انصدم كلاهما وهما يريان مصطفى واقفًا ينظر إليهما بغضب، فعلمت بأنها النهاية. لن يمر الأمر مرور الكرام بعد ما سمعه الآن. لوهلة أرادت الاختباء خلف جاسر خوفًا من أخيها، لكن انتهى الأمر وستواجه الآن غضب أخيها. فتقدم منهم وعيناه تنظر إليهما بغضب متسائلًا: _ايه اللي سمعته ده؟ رمشت بعينيها تحاول الثبات أمامه والبحث عن كلمات تنكر بها، لكنها فزعت عندما سمعته يهدر بهما: _ردوا عليا مين دي اللي خاطية وحقيقة إيه اللي عرفها؟
نظرت لجاسر تستنجد به وقلبها يدق كالطبول في صدرها. صرخت بفزع عندما جذبها من ذراعها بحدة وهو يهتف بها: _ردي عليا. استاء جاسر من حدته معها وهمّ بجذبها، لكن مصطفى أبعده بانفعال: _متدخلش واركن انت، لأن حسابك لسه جاي. _خلي كلامك معايا أنا وسيبها هي. نظر مصطفى إليه بحنق وتحدث بتحذير: _قلتلك متدخلش بيني وبين أختي. هتف جاسر به أيضًا باحتدام: _أختك دي تبقى مراتي ومسمحلكش تمد إيدك عليها.
تجمع المنزل بأكمله على أصواتهم، فحاولت جليلة التدخل بينهم، لكن مصطفى منعها بحدة: _محدش يتدخل بيني أنا وأختي. نظر إلى جاسر وتابع بحزم: _وانت بلاش تدخل لحد ما أعرف مخبيين عليا إيه. أنهى حديثه وأخذها من ذراعها خارجًا من الغرفة متوجهًا إلى غرفته. وما إن وصل بها حتى دفعها بداخلها، مغلقًا الباب خلفه بعنف، وتقدم منها ليسألها بسخط: _خاطية إزاي؟ وحقيقة إيه اللي عرفها؟ هزت رأسها بدموع وهي تستجديه أن يرحمها من تلك الذكرى.
لكن صمتها جعله يزداد غضبًا منها، فهدر بها: _انطقي. بكت تتوسله وهي تراه لأول مرة بهذا الغضب، فتمتمت ببكاء: _الموضوع مش كده يامصطفى صدقني. _فهميني إزاي. انتفضت بوجل من صوته الهادر وبدأت بسرد كل شيء من البداية حتى تلك اللحظة، وهو يستمع إليها بصدمة كبيرة وخيبة أمل. لما لم تأتِ إليه وتخبره؟ لما ذهبت إلى جلادها وتركته يعذبها كيفما يشاء، وقد أتته الفرصة للانتقام من أبيهم. _ومجتيش ليا أنا ليه؟
ليه سمحتيله يهينك ويجرحك بالشكل ده؟ إيه اللي كان يجبرك تتحملي كلمة زي دي وتوصل للضرب. لم يجبه سوى صوت نحيبها وعتابه يجلدها بغير رحمة، وتابع تعنيفه: _شكلك إيه قدامهم وهو بيعاملك كأنك شيء مفروض عليه. مصيبة من مصايب منصور اللي بتنزل عليهم كل شوية. ولما عرفتي الحقيقة ليه رجعتي ورميتي نفسك في حضنه؟ ليه رخصتي نفسك للدرجة دي؟ أنا كنت فين في حياتك عشان تلجئي له هو وتمحيني أنا؟
إزاي قبلتي على نفسك ترجعي له بعد ما كسرك قدام الكل وأهان كرامتك قدام نفسك؟ _لأني بحبه. قالتها بكل العذب الذي بداخلها، والذي تحملته منذ أن وطئت قدمها داخل تلك الشقة حتى تلك اللحظات، وتابعت بألم: _غصب عني بحبه. مهما يعمل قلبي غصب عني بيسامحه. تنفست بعمق وتابعت: _حتى لو دخل دلوقتي واعتذر برضه هسامحه. تقول تافهة تقول مليش كرامة تقول اللي تقوله بس دي الحقيقة، أنا مقدرش أعيش من غيره وعشان كده مهما يعمل بتحمل.
وواثقة إن هو كمان بيحبني بس ديمًا بيشوف فيا منصور. قاطعها بانفعال: _يبقى ملكيش قعاد معاه، لأن منصور هيفضل بينكم. مادام شايف فيكي منصور يبقى عمر ما هيكون في استقرار، لأن مشاكل أبوكي مش بتخلص وكل مصيبة تحصل كل ما الفجوة تزيد بينكم لحد ما تكرهوا نفسكم من شدة الضغط. وإن كنتي ضعيفة للدرجة دي استمراره ومش عارفة تعملي لنفسك كيان وتوقفيه عند حده، يبقى أنا اللي هعمل كده. اتفضلي جهزي شنطتك. حاولت إثنائه على التراجع لأجل جدهم،
لكنه منعها بحزم: _مش عايز أسمع ولا كلمة. اللي أقوله يتنفذ من سكات. خرج من الغرفة ليجد جاسر خارجًا من غرفته متوجهًا إليهم، همّ بالولوج لها، لكن مصطفى منعه بحزم: _سيبها. زمّ جاسر فمه بعناد: _دي مراتي. _مش من بعد النهاردة. عقد حاجبيه متسائلًا: _يعني إيه؟ _يعني هاخد أختي وأمشي دلوقتي وبعدها هتطلقها. انقبض قلبه من سماع تلك الكلمة وشعر حقًا بأنه سيخسرها تلك المرة، فهز رأسه بنفي وصاح به: _انت شكلك اتجننت، أوعى من قدامي.
أسرع أمجد وليلى فور ولوجهم على صوت جاسر. تدخل بينهم: _في إيه يا جماعة اهدوا. صاح به جاسر: _خد المجنون ده من قدامي. رد مصطفى بتعند: _مش هتشوفها بعد النهاردة وهصر على الطلاق لحد ما أخلصها منك. تحدثت ليلى بامتعاض: _طلاق إيه اللي بتتكلم عنه يامصطفى؟ أجاب بلهجة شديدة: _مش سيب اختي تعيش معاه بعد النهاردة. تدخلت وسيلة بعد أن تركت الطفلة مع جليلة وأسرعت إليهم: _اهدي يا ابني مش كده. هو إيه اللي حصل لكل ده؟
وبعدين جاسر وسارة محدش بيتدخل بينهم. انفعل مصطفى من ردها وسألها بحدة: _ليه؟ متدخلوش ليه؟ ليه سيبتوه يهينها ويستقوى عليها بالشكل ده بحجة إنكم مش بتدخلوا بينهم. زمّ فمه يحاول السيطرة على أعصابه وأردف بحسم: _أنا بقى اللي هتدخل. نظر إلى جاسر بتحدٍ وتابع: _وريني بقى هتعمل إيه. تدخل أمجد بينهما وتحدث برزانة:
_مصطفى إحنا هنسيب الرأي لسارة، مينفعش انت اللي تقول. لو موافقة على قرارك محدش هيقدر يمنعك. إنما مينفعش أبدًا تتكلم بالنيابة عنها. كانت هي بالداخل تزرف دموعها بألم وهي في حيرة بين تتبع قلبها الذي يجبرها على المسامحة مثل كل مرة، وبين عقلها الذي يطلب منها الوقوف أمام جبروته مرة واحدة. نظر إليها مصطفى بأن توافقه ولن يخذلها.
تقدمت منهم وهي تنظر إليه بعتاب جعله يشعر بمدى ضآلته في نظرها، لكنه يعرفها لن تستطيع البعد عنه مهما حدث. أما هي فكانت في حيرة من أمرها. هي ضعيفة دائمًا أمامه، ما أن ينظر إليها حتى تنسى كل شيء وتسرع للغوص في أحضانه، فهذا حالها الآن وهي في أشد الحاجة إلى ذراعيه التي ما إن يحاوطونها حتى تنسى كل شيء. صوته الذي جعلها تغمض عينيها بألم: _سارة. وكأنه علم نقطة ضعفها، فهل تلقي نفسها بين يديه؟ أم تعيش العذاب الأشد بعيدًا عنه.
أسرعت بالهرب من الباب الخلفي بعد أن ذهب الحارس لتناول عشاءه داخل حديقة القصر، فتخرج منه وقلبها يئن ألمًا على فراق طفلها. تلفتت حولها لتجده واقفًا بعيدًا عن القصر، فأسرعت إليه بخوف شديد. "طارق أنا خايفة ليلاقونا وممكن يقتلوك فيها." جذبها من ذراعها وهو يقول بإصرار: "يعملوا اللي يعملوه بس أنا مستحيل أسيبك معاهم بعد النهاردة واللي يحصل يحصل." توقفت بوجل: "ومهران؟ طمئنها بثبوت:
"متقلقيش، أهربك انتي بس ومهران أنا هقدر أهربو بعدين." تلفت حوله وتابع بقلق: "المهم يلا بسرعة قبل ما حد يشوفنا." أسرعت بالهرب معه، ولأن الليل وأغراب عن تلك البلدة لم يستطيعوا تتبع الطريق جيدًا، فضّلوا طريقهم وتوقفوا عن السير لتسأله بريبة: "إحنا رايحين فين دلوقت؟ طمئنها قائلًا: "اطمني، أنا بحاول أتذكر الطريق وإن شاء الله هنوصل." ظل كلاهما يتخبطان في الطريق حتى استطاع الوصول إلى وجهته. وما أن وقفوا أمام
ذلك المبنى حتى سألته بوجل: "جايبنا هنا ليه وبيت مين ده؟ "ده بيت كامل النعماني، سمعت إن فيه عداء كبير بينه وبين جوزك وهو اللي هيقدر يساعدنا." انقبض قلبها خوفًا وسألته: "انت واثق فيه؟ "زي ما قلتلك، هو الوحيد اللي هيساعد بجد عشان يشمت كويس، أنا مستعد أعمل أي حاجة عشان أنقذك." أومأت بتفاهم، ثم ذهبت معه حتى وصلوا إلى ذلك المنزل المنشود. دلفوا للداخل طالبين مقابلته، وعند رؤيتهم سأله: "انتوا مين؟ تحدث طارق بثبوت:
"أنا طارق وجدي، ودي أختي تبقى مرات حامد الهواري." ضيق كامل عينيه بشك وتقدم منه يسأله: "وچاي عندي ليه؟ نظر طارق إلى أخته وقال برجاء: "إحنا جايين نطلب حمايتك وإنك تساعني أهرب بيها بعيد عن البلد." تطلع كامل إليها وقد أخفت وجهها خلف وشاحها، ثم سأله: "وعايزني إني أهرب واحدة من چوزها؟ نفى طارق حديثه: "بس هي مش مراته." اندهش كامل أكثر: "كيف ده؟ عايشة معاه في الحرام؟
"لا مش كدة، بس هو مطلقها من فترة ومصر يرجعها وهي مش عايزة ترجعله، وعشان كدة عايز أهرب بيها بعيد عنهم." عاد يتطلع إليها ويسألها: "صح الكلام ده؟ أومأت له مؤكدة: "أيوه صح." هز كامل رأسه بتفكير قليلًا، ثم نادى على أحد الخدم التي أسرعت إليه، وكانت سيدة كبيرة في السن. "نعم يا كامل بيه." أشار لها قائلًا: "خدي... أم مهران برضك؟ أومأت في صمت: "خدي أم مهران جوه دلوقت."
نظرت إلى أخيها الذي أومأ لها برأسه، ودلفت معه رغم خوفها من القادم، فتأخذها السيدة إلى إحدى الغرف التي تبدو بأنها مخصصة للخدم. "اتفضلي يابنتي." دلفت الغرفة في وجل، لتقول الخادمة: "اطمني، مفيش حد إهنه، اقعدي لحد ما أعملك حاجة تشربيها." خرجت المرأة، وجلست أم مهران على المقعد ومازال الخوف يسيطر عليها. انتفضت بوجل عندما انفتح الباب ودلفت منه امرأة تبدو في شهرها التاسع. "خالتي سعدة... صمتت عندما وجدت امرأة أخرى غيرها،
فسألتها: "انتي مين؟ ارتبكت أم مهران وتمتمت برهبة: "أنا... قاطعها دخول سعده، التي ما إن رأتها حتى عاتبتها: "إيه اللي قومك من فرشتك بس يابنتي." كانت تبدو عليها علامات التعب والانهاك، فقالت بألم: "حاسة بوجع جامد أوي." ساندتها سعده حتى تجلس على فراشها، وتحدثت بطمأنينه: "متقلقيش، ده وجع عادي، لسة بدري على ولادتك." لاحظت حور مدى الآلام التي تظهر عليها وتبدو أنها علامات ولادة، فدون إرادتها وجدت نفسها تتقدم
منها لتقول بريبة لسعده: "بس شكلها بيقول ولادة." شعرت سعدة بالقلق عليها وقالت بقلق: "لا حول ولا قوة إلا بالله، منه لله اللي كان السبب، معلش يابنتي اتحملي شوية لحد ما أروح أخبره." منعتها الفتاة من الذهاب وهي تغمغم برفض: "أوعي تعرفيه." "ليه بس يابنتي؟ "لو طلعتي قولتيله آسيا هتعرف وخايفة تأذي ابني." انقبض قلب حور وشعرت برعشة تنتابها خوفًا من القادم، وخاصة عندما ازداد الألم عليها ولم تعد تستطيع، فغمغمت بألم:
"مش قادرة يا خالتي، الألم كل مدى بيزيد." نظرت سعدة إلى حور وقالت برجاء: "معلش يابنتي ساعديني ننيمها على السرير." أسرعت حور لمساعدتها، واستلقت المرأة على الفراش، لتبدأ سعدة بالكشف عليها. تبدلت ملامحها للخوف وهي تقول لحور: "فعلا ولادة، بس لسة شوية، خلي بالك منها لحد ما أجهز كل حاجة." "اطمني، أنا هفضل جانبها." ذهبت سعدة لتجهز الأشياء المطلوبة، والتي أعدتها مسبقًا تحسبًا لذلك الوقت.
نظرت حور إليها وإلى جمالها الذي يجذب العين إليها، وسألتها: "انتي اسمك إيه؟ أجابتها بوهن: "ورد، وانتي؟ ردت بابتسامة: "حور." ابتسمت ورد بوهن: "اسمك حلوة أوي يا حور، معاكي أولاد؟ أومأت لها بحنينًا له: "معايا مهران." رددت الاسم بين شفتيها وقالت: "مهران اسم جميل أوي." وضعت يدها على جوفها الممتلئ وتمتمت بحب: "لو جه ولد هسميه مهران، إنما لو بنت هتكون مهرة." "إن شاء الله هتكون بنت حلوة زيك." تنهدت بحزن وتابعت:
"بس ياريت نصيبه من الدنيا ميكنش زي نصيب ابني." كان الألم يأتيها، فتضغط على يد حور حتى يذهب. تنفست بألم وهي تسألها: "بس انتي هنا بتعملي إيه؟ لا تعرف حور لما فتحت قلبها إليها وقالت بحزن: "هربانة." قطبت ورد جبينها بدهشة وسألتها من بين آلامها: "من مين؟ قصت عليها كل شيء، لتبدل ملامح ورد بقلق. وعاودها الألم، فكتمته بداخلها وتمتمت بألم: "مكنش ينفع تيجي هنا، اهربي بسرعة." اندهشت حور مما يحدث وسألتها: "ليه؟
طارق قالي أن هو الوحيد اللي هيقدر يساعدنا." أصبح الألم يشتد عليها، فلم تعد تستطيع التحمل. دلتفت سعدة لتجدها بتلك الحالة وبكائها الذي يمزق القلوب، فسألتها حور: "طيب فين جوزها يوديها للدكتورة؟ هزت سعدة رأسها بنفي: "ياريت، بس مينفعش تخرج بره الدار دي." ظلت الآلام معها تزداد وتزداد، وحور تجلس بجوارها تساندها، وكلما حاولت ورد التحدث تمنعها حور كي لا تتعبها، حتى أصبح الألم لا يحتمل، فقالت حور لسعدة:
"وبعدين هنسيبها تتألم كده؟ تمزق قلب سعدة عليها وقالت بحزن: "ربنا معاها، بس خليكي يا بنتي معايا ساعديني." بدأت سعدة في توليدها، وصرخات المرأة المكتومة تمزق قلب حور وهي تمسك يدها باشفاق. تحاملت ورد على نفسها وهي تقول بوهن: "أهربي يا حور بسرعة." هزت حور رأسها وهي لا تعلم شيئًا عن مقصدها، فقالت بإصرار: "مقدرش أسيبك وانتي كده، بلاش كلام وساعدي نفسك." لحظات من الجحيم تمر عليهم، وكأنهم داخل كهف مهجور لا أحد يعلم عنهم شيئًا.
الألم لا يحتمل، لكنها تضغط بكل ما أوتيت من عزم كي تنقذ صغيرها. كانت تحس حور على الهرب بحروف واهنة، لكنها كانت تأبى الاستماع إليها. ظلت تعافر حتى صدح صرخة خافتة من تلك الصغيرة التي أشرقت على الدنيا، فتاخذها حور بين يديها بسعادة غامرة، فتدثرها جيدًا، وتنظر إليها بحبور، ثم تحدث بحب: "جميلة أوي يا ورد تبارك الله." تطلعت إليها ورد بوهن: "هسميها مهرة زي ما قلتلك، بس ياريت حظها ميكنش زي حظي." هزت رأسها تأيدها:
"إن شاء الله يكون قدرها أفضل من قدرنا." بيد مرتعشة أمسكت ورد يدها وتمتمت بوهن: "حور اهربي انتي بسرعة، كامل مش هيساعدك زي ما انتي فاكرة، هياخدها فرصة عشان يشمت فيه، أهربي بسرعة." شعرت حور بالقلق وقررت الوصول لأخيها كي تخبره بحديث ورد. لكن قد فات الأوان عندما اندفعت آسيا تقتحم الغرفة وتنظر لكلاهما بغضب، ثم وجهت نظرها إلى تلك الطفلة بين يدي حور، وقالت بحدة: "انتي مين؟ أجاب سعدة بارتباك:
"دي ضيفة عند كامل بيه وقالي خليها عندك." عادت تطلع إلى الطفلة، ثم سألتها: "ولد ولا بت؟ أجاب سعدة: "بت يا هانم." أومأت بصمت، ثم قالت بحزم: "اطلعوا كلكم بره." رفضت حور التحرك، لكن سعدة دفعتها أمامها وهي تتمتم بخفوت: "اطلعي يابنتي معايا." نظرت حور إلى ورد التي أومأت لها، فتخرج مع سعدة وهي محتفظة بالطفلة بين يديها. خرجوا جميعًا، وحور مازالت تحمل الطفلة وقد شعرت بقلق كبير عليها. فور خروجهم قالت حور لسعدة برجاء:
"ممكن يا خالة توصلي لأخويا؟ أومأت لها وتركتها لتبحث عنه. وحينها خرجت آسيا لتنظر إلى الطفلة بحقد جعلت حور تضمها إليها وكأنها تحميها منها، ثم تركتهم وذهبت. دلتفت الغرفة عندما بكت الفتاة كي تطعمها والدتها، لكنها تفاجئت بها ساكنة دون حركة. وضعت الطفلة جانبًا، ثم تقدمت منها تهزها بلين: "ورد قومي." لم تجيبها، فشعرت بالخوف عليها.
أخذت تهزها وهي تحسها على الاستيقاظ ظنًا منها بأنها نائمة، لكن لا فائدة. نظرت إلى الوسادة الملقاة في الأرض، ثم إلى التي أصبح جسدها ساكنًا بلا أي حراك، فعلمت بما فعلته تلك المرأة. تجمعت الدموع بعينيها وهي تضع يدها على فمها تكتم شهقاتها، إذًا قتلتها وخرجت دون أن يرف لها جفن. تساءلت بصدمة: أين هي؟ ومن هؤلاء؟ وما ذنب تلك الطفلة التي حرمت من والدتها؟ دلتفت سعدة وهي تقول: "بعتله وهو مستنيكي في الجنينة بره."
أُلجمت سعدة عندما رأت حور بتلك الحالة وهي تهز رأسها ببكاء، فسارها الشك من جهة آسيا. وأسرعت إلى حور التي أصبح جسدها باردًا كالثلج، فأخذت تهزها بخوف: "ورد قومي يابنتي." لم تجيبها ولم تحرك ساكنًا. فأخذت تصيح بها لكن لا فائدة. "قومي يابنتي، قومي وسامحيني إني اللي جبتك لقضاكي قومي وسامحيني." أخذت سعدة تبكي مما جعل ورد تنسحب بألم، وذهبت إلى الحديقة لتجد أخيها واقفًا ينتظرها. وعندما رآها تبكي أسرع إليها يسألها بقلق:
"مالك يا حور بتعيطي ليه؟ أمسكت ورد يده بخوف شديد وقالت ببكاء: "تعالى نهرب من هنا بسرعة." يفهم منها شيء وسألها بوجل: "اهدي بس وفهميني في إيه؟ أغمضت عينيها تحاول التحكم في شهقاتها وقالت بخوف: "الناس دول مجرمين لازم نهرب بسرعة." ساوره القلق أيضًا فغمغم بخوف: "طيب يلا بسرعة." وقبل أن يتحرك من مكانه وجدوا حامد وأخيه يقفون أمامهم. "على فين العزم؟ تسمر كلاهما في مكانه وهم يرونهم برجالهم وطغيانهم، فيستسلموا لنهايتهم.
لكن رؤيتها لهم يسحبون أخيها بتلك القسوة واقتراب حامد منها ليجذبها من ذراعها جعلها تستسلم لمصيرها. وما أقساه من مصير وهي تسحب للموت رافعة راية الاستسلام. لم يعد لديها القدرة على المقاومة، إلى هنا وكفى. ها هو ذا يقيد أخيها في ذلك الجزع ويجلده أمامها بكل قسوة وجبروت، وأخيها يكتم صرخاته كي لا يعذبها بعذابه. كانت تبكي وتتوسل، لكن لمن؟ لمن انتزعت من قلوبهم الرحمة؟
وقع نظرها على طفلها الذي وقف في شرفته يشاهد ما يحدث، فتغمض عينيها بضياع حزنًا وألمًا عليه. سقط أخيها مغشيًا عليه، فأمر حامد رجاله بإلقائه على الطريق للذئاب. أما هي فتقدم منها وعينيها تطلق حممًا جعلها ترتد للخلف بخوف، حتى اصطدمت في الجدار خلفها وقال بهدر: "بقى تهربي مني وتروحي تتحامي في أعدائي." سقطت صفعة على وجهها جعلها تصرخ وهي تسقط أرضًا. مال عليها يجذبها من شعرها ليقرب وجهها إليه وقال بفحيح أشد من فحيح الأفعى:
"إني حامد الهواري تخليني أطاطي قدام ابن النعماني؟ ضرب رأسها في الحائط خلفها وصاح بها: "وديني لخليكي تتمني الموت ومطليش." صاح باسم أحد رجاله الذي أسرع إليه: "نعم يابيه." صاح به آمرًا: "افتح البوابة واخفي من قدامها." أومأ الرجل بطاعة وأسرع بالذهاب ليفتح البوابة، والتي يطلق عليها غرفة التعذيب. ستدخلها إذًا، ولن تخرج منها على قيد الحياة. أغمضت عينيها بألم شديد، فلا مفر لها من ذلك العذاب، لكنها ستهرب منه بطريقتها.
جذبها من شعرها ليذهب بها، لكنها أوقففته برجاء: "ارجوك خليني أشوف ابني الأول." لم يسمع لها، فعادت تترجاه: "ارجوك، أنا عارفة إن اللي بيدخل البوابة دي مابيخرجش منها، سيبني أودع ابني الأول." استطاعت الإفلات منه وذهبت إلى غرفة طفلها كي تودعه الوداع الأخير. ثم ذهبت إلى غرفتها لتقوم بتنفيذ ما لم تفكر به من قبل. تقدمت من الخزانة وسحبت حبلًا كبيرًا، والذي كان يقيدها به كثيرًا حينما تخطئ.
الليلة عليها إنهاء ذلك العذاب الذي كتب عليها. فأخذت المقعد وذهبت به إلى وجهتها، ووقفت عليه وقامت بربط الحبل جيدًا في تلك النجفة، ثم لفته بإحكام حول عنقها في هدوء تام ودون تردد، أزاحت المقعد بإصرار لينتهي عمرها في تلك اللحظة. عودة للحاضر. وقفت في شرفتها تنظر إلى القمر الذي يحتضن الجميع بضياءه وينثر على المحبين دفئه. لكن هي لا يزيدها إلا وحدة ومرارة لتلك الحياة التي لم ترى فيها ما يسرها.
تذكرت حديث تلك المرأة التي أخبرتها كل شيء قبل وفاتها، منذ أن تركت والدتها الملجأ وجاءت البلدة للعمل كخادمة في منزل كامل. جالت تلك التفاصيل بخيالها وكأنها تعاد أمامها. رفعت يدها إلى عنقها تتحسس تلك القلادة وتساءلت: ماذا إن علم بأمرها؟ انتبهت على صوت سيارات كثيرة في الأسفل. فأسرعت بالنظر من شرفتها لتجد والدها يترجل من سيارته ومعه عدد كبير من الرجال.
انقبض قلبها بخوف، حتى إنها ارتدت للخلف عندما تقابلت عيناها بعين والدها. فقامت بإغلاق النافذة جيدًا حتى تتخلص من نظراته، لكن مازالت تشعر بها تخترقه. انتفضت بفزع عندما دفع مهران الباب ودلف وعلى وجهه غضب شديد، وتحدث بقوة: "دلوقتي الحاج سلام هياجي عشان ياخد رأيك ويتأكد إنك جيتي بإرادتك. عايزة ترجعي معاهم أني مش همنعك ولو قتلوك إني مليش صالح. إنما رايدة تكوني في الأمان تنفذلي اللي هقوله بالحرف، قولتي إيه؟
نظرت إليه بحيرة، فذلك القاسي لا يختلف كثيرًا عنهم. فتخرج من نفق مظلم لتدخل في نفق أكثر ظلام. "قولتي إيه؟ قالها بحدة أجفلتها، ولا تعرف ماذا تفعل. هل ترفض وتعود إلى جحيمها؟ أم توافق وتعيش في جحيم آخر أشد صرامة؟ * * * "انت بتقول إيه؟ يعني إيه القضية اترفضت؟
"يا فندم، القضايا اللي زي دي إحنا مش بنقدر نقدمها في القسم، لإن في ضباط كتيرة بترفض حاجة زي دي، فاضطريت أقدمها في المحكمة، بس هما قدموا إثباتات إنه لا يملك أي شيء وكل حاجة مكتوبة باسم ابنه جمال." ازداد حنقه منهم وقال بسخط: "يعني مفيش حل تاني؟ "للأسف مفيش حل تاني." أغلق منصور الهاتف بغضب شديد، وكاد أن يطيح به لولا دلوف سمر التي ما إن رأت حالته أيقنت من تنفيذه للدعوى. تقدمت منه وعقلها يرفض تصديق ذلك، فسألته بشك:
"في إيه يا منصور؟ أزاح بيده كل الأشياء الموضوعة على الطاولة بغضب شديد وصاح بحقد: "كتب كل حاجة باسم جمال وحرمني أنا." هزت رأسها بعدم استيعاب وغمغمت بحسرة: "يعني نفذت اللي في دماغك؟ وضع منصور رأسه بين يديه يحاول استيعاب ما يحدث، فقد خسر حقًا تلك المرة كل شيء. "سيبني لوحدي دلوقت، مش عايز أشوف حد." نظرت إليه بتهكم وقالت باستياء:
"هسيبك لوحدك، لأن اللي زيك محدش يأمن على نفسه معاه، اللي يخسر آدميته ويعمل كده في أبوه يبقى سهل أوي عنده يرمي اللي قدامه للطوفان عشان ينجي هو. بعد النهاردة مفيش أي حاجة هتجمعنا، عشان تبقى خسرت مالك وعيلتك وقبلهم خسرت نفسك وآدميتك." هزت رأسها بخزي: "حقيقي أنا مش مصدومة فيك، بس بكرة هتندم ندم عمرك كله وهتستجدي حنانهم ومش هتلاقيه. أنا خارجة من حياتك، وخلي أحلامك بالفلوس تعوضك عننا."
نزعت خاتمها وألقته في وجهه، وخرجت من الغرفة. فيدمر هو كل ما تطوله يداه، وكأن أصابه ضرب من الجنون. فلم تبالي له وأخذت حقائبها ورحلت من ذلك المنزل. * * * جلس في غرفته الجديدة والتي انزوى فيها بعيدًا عنها، ربما بتلك الطريقة يستطيع نسيانها. لكن كيف ذلك وعينيها لا تفارقه مخيلته لحظة واحدة. نهر نفسه بحدة. فعشقها أصبح محرمًا عليه. لم يرها منذ الصباح وتمنى أن تظل كذلك بعيدة عن عينيه.
لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، عندما جاءت والدته تخبره عن إصرار عمه على تناول العشاء معهم. كان مازال يعاني من ذلك البرد الذي أتعبة حقًا، فتمتم برفض وهو يعتدل في رقدته: "معلش يا أمي، قوليله إني تعبان ومش هقدر أتحرك." تنهدت بحزن عميق على حال ابنها وقالت بتعاطف: "يا ابني ده حال هيطول، هتفضل كده لحد أمتى؟ هز رأسه بيأس: "مش عارف يا أمي، ولولا غياب ماجد كان زماني مهمل البلد عشان أقدر أنساها."
"وانت فاكر إنك هتقدر تنساها بهروبك؟ أنا كنت قدرت أنسى أبوك بعد موته، صدقيني يا سليم الحب لما بيدخل في القلب بيبقى صعب خروجه." نظر إلى والدته وسألها بوجل: "هي حلتها إيه مع عمي؟ هزت رأسها بحزن: "مش عارفة إيه حكاية عمك معاها، الصبح حكم عليها تنزل تعمل الفطار معايا، وحتى الغدا، وكل ما أقولها ارتاحي يطلب منها أي حاجة عشان يتعبها وخلاص." تنهد بيأس: "هو قدري وقدرها كده ولازم نتحمله." "صدقيني أفضل حل إني أخليني بعيد."
"بعيد عن مين ياسليم؟ كان هذا صوت عمه الذي دلفت الغرفة وعلى وجهه علامات استفهام...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!