الفصل 15 | من 33 فصل

رواية وهام بها عشقا الفصل الخامس عشر 15 - بقلم رانيا الخولي

المشاهدات
23
كلمة
4,897
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 45%
حجم الخط: 18

أغضبها بنعته لها بالوحل الذي جاءت منه، ماذا يقصد بذلك؟ ظلت تسارع رغبتها بالذهاب إليه والغيظ يتآكله. لن تغفر له تلك المرة وستحاسبه عما قال. وقفت أمام غرفته وهي تغمض عينيها تستجمع شجاعتها، وقبل أن تتردد مرة أخرى دفعت الباب لتقتحم غرفته. ليندهش هو من فعلتها، وخاصة عندما قالت بانفعال: _أنا عايزة أعرف، وحل. شهقت بصدمة عندما رفع جزعه ورأت صدره العاري، فوضعت يدها على عينيها بوجل.

أزاح الغطاء عنه وتقدم منها ينظر إليها بغضب على اقتحامها غرفته بتلك الطريقة، وقال باحتدام: _إيه الهرجلة اللي انتي ماشية بيها دي؟ وإزاي تدخلي الأوضة كده من غير استئذان؟ رفعت يدها عن وجهها، لكنها أشاحت به بعيدًا عنه وتمتمت برهبة: _أنا متخيلتش إنك لحقت تنام، وكنت عايزة نكمل كلامنا. ابتعد عنها ليعود إلى فراشه وهو لا يستطيع مقاومة النوم: _الصبح يبقى ارغي براحتك، أنا عايز أنام. اشتد حنقها منه وتقدمت من الفراش متحدثة بحدة:

_لازم نتكلم دلوقتي، أنا مش هفضل في البيت ده وأكمل المهزلة اللي ناوي تعملها دي. توقفت عندما لاحظت أن أنفاسه أصبحت منتظمة، مما يدل على نومه. لكن كيف بهذه السرعة؟ نادته لكنه لم يجيبها. تعجبت من ملامحه التي اختلفت تمامًا، وكأنه شخصًا آخر. قطب جبينه الذي تلازمه لم يعد لها وجود. فمه القاسي الذي لا يكف عن فرض أوامره أصبح هادئًا. خصلاته السوداء كحال قلبه الذي سمعت عنه وعن قسوته الكثير والكثير.

كل ذلك اختفى الآن، فقط هدوء وكفى. توقفت عن التأمل والتفكير، وجالت عينيها أركان الغرفة لتقع على تلك الصور المعلقة على منضدة عالية. تقدمت منها لتتأمل تلك الملامح الشبيهة إلى ملامحها، لكن هذه أكثر وداعة. الصورة قديمة، مما يدل على أنها قد تكون والدته. نقلت نظرها للأخرى فتجد فتاة جميلة حقًا تنشر الراحة في قلب من يراها. من هي؟ هل هي حبيبته؟ ولكن أين هي؟ ولماذا تزوج بغيرها؟ ما هذا الغموض الذي يحيطه؟

لم تعد تدري، أهو القاتل الذي وُصم بقتل ابنة عمه، أم ذلك الرجل الذي أعاد لها الحياة وأنقذها رفقًا بها دون أن يعلم هويتها؟ عادت تنظر إليه نظرة يملؤها التساؤل، لكن من يجيبها؟ شيء بداخلها دفعها للاقتراب أكثر منه والتأمل في ملامحه، لكن كلماته جعلتها ترفض التقدم منه، وآتها رغبة ملحة بقتله والتخلص منه. توقفت عن التفكير وخرجت من الغرفة بغيظ شديد وعادت لغرفته. لن ترحمه وستكون لعنة حطت فوق رأسه الصلب حتى يمل منها ويتركها. ***

ظلت مستيقظة بجواره لا تستطيع النوم، فقد كانت ليلة صعبة عليهما حقًا. هو يتألم بشدة وهي تتألم لألمه، فالكسر مضاعف والعلاج يساعده فقط على النوم. تساقطت دموعها عندما أخبرها الطبيب بأنهم تفادوا البتر بصعوبة بالغة، وعليه أن يلتزم الراحة من ثلاث لأربعة أشهر، وكم يصعب عليه ذلك. مسحت دموعها سريعًا عندما وجدته يستيقظ. نهضت لتميل عليه وهي تناديه بخفوت: _جاسر. فتح عينيه بتثاقل ليقع نظره على عينيها التي تحكي عن مدى حزنها عليه.

تمتمت بقلق: _أنت كويس؟ ازدرد حلقه الجاف فشعرت بمدى ظمأه، فملأت الكوب وساعدته على الارتواء حتى اكتفى. سألها بوهن: _فين حازم؟ وضعت الكوب على المنضدة وأجابت: _لسه نايم، دلوقتي فضل سهران جانبك طول الليل. _طيب صحيه لإني محتاج الحمام. تحدثت بجدية: _وأنا روحت فين؟ _بس أنا حمل تقيل عليكي. ردت بوداع: _كنت أتقل عليك ومع ذلك اتحملتني، مش هخليك تحتاج لغيري حتى لو كان عمي. لاحت ابتسامة على وجهه تحمل الكثير من الامتنان.

تألمت من ثقل جسده لكنها لم تظهر ذلك، مما جعله يشعر بمدى وحشيته عندما طاوع شيطانه وحملها ذنب والدها. ود أن يعتذر آلاف المرات، لكن ليس الآن، على الأقل ليس وهو بتلك الحالة. تساءل كيف لتلك الملاك أن تكون ابنة لذلك الشيطان. لم يطاوعها قلبها على البقاء لحظة واحدة في المنزل دون الاطمئنان على ولده. منذ أن سمعت صوته في الهاتف وهي تتهلف للذهاب إليه.

طاوعها جمال ومعهم طفلته التي أيضًا لم تنم تلك الليلة، وكأنها تشعر بآلام والدها. كانت تساعده على الاستلقاء عندما دلف جمال وسيلة ومعهم معتز الذي أسرع يساعده معها. تحدث جمال بعتاب: _ليه مصحيتش اللي نايم ده يساعدك؟ رفعت الغطاء على جاسر الذي كتم آهاته من شدة تحامله على نفسه كي لا يحمل عليها. _لسه نايم يا عمي، فضل قاعد جانبه طول الليل. دنت منه وسيلة بحرقة وقالت بألم: _ألف سلامة عليك يا حبيبي.

_الله يسلمك يا أمي، أنا كويس متقلقيش. شبكت سيلا وهي تشير إلى والدها وكأنها وجدت أخيرًا ملاذها، فقد اعتادت على النوم بين ذراعيه وهذا مبتغاها الآن. تقدمت منها سارة كي تهدئها، لكنها تأبى الذهاب لغيره. طلب من معتز أن يرفع الوسائد خلف ظهره، وساعده معتز بأخذها بيده السليمة لتهدئ. وما أن قبل رأسها حتى استكانت في أحضانه تلتمس الراحة، ليضحك الجميع رغم حزنهم. فغمغم معتز بضيق: _البنت دي ندلة أوي، بتبعني في ثانية.

شاركته سارة المزاح: _بعتني قبلك، بس على مين دا أنا حالفة لفرق بينهم بس تكبر وأنا هعرف شغلي معاهم. سألتها وسيلة: _هتعملي إيه؟ تحدثت بغيظ: _هقولها إنه كان عايز يقتل الدكتور لما قاله دي بنت. ضحك الجميع وأيدت وسيلة حديثها: _حصل وفضل منكد في اليوم ده ومكنش طايق نفسه. نظر جاسر إلى طفلته التي تشبثت بملابسه وكأنها تخشى من فراقهما: _مكنتش أعرف إنها هتدخل قلبي كده. نظر إليها جمال بحب:

_أنا بقى قلبي حسها من أول ما عرفت إنك حامل وعرفت سبب تعلق أبويا وأمي بجاسر بالشكل ده. أول حفيد بياخد الفرحة كلها. _والاخير؟ بياخد إيه؟ التفت الجميع لصوت حازم الذي نهض بنعاس. أجابه مصطفى الذي دلف لتوه بمزاح: _بياخد على دماغه، زيي أنا كده مع سارة، يزعلوا مع بعض يبهدلوني، يتراضوا برضه يبهدلوني. شاركهم جمال في مزاحهم كي يخفف عن وسيلة التي احتل الحزن قلبها على حال ولدها، كما شاركه جاسر أيضًا كي يطمئنها عليه.

لم يستطيعوا البقاء أكثر من ذلك لأجل عمران. نظر جمال إلى سارة: _سارة ارجعي انتي عشان البنت، وأنا ومعتز هنفضل معاه. حاولت الرفض، لكن هذه المرة الرفض كان من جاسر: _روحي يا سارة عشان سيلا، وبعدين أنا خارج النهاردة يعني ساعتين بالكتير وهكون في البيت. وافقت على مضض لأجل أن تستعد لعودته، فلن يستطيع الصعود لغرفتهم وعليه أن يظل بغرفته القديمة في الدور الأرضي. عادت هي ووسيلة مع مصطفى كي يمهد الأمر لجده الذي لم يسترد صحته بعد.

عادت إلى المنزل وحمدت ربها بأن جدها لم يدري شيئًا عما حدث. أثناء دخولهم اندهشت جليلة التي كانت تخرج من غرفتها وسألتهم بقلق: _انتوا جايين منين بدري كده؟ نظرت سارة لمصطفى بحيرة فأومأ لها بأن تطمئن وتحدث بروية: _مفيش حاجة يا جدتي، جاسر بس دراعه اتكسر وبيجبسه مش أكتر. ضربت جليلة على صدرها بخوف وسألتهم بلهفة: _ماله جاسر؟ تقدمت منها وسيلة كي تطمئنها: _مفيش حاجة يا أمي، هو زين دلوقتي وجايين ورانا، كسر بسيط متقلقيش. هزت

رأسها بنفي وقالت بتوجس: _لا أنا قلبي مش مرتاح من امبارح وحاسة إنه فيه حاجة، لازم أروح عنده. تحدث مصطفى بجدية: _والله جاسر زي الفل وساعة بالكتير وهتلاقيه جاي، ولو عايزة تطمني اخليه يكلمك فيديو ويطمنك. _طيب ليه مـ ستنتوش ياچي معاكم؟ _عمي طلب مني أروحهم عشان يجهزوا الأوضة بتاعته لأنه مش هيقدر يطلع السلم. لم تقتنع بحديثه، لكنها وافقت حتى تمر تلك الساعة وترآه بعينها. كذلك وقع الخبر على عمران، لكن مصطفى جعله

يحدثهم بالفيديو كي يطمئنه: _قلت لك حاجة بسيطة بس أخدها فرصة عشان ترجع له. _ربنا يهديهم ويهدي سرهم. صحح مصطفى: _ربنا يهديه هو، إنما سارة أختي مفيش زيها، هو اللي محتاج شدة ودنايده. عمران في رأيه: _عندك حق في دي، بس أنا عايز أخبرك إن جاسر مش وحش زي ما أنت فاكر.

كل الحكاية إنه بيغير عليها زي ما أنت بتغير على مراتك، وخصوصاً أن سارة بريئة بزيادة ومعندهاش خبرة في التعامل، وصدقني اللي بيعمله ده خوف عليها، وكل ما حبها واتعلق بيها كل ما زاد خوفه عليها. يعلم ذلك جيدًا، لكنه لا يريد أن يراها بذلك الضعف أمامه، ولذلك قرر التدخل بينهم كي يشعرها بوجوده وأنها ليست وحيدة. _أنا عارف كل ده، بس اللي ضايقني إنه حاطت بابا بينهم. تنهد عمران بتعب من كثرة التطرق في هذا الموضوع، فأراد أن ينهي

ذلك الأمر معهم وتحدث بقوة: _أنا ربيت عمك وأبوك في بيت واحد ومعاملة واحدة. عمري في يومًا ما ميزت واحد عن الثاني. أبوك كان ديمًا متطلب، لكن عمك كان قنوع في كل حاجة، وده كان بيخليني أدي لعمك من غير ما يطلب، وده لفت نظر أبوك. حاولت أفهمه، بس حسيته وقتها إنه مش عايز يفهم، بحيث إني أعمل له كل حاجة من غير ما يطلب. لما الاتنين كبروا واتعرضت للأزمة دي، عمك اتحرك من غير ما أطلب منه، بس أبوك طلبت منه ورفض.

عرفت وقتها إن الغلط كان مني أنا مش منه، لأني عودته إن كل حاجة يطلبها مينفعش نقوله لأ، فأصبح يشوف كل حاجة حق مكتسب له. وإن كان حد مذنب في كل ده، فهو أنا مش أنتم. أخذ مصطفى يد جده ليقبلها بحب وتحدث بحكمة: _أنت عمرك ما كنت غلط يا جدي، بالعكس أنت كنت بتراعي الاتنين في كل حاجة، بس النفوس هي اللي مختلفة. أنا وسارة اتعاملنا معاملة واحدة صحيح، كلها إهمال وعدم اهتمام، بس واحد في النهاية ومع ذلك متشابهين في كل حاجة.

أنا مقدرش أغلطه لأنه مهما كان أبويا، بس هو عنده حب الذات، عكس عمي اللي حب ذاته في إنه يشوف اللي حواليه مبسوطين. اندهش عمران من الحكمة التي يتحدث بها حفيده وتأكد بأن ربه لم يخيب رجاءه وعوضه بأحفاده عن ذلك الابن الضال. *** كانت وسيلة تنظر إلى سارة اللتان رتبت غرفة ابنها وقامت بنقل ملابسه استعدادًا لعودتها. خطأ حقًا عندما كاد أن يضيعها من بين يديه بتهوره. من يراها الآن لا يصدق بأن لها أي صلة بمنصور.

حقًا يخرج من بطن القاسي بذرة طيبة. *** ظلت حبيسة غرفتها بعد ذهابه، فاليوم عودة ابنه من القاهرة بعد تلقيه تلك العمليات الجراحية التي أجراها ولم تأتي بنتيجة. منذ وصول الخبر إليه وهي تتعرض لأقسى أنواع الهوان على يده، وكأنه لم يجد غيرها ينفس به أدخنة غضبه وحسرته على ولده الوحيد. أبواق السيارات تدق في الحديقة دليل على عودتها. أغمضت عينيها التي ذبلت من شدة البكاء، ولم يعد لديها رغبة في العيش.

تريد اللحاق بوالديها، لكن كيف ذلك وبحياتها روح تطالبها بالبقاء. شعرت بحنين جارف إلى أخيها التي لم تعرف عنه شيء منذ زواجها. خرجت من غرفتها خوفًا منه، فإن علم بألتزامها غرفتها أثناء غيابه لن يمر مرور الكرام. ترجلت الدرج لتجد سليم يدلف من الباب وهو يدفع المقعد المتحرك الذي يحمل ابن عمه. تقابلت الأعين لحظات وما زال العتاب هو المستدام في لغة العيون. قاطعها صوت خليل الذي تحدث معه: _خد ابن عمك وادخلوا دلوقتي.

أومأ له واخذ ماجد ودلف غرفته. تطلع إليها بحدة وسألها: _وإنتي بقا كنتي نايمة والخدمين قاعدين يعملولك الأكل؟ تدخلت أم سليم بسرعة: _لا يا خليل دي كانت بتجيب حاجة من فوق مش أكتر. تقدم منها أكثر وعينيه تنذر بغضب شديد وتمتم بلهجة حادة: _مش عايزك تظهري قدام ابني طول ما هو في البيت، بعد ما تخلصي شغل البيت تخفي في أوضتك فوق فاهمة ولا لأ؟ أومأت له بهدوء، فلم يعد شيء في هذه الدنيا يخيفها.

انصرف من أمامها صاعدًا إلى غرفته، فتجد أم سليم تقترب منها لتواسيها: _متزعليش يا مرام هو بس زعلان على ابنه. ابتسمت بمجاملة لتلك المرأة الطيبة وغمغمت بهدوء: _مبقتش بزعل من أي حاجة، دي بقيت حياتي وأنا راضية بها، أنا بس كنت عايزة أطلب منك طلب. _قولي. _أنا عايزكي تكلميه أروح أشوف أخويا لأنه وحشني أوي. تبدلت ملامحها للأسف: _مش عارفة أقولك إيه بس بصراحة صعب إنه يوافق، بس ممكن أخليه يبعت حد يجيبه تشوفيه وتقعدي معاه براحتك.

حاولت إخفاء سعادتها بنجاح خطتها وتحدثت بثبات: _ياريت، أنا أصلاً مش عايزة أروح هناك. ربتت على ذراعها: _حاضر هطلع أقنعه وإن شاء الله يوافق. انصرفت من أمامها وصعدت لغرفة خليل الذي سمح لها بالولوج كما سمح لها من قبل بالدخول إلى قلبه ولم تخرج منه حينها. ود في تلك اللحظة أن يبقيها داخل غرفته كما أبقاها بداخل قلبه، لكنه لن يجبرها مهما تمنى ذلك. _تعالي يا أم سليم. تقدمت منه لتقول بعتاب:

_وبعدين يا خليل هتفضل تقسى عليها لحد امتى؟ جلس على المقعد بضيق شديد وغمغم بعناد: _لحد ما تعرف مكانها زين. _بس مكانها إنها تكون ست البيت مش خدامة فيه. _الدار دي ملهاش غير ست واحدة وهي انتي، إنما هي مجرد تخليص حق مش أكتر. تعلم حقيقة مشاعره تجاهها، لكن لن تقبل بغير حبيبها بديلاً. _هي زيها زي بالظبط، متنكرش ده، وبعدين البنت لسه صغيرة وعايزة اللي ياخدها بالراحة مش بالضرب أبدًا. تنهد بتعب وغمغم بضيق:

_يعني هي اللي بعتاكي تقولي الكلام ده؟ تقدمت لتجلس أمامه واجابت بنفي: _لا مش هي اللي بعتاني، هي كل اللي عايزاه تشوف أخوها وأنا وعدتها إنك هتبعت تجيبه. أومأت لها بتفاهم: _اللي تشوفيه وأنا هتصل على كامل وأخليه يبعته. ابتسمت بامتنان ثم سألته: _هتعمل إيه مع ماجد؟ _ولا حاجة، مستني رد الدكتور ولو قال إن فيه أمل هسفره على طول. _ومين اللي هيسافر معاه؟ تنهد بحيرة: _مش عارف، كنت بفكر أبعت معاه سليم بس مش هينفع.

على العموم هستنى رد الدكتور وبعدين أشوف الموضوع ده. _إن شاء الله خير ويرجع يمشي على رجله من تاني. آمنت معها وظل ينظر إليها وهي تخرج من الغرفة ليدق قلبه وعقله ينهره على تركها ترحل دون أن يعترف بما يجول بهما، ثم يترك لها حرية الاختيار. *** وقفت في شرفتها تنظر إليه نظرة يملؤها الحزن. غدًا سيكون ذلك الزفاف المزعوم والذي سيكمل به باقي انتقامه من أبيه. لا تعرف ماذا تفعل؟ هل توافقه وتنتقم هي أيضًا لوالدتها؟

أم تلوذ بالفرار وتبتعد عن ذلك المكان الذي يغلفه الشر من كل جانب؟ لكن سؤال حائر يدور بخلدها وهو إلى أين؟ إلى سراب مجهول ينتظرها؟ أم لحياة مليئة بالهموم؟ فالشر لا يقتصر على بلدتها فقط بل على كل أرض دعستها أقدام البشر. تقابلت الأعين حينما رفع جبهته لينظر إلى شرفتها فوجدها تنظر إليه نظرة يملؤها العتاب. انخفق قلبه الذي دنسه الغدر وجعل منه ذلك المتحجر الذي لا يلين.

لكن مشاعر عشق جالت به لتلين ذلك الحجر رويدًا رويدًا حتى تتلاشى صلابته ويعزف الحب أوتاره على قلبين أرهقهما الظلم. استنكرت تلك الدقات التي دوت بين الضلوع ورفضت أن تعترف بتلك الحقيقة. نزعت عينيها عنه بصعوبة واستدارت دالفة غرفتها. تود الابتعاد والهرب قبل أن يكبر ذلك الوليد ولن تستطيع حينها الابتعاد. توافقت دقات قلبها مع دقات الباب ودلف سامية التي ابتسمت بسعادة غامرة وهي تحمل حقيبة كبيرة وضعتها بعناية

على الفراش وقالت بسرور: _مبروك يا ست مهرة. قطبت جبينها بدهشة وسألتها: _إيه ده؟ _سلامة الشوف ياستي، ده فستان الفرح. انخفق قلبها ما إن وقعت عيناها عليه، لكن عقلها أبى الاعتراف بذلك وأخذها التعند للرفض بكل ما أوتيت من عزم. وضغطت على أسنانها بغيظ حتى كادت أن تدميها ودنت من الثوب وحملته بعناد وتوجهت للشرفة والقته بغضب، ليسقط تحت أقدام ذلك الذي خرج لتوه من المدخل متجهًا للخارج. رفع بصره لينظر إليها لكنه لم يجدها.

أغتاظ من فعلتها وهم بمعاقبتها، لكن لديه ما هو أهم من ذلك، فناداها بصوت هادر: _سامية. انتفضت سامية في وقفتها عندما أتاها صوته وتحدثت برعب: _يانهار أسود شكله شاف الفستان. هرولت الذهاب إليه وما إن رآها حتى أشار لها قائلاً: _مين اللي عمل كده؟ ارتبكت سامية وتمتمت بخوف: _أ.. أنا… _انطقي. انتفضت أثر صوته الهادر وغمغمت برعب: _دي الست مهرة بتقول إنه مش مقاسها. هز رأسه بصمت ثم تحدث بأمر: _الفستان ده يطلع ويتلبس من سكات فاهمة؟

أومأت له الفتاة بخوف وقامت بأخذه لتسرع بالذهاب من أمامه. تراقصت الشياطين أمام عينيه، لقد تمادت حقًا في دلالها وعليه أن يكون أكثر حزمًا معها. *** جلست سارة على الفراش بارهاق بعد أن انتهوا من إعداد الغرفة. لاحظت نظرات مصطفى لها فسألته بحيرة: _مالك بتبصلي كده ليه؟ تقدم منها ليجلس بجوارها وأجاب: _مستغرب مش أكتر. استلقت على الفراش بارهاق وهي تسأله بتعب: _من إيه؟ _اللي يشوفكم وانتو بتحاربوا قصاد بعض ميشوفكمش دلوقت. ابتسمت

بحزن عميق وقالت بتأثر: _لأن جاسر دلوقتي محتاجني أكتر من أي وقت، وهنا دوري إني أقف جنبه في الظروف دي مش أكتر. رفع حاجبيه متسائلًا: _بس كده؟ تنهدت بتعب ونظرت إليه بغيظ: _متقلقش، أنا هعدي بس لحد ما يقف على رجله وبعدها هنتقم منه أشد انتقام وهتشوف. ضحك مصطفى: _ماشي، لما نشوف. تعلم جيدًا بأن حديثها لم يكن نابعًا من داخلها، لكن هي تعلم علم اليقين بأن الفراق عنه يشبه الموت، ولهذا التمست له آلاف الأعذار وهذا لم يخفَ عليه.

كَأَنَنا أَخْطَأْنَا حِينَ ظَنَنَا أَنَّ ٱلحُبُ يَزُولَ.. وأَنَّ مَا يُسَمَّى بِٱلصَّدَاقَة يُمْكِنُ أَن يَحِلُ مَحَلَّ ٱلحُب... فٱلحُبِ لا مَحَلَّ لهُ مِنَ الإعْرَاب .. لَن يَكُونَ يَوْمًا إلَا فَاعِل ولَمْ يَكُون مَفعُولًا بِه... فَهُوَ دَائِمًا مَا يَفْعَلُ بِنَا .. هُوَ مَن يَكْسَرَنا، يُوجِعَنا هُوَ مَن يَفْعَل بِنَا مَا يُرِيد ..

أعْلَمُ أنَّنَا حَاوَلْنَا الهُرُوبَ مِنْهُ لَكِنَّ سُلْطَانَهُ عَلَيْنَا كَانَ أقْوَى مِمَّا ٱعْتَقَدْنَا وأَخِيرًا ٱسْتَلَمْنَا لِأَمْرَهُ.. #شوشو أحمد عاد جاسر إلى ذلك المنزل الذي يحاط بسياج من الحب لا يعرف شيئًا عن أحقاد الماضي ولا حاضره. لكن قلب جاسر غلفه الندم وهو يرى حبيبته ترفض مساعدة أخرى وتصر على بقائها معه. انصرف الجميع وبقيت هي معه لتشعره بمدى حماقته.

جلست بجواره على الفراش لتسأله بابتسامة يعلم جيدًا بأنها تخفي وراءها حزنًا دفينًا: _محتاج حاجة أعملها؟ ليته باستطاعته امتصاص حزنها الذي كان سببًا رئيسيًا به، فأجاب بامتنان: _محتاج وجودك جنبي وبس. رفع يده ليبعد خصلاتها المتمردة عن وجهها العاشق لتفاصيلها وتابع بولع: _طول ما انتي جانبي مش عايزة حاجة تاني. أمسك يدها يقبلها وقال بوله:

_سارة انتي مش بس مراتي انتي كل دنيتي، حتى النفس اللي بتنفسه مش بيكون فيه حياة إلا لما ريحتك تملآه وأتنفسك في كل ثانية. ملس على وجنتها بأنامله وأردف بعشق: _كل مشكلة بتواجهنا بتقربنا أكتر لبعض والبعد بيشعل نار الحب أكتر جوايا. غمغمت بحنق: _اللي يسمعك دلوقتي ميقولش إنك كنت واقف بتحارب قصادي. _عارف إني زعلتك مني كتير وأحيانًا بكون قاسي، بس صدقيني حبك جوايا بينتقملك أشد انتقام وبيخليني أرجعلك راكع وأطلب منك السماح. تلاعب

الخبث بعينيه وهو يتابع: _وأنا أفتكر إن رجلي هتمنعني إني أواصل يوميات العشق بتاعتنا. ضحكت سارة بصفاء وقد استطاع العشق التغلب على كبريائها لترضخ لتلك اليد التي جذبتها لصدره العريض والذي تناغمت دقات قلبه مع دقاتها ليرسم خطوات العشق ورودًا يدعسها أقدام المحبين. *** استلقى جمال بجوار حفيدته التي أصرت وسيلة على بقاءها معها فقال لها بغيظ: _طيب أنا ذنبي إيه دلوقتي؟ هو ينام في حضن مراته وأنا محروم بقالي تلات أيام.

استلقت وسيلة على جانبها من الفراش وهي تقول بتأثر: _على قد ما أنا حزينة على ابني واللي حصله بس بقول وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم. مراته رجعت له والنفوس اتصفت. وافقها جمال: _عندك حق وبصراحة البنت كل مدى ما بتأكد إنها بنت أصول وعكس منصور وسمر. _شهادة لله هي وأخوها يتحطوا على الجرح يطيب، ربنا يهديه بس ويعرف قيمته. نظر إلى سيلا وتمتم بغيظ: _تصدقي بالله انتي خسارة فيهم، أنا هجبلك سريرك وتفضلي معانا هنا.

أيدت وسيلة رأيه: _ياريت بصراحة، لما بتبعد عني بتوحشني أوي. رفع حاجبيه بمكر وهو يسألها: _هي بس؟ هزت كتفها بدلال: _وجدها وحياتك. *** عاد باشتياق كبير إلى عائلته الصغيرة والتي استقبلته بسعادة غامرة فتدثره بمشاعرها الجارفة والتي تخلت عن كل شيء مقابل عشقه. ولما لا وقد أذاقها شهده وجعل منها أميرة على عرش قلبه. وها هو يدلف شقة عمه كما طلب منه، فلن يعود إلى منزل والده مهما كلفه الأمر.

لم يبالي ببكاء والدته ولا صمت والده وهو يراه يخرج من المنزل. دلف معه وعينيها تجول في المكان وشعور عدم الاستقرار يزداد بداخلها، لكنها لا تظهر ذلك. حتى الآن لم يحصلوا على الاستقرار. لكن كل ذلك لا يهم مادامت معه. أخرجها من شرودها صوته الحاني: _عارف إنك حاسة بعدم الاستقرار بس اصبري معايا شوية لحد ما ألاقي شقة وأفرشها ومش هنخرج منها أبدًا. اندهشت كيف يصل إلى أعماق تفكيرها ويعلم ما يدور به دون أن تتفوه بكلمة، تمتمت بصدق:

_أنا معاك على أي وضع حتى لو عشنا في أوضة وصالة أنا موافقة مادام معاك، وبعدين أنا لما قررت أمشي معاك كنت عارفة كويس إن كل ده هيحصل. ومتنساش إن أنا السبب الرئيسي ورا كل اللي بيحصلنا. هز رأسه بنفي وهو يتقدم منها أكثر ليحتويها بين ذراعيه وغمغم بخفوت: _ده قدرنا إني أشوف وأتعلق بيكي وواجه الدنيا كلها عشانك، ومستعد أواجه الموت وكل حياتي مقابل الحب ده. أحاطت عنقه بذراعيها وعينيها تجوب ملامحه بحب:

_بحبك وهعيش عمري كله عشان أسعدك وبس. رفع حاجبيه بمكر وغمغم بخبث: _هي فين السعادة دي؟ أنا من وقت ما رجعت وانتي مقضياها كلام. ضحكت بدلال وهمست بجوار أذنه: _ما انت عارف الفعل ده بيبقى عليك إن… لم يدعها تكملها لتقاطع حديثها قلبه بثها فيها كل مشاعر العشق الذي يحمله إليها.

وكانت هي أكثر من مرحبة بذلك لتغوص معه في بحور الشوق، حملها ودلف بها إحدى الغرف ولم يبتعد عن ثغرها الذي لم يشبع قط من شهده، وكلما قرر الابتعاد كي يتركها تلتقف أنفاسها حتى يشعر بأنه سيفارق الحياة إذا ابتعد ثانية واحدة. _وحشتيني. كلمة واحدة خرجت من فاهه ثم عاد إليها يدخلها إلى عالمه الخاص. *** في الصباح وداخل شركة منصور. يجلس على مقعده واضعًا رأسه بين يديه، فمنذ رفض الحجر وهو يكاد يصاب بالجنون.

لن يمر الأمر مرور الكرام، ويبدو أنه على وشك خسارة أخرى. عاد من شروده على دخول مصطفى بملابس رسمية عليه وخلفه المحامي الخاص بوالده: _السلام عليكم. قطب منصور جبينه بحيرة ونهض متجهاً إليه والشك يتلاعب بداخله: _وعليكم السلام، خير. التزم مصطفى الصمت وترك الأمر في يد المحامي الذي تقدم من المكتب ووضع عليه حقيبته ليخرج بعض الأوراق منها و…

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...