وقفت بين نارين بين الفراق الذي سيكون مدمرًا بمعنى الكلمة وبين كرامتها التي تطالبها بأخذ موقفًا ومعاقبته حتى لو ستسقى من نفس الكأس لما تجبر نفسها على التحمل لأجله وهو لم يتحمل يومًا لأجلها. تظاهرت بقوة زائفة وهي تنظر داخل عينيه وتقول بثبات: "الطلاق زي ما قال مصطفى." نزل دويها كالصاعقة على قلبه الذي صدم حقًا بقولها وتحولت نظراته من الصدمة إلى العتاب مندهشًا كيف استطاعت قولها، حاول التحلى بالثبات وغمغم بثبوت:
"لو انتي شايفة كدة ماشى." ثم تركهم وغادر لتظل هي ترمقه بلوعة حتى اختفى عن ناظرها. أغمضت عينيها عندما تحدث مصطفى بتعاطف: "يلا جهزي شنطتك انتي وبنتك وأنا هجهز أول طيارة ونسافر." منعتها وسيلة من التحرك وقالت بحدة: "سارة مش هتمشي من هنا، ولو حتى جاسر طاوعها في الهبل اللي بتقولوه ده، البيت ده بيتها زي ما هو بيت جاسر، ومهما حصل بينهم مينفعش تسيب بيت الحاج عمران في غيابه." لكن إصرار مصطفى لم يستطيع أحد إثناءه:
"برضه مش هتقعد في البيت معاه ثانية واحدة وده قرار نهائي." تدخل أمجد برصانة: "ماشي كلامك بس في حاجة دلوقتي، ينفع إنك تاخد اختك في الظروف دي وتمشي؟ قطب مصطفى جبينه ورد بنفي: "أنا مبتخلاش عن جدي وأنتم عارفين كده كويس، بس أنا مصر إن أختي متقعدش معاه في مكان واحد ولو سمحتوا محدش يناقشني." جذبه أمجد من ذراعه وتحدث بهدوء: "طيب تعالى معايا دلوقتي." وما إن ذهب مصطفى حتى ارتمت سارة في حضن وسيلة
التي احتارت ما بين تعاطفًا معها، وبين عتابٍ لها. هي تعلم أنها تحملت منه الكثير ومازالت تتحمل، لكن ما كان عليها أن تسمح لأحد بالتدخل بينهما. لكن ستتركها لربما بُعدها عنه يجعله يكف عن ذلك التعصب. نظرت وسيلة إلى ليلى التي كانت ترمق سارة بتأثر وتقارن بين حالتيها. لن تصل مع أمجد تلك المرحلة حتى لو اضطرت للبقاء بالمنزل. جلس أمجد مع مصطفى الذي أعماه الغضب وجعله غير مدركًا لما يفعل. تحدث أمجد بجدية:
"ياريت تهدى كده وتفكر بالعقل." زم مصطفى فمه بغضب شديد وتحدث بانفعال: "هو بعد اللي عرفته هيفضل فيا عقل أفكر بيه؟ لا يعلم أمجد شيئًا عن ماضيهم، لكنه يعلم جيدًا مدى تعلق جاسر بزوجته. قد يكون متعصبًا وغيورًا، لكن هذه طباعه، وكما يقولون الطبع يغلب التطبع. تحدث بحيادية: "طيب تعالي نتكلم بالمنطق، تفتكر ده وقت مناسب للي بتعمله ده؟ جدك اللي لسه خارج من العناية المركزة.. تفتكر لما يرجع ويسأل عنكم هيقولوا إيه؟
أنا عارف إن جاسر طبعه حامي وعصبي حبتين وكلنا كده، بس دور الست أنها تتحمل وتعدي عشان المركب تسير." هم مصطفى بالاعتراض، لكن امجد منعه: "أوعى تقول مش بيحصل، متحاولش تفهمني إنكم نازلين حب في بعض ليل ونهار ومفيش مشاكل بينكم." زفر مصطفى بضيق: "أكيد بنزعل، بس زعل عن زعل يفرق."
"بس مهما كان الحب بيجمع بينكم من تاني، جاسر بيحب أختك ومحدش يقدر ينكر. ومتنساش إن في بينهم طفلة من حقها تعيش بينهم. جدك محتاجكم دلوقتي أكتر من الأول، اصبر لحد ما تطمنوا عليه وبعدين أعمل اللي انت عايزه."
"جاسر لازم يحس إنه هيخسرها عشان يفوق، لكن طول ما بيغلط وهي تسامح هيزيد في غلطه ده، كل ما حاجة تضايقه هييجي يتعصب عليها، ماهي بقى الوحيدة اللي بتتحمله. إنما لو حس بالخطر وأنها هتضيع منه هيتغير عشان ميخسرهاش، أنا عارف إنها بتحبه ومتقدرش تعيش من غيره، بس لازم تعمل لنفسها كيان أكتر من كده. لازم تبعد من اللحظة دي، لو معملتش كده هيقدر يسيطر عليها ويرجعها ليه تاني، دي أختي وأنا عارفها." فكر أمجد قليلًا: "طيب هقولك."
أخرج مفاتيح من جيبه واعطاه لمصطفى: "خد مفتاح البيت بتاعي واقعد فيه أنت وهي لحد ما تطمن على جدك، هتكون بعيدة عنه وفي نفس الوقت هتكون مع جدك، أظن كده منعدكش حجة." ليس بوسعه الرفض، فكما قال لن يستطيع أخذها الآن وجده بتلك الحالة، فأومأ باستسلام: "تمام." أخذ المفتاح من يده وتحدث أمجد: "المكان نضيف ومش ناقصه أي شئ، وإن احتاجت أي حاجة كلمني فورًا." أومأ مصطفى ثم نهض متمتمًا: "طيب أنا هاخد أختي وأمشي."
دلف للداخل كي يستأذن جدته أولًا، ولا يعرف ما ستفعله معه إن علمت بما ينتويه. دلف الغرفة ليجدها جالسة على الفراش وبجوارها سيلا نائمة ببراءة لا تعلم شيئًا عن تلك الحروب التي تشن من حولها. "تعالى يا ولدي." تقدم منها مصطفى ليجلس بجوارها ويتمتم بأسف: "متزعليش مني لو عليت صوتي عليكي من غير ما أقصد، بس صدقيني كان غصب عني، انتي عارفة أنا متعلق بسارة قد إيه ومش بتحمل أشوف حد بيضايقها حتى لو كان جوزها."
ربتت جليلة على يده بتفاهم: "عارفة يا غالي، بس إني قلتلك قبل كده، متخافش عليها مع جاسر. ده مفيش لا أحن ولا أطيب منه." أومأ لها بهدوء: "عارف وواثق من كده، بس صدقيني أنا بعمل كده لصالحهم هما، عايزهم يجربوا الفراق عشان يفوقوا لنفسهم وجاسر يبطل يحملها ذنب أبوها." قطبت جبينها بعدم رضا: "محدش أبدًا يقدر يحملكم ذنب أبوكم، هو في الأول والآخر ولدنا واحنا اللي غلطنا في تربيته مش أنتم. إحنا اللي المفروض نتحاسب." "قبل
يدها بحب: لا عاش ولا كان اللي يحاسبكم، إحنا بس ندعيله بالهداية وخلاص. جدتي أنا عايزك تسمعيني كويس وتفهمي أنا بعمل كده ليه." "خير يا ولدي؟ "بعد ما جدي صحته تتحسن هاخد سارة ونسافر القاهرة." ضيقت عينيها بتساؤل: "كيف ده؟ قص عليها ما يود فعله، ورغم اعتراضها إلا إنه استطاع اقناعها بذلك، فقالت باستسلام: "خلاص اللي تشوفه يا ولدي، مع إن صعب عليا فراقكم." "اطمني مفيش حاجة هتبعدنا عنكم، دي بس قرصة ودن عشان يبطل تهور مش أكتر."
خرج مصطفى من الغرفة وهو يحمل سيلا، وقد حملت سارة حقائبها هي وطفلتها، وخلفها وسيلة وليلى الذين يأسوا من إقناعها بالبقاء. لكنها ستتبع عقلها تلك المرة ولن تضعف وستتمرد على قلبها الخائن الذي يطالبها بالبقاء معه. أخذها وذهب بها إلى منزل أمجد مستسلمةً لعقلها للمرة الأولى. لحظات مريرة مرت عليها وهي لا تعرف هل أخطأت حينما وافقت عليه أم كان عين الصواب. دقائق معدودة وستضع رأسها بنفسها داخل حبل إعدامها تمامًا كما فعلت والدته.
فزواجها منه يعد القتل بحد ذاته. بماذا أفادها هروبها إذًا؟ هربت من زيجة سيئة لتتفاجأ بمن هي أهلك وأشد منها. طرق الباب ودلف منها من لم تتخيل يومًا أن يعرف بحقيقتها. سلام النعماني ومعه والدها ومهران. "السلام عليكم." انقبض قلبها خوفًا عندما رأت نظرات أبيها القاتلة. لم يطاوعها صوتها على الرد ونظرات أبيها ترهبها، حتى نظرت إلى مهران تلتمس منه الأمان. فوجد نفسه لأول مرة يود أن يبث أمانه بداخل أحد.
كان لرؤيتها بتلك الحالة أثر عجيب على قلبه وتمنى أن يحتويها بين ذراعيه ويمحي نظرات الهلع من داخله. لكن صوت سلام جعله يعود لرشده: "أني جاي عشان أعرف منك الحقيقة، انتي هنا برضاكي ولا غصب عنك؟ اهتزت أوصالها وهي تنظر إلى مهران بعينيه التي تحولت لتصبح حازمة بعد أن لمحت بداخلها لأول مرة نظرة عميقة بثتها الأمان، وياليتها دامت. نظرات والده القاتمة جعلها تتخذ مهران ملجأً لها بعيدًا عن قسوته.
لكن ماضيه يجعلها تتخذها فرصة للهرب بعيدًا عن جحيم ذلك القصر. رفعت بصرها إلى عينيه التي ترى فيهما دائمًا حزن دفين يتدارى خلف قوة ورعونة قد تكون زائفة: "أيوة برضاي." هم كامل بالتوجه ناحيتها وتعنيفها، لكن سلام منعه وأشار لها بأن تكمل حديثها، فتابعت بوجل: "أنا عرفت مهران من فترة ولما أجبروني إني أتجوز خليل النجايمي هربت له عشان ينقذني منهم." أومأ لها بتفاهم ثم عاد يسألها: "ومين اللي ضرب عليكي نار؟
اهتزت نظراتها وشعرت برعشة تنتابها إثر تلك الذكرى، فأخفضت عينيها بوجل وهي تغمغم بخفوت: "حد من رجالة أبويا." قذف سلام كامل بنظرات متوعدة ناقمة، ثم تطلع إليها وسألها بعتاب: "وليه مجتيش تتحامي فيا بدل الغريب؟ رفعت بصرها لمهران الذي أخذ يتطلع إليها بوجوم كأنه ينتظر ردها، فتمتمت هي بدون إرادة منها:
"لأنه هو الوحيد اللي قبلني بوضعي ورفع من شأني قدام نفسي. ما استعرش مني وقال دي بنت الخدامة زي ما عمل أبويا ونفاني بعيد عنه عشان يراضي مراته. هو الوحيد اللي قبل بيا بظروفي دي، فطبيعي وقت ما اتكسر ألجأ له هو." أومأ لها بتفاهم ثم تحدث بجدية: "على العموم من بعد النهاردة أني موجود أب ليكي، إن احتاجتي لأي حاجة أني موجودة." زت رأسها بالموافقة، ثم نظر سلام إلى مهران: "يلا نكتب الكتاب لإن الوقت اتأخر أوي."
يخرجوا جميعًا ليبدأوا عقد القران في ذلك الوقت المتأخر، ليشعر مهران بلذة النصر وهو ينظر بتشفي واضح في عين كامل، لكن فرحته لم تكتمل بغياب ولده الذي أراد رؤيته الآن وهو يرى انكسار أبيه أمام عائلته والبلدة بأكملها. ذلك الرجل الذي أخفى ابنته عن الجميع ليتركها في أيدي زوجته تعمل كخادمة في منزله. في غرفة أمجد عاد إلى الغرفة بوجه مكفهر. جلس على الأريكة ونظر إلى ليلى التي تبعته بعيون عاتبة على تعنده معها.
أخطأت واعترفت بذلك، إلى متى سيظل هذا الهجران؟ تقدمت منه لتجلس بجواره وتمتمت بخفوت: "هتفضل مخاصمني كتير؟ عاد أمجد بظهره للخارج وغمغم بهدوء: "أنا مش مخاصمك." "أومال اللي بتعمله ده إيه؟ وبعدين مين فينا اللي يزعل أنا ولا أنت؟ هز رأسه بيأس وقد تعب حقًا من كثرة الجدال معها في هذا الشأن، فتمتم بثبوت: "أنا شايف إننا نأجل أي كلام لما نرجع بيتنا." "بس أنا عايزة أتكلم دلوقتي، مش هستنى لما نروح."
نظر إليها مطولًا وبداخله مازال يود معاقبتها، لكن قلبه يود حقًا احتضانها ومعاقبتها عقاب العشاق. كلاهما أخطأ، لكنه حقًا لم يقلها بوعي، فقد أعماه الغضب تلك اللحظة وجعله غير مدركًا لما يقول. فغمغم بروية: "أنتي عارفة كويس إني بحبك وعمري ما عملت حاجة ضايقتك ولا زعلتك. وفجأة حسيت إنك حطيتي شغلك في مكانة كبيرة أوي لدرجة إني مبقتش باين جنبها. حسيت إني لو اتحطيت في مقارنة مش هيكون ليا ظهور أصلًا عشان تختاريني."
دنت منه ليلى لتضع رأسها على صدره مبادرة منها على الاعتذار والتمسك. بذاك الحب الذي كاد يضيع منهم بتهورهم كما يحدث مع أخيها. "وأنا عمري ما هسمح لأي حاجة تفرق بينا مهما كان تعلقي بيه." رفع وجهها إليه وتحدث بثقة: "عارف؛ ولولا كده مكنتش سامحتك أبدًا. صدقيني يا ليلى أنا مش ضد شغلك بس ضد بعدك عني وضد اللي بيعدني عنك مش أكتر." نظر في ساعته ثم نهض وهو يقول: "أنا أخرت أوي عليهم، هروح المستشفى عشان أكون معاهم." أومأت
بتفاهم ثم غمغمت بحزن: "امجد أرجوك حاول تتكلم مع مصطفى وتهديه شوية." "المرة دي أنا فعلًا مع مصطفى في اللي بيعمله، جاسر لازم يحس إن طريقته دي هتخسره مراته وبنته." ارتدى سترته وتابع: "أنا هعدي على مصطفى لو كان محتاج حاجة وبعدها هطلع على المستشفى." أومأت له في صمت وخرج هو مارًا على مصطفى. جلس مصطفى مع أمجد الذي قابله بامتنان. "أنا قلت أعدي عليك أشوف إن كنت محتاج حاجة قبل ما أروح المستشفى." ابتسم مصطفى بامتنان:
"متشكر أوي يا أمجد على وقفتك جنبي." ربت أمجد على ساقه وقال بصدق: "وقفة إيه؟ متقولش كده إحنا أخوات. المهم هتسافر أمتى عشان أسافر معاكم." تنهد مصطفى وعاد بظهره للخارج وغمغم بحيرة: "مش عارف لسه بس أكيد في اليوم اللي جدي هيخرج فيه." "أنا كنت عايز أقعد معاكم أكتر من كده بس بابا جاي من العمرة كمان يومين ولازم أكون موجود. غير كمان الشركة اللي سايبها على فارس دي."
"سافر أنت عشان مصالحك، جدي الحمد لله اتحسن واتغلب على صدمته زي كل مرة، بس أنا اللي مش عارف إزاي هيتعايش مع الصدمة دي." "أنت ناوي تعمل إيه؟ هز كتفيه بحيرة: "مش عارف، بس اللي أعرفه إني مستحيل أرجع للبيت بعد اللي حصل، وفي نفس الوقت مش عارف هروح فين؟ فكر أمجد قليلًا ثم تحدث بجدية: "طيب إيه رأيك تقعد في الشقة... (حاول مصطفى مقاطعته لكنه تابع بثبات) "...
ياسيدي أدفع لها إيجار هي كده كده مقفولة على الفاضي. وإن كان على الشغل أنا محتاجك معايا." "هشوف الأول الأمور هتوصل لحد فين وبعدين أرد عليك." "أنا حقيقي محتاج حد ثقة زيك يكون معايا. فكر كويس ورد عليا." أومأ له مصطفى فنهض أمجد قائلاً: "على خيره الله أنا هسافر بكرة وهستناك." نهض مصطفى بدوره: "إن شاء الله." عاد عمران إلى المنزل صباح اليوم التالي بعد أن سمح له الطبيب بالخروج.
عاد على ذلك المقعد المتحرك الذي سيلازمه باقي عمره. تقبلت جليلة تلك الصدمة برحابة صدر، يكفي أنه يتنفس بجوارها. كان لرؤية عمران لعائلته حوله أثرًا جليلًا عليه، لكن لفت انتباهه غياب سارة وصغيرتها. فظن أنها تتدارى من شعورها بالإحراج من فعلت والدها. "أومال فين سارة؟ نظرت وسيلة لمصطفى تعاتبه، لاحظه جمال، لكن جليلة أنقذت الموقف: "في أوضتها بتنيم بنتها وجاية، ادخل أنت ارتاح شوية."
أومأ لها عمران ثم أخذه جاسر ودلف به الغرفة ومعه مصطفى ليساعدوه على الاستلقاء. كانت نظراتهم تحمل توعد وتحدي. وكأن جاسر يخبره بثقة بأنه لن يفلح بالتفريق بينه وبين زوجته. "سنرى." اكتفى بها مصطفى ثم تطلع إلى جده ليقول بأسف: "جدي معلش مضطر أسافر النهاردة عشان سايب مراتي عند أمها، اطمن بس عليها وأرجع تاني." ربت عمران على يده وتحدث بتفاهم: "روح يا ابني إني بخير."
قبل يده باعتذار أقرب للامتنان، ثم ابتسم بحب وخرج من الغرفة بعد أن وجه نظرة يملؤها الغضب لجاسر. وما إن خرج من الغرفة حتى سمع صوت جمال الحاد: "مصطفى." نظر مصطفى لعمه الذي كان جالسًا في الردهة بجوار وسيلة. تقدم منه ليقول بطاعة: "نعم يا عمي." أشار له بالجلوس بحزم ليفعلها باستسلام وتطلع إليه ينتظر حديثه. نهضت وسيلة كي تتركهم يتحدثون بأريحية، وما إن ذهبت حتى سأله مصطفى: "خير يا عمي؟ "أنت اللي خير، عايز تاخد أختك ليه؟
نظر مصطفى إلى ما بين قدميه بحيرة وتحدث بتسويف: "عايزها تقعد معايا يومين، هي من يوم ما رجعت البلد مخرجتش منها." ظل جمال يتطلع إليه بترقب، فلم يستطيع مصطفى الصمود أمامه فقال بتحفز: "عمي أنا مش هسيبها ليه بعد النهاردة، كفاية إهانة وتجريح فيها، إن كان بابا غلط هي ملهاش ذنب." "واحنا من امتى حملناكم الذنب، ده أخويا ودي حاجة بينا وبينه إيه دخلكم أنتم؟ "أنا مش بتكلم عنكم، أنا أقصد جاسر."
زفر جمال بحنق من ابنه الذي لم يكف عن كرهه لعمه حتى ينعكس ذلك على مشاعر زوجته. فقال بتفاهم: "أنا مقدر زعلك على أختك بس ده ميدكش الحق إنك تاخدها من جوزها بالإجبار." انفعل مصطفى من اتهامه وقال بحدة: "أنا مأجبرتش حد، هي اللي رافضة تكمل معاه بعد... قاطعه جمال: "بعد ما أنت أقنعتها بده." اشاح بوجهه بعيدًا عنه ملتزمًا الصمت، فتحدث جمال برزانة:
"شوف يا ابني أنا مقدر زعلك على أختك وخصوصًا إنها توأمك، بس صدقني سارة وجاسر مستحيل يقدروا يبعدوا عن بعض لحظة واحدة. المشاكل اللي بتحصل بينهم مش بتسمح لحد فينا يتدخل مع إننا بنبقى معاها حتى لو مش غلطانة، بس مش بتتحمل حد فينا يمسها ولو بكلمة. جاسر إن كان عمل كده فده من زعله على جده مش أكتر. إنما سارة دي روحه ميقدرش يبعد عنها." يعلم جيدًا بأن عمه محق في كل كلمة، لكنه أخطأ في إنكار غضبه منها لأفعال أبيها، فقال بتعند:
"عمي متحاولش تنكر الحقيقة، أنا بنفسي سمعت كل حاجة، وجاسر لازم يتعاقب على أفعاله، والعقاب الوحيد ليه أنها تبعد فترة، ومش هتنازل." زم جمال فمه بحيرة وسأله: "مفيش طريقة غير دي؟ أنت كده بتعاقبنا كلنا، أنا ذنبي إيه تبعد عني هي وحفيدتي؟ لم يلين مصطفى وحديثها الذي سمعه منها قد لبث في عقله: "معلش يا عمي فترة كده وإن شاء الله هترجع تاني."
علم جمال ما يود الوصول إليه فاضطر للموافقة، ربما بتلك الطريقة يستطيع تلقينه درسًا لن ينساه. "اللي تشوفه." خرج مصطفى من المنزل ومازال على نفس إصراره، سيأخذها ويأخذ زوجته ويستقل بعيدًا عن دائرة والده، لكن بعد مواجهة صغيرة بينه وبين أبيه. دلف غرفته وقد شعر حقًا بفراغ شديد. كانت باردة كالجليد بخلو أصحابها منها، فتلك الجنة الصغيرة التي كان ينعم بها أصابته حد الاختناق في بعدهم.
يبدو أنها فضلت البقاء في غرفة ليلى كنوعٍ من العقاب، وقد كان أشد عقاب. شعر بحنين جارف لأبنته التي لم يلمح طيفها منذ الأمس. جلس على الفراش مستندًا بمرفقيه على قدميه ينظر إلى ما بينهما بشرود. لقد استطاعت بمهارة أن توجعه، فغيابها هو أشد الأوجاع على قلبه. لم يتحمل قلبه ذلك الفراق وأجبره على الذهاب إليه. لن يعتذر فلم يفعل شيئًا يستحق الاعتذار. فقط سيجبرها على العودة إلى غرفتها. دلف غرفة ليلى لكنه لم يجدها.
نزل للأسف يبحث عنهم حتى وجد والدته تخرج من غرفة جده، سألها بثبات: "أومال سيلا فين؟ اندهشت لعدم معرفته بذهابها مما جعلها تتردد في القول. لكنه عاد يسألها بقلق: "في إيه يا أمي قلقتيني." أجابت مسرعة: "لا يا ولدي مفيش قلق ولا حاجة." اهتزت نظراتها وهي تتابع: "أصلها مشيت مع أخوها." قطب جبينه بعدم استيعاب وسألها: "مش فاهم، سافرت معاه فين؟ ارتبكت وسيلة من نظرات ابنها التي لا تبشر بخير وتمتمت برهبة: "هي زمانها لسه...
قاطعها جاسر بصبر نافذ: "وبعدين يا أمي متتكلمي على طول." "في بيت أمجد هي ومصطفى." عقد حاجبيه متسائلًا: "بتعمل إيه هناك؟ "هي ومصطفى قاعدين فيه من امبارح لحد ما تمشي." لم يستمع لباقي حديثها وخرج من المنزل متجهًا إليها منتويًا بأشد عقابها. هي تفعلها مرة أخرى وتنوي السفر دون علمه. إذا ظنت لوهلة أن عشقه لها سيجعله راضخًا لها، فهي واهمة. أما هي فقد قضت ليلتها الباردة في ذلك المنزل في ذهاب. بعيدًا عن دائرته.
بعيدًا عن ذراعيه التي لم تستطيع النوم بعيدًا عنهم منذ عودتها إليه. كيف ستتحمل ذلك البعد؟ لا هكذا سيكون عقابًا لها أكثر منه. عليها العودة ليس لها مكانًا بعيدًا عنه. دلف مصطفى المنزل بعد أن حجز لكلاهما على متن الطائرة. تقدم منها بابتسامة لم تصل لعينيه وتحدث بهدوء: "عاملة إيه دلوقتي؟ أجابته بهدوء رغم ما يعتمل بداخلها: "الحمد لله." شعر بأن هناك ما تود التحدث به فقرر الاجتماع لها. "قولي اللي جواكي يا سارة."
تحدثت بعد تردد طويل: "أنا مش هسافر." لم يقاطعها بل تركها تخرج ما بجعبتها: "أنا هبقى بضحك على نفسي لو قلتلك هقدر أبعد عنه، للأسف مش هقدر ولا هقدر أحرمه من بنته. جاسر مش وحش، بالعكس ده أحن إنسان ممكن تشوفه في حياتك بس مشكلته أنه مندفع وده اللي بحاول أغيره فيه، صحيح بفشل كل مرة بس أديني بحاول." اعتدل مصطفى في جلسته ونظر إليها وهو يحاول بصعوبة إخفاء غضبه منها لإخفاء ذلك الأمر عليه وغمغم بحدة:
"شوفي يا سارة، أنا كنت ناوي أعاقبك على اللي حصل بس لما نوصل القاهرة، بس بما إنك قابلة على نفسك الإهانة من غير ما تاخدي موقف فأنتي حرة. وأنا شايف إن ده أكبر عقاب ليكي. آمنتِ غيري على سرك ووافقتي على المهزلة دي، يبقى خلاص اتحملي."
"أنا مأمنتِش حد بالعكس أنا خفيت الموضوع ده جوايا ورضيت بنصيبي بس جاسر سمعني وأنا بكلمه بالصدفة ودارى عليا وعرض أنه يتجوزني عشان يستر عليا، ومكنش قدامي حل تاني. آه كان قاسي وكان ديمًا بيجرحني بالكلام بس أي حد مكانه كان هيعمل أكتر من كده، بعدها الحب اتولد بينا وزاد جرحنا لبعض، وكل ما نتعلق أكتر كل ما العناد يزداد أكتر وأكتر لحد ما عرفنا الحقيقة." التفتت إليه وغمغمت بهدوء:
"للأسف أنا ضعيفة قوي قدام حبه ومستحيل هقدر أتغير. هعاقبه بس وأنا معاه مش بعيدة عنه." لم يستطع الوقوف أمامها وإبعادها عن من أحبت فتقدم منها ليحيط كتفيها بيديه وتحدث بقوة: "مادام أنتِ عايزة كده أنا هسيبك بس لازم تاخدي موقف منه وأوعي تستسلمي المرة دي." ما إن أنهى حديثه حتى سمع طرق الباب بحدة. لم يتساءل كلاهما عن هوية الطارق، ومن غيره. فتح مصطفى الباب بكل هدوء ليدلف جاسر الغاضب وهو يتلفت حوله: "هي فين؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!