الفصل 21 | من 33 فصل

رواية وهام بها عشقا الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم رانيا الخولي

المشاهدات
24
كلمة
4,421
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 64%
حجم الخط: 18

انتفض جسدها أثر ذلك السلاح الذي وضع على رأسها وتلك اليد التي تكمم فمها تضغط بشدة جعلها ترتعد بخوف. "ارفع إيدي دلوقتي وإن سمعت صوتك هفرغ المسدس في دماغك." هزت رأسها بالإيجاب. "أنت مين؟ وعايز إيه؟ رفع الغطاء عن وجهه ورفع الهوية إليها متحدثًا بقوة. "أنا المقدم مدحت الرواي، الظابط الجديد اللي ماسك ملف جوزك." ازدردت لعابها بصعوبة بالغة وسألته بريبة. "ملف إيه؟ تقدم منها ليقول بجدية.

"شوفي مفيش وقت أن أشرحلك، بس جوزك مشترك في شحنة سلاح جاية البلد قريب. هتساعديني وتعرفي ميعاد التسليم، أنا كمان هساعدك وأخلصك منه. انتي وبنت عمك اللي عاملين تدوروا على خطط خايبة. مش هتساعديني هتبقي بتتستري على مجرم وهتروحي معاه في الرجلين. فكري كويس في اللي قلته وهجيلك تاني تكوني جمعتي المعلومات اللي محتاجها." دانى منها أكثر ليتابع بتحذير.

"أي غلطة منك هتكلفك عمرك. جوزك مش ملاك، ده واحد قاتل بنت عمه يعني سهل أوي يخلص من واحدة أهلها ما صدقوا خلصوا منها." انتفضت عندما سمعت طرق الباب مما جعل ذلك الضابط يرفع سلاحه في وجهها وتمتم بلهجة حادة. "افتحي الباب واتكلمي عادي عشان ميشكش في حاجة. أي غدر منك انتي عارفة ممكن أعمل إيه."

هزت رأسها بخوف وأغمضت عينيها تحاول الثبات. ثم دنت من الباب لتفتحه فوجدت مهران واقفاً ينظر إليها بنظرة خالية من الجمود الذي كان يخصها به، لكنه اندهش عندما لاحظ ارباكها وسألها. "في حاجة؟ انقبض قلبها خوفًا وهي تنظر إلى الضابط الذي أسرع بالاختباء خلف الباب وتمتمت برهبة. "ها.. لا مفيش حاجة. أنا بس مبسوطة إني شفت مرح واطمنت عليها." ضيق عينيه بشك وتحدث بحيرة. "واللي يطمنك يخليكي مرتبكة كده؟

اهتزت نظراته وازدردت لعابها بصعوبة بالغة ثم تمتمت بوجل. "لأ، أنا بس صعبانة عليا إنها اتجوزت من إنسان زي خليل ومعاملته القاسية معاه." نظر داخل عينيها التي تبعدها عنه وسألها. "بس كده؟ تحلت بالقوة ونظرت داخل عينيه كي لا يشك بشيء وأكدت بثبات. "امم." "تمام." تنهدت براحة عندما تركه وذهب إلى غرفته لتجد ذلك الضابط يقول بلهجة حازمة. "كده تمام. أنا همشي دلوقتي وأسيبك تفكري براحتك."

تسلل من النافذة كما جاء منها، فترتعد هي بخوف. إن علم مهران فلن يرحمها، ويبدو أن ذلك الضابط أيضًا لن يتركها. عادت مرح معه وقد أشرق الأمل صدرها للخلاص من تلك الحياة. فقريبًا ستلوذ بالفرار وتهرب من هذا السجن الذي حبست بداخله. مرت على غرفة أخيها كي تطمئن عليه، لكنها صدمت عندما وجدت سليم قاعدًا بجوار أخيها. وعندما رآها نهض قائلاً. "كان مضايق إنك مشيتي، فضلت جنبه لحد ما نام."

نظرت إليه بامتنان، فهو رغم غدره بها إلا أنه ما زال يساعدها بكل ما أمكن. هم بالخروج لكن صوتها أوقفه. "متشكرة." التفت إليها ليسألها بنظراته، فأجابت بامتنان. "على كل حاجة. ومنهم إنك ساعدتني أوصل لمهرة، كنت قلقانة عليها أوي." ابتسم بمرارة وغمغم بروية. "دي الحاجة الوحيدة اللي أقدر أعملها. والأفضل متطلبيش مني حاجة تاني."

أنهى حديثه وخرج من الغرفة، يعلم جيدًا بأنه أخطأ القول، لكن عليه أن يبعدها عنه قدر المستطاع. لم يعد يستطيع التحمل، مشاعره لا ترحمه وقلبه الذي يرأف بها. فكلما وقع نظره عليها فقد أي تعقل وعليه أن يبتعد في أقرب وقت، لكن إلى أين؟

فعمه لن يسمح بابتعاده وخاصةً بعد ما حدث لماجد. شعر بالدنيا تضيق عليه حد الاختناق، فلم يعد يستطيع التنفس جيدًا. أخذ سيارته وذهب إلى الشاطئ، ربما يجد ذلك الراعي الذي يكون حديثه بلسمًا لجروحه. انتصف الليل وظل مكانه ينتظره، لكن لا فائدة. ذهب إلى كوخه القريب من المكان وأخذ يطرقه. "بابا." التفت سليم لذلك الصوت الذي يحدثه، فإذا برجل طاعن في السن يتسند على عصاه. "أنا بخبط على الراعي اللي هنا." عقد الرجل حاجباه بدهشة وسأله.

"راعي مين؟ البيت ده مهجور من سنين، لدرجة إن الناس بتخاف تقرب منه." اندهش سليم أكثر وتحدث بجدية. "إزاي؟ أنا بشوفه على طول خارج وداخل منه." "هو مين ياابني؟ "راعي وديمًا بيعزف على ناي." ظهر الخوف على وجه الرجل وتمتم بخفوت. "بسم الله الرحمن الرحيم. ياابني الراعي ده اتقتل من سنين طويلة." عقد حاجبيه مندهشًا ونظر إلى المكان الذي يجلسوا عليه دائمًا وقال. "بس أنا لسة شايفه من يومين هنا في المكان ده."

أشار له ناحية المكان، فازداد خوف الرجل، لكنه سيطر عليه كي لا يخيفه. وتحدث بوجل. "يلا ياابني معايا. المكان ده خطر، بلاش تكون لوحدك فيه." لم يفهم شيئًا، لكنه سار معه حتى ابتعدوا عن المكان فسأله الرجل. "أنت بتيجي هنا من زمان؟ أجاب سليم بحيرة. "أيوة، من سنة تقريبًا." "ومين الراعي اللي بتسأل عليه ده؟ وصل سليم لسيارته ووقف لديها ليجيب الرجل. "مش عارف، بس أنا كنت باجي أقعد على النيل في المكان ده وهو كان بييجي يعزف جانبي."

هز الرجل رأسه وتحدث بجدية. "طيب ياريت تمشي ومتحاولش تيجي المكان ده تاني." تعجب من حديثه وسأله. "ليه؟ لم يشأ أن يخوفه، لكن عليه أن يخبره كي لا يأتي ثانية. "ياابني الراعي اللي بتتكلم عنه ده اتقتل من تلاتين سنة." لم يستوعب سليم معنى حديثه. "انت أكيد بتتكلم عن واحد تاني." "المكان والبيت والوصف بتاعك بيقول إنه الراعي. والمكان ده أصلًا محدش بيهوب ناحيته ومن وقت اللي حصل."

ازداد اندهاشه وتذكر حضور الرجل واختفاءه المفاجئ، لكنه أراد أن يعلم ما حدث مع ذلك الرجل. "هو إيه اللي حصل بالظبط؟ "دي حكاية طويلة وحصلت من تلاتين سنة. كان بيحب واحدة أهلنا ناس واصلين وهي كمان حبته. ولما أهلها عرفوا أصروا إنهم يجوزوها، فقررت إنها تهرب معاه. بس لحقوهم قبل ما يهربوا وضربوا عليه نار وقتلوه ورموه في النيل، وهي أخدوها وجوزوها لابن عمها وسفروها لمصر. من وقتها الناس بتخاف تقرب من المكان ده."

اندهش سليم واستقل سيارته وانطلق بها، وقد لامس الخوف قلبه. لا ينكر بأن حديث الرجل أخافه، لكن أيضًا تأثر بقصته.

ظل قابعًا في غرفته لا يفارقها والحزن أثقله حقًا. لم يعد يبالي بشيء بعد أن استوعب فضاحة فعله عندما سقي من نفس الكأس. خسارة وضياع ووحدة قاتلة اجثموا على صدره ولم يعد لديه طاقة للمجابهة. فاقت الأمور الحد ولم يعد يستطيع الاستمرار في الحياة بذلك الوهن. فتح درج المنضدة بجواره وأخرج منها تلك الصورة التي ما زال يحتفظ بها. صورة تجمعهم جميعًا بسعادة عامرة، لكن استطاع هو بكل جشاعة أن يطفي تلك الابتسامة بل ويدمرها. تساقطت دموعه

وعيناه تجوب ملامح والدته التي شعر بحنين جارف للارتماء في أحضانها والنهل من حنانها الذي افتقده حقًا منذ رحيله. أبيه الذي لم يرى منه سوى الجحود. أراد أن يطلب منه العفو وأن يعتذر عن كل ما أصابه بسببه. لكن يعلم جيدًا بأن تلك المرة خسر حقًا وليس كسابقتها. انتهى كل شيء ولن يستطيع البقاء، عليه الرحيل في أقرب وقت كي يعيد بناء ما فقده من إنسانية ويعود بعدها شخصًا آخر. وحينها سيعتذر وسيطلب الصفح والغفران بكل وسيلة حتى تحن

القلوب. طرق الباب ونهض لفتحه فيجد العامل أمامه.

"السمسار جاه تحت ومعاه المشتري." أومأ له منصور. "تمام، أنا نازل حالًا." أبدل منصور ملابسه وفتح أحد الأدراج أخرج منها جواز السفر وحمل حقائبه وخرج من الغرفة.

جلس عمران في حديقة منزله التي لم يراها منذ ما حدث. نظر إلى زوجته التي جلست تتحدث معه في مواضيع كثيرة دون التطرق لما فعله ابنهم. يعلم جيدًا بأنها تحاول الثبات أمامه كي لا تحزنه، لكن من قال بأنه لا يفكر فالأمر. فجرحه ما زال غائرًا بداخل قلبه ولن يندمل مهما مرت سنين. خذله مرة أخرى، لكن تلك المرة أشد وأقوى ولن يغفر له مهما فعل. آهة صامتة خرجت من أعماقه وهو يتذكر تلك اللحظة وكأنها حفرت بداخله. لأول مرة يعرف الغضب طريقه إلى قلبه، فقد ظل كثيرًا يدعو له بالهداية لكن لا أمل فيه. وكأنها علمت ما يدور بخلده إذ وضعت يدها على يده تربت عليها بدعم منها له بالثبات. لكن ذلك الألم قاسي ولا يرأف به، فغمغم بألم.

"نسيانه صعب أوي يا جليلة، كل ما افتكر أحس بسكين بتقطع قلبي." "انسى يا عمران عشان صحتك، بلاش تخليني أعيش الخوف ده من تاني." هز رأسه بنفي وتحدث بقوة. "مش عارف أنا أخطأت في إيه. عمري ما ميزت أخوه عنه، الاتنين ربيتهم بما يرضي الله ومش عارف ده طالع كده لمين." تمتمت جليلة باستسلام وهي تربت على يده بتعاطف. "ده قضاء ربنا ولازم نرضى به ونحمد ربنا إن ولاده معانا وعوضونا عنه."

التزم كلاهما الصمت عندما تقدمت منهم سارة التي تحمل طفلتها ووضعتها بين يدي عمران وتحدثت بابتسامة. "يلا يا سيلا قولي لجدو أحلى صباح عليك." ابتسم عمران لتلك الطفلة التي تخطف القلوب بوداعتها وقال بحبور. "وهو الصباح ما بيحلاش غير بيها. من يوم ما اتولدت وهي أخدت قلوبنا." "لأأأ الكلام ده كبير أوي وكده جوجو هتغير منها." ابتسمت جليلة على مزاحها وتحدثت بصدق.

"أنتي عارفة كويس إنها آخدة قلوبنا كلنا زي أبوها بالظبط. من يوم ما اتولد وهو أخد قلبنا." تبدلت ملامحها عند ذكر اسمه وقد لاحظ كلاهما ذلك، فجذبتها جليلة لتجلس بجوارها وقالت بتعاطف. "أنا عارفة إن صعبان عليكي منه، بس صدقيني على قد تهوره وغباءه بس بيحبك وميقدرش يعيش من غيرك. غلط وخلاص، عقبتيه بما فيه الكفاية، سامحيه بقى وانسى."

"مش بالسهولة دي، جاسر المرة دي جرحني بجد وصعب أسامح بسهولة. يكفي حاليًا إني سمحتله يفضل معانا في الأوضة أكتر من كده لأ." تفاهم عمران معها وتحدث بجدية. "سيبيها يا جليلة، هو غلط ولازم يتعاقب." رغم رفض جليلة لتحاملهم عليه إلا إنها التزمت الصمت كي لا تحزن سارة بتحيزها معه. صدح رنين هاتفها لتنظر إليه بصدمة وعينيها اهتزت بارتباك. لاحظت جليلة حالتها فسألت بحيرة. "مالك يابنتي في حاجة؟ ارتبكت أكثر وأخفت الهاتف وهي تتمتم.

"ها لأ مفيش، دي واحدة صاحبتي ومش عايزة أكلمها دلوقتي." عاد رنين الهاتف بإلحاح مما جعل قلب جليلة يخبرها بأنه والدها، فتحدث بحنين. "لو أبوكي ردي عليه، يمكن عايزك في حاجة مهمة." أخفضت عينيها بإحراج ليتابع عمران. "خرجي نفسك برة حواراتنا دي، حاجة بين الأب وابنه. الأحفاد ملهمش دخل فيها. ردي عليه يمكن محتاج حاجة." أومأت له بصمت ثم نهضت لتبتعد عنهم قليلًا وأجابته بفتور. "نعم."

جرحته في الصميم وهو بحالته تلك، لكنه حقًا يستحق. نظر للجواز بيده وتحدث بروية. "إزيك يا سارة." أجابت بجمود. "الحمد لله." "أنا بكلمك وأنا في المطار مسافر ومش عارف إن كنت هرجع ولا لأ. وحبيت أسمع صوتك قبل ما أركب الطيارة." رمشت باهدابها مرات متتالية تحاول السيطرة على ذلك الحنين الذي يأخذها إليه وقالت بثبات زائف. "ليه؟ "لأن معدش ليا مكان هنا. أنا بكلمك عشان تتأسفي ليهم بالنيابة عني وسامحني إن كنت غلطت في حقك أو حق أخوكي."

عادت إلى مقعدها بوجوم بعد أن أغلق معها الهاتف وهي تشعر بحنين إليه، مهما فعل يظل والدها. سألتها جليلة بتردد وقد شعرت بالقلق من وجومها. "في حاجة يابنتي؟ نظرت إليها سارة وغمغمت بتأثر. "بابا سافر وطلب مني إني أطلب منكم تسامحوه." انخفقت القلوب ولاح الحزن في عيونهم عليه. لو يعلم الأبناء ما يفعله فراقهم لظلوا تحت أقدامهم حتى بعد وفاتهم. ربتت سارة على يد جدها وقالت بتأثر.

"بابا صوته بيأكد إنه حاسس بالندم. خليه يسافر يمكن يتغير ويعرف قيمة الناس اللي ظلمهم." تنهد عمران بما يحمله من ألم وتحدث بتأثر. "ربنا يوفقه ويهديه عشان خاطركم." تناولت يده تقبلها بحب وتمتمت بامتنان. "مش عارفة لولا وجودك في حياتنا كان جرالنا إيه." ابتسم بود وأجابها بحب. "كان هيبقى عمك مكاني وجاسر كمان." "بتحننوا قلبها عليا طبعًا." جلس جاسر بجوارهم ليأخذ صغيرته من جده فيؤكد له. "ادينا بنحاول معاها، يمكن ربنا يهديها."

نظر جاسر لسارة بدهشة لذلك التعند الذي طال كثيرًا فتشيح هي بوجهها بعيدًا عنه. فغيرت جليلة حديثهم وتطرقت في حديث آخر. "إيه رأيك يا أبو جمال لو نعمل كتب كتاب حازم الأسبوع الجاي، خلي الفرح يدخل بيتنا." أيدها عمران. "عندك حق، خلينا نكلم عاصم ونعجل في الموضوع." تطرق جاسر في حديثهم. "مع إني بتشائم من الاتنين دول، بس يمكن تفلح المرة دي." سعدت سارة بذلك الخبر وقالت بسعادة. "وأنا هروح أفرح زينة بسرعة."

أخذت هاتفها وأسرعت بالعودة للمنزل كي تخبر زينة وتركت جاسر ينظر في أثرها بقلب لهيف. فتمتمت جليلة بتأثر. "معلش يا ولدي سيبها براحتها، أنت برضه زودتها معاها." نظر جاسر لجدته وتحدث بقوة. "أنتم ليه شايفيني غلطان في كل حاجة؟ ليه محدش بيلمس لي العذر وتعرفوا إيه السبب الأول؟ أجاب عمران. "لأنك ديمًا بتبقى أنت اللي غلطان." "عشان منعتها تشتغل! كلمتها وفهمتها إن سيلا محتاجة لها ومينفعش شغل دلوقتي. خروج؟

عمري ما منعتها، بس لازم أكون معاها لأنها مهما كان متعرفش البلد كويس، وإذا لزم حازم أو معتز بيكون معاها، وده بعمله حتى مع أمي. ولما راحت المستشفى بدون إذني طبيعي إني أضايق، وأي حد مكاني هيضايق." نفت جليلة. "بس أنت تماديت يا جاسر." علم جاسر بأنها لا تود التحدث بطريقة مباشرة أمام جده فقال بثبات. "أنا كنت مضايق وهي عارفة كويس، لما بكون مضايق بحب أكون لوحدي." افتكرت إني مضايق منها واتسرعت وعندت قصادي.

"يعني أنت مش حاسس بغلطك؟ زم فمه باستياء وغمغم بضيق. "عارف إني غلطت وجرحتها من غير ما أقصد، بس اعتذرت بدل المرة ألف وهي برضه رافضة." "هي ترفض وأنت كررها. رجعلها ثقتها بنفسها، خليها تحس إنك فعلاً مش قادر تعيش من غيرها، زي ما هي كانت بتتحملك أنت كمان اتحملها. خليها تدلع عليك على قد ما تقدر وبعدها هتلاقيها هي اللي بتصالحك." أومأ جاسر له باقتناع منتويًا المحاولة معها حتى تقبل اعتذاره.

ما زالت تفكر في أمر ذلك الضابط، لكن ماذا إن علم مهران؟ مؤكد بأنه لن يرحمها. هل تذهب إليه وتخبره؟ وإذا علم الضابط بما فعلته سيظن أنها متواطئة معه وتخشى أيضًا أن يفشل خطتهم. انتفضت بوجل أثر طرقات سامية وولوجها. "ست مهرة، مهران بيه عايزك تحت في مكتبه." ازداد الخوف بداخلها لكنها حاولت الثبات أمامها. "قوليله جاية دلوقتي."

انصرفت سامية وقامت بتبديل ملابسها ونزلت إلى الأسفل وقلبها يدق بعنف. وقفت أمام غرفة مكتبه بوجل تحاول التحلي بالثبات كي لا يشك بأمره. لفت لتجده واقفًا أمام النافذة المطلة على حديقة القصر يوليها ظهره مما جعلها تجفل منه، فهي تعلم وقفته تلك لا تبشر بخير مطلقًا. "اقفلي الباب وراكِ." ارتجفت من جموده وأخذ قلبها يهدر بعنف وهي تغلق الباب ثم سارت لتتقدم منه وسألته. "خير؟

استدار لينظر إليها بعينيه التي خفت حدتها معها، لكنها لا تخلو من الجمود. تقدم منها بخطوات ثابتة جعلتها تشعر بالخطر من حولها حتى أنها فكرت بالهرب من أمامه، لكن صوته الهادئ أوقفها. "مالك؟ اهتزت نظراتها واندشت حقًا من ذلك الرجل، فتارة يشعرها بالخوف منه وتارة أخرى يجعلها تشعر بالطمأنينة. ازدردت لعابها بوجل وتمتمت برهبة. "مفيش." ضيق عينيه بشك وتحدث بقوة. "أومال مالك متخده كده ليه؟

رمشت باهدابها ليهتز قلبه الذي يرفرف أثر سرب الفراشات الذي خرج من بينهما، فتتقابل النظرات لتحكي قصة حب لا ترى النور. لمح نظرة يملؤها التساؤل لكن لا تفسر شيئًا. ومن تلك النظرة تناست كل شيء وتاهت في ليله الحالك، والتي بدون إرادة منها سقطت في بئرهما لتجد نفسها بلا هودة تسبح في ظلامه. عاد الخوف يزحف بداخلها عندما تأكدت تلك المرة من حقيقة مشاعرها. اهتزت نظراتها وشعرت بفضاحة مشاعرها التي أوقعتها به. كيف ومتى؟

لا تعرف، كل ما تعلمه أنها وقعت في براثين عشق ذلك الشيطان. لكن عليها أن تقتل ذلك الحب وترفض تلك المشاعر التي تأخذها إليه، فلا مستقبل لها معه. فهو ليس سوى مجرم وعليها تنفيذ ما طلبه ذلك الضابط كي تتخلص منه. فقالت بقوة. "مش متخدة ولا حاجة، أنا بس بسألك عايزني ليه." "كنت عايز أسألك لو عندك حاجة عايزة تقوليها." هزت رأسها بنفي وقد استطاعت أخيرًا التحلي بالثبات. "لأ."

أومأ لها في صمت وقد لاحظت خيبة أمل بداخل عينيه مما جعلها تنسحب بهدوء كي لا تضعف أمامه. أما هو فقد تركها ترحل بعد تلك الفرصة التي أعطاها لها وأضاعتها. فبعد أن أخبره وهدان بما فعله الضابط الجديد وهو يدعو بداخله ألا تخيب رجاءه فيها وأن تخبره بكل شيء، لكن يبدو أنه استطاع إقناعها. فلو أبَت لكانت الآن تقص عليه كل شيء.

فرحة عارمة ملأت منزل عمران بعقد قران حازم وزينة. وها هي تضع بصمتها الأخيرة على عقد الزواج لتعلوا الزغاريد في المنزل وترفرف القلوب بسعادة لا توصف. فأخيرًا ستحن عليه حبيبته وتسمح له بالتحدث كيفما يشاء. فقد أصبحت بعد سنين عجاف زوجته وشعر بأنه داخل حلم جميل يخشي الاستيقاظ منه. ها هي واقفة أمام غرفتها تنتظر أن يأخذها ويحضروا ذلك الحفل الذي أقامه وليد في منزله. ابتسمت بخجل وهو واقفًا أمامها لا يصدق بأنها أخيرًا أصبحت زوجته. لا تعرف متى أو كيف أصبحت بين ذراعيه ويلتف بها بسعادة غامرة ليصفق الجميع من حولهم. توقف لكنه ظل محتفظًا بها بين يديه فتبتعد هي قليلًا بحياء.

"حازم عيب، مينفعش." دانى من أذنها يتمتم بخفوت. "لأأأ، انسي الكلمة دي تمامًا. أنتِ وقعتي في إيدي وخلاص." رفعت عينيها إليه وغمغمت باعتراض. "لأ، لسة باقي سنة." صحح لها. "تقصدي سبع شهور بالظبط. آخر امتحان لينا هيكون قبل الفرح بيومين. ده أنا حاسبها بالساعة." هزت رأسها بيأس من ذلك المجنون. "مجنون." "تقصدي مجنونك."

ضحكت بخفوت وسارت بجواره لذلك الحفل، والسعادة ملأت قلوب الجميع بعد تلك المآسي التي عاشتها. ليلى التي استطاعت احتواء زوجها قبل أن تتفاقم المشاكل بينهم وتخسره. وسارة التي ظلت على عنادها تضع حدودًا بينهم. أما هو فقد تعب حقًا من جفائها معه وشعر بأنه حقًا تمادى معها وجعلها تصل لتلك الدرجة من الجمود. فلم تكن تستطيع البعد عنه ساعات قليلة، فماذا فعل بها حتى تستطيع تحمل كل ذلك البعد؟

سيعتذر وسيطلب منها العفو ولن يمل. لم يعد لديه القدرة على التحمل أكثر من ذلك. دنا منها ليأخذ صغيرته منها وهو يقول بلهجة حانية. "هاتيها عنك شوية." أومأت له بصمت ثم همت بالابتعاد عنه لكنه أمسك ذراعها وغمغم برجاء. "سارة كفاية بقى، أنا خلاص مبقتش قادر أتحمل بعدك أكتر من كده." كانت عيناه تحمل رجاء كبير وكانت هي تبادله النظرات بأخرى عاتبة.

"سامحيني إن كنت غلطت في حقك، بس صدقيني ما كنتش في وعيي. الغضب كان أعميني ومعرفش أنا بقول إيه. كفاية عقاب لحد كده." "بس أنا مش بعاقبك." ضيق عينيه متسائلًا فتجيبه بثبوت. "بعاقب نفسي، لأني أنا اللي وصلتلك للمرحلة دي. وأنا اللي اتنازلت كتير لحد ما افتكرت إن ده ضعف مني، بس ده كان حب وحفاظ على جوزي وبيتي. فمش بسهولة كده أغفر وأسامح." "فين السهولة دي؟

ده أنا اتعاقبت عقاب عمري ما شفته في حياتي، وأنا بأكدلك إنك أخدتي حقك وزيادة، ولا أنتِ بتهربي." قطبت جبينها بدهشة وسألته بعدم فهم. "أهرب؟! من إيه؟ دنى منها ليهمس بجوار أذنها. "أنتي وعدتيني إنك تجيبيلي الولد لما سيلا تكبر شوية، وأديها كبرت خلاص." اتسعت عينيها بصدمة ثم غمغمت بحنق. "كبرت إيه؟ بنتك يا دوب كملت الست شهور." هز كتفيه ببساطة. "إيه المشكلة؟ هنلبسها لوسيلة وجمال، وأنتي اتفرغي للي جاية."

هزت رأسها بيأس منه ثم انصرفت كي لا تنفعل أكثر. نظر إلى سيلا وتمتم بوله. "مالك مكشرة ليه؟ أوعي تكوني فاكرة إن حد ممكن ياخد مكانك في قلبي، ده أنتي قلبي نفسه. سيبك منها وتعالي نشوف اللي عمالة تشاورلك دي." تقدمت سارة من حازم الذي لم يترك يد زينة لحظة واحدة رغم خجلها، لكنه يأبى تركها. "مبروك ياحازم." رد حازم بامتنان. "الله يبارك فيكي ياسارة. تعبتك معايا النهاردة." "ولا تعب ولا حاجة، أنت زي مصطفى بالظبط."

نظرت إلى زينة وقالت بمكر. "مش هوصيكي طبعًا على حازم، خلي بالك منه وخصوصًا…." شعر حازم بالقلق من نظراتهم وتحدث بقوة. "إيه يا مرات أخويا، هو غضبك على جاسر هيطلع على عنينا ولا إيه؟ هاجري شوفي جوزك واقف مع مايا صاحبة معتز وعاملين يضحكوا." نظرت سارة إلى جاسر فوجدته بالفعل واقفًا معها يتبادلان الضحك. عضت على شفتيها بغضب وغمغمت بتوعد. "ليلِتك سودا يا معتز، وأنت ناوي على أخرتك الليلة دي…."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...