النظرات بتحدٍ، وقد ساد الصمت التام أرجاء المكان. حتى تعالي صوت صبري يهتف بفرحة:

"جلال وصل يا أم جلال، وبخير الحمد لله." تلتفتوا إليه سريعًا، متناسين ما حدث منذ قليل، تسأله ليلة بلهفة: "بخير يا عمي؟ يعني هو بخير؟ ابتسم لها صبري قائلًا له بحنان: "أيوه يا بنتي بخير... موضوع كده حصل معاه وعطله، والحمد لله عدت على خير... وهو جاي ورايا أهو."

بالفعل، دلف جلال إلى الداخل، لتبتسم ليلة بفرحة وسعادة، سرعان ما اختفت حين وجدت تلك الحية محمولة بين ذراعيه، متعلقة بعنقه، وهي تلقي برأسها فوق صدره. تسمرت مكانها بوجه شاحب، لتزيحها قدرية عن طريقها، تدفعها بعنف في كتفها، تسرع ناحيتهم، وهي تقول بخوف وقلق: "خير يا بني، مالها أميرة؟ حصل إيه ليه؟

لم يجبها جلال، يتقدم بحمله إلى الداخل، وعينيه ثابتة فوق ليلة، تلمع بمشاعر لامست قلبها فورًا، جعلتها تنسى كل ما يحيط بهم من أشخاص، تنسى غيرتها التي كانت تنهشها وهي ترى غيرها تتمتع بحماية ذراعيه. لكنها قامت بفصم نظراتهم، تخفض عينيها عنه، حين هتفت زاهية تسأله: "مالها يا بني، حصل إيه؟ طمننا." جاءت الإجابة من صبري قائلًا بهدوء:

"مفيش حاجة، اطمنوا، عدت على خير، دول شوية عيال طلعوا عليهم، عاوزين يسرقوا العربية، بس جلال عرف يتعامل معاهم."

شهقت ليلة رعبًا، وعينيها تجول فوقه بلهفة، وهي تراه يضع أميرة فوق الأريكة، فتقدمت ناحيته دون وعي، ترغب بأن تمرر يدها عليه حتى تطمئن روحها المتلهفة عليه. ولكن توقفت حين سبقتها قدرية، تتلفقه في أحضانها، تصرخ بجزع وهي تحاول الاطمئنان عليه. لكنه وقف بثبات، عينيه تنظر إلى البعيد بوجه حاد، يتركها تحتضنه للحظات، قبل أن يبتعد عنها قائلًا بجمود: "أنا طالع أرتاح، ومش عاوز أي إزعاج لحد ما أنزل لوحدي." "مش هتتعشى؟ إنت متغدتش...

كل لقمة واطلع ارتاح بعدها." هز جلال رأسه، يمرر أصابعه في شعره، قائلًا بإرهاق ظهر على محياه: "مش عاوز... اهتموا بس أميرة، لأنها شافت يوم صعب النهاردة، وأنا هطلع أرتاح فوق." لم يمهل أحد فرصة لاعتراض، صاعدًا الدرج سريعًا، تتابعه الأعين، حتى ليلة، وقفت تتابعه بتردد، لم يستمر طويلاً، تحزم أمرها فورًا، تتبعه صاعدة خلفه فورًا، لا تعير صرخة قدرية المستنكرة اهتمامًا، حين قالت: "شفتوا البت جرت وراه إزاي؟

هو مش قال مش عاوز حد معاه؟ طلعة وراه دي ليه بقى؟ شهقت زاهية، تلوى شفتيها استنكارًا، بينما قالت حبيبة بحرج: "دي مراته يا ماما... مراته وطالعة تطمن عليها." احتقن وجه قدرية بشدة، تبرطم من بين أسنانها بكلمات سريعة، تخللها بعض السباب، ليتنحنح صبري قائلًا بسرعة، موجهًا حديثه إلى زاهية: "أروح أنا كمان ارتاح شوية لحد ما العشا يجهز، يلا زاهية تعالي معايا."

حاولت زاهية الاعتراض، لكن يأتي أمره الصارم لها بالنهوض، لتسرع فورًا في تنفيذه، تغادر معه فورًا، لكن يتأكلها الفضول، ترغب في معرفة ما حدث من فم أميرة، تعلم علم اليقين أن قدرية لن تتركها دون أن تعتصر منها المعلومات اعتصارًا، على عكس زوجها. وبالفعل، لم يخيب حدسها، فور صعودها، التفت قدرية إلى أميرة الملقاة فوق الأريكة، تهتف بها بغضب: "قومي يا بت بلاش دلع، واحكيلي حصل إيه بالظبط." "حبيبة" وهي تجلس بجوار أميرة،

ترفعها برقة عن الأريكة: "براحة عليها يا ماما، دي شكلها مخضوضة خالص." ابتسمت قدرية بسخرية، وهي تنظر إلى أميرة المتقمصة لدورها جيدًا، قائلة بتهكم: "اسكتي انتي، متعرفيش حاجة، دي بسبع ترواح، ولا يهزها حاجة." رفعت أميرة رأسها عن كتف حبيبة، تهتف بعصبية: "فيه إيه يا عمتي، يعني؟ هو أنا لازم أموت قدامك عشان تصدقيني؟ أشارت قدرية إليها، توجه حديثها إلى حبيبة المندهشة: "مش قلتلك... دي بنت أخويا وأنا اللي مربياها."

ثم ضربتها فوق فخذها، تهتف بها بصرامة: "اخلصي، احكي عملتوا إيه طول اليوم، وإيه حكاية العربية دي؟ لوت أميرة شفتيها غيظًا، يتجعد أنفها بشكل مضحك، قبل أن تقص عليهم أحداث يومهم، حتى أتت على ذكر تلك الحادثة، فـ تلمع عينيها بانبهار، سرعان ما تحول إلى زاهية وحبيبة، حين أخذت تتوالى في ذكر ما حدث.

فتحت بهدوء الباب، تتوقع منه أمرًا لها بالمغادرة، لكنها توقفت بقلق، حين وجدته يستلقي على بطنه في وسط الفراش بكامل ملابسه، فتقدمت بخطوات خفيفة منه، حتى توقفت بجواره، تتطلع إليه باهتمام وقلق، لتجده يغلق عينيه، وأنفاسه بطيئة هادئة، فظلت مكانها تتطلع إليه بحيرة، لا تدري أحقًا قد ذهب في النوم بتلك السرعة، أم أنه مرهق فقط مما حدث له.

لكنها استقرت أنها في كلا الحالتين يجب أن تدعه دون إزعاج منها. تنهدت، تتحرك مغادرة، لكنها توقفت مكانها، تلتفت إليه بقلق، حين تأوه بألم وهو يحاول الاعتدال على ظهره. تسرع إليه هاتفة باسمه بجزع، فتفتح عينيه سريعًا، مهمهمًا لها بالإيجاب، لتسأله بقلق وخوف: "جلال، إنت تعبان؟ حاسس بحاجة؟ أبعت أجيب لك دكتور؟ صمتت حين صدر من فمه صوت ينفي به جميع أسئلتها، قائلًا بصوت مرهق:

"متقلقيش، مفيش حاجة، ده شوية إرهاق وعضلات رقبتي بتوجعني شوية... لما هنام هرتاح." أسرعت إليه قائلة بلهفة وحماس: "طيب إيه رأيك أعملك تدليك ليها؟ أنا كنت شاطرة فيه، كنت بعمله لـ جدي لما كانت عضلات تشد عليه، وكان دايماً يقولي إن إيدي خفيفة وإني...

تباطأت كلماتها لتختفي في النهاية، حين وجدت أنها تثرثر دون فائدة، وأنه لم يلتفت لحديثها أو يعطي له اهتمامًا. تلوك شفتيها بأسف، وهي تتحرك مغادرة، ليناديها صوته الهامس، لتتوقف فورًا، تلتفت إليه متطلعة إليه بلهفة، وهو ينهض مستندًا فوق مرفقيه، يسألها: "رايحة فين؟ مش قولتي هتعملي تدليك ليا؟ ولا رجعتي في كلامك؟ أومأت له بالإيجاب، تبتسم له قائلة بسرعة: "لأ ابدا... ثواني وهرجعلك حالا."

دلتفت إلى الحمام، تبعث في محتويات الخزانة بداخله، حتى عثرت على مبتغاها، عائدة إليه مرة أخرى، لكن توقفت مكانها متجمدة، وعينيها تقع على صدره العاري، حين وجدته وقد جلس على طرف الفراش، يحاول نزع قميصه، متأوهًا بضعف. فابتلعت لعابها بصعوبة، تتقدم ناحيته، صاعدة للفراش بجواره، فتتوقف حركته، وهو يتابعها، حتى ركعت خلفه على ركبتيها، قائلة بهمس رقيق: "خليني أساعدك... كده أحسن عشان متحركش رقبتك كتير، وكمان عشان...

ضغطت شفتيها، تصمت الباقي من حديثها، حين وجدت نفسها تثرثر مرة أخرى، فتمد يدها إلى قميصه، تنزعه عنه بهدوء وبطء. ساعدها هو على ذلك، حتى نزعته تمامًا، تتشرب عينيها ظهره بعضلاته القوية، تضيع في تأملاتها للحظات، حتى نداها بصوت رقيق: "ليلة... مش هتبتدي؟ هزت رأسها بقوة، تحاول إخراج نفسها من حالة التيه تلك، تسرع بإمساك زجاجة من الزيت العطر، تضع بعضًا منه فوق يدها، ثم تضع بارتعاش فوق عضلاته عنقه المتيبسة، تفرك بنعومة، جعلته

يتأوه باستمتاع هامسا: "أيوه برافو عليكي يا ليلة... الوجع هنا بالظبط." ركزت على عملها لفترة، حاولت خلالها تجاهل تلك المشاعر التي أخذت تهاجمها بضراوة من ملامستها لجسده، وشعورها بدفئه تحت أناملها، فجعلت من وجنتيها كثمرة البندورة الطازجة، حتى شعرت أخيرًا بارتخاء عضلات تحت لمسات يدها، ليشجعها هذا لتسأله بهمس: "جلال، مش هتحكيلي إيه اللي حصل؟ شعرت بهزة كتفه غير المكترثة، قائلًا بكلمات مقتضبة: "زي ما عمي قال للكل تحت...

مفيش جديد أقوله." شحب وجهها، تبتلع غصة تجمعت في حلقها من أثر إجابته المقتضبة تلك عليها، لتستمر في تدليك عضلاته لبضع دقائق أخرى، قبل أن تتحرك من خلفه، تبغي المغادرة، تنزل عن الفراش، قائلة بصوت مرتعش متحشرج: "أنا هنزل أحضرلك العشاء عشان تاكل وبعدها ترتاح."

قبضت يده فوق معصمها، يجذبها ناحيته، فسقطت فوق ركبتيه جالسة، شاهقة تنظر إليه بصدمة، فتتطلع إليه عينيه بنظرات غامضة حادة، شعرت بها تنفذ إلى داخلها، ترى ما تحاول إخفائه عنه من شعورها بالضيق من رده الجاف. فتخفض عينيها عنه، قائلة بتلعثم وتوتر وهي تحاول النهوض: "أنا... أنااا... العشا." لف خصرها بيده، يثبتها مكانها، وهو يدفع بأصابعه في خصلات شعرها، يقرب وجهها منه، قائلًا بهمس: "مش عاوز حاجة...

أنا عاوز بس أعرف إنتي بقى زعلانة ليه؟ خفضت عيونها عنه، قائلة بصوت مرتجف: "مش زعلانة... أنا بس كنت عاوزة أطمن عليك." لم يجيبها، بل نداها باسمها بهمس رقيق، جعلها ترفع عينيها إليه مرة أخرى، ليحدثها، وأنامله تعبث بخصلات شعرها بحنان، قائلًا لها بنعومة: "تعرفي إني حمدت ربنا ألف مرة إن اللي كانت معايا في العربية مش إنتي."

لم تدرك بأنها تزم شفتيها كطفلة تمنع نفسها من البكاء، وهي تراه يفضل صحبة أخرى عنها، فتحاول مرة أخرى النهوض، وهي تدفع عنها ذراعه الملتف حول خصرها، قائلة له بسرعة وغيرة عمياء: "يبقى خليك احمد ربنا أكتر، لأن إني مش هكون معاك هنا كمان." انفجر جلال بضحكة رجولية صاخبة، خطفت دقات قلبها معها، لكنها دفعت في صدره بقوة، قائلة بغضب طفولي: "وكمان بتضحك عليا؟ طب أوعى يا جلال، خليني أقوم."

أسرع بإحكام ذراعه حولها، يمسك بمؤخرة عنقها، يدفعها ناحيته، قائلًا بمرح أضاء ملامحه: "طب بس استنى بس هفهمك... أنا أقصد لو كنتي معايا، استحالة كنت هفكر حتى أعمل اللي عملته." عقدت حاجبيها بحيرة، تسأله: "يعني إيه؟ مش فاهمة؟ "جلال" وقد تغيرت طبيعة نظراته، تزداد أنفاسه حدة، تشعر بها تدغدغها، وهو يقترب من شفتيها ببطء، هامسا فوقهم بنعومة: "هقولك بس بعدين... أنا دلوقتي ورايا عقاب متأجل من الصبح، ولازم أنفذه."

لم يمهلها فرصة لأي رد، يلتقط شفتيها بين شفتيه بقبلة بطيئة متذوقة، أتبعها بأخرى وأخرى، ويده تمتد لتثبت رأسها، حتى يتحكم في قبلاته لها أكثر، بينما يدها تزحف خلف عنقه، تغرز أصابعها في خصلات شعره، تتأوه حين ضمها أكثر إليه، فتتوه معه في دوامة من المشاعر، استسلما لها أخيرًا، تجذبهم بعيدًا عن كل ما يحيط بهم، فلا يبقى سوى هما فقط. "كنت عارف يا نسيم الكلب إنك غبي وهتغرقني معاك."

صرخ راغب بكلمات تلك لنسيم الواقف أمامه بارتعاب، وهو يحاول تهدئته قائلًا: "خلاص يا جلال، خابت المرة دي، المرة الجاية تصيب." دفع راغب يده في خصلات شعره، يجذبها بغيظ، يهتف: "مش بقولك غبي وهتضيعني؟ مرة جاية إزاي يا بهيم، وإحنا كنا عاوزينها تبان سرقة ونخلص منه برصاصة، ونكون إحنا بعيد... بس هقول إيه، رايح تجيب شوية بهايم زيك يعملوا الشغلانة، وضاعوا وضيعونا معاه."

"الرجالة طمعت في العربية، فمحبوش يزفروها بالدم، فقالوا يخلصوا عليه بره... بس ابن الجنية قبل ما يخرج حتى من بابها، كان ضارب كل واحد رصاصة جابت أجله... والبوليس ماشي فيها على أنها قضية سرقة." أسرع يطمئنه، يكمل بحزم: "يعني متخافش، إحنا بعيد، والمرة الجاية مش هيلحق حتى يحرك طرف عينيه." ضحك راغب بصخب، جعل نسيم ينظر له بقلق، حتى توقف أخيرًا، يهتف به: "المرة الجاية! لأ، دانت واثق وإنت بتقولها."

فتح نسيم فمه ليجيبه، لكن نهره راغب، يصرخ به بغضب وشراسة: "إنت تخرس ومتفتحش بوقك، وسيبني كده أرتبها وأظبطها بترتيب جديد خالص." فعقد حاجبيه بحدة، ينظر إلى البعيد، قائلًا: "مانا لازم أشوف لها حل... والمرة دي أنا اللي هنفذ بنفسي، يا قاتل يا مقتول."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...