الفصل 14 | من 33 فصل

رواية وهام بها عشقا الفصل الرابع عشر 14 - بقلم رانيا الخولي

المشاهدات
24
كلمة
4,306
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 42%
حجم الخط: 18

اللهم إني أستودعك بيت المقدس وأهل القدس وكل فلسطين. اللهم ارزق أهل فلسطين الثبات والنصر والتمكين، وبارك في إيمانهم وصبرهم. اللهم إنا نسألك باسمك القّهار أنْ تقهر من قهر إخواننا في فلسطين، ونسألك أن تنصرهم على القوم المجرمين. اللهم اشف جريحهم، وتقبّل شهيدهم، وأطعم جائعهم، وانصرهم على عدوهم. اللهم أنزل السكينة عليهم، واربط على قلوبهم، وكن لهم مؤيدا ونصيرا وقائدا وظهيرا. سبحانك إنك على كل شيء قدير؛ فاكتب الفرج من عندك والطف بعبادك المؤمنين.

لم تستوعب ما سمعته من حازم وعادت تستفهم منه وهي تصيح به: _انت بتقول أيه؟ انت اكيد غلطان. دلف مصطفى الغرفة على صوتها ليسألها بقلق: _ايه ياسارة في ايه؟ أشارت له بالهاتف وعقلها يرفض تصدق ما سمعته. فأخذه من يدها ليتحدث هو، وقد كانت صدمته أكبر بما علم. دلفت المشفى ومعها مصطفى الذي صدم كذلك من ذاك الخبر. وجدت الجميع ينتظرون أمام غرفة العمليات بقلب ملتاع مما جعل قلبها يرتعد بخوف.

أسرعت إلى جمال الذي وقف يتضرع إلى ربه كي ينقذ ابنه الذي لا يعرف حتى الآن ماذا حدث له، فسألته بخوف: _عمي، فين جاسر؟ تحلى جمال بالصبر أمامها ورد بثبات: _أهدي يابنتي وادعيله هو في العمليات دلوقت. هزت رأسها بعدم استيعاب لما يخبروها به وغمغمت بعدم استيعاب: _عمليات ايه؟ جاسر كان لسة عندي من شوية وحتى مشي زعلان مني. تقدم منها مصطفى ليحاول تهدئتها: _إهدي ياسارة إن شاء الله هيكون كويس. هزت راسها بنفي وهي تتمتم بخوف:

_اهدى ازاي وانا مش عارفة ايه اللي حصله جوة. _دخلوني عنده هو أكيد محتاجلي، خليني اشوفه واعرفه إني جانبه. أخذت تناديه بأعلى صوتها: _جاسر دخلوني عنده خلوه يسمعني، خليني اعتذرله. أخذها مصطفى في حضنه مقيدًا حركتها: _اهدي ياسارة إن شاء الله هيكون كويس. هزت راسها بنفي وهي تتمتم بعدم استيعاب: _لأ قلبي بيقولي انه مش كويس، انا اكيد بحلم اكيد كابوس.

لا لن يذهب وهو غاضبًا منها، المرة الأولى التي تقف أمامه يكون عقابها الرحيل. فليعود إليها ولن تغضبه مرة أخرى. لكن ستنتقم فقط منه لأنه أخافها عليه ولن ترحمه حينها. لم يستطيع عقلها المقاومة أكثر من ذلك واستسلمت لظلامها. ***

ازدرد ريقه بصعوبة وهو يحاول البحث عن أي مخرج وعمه يقف أمامه متسائلًا عن ذلك الأمر الهام. لم يكن هناك أمرًا من أساسه لكن كانت الطريقة الوحيدة أمامه كي يجعله يتركه. لكنه تساءل هل سيظل على ذلك الحال كل مرة؟ _متقول ياولدي في ايه؟ تنهد بتعب وقال بثبوت: _كنت رايد اسافر اسكندرية قد اسبوعين أكدة. عقد خليل حاجبيه متسائلًا: _ليه؟ في حاچة؟

اهتزت نظراته عندما وجدها تخرج من الغرفة ونظرات العتاب لا ترحم قلبه الذي يأن ألمًا وحزنًا عليها. أخفض بصره بانكسار وكأنه بذلك يقدم آلاف الاعذار عندما لاحظ آثار العنف الظاهر على وجهها. اوقفها عمه بحدة: _رايحة فين؟ الخوف الذي اعتراها منه لم يرحمه وأجابت بتهرب: _هچيب حاچة من تحت وچاية. تركها خليل حتى ينهي حديثه مع ابن أخيه فترحل هي وتتركه لأحزانه. انتبه لعمه الذي عاد يسأله: _عايز تسافر ليه؟ لم يعرف سببًا

يخبره به فتمتم بثبوت: _معلش ياعمي بس أنا محتاج ابعد شوية وأوعدك إني مش هأخر. _بس انت خابر إن ابن عمك راچع كمان يومين ومحتاچك تكون چانبه. _اليوم اللي هيرچع فيه هكون موچود إن شاء الله. لم يريد خليل الضغط عليه فتركه كما يشاء. عاد إلى غرفته منتويًا الذهاب فهذا هو الحل الوحيد أمامه، عليه البعد ربما تكون تلك الطريقة التي يستطيع بها التحكم في مشاعره أكثر من ذلك. لكن أثناء عودته انتبه لتلك الهمهمة وصوت أنات مكتومة.

ذهب إلى مكان الصوت لينتبه إلى تلك التي تنزوي في أحد الأماكن في الحديقة. أغمض عينيه يحاول بصعوبة اخفاء مدى توقه للذهاب إليها والتخفيف عنها لكن لا فائدة. وجد قدميه تسوقه إليها دون إرادته كانت جالسة على الأرض تضم قدميها إليها وتخفي وجهها بينهم.

أدنى منها ليجث أمامها وعينيه تنظر إليها بحسرة. رفع يده يربت عليها لكنه تراجع فلا يحق له ذلك. وحينها انتبهت هي له ورفعت وجهها بوجل لتجده هو يجلس أمامها وعينيه تجوب ملامح وجهها بصدمة. الدماء التي تسيل بجانب ثغرها وأنفها وأثار صفعات حادة على وجهها ما بين زرقاء تبدو منذ زمن، وأخرى شديدة الإحمرار، وعينيها التي لا ترحم ضعفه تدينه بعتابٍ قاسٍ انهكه، ورغم حدتها تحدثت بإيباء: _جاي ليه؟

لم يقل شئ بل نهض تاركًا إياها دون الرد عليها مما جعلها تعاود البكاء، فماذا تنتظر من شخصٍ يفضل دائمًا الهرب. لم تلبث ووجدته يعود إليها وهو يحمل إناء به ماء وتقدم منها ليجث أمامها وتتقتبل نظراتهم ما بين عتاب واعتذار. رمش بعينين مربكتين ثم بلل تلك المنشفة الصغيرة ودنى بها منها ليمسح تلك الدما.ء الجافة على انفها وفمها لكنها أزاحت يده تبعدها عنه وهي تقول بعناد: _ابعد عني، سيبني لوحدي مش عايزة اشوفك.

لا يلومها لكن عليه أن يداوي جروح وجهها ربما ذلك يخفف من جروح قلبه. دنا بيده مرة أخرى من جروحها وهي استسلمت له تلك المرة فهي حقًا متعبة ولا تستطيع الجدال. ليضع المنشفة على جرحها وهو يحاول بصعوبة عدم النظر إلى عينيها. فكلما نظر داخلهما كلما شعر بالضعف أمامهما.

مازالت دموعها تنهمر من عينيها مما جعله يرفع بصره إليها. ويا ليته لم يفعل فقد وجد نفسه يتوه في بحورها فتلك الحبيبة التي كتبها القدر بشقاءه ستكون دائمًا كذلك دون إرادته. سقطت عينيه على ثغرها الذي حلم كثيرًا بتذوقه يرتعش بآلامٍ لا يعرف إذا كانت من ألم الوجع أو من آلم القلب. فكلاهما واحد رغم أن وجع القلب أشد وأقسى.

بقعة دما.ء وجدها عالقة على شفتها السفلية مما جعله ينحدر بيده ليمسحها وكانت تلك مرته الأولى التي يلمس فيها شفتيها. كانت مستسلمه لعتابه ولم تدري شيئًا عن تلك النيران التي تشتعل بداخله. خطر حاف مشاعره ودق ناقوس الخطر ينبه بأن ما هم فيه ليس سوى بداية لأثمٍ كبير، فعاد لرشده بصعوبة وغمغم بخفوت: _أمشي دلوقت. اندهشت ولم تخبرها براءتها بما يعتمل بداخله وعندما لم تطاوعه عادها بحدة: _قلتلك امشي دلوقت.

تحولت نظراتها لبغض ونهضت من أمامه وألقت المنشفة في وجه بغضب تقبله بصبر وظل ينظر في أثرها حتى دلفت للداخل. شقاء ما بعده شقاء، عليه حقًا الذهاب من هنا، لم يعد يثق في مشاعره ولن يعود سوى بعودة مالك وحينها سينشغل به عنها. *** فتحت عينيها بتثاقل تتساءل عن وجودها. أين هي؟ لتطرق الحقيقة رأسها وتتذكر ما حدث لحبيبها. نهضت مسرعة رغم الدوار الذي اشتد بها وأسرعت بالخروج من الغرفة تبحث عنهم حتى وجدته يخرج من غرفة العمليات.

أسرعت إليه تصرخ بأسمه: _جاسر. أمسكت يده وهي تناديه: _جاسر انت كويس رد عليا. حاول مصطفى ابعادها لكنها أبت ذلك وأصرت على استجوابه. لكنه مازال تحت تأثير المخدر فلم ينتبه لها. فقالت الممرضة: _لسة مفقش يامدام خلينا نوديه اوضته الأول. ذهبت معه وبقي جمال وحازم ليسأل الطبيب: _خير يا دكتور؟ عدل الطبيب من وضع نظارته وقال بارهاق:

_الكسر كان مضاعف في رجله الشمال بس الحمد لله قدرنا ننقذ رجله وإن شاء الله هيكون كويس. وبالنسبة لدراعه جبسناه لما اتأكدنا إن العصب متضرش بعد اذنكم. ذهب الطبيب وترك جمال في حاله يرثى لها، فقد اشتد الحمل عليه بسقوط ولده الذي كان ظهره و سنده. ربت حازم على كتفه وقال بثبوت: _متقلقش إن شاء الله هيكون كويس. أومأ له جمال بصمت وذهب معه إلى الغرفة ليجدوا سارة مازالت تتشبث بيده. دنا منها ليربت على كتفها وقال بثبات:

_اطمني هو كويس مفيش حاجة. رفعت بصرها إليه تناشده ان يطمئنها وقد كان لها ما ارادت: _والله كويس مجرد كسرد في رجله وخلاص، ودراعه نفس النظام. ارجعي انتي واحنا هنفضل جانبه. تبدلت ملامحها لإصرار قاطع: _مش هسيبه. تقدم منها مصطفى ليقنعها: _لازم تروحي عشان بنتك… قاطعته بإصرار: _قلت مش هسيبه هو مش محتاج حد غيري وهفضل جانبه لحد ما يخرج من المستشفى. لم يقتنع جمال بقرارها فقال بأيباء: _ومينفعش إن كلنا نروح ونسيبك انتي معاه.

_انا اللي هفضل مع جوزي مش هسمح لحد انه يمنعني. كانت لهجتها حازمة لم يستطيع أحد ردعها عن قرارها فوافقها جمال لعلمه بأن جاسر بعد عودته لوعيه لن يسمح ببقاءها في المشفى وسيجبرها على العودة. ظل الجميع بجواره حتى بدأ يسترد وعيه. نطق باسمها ما إن عاد لرشده: _سارة. مالت عليه سارة ودموعها تنهمر من عينيها وتمتمت بألم: _أنا جانبك ياحبيبي مش هسيبك أبدًا. ضغط على يدها بضعف وغمغم بخفوت: _خليكي جانبي متسبنيش.

وضعت جبينها على جبينه وهي تأخذ يده إلى حضنها وقالت بصدق: _العمر كله ياحبيبي، العمر كله هكون معاك ومفيش حاچة في الدنيا هتفرقنا. وكأن كلماتها طمأنته وجعلته يغمض عينيه تلك المرة براحة. ابعدها مصطفى عنه عندما اشتد بكاءها وتحدث بتعاطف: _اهدي ياسارة خلاص فاق واطمنا عليه. ابتعدت عنه سارة بصعوبة فتحدث جمال بروية: _يابنتي روحي انتي مش هتقدري تاخدي بالك منه وهو بالحالة دي. هزت راسها بنفي وقالت بحزن عميق:

_مستحيل يغيب عن عيني لحظة واحدة. تعاطف حازم معها وتحدث برزانة: _خلاص سيبها وانا هفضل معاها وانام على الكنبة اللي برة. وافق جمال على مضد وظل معهم حتى اضطر للعودة لأجل والده الذي ترك معتز معه حتى لا يعلم بشئ. تقدم من ابنه ومال عليه يقبل جبينه وتركه وغادر. كان صعبًا عليه تركه لكنه يعلم جيدًا بأنه بيد آمنة. نسخة من منصور لكنها بعيدة كل البعد عن وحشيته. كان في اشد الحاجة له. الآنسنشد عضدك بأخيك. فأين هو؟

عاد إلى المنزل ليجد معتز في استقباله. اسرع إليه يسأله بقلق: _جاسر كيفه دلوقت. أجاب جمال بارهاق: _اطمن هو زين، فميش اي حاجة الحمد لله عدت على خير. _طيب هروح أنا… قاطعه جمال: _حازم وسارة معاه الصبح أن شاء الله نروحله، حد عرف حاچة. هز رأسه نفي: _متقلقش محدش عرف حاجة. _طيب ادخل انت وانا هطلع ارتاح شوية. صعد جمال غرفته وقد ظلت وسيلة مستيقظة بسبب ذلك القلق الذي انتابها اليوم. لن يستطيع اخفاء الأمر عليها.

_أومال فين حازم وجاسر وليه سارة بعتت البنت وهي فين. رتامى جمال على المقعد ولم يدري كيف يخبرها بذلك الخبر فقال بثبات زائف: _جاسر عمل حادثة وفي المستشفى وسارة معاه. انقبض قلبها بصدمة وضربت على صدرها بخوف: _ابني. تقدمت منه وهي تجث أمامه وتصيح به: _ايه اللي حصله ابني ماله؟ مسح جمال على وجهه ونظر إليها متمتمًا بتعاطف: _قلتلك متقلقيش جاسر كويس وإن شاء الله هيطلع الصبح. هزت رأسها بعدم اقناع ونهضت وهي تبحث عن ملابسها:

_أنا رايحة أتأكد بنفسي. نهض جمال ليمنعها برفض: _تروحي فين دلوقت، الصبح إن شاء الله هنروح…. قاطعته بحدة وهي تبكي بحرقة: _انا مش هعمل زيك وأسيبه واروح، هروح لأبني وافضل تحت رجليه. جذبها جمال إليه كي يهدؤها وتحدث برزانة: _أقسملك إنه بخير وانا مسبتوش لوحده انا سايب معاه مراته وحازم وهو بنفسه اللي طلب تكون معاه. وأنا قاصد أنها اللي تبقى عشان يشوف بعينه الفرق. وضعت رأسها على صدره وتمتمت ببكاء:

_مش هقدر استنى للصبح خليني اشوفه واطمن عليه. ربت على كتفها وغمغم بثبات: _خلينا نتحمل لحد النهار ما يطلع عشان ابويا وأمي، انتي عارفة روحهم في جاسر وهما فيهم اللي مكفيهم. أومأت له وهي تتشبث به وقلبها يأن ألمًا وحزنًا على ولدها. *** فتح عينيه بتثاقل فشعر بشئ ثقيل على يده حاول التحرك لكنه لم يستطع، ألم شديد لا يحتمل في يده وذراعه. الرؤية ليست واضحة. أغمض عينيه وفتحها مرة أخرى حتى وضحت الرؤية أمامها.

ولما وقع عليه عينيه وجهها الذي ظل ملازمًا له في غفوته الطويلة. لكن الحزن المرتسم عليه ودموعها التي بللت أهدابها آلمته بشدة. يعشقها حد الجنون وكل خلافٍ يحدث بينهم يُشعل العشق أكثر وأكثر بقلبه. لكن تلك المرة وصل العشق منتهاه. وهل للعشق من منتهى؟ سيذهب ليل الفراق وتشرق شمس نهارهما ولن يسمح لها بالفراق. نائمة كالملائكة تمسك بيده المصابة وكأنها تخشى عليه من الهرب.

هزت رأسها لوضعٍ أكثر راحة فخرجت منه آهة ألم رغمًا عنه. استيقظت على إثرها فترفع وجهها بلهفة: _جاسر. ابتسم رغم ألامه كي يطمئنها وغمغم بخفوت: _انتي هنا من أمتى؟ احتوت يده بحب كي لا تؤلمة وتحدثت بلوعة: _من وقت مـ خرجت من العمليات، عامل ايه دلوقت؟ نظر إلى يده وقدمه وغمغم بألم: _حاسس بألم شديد اوي وأكتر فـ رجلي. ربتت على يده وتحدثت بثبات: _الدكتور جاي دلوقت وهخليه يضيفلك مسكن أقوى. وكأنه انتبه لتوه بوجودها فسألها بجدية:

_أومال فين أبويا وأخواتي، وليه سيبينك لوحدك. _مش لوحدي حازم معايا بس هو قاعد في الكفاتريا، وعمي ومصطفى أصريت انهم يرجعوا لإني مش هسيبك مهما حصل، اخر ما زهق روح وقال أنه هييجي الصبح. رغم استياءه وغيرته عليها من بقاؤها معه إلا إنه سعد بتمسكها به وعدم تركه، فهو حقًا في أمس الحاجة إليها لسيما إصابة يده التي ستعيقه فترة طويلة. _وسيلا؟ _سيلا بعتها لماما اطمن. أمسكت هاتفها: _هتصل على حازم يجيب الدكتور.

صدرت منه آهة عندما هم بمنعها بيده المصابة فعادت إليه بلهفة: _مالك ياحبيبي. جعد وجهه من شدة الألم وغمغم بوهن: _ألم جامد أوي في دراعي ورجلي. ربتت على كتفه وتحدثت بتأثر: _انا رنيت على حازم وزمانه جايب الدكتور وجاي. وبالفعل لم تنهي حديثها حتى دلف حازم ومعه الطبيب إلى الغرفة. انتهى الطبيب من المعاينة ثم تحدث بإيجاز عندما سأله جاسر عن حالته:

_هكون صريح معاك ومش هخبياولًا رجلك تقدر تقول انقذناها بمعجزة فبالتالي هتاخد وقت كبير لحد ما ترجع لطبيعتها وتقدر تمشي عليها. دون إرادة منها امسكت يدها لتضغط عليها وكأنها بتخبره بدعمها له. فتابع اسألته: _وقت قد ايه؟ _مش اقل من اربع شهور اما دراعك فده عادي الكسر بسيط كلها عشرين يوم بالكتير. أومأ له جاسر بصمت وبدأ الطبيب يضيف بعض التعليمات ثم خرج من الغرفة. عادت سارة لتجلس على طرف الفراش بجواره وأمسكت

يده لتقبلها قائلة بحب: _هيعدوا بسرعة وهتبقى أحسن من الأول. شعر بالنعاس بفعل المسكن فبدا باغماض عينيه وهو يشدد على يدها ويقول برجاء: _خليكي جانبي. أومأت له وهي تربت على يده: _مش هسيبك لحظة واحدة. ***

ظلت وحيدة تلك الغرفة ولم تعد تراه كما السابق. منذ تلك الليلة وهو يتجنب وجودها. حاولت مرارًا وتكرارًا التحدث معه لكنه يبتعد مسرعًا وكأن بها مس يستعذ منه. لكن لن تتحمل أكثر من ذلك عليها الوصول إليه والتحدث معه، فغدًا سيكون زفافهم وعليها ان تعرف مصيرها بعد ذلك.

خرجت من الغرفة للمرة الأولى بعد دلوف. مازالت تخشى ذلك المكان، فالسكون الذي يعمه يرعبها حقًا. لكن تلك المرة الاضواء مضاءه وكأنه رأف بمن أصبحت تقطن بها وتخشى الظلام. سارت في ذلك الرواق وهي لا تعرف حتى الآن أين غرفته. غرف عديدة لكنها مغلقة وكأن كل غرفة منها تخفي خلفها اسرار لا حصر لها.

توقفت أمام أحدى الغرف وداخلها يقين بأنها الغرفة المنشودة. وضعت يدها على المقبض وبداخلها يطلب منها التراجع وكأنها ستفعل شيئًا مشينًا لكن ماذا تفعل في فضولها الذي يود أن يقتحم أسرار ذلك العنيد. ظلام كعادتها به وظلت تتحسس الأضواء لكنها لم تصل إليها. بعد محاولات عدة استطاعت الوصول إلى الفراش ومنها إلى المصباح الصغير الموضوع على المنضدة. فُتحت الاضاءة لكنها خافته تساعد فقط على الرؤيا حول الفراش.

لفت نظرها الفراش المرتب بعناية فائقة وكأن لم تلمسه يد منذ أمد بعيد. لكنه نظيف للغاية. وذلك الإطار الذي احتوى صورة لفتاة بملامح هادئة تسير السكينة في قلب من يراها، يجزم من يراها بأنه لم يرى في رقة تلك الملامح من قبل. ضحكتها جميلة لكنها حزينة مثلها تمامًا. تبد ابنة عمه التي قاموا بقتلهـ ا وادعوا هروبها.

ساقتها قدماها إلى خزانتها تريد أن تعلم الكثير والكثير عنها. فتحتها بكل هدوء تتطلع لأغراضها التي رتبت بعناية فائقة. محال أن تكون تلك الغرفة مهجورة. لفت نظرها ثوب زفاف معلق في الخزانة. فمدت يدها لتلامس ذلك الثوب الأبيض الذي علق جانبًا فتنبهر حقًا بجمالها. خرجته من الخزانة وأخذت تنظر إليه بانبهار: _بتعملي ايه عندك؟

انتفضت بفزع عندما سمعت صوته الذي هز اوصالها فتلتفت بوجل تجاهه فتجده ينظر إليها بنظراته الحادة. وكأنها اقتحمت مكانًا محرمًا عليه. ارمشت باهدابها تبحث عن صوتها الذي اختفى عنها وكأن الكلمات انحشرت في حلقها من فرط الخوف. وخاصةً عندما وجدته يقترب منها بخطواتها الثابتة وبعينين تقدح شررًا جعلها تعود للخلف بوجل فيلتصق ظهرها بالخزانة خلفها فأصبحت محاصرة بين فوهة عينيه التي تنظر إليها بغضب إن خرج سيحرق ما حولهم.

_مين اللي سمحلك تدخلي أهنه. قال كلمته الأخيرة بحدة أجفلتها وجعلت وتيرة تنفسها تزداد حتى إنها لفحت عنقها لمدى تقربه منها. اغمضت عينيها تحميها من نيران نظراته التي تكاد تشعر بسخونتها وغمغمت بخوف: _ا..أنا.. كنت بدور عليك وافتكرت إن دي اوض.

تبخر غضبه لرؤيتها بهذا الشكل كما كانت تفعل حلم. فتصلبت نظراته عليها وأوقدت نيران شوقٍ لم يخمد بعد. تجولت عينيه على محياها بكل تفاصيله، بدأً من منبت خصلاتها البنية إلى جبينها الناصع لأهدابها الحادة رغم هدوءها وعينيها التي تمنى أن تفتحهما وينظر داخلهما حتى يرى صفاءهما. ثغرها الذي يهتز من شدة خوفها جعله يتمنى أن يوقفهما بانامله التي تتحرى شوقًا للمسهما وبث الاطمئنان بداخلهما.

انخفق قلبه عندما رفعت جفنيها ظنًا منها أنه تركها لتتفاجئ به أمامها ينظر إلى ثغرها بتلك النظرات الغريبة جعلها تشعر بالريبة منه. حمحمت باحراج وهي تبتعد من أمامه جعلته يعود لرشده ليستعين بغضبه كي يصرف عنه هذا الشعور المقيت فعاد لصوته جموده وحدته وتهكم قائلاً: _على أساس إنك هتلاقيني متخبي في الدولاب؟ أغضبها تهكمه لكنها شعرت بالخزي من نفسها للسعي خلف فضولها، فحاولت جذب انتباهه لشئ آخر لتغمغم بثبات زائف:

_اني رايدة اتحدت معاك ضرور. باغتها بدفع باب الخزانة جعلها تجفل بريبة ثم جذبها دافعًا إياها للخروج معه من الغرفة وصاح بتوبيخ: _لما تحبي تتحدتي معاي تنزلي المكتب تحت انما إنك تدور في الاوض إكدة وتطفلي على خصصياتي فده مرفوض فاهمة ولا لا؟ شعرت بالحنق من تلقينها بالمتطفلة فردت مدافعة عن نفسها: _انا متعدتش على خصصياتك زي ما بتقول ومسمحلكش إنك تتكلم معايا بالاسلوب ده. قطب جبينه بشر وهو يراها تناطحه بحديثها فسألها متعجبًا

من جرئتها في الحديث معه: _هو انتي اللي هتسمحيلي ايه اللي اقوله وايه اللي مقلوش؟! لاح الخوف بداخلها لكنها ابت أن تظهره وردت بتحدي: _ايوة، لما تكون فيها إهانة ليا مش هسمحلك إنك تهني مهما كان، ومتفتكرش إنك بالورقة اللي مضتني عليها دي هتتحكم فيا. لم يجرئ أحد يومًا على تحديه لتأتي تلك الفتاة وتقف أمامه تتبجح رغم غلطها مما جعل الدماء تهدر بعروقه وهتف معنفًا بغضب شديد وهو يطوق عنقه بقبضته ويعود بها للخلف كي

يثبتها على الجدار خلفها: _اوعي تفتكري انتي إنك عشان اسمك اتكتب جانب اسمي هتحطي راسك براسي وتعلي صوتك قبالي. ازدادت قبضته حدة حول عنقها جعلها تشعر بالاختناق جراء ذلك حتى احمر وجهها فأردف محذراً: _انتي مجرد وسيلة أوصل بيها للي رايدة وبعدها تروحي للوحل اللي چيتي بيه.

سعلت بشدة بعدما ابعد قبضته عنها فأخذت تشهق بلهفة لم يبالي لها ثم تركها وغادر. بالغ في ردت فعله لكن عليه ذلك إذا اراد ان يضع حدود لعلاقته بها، لوح العشق بعصاه لكنه لن يعترف به وسيظل على ثباته مهما رق قلبه.

عاد لغرفته المظلمة وكأنه يخشى من النور ويكتفي بذلك الضوء الخافت عندما ينظر لصورهما. والدته وحلم. لا يعرف حتى الآن لما لم يعد يراها بعد أن تصالح مع نفسه وعادت تزوره كل ليلة وينعم باحضانها التي حرم منها وهو ابن الستة أعوام. تظل بجواره تتلاعب بخصلاته حالكت السواد حتى ينام كما كانت تفعل معه في صغره.

لماذا عادت لهجرها له، لما عليه أن يعيش مرارة هجرها مرة أخرى. هو لم يفعل شيئًا يغضبها بل أخذ حقها ممن ظلمها وانتقم لها أشد انتقامه. هل لهذا السبب قامت بتركه؟ تنهد بتعب وجلس على الفراش واضعًا رأسه بين يديه. يريد التخلص من آلامه لكن كيف؟ طرقت ملامحها مخيلته وكأنها إشارة له. تسارعت دقات قلبه فيشعر بالانزعاج. لا يريد أن يطرق العشق قلبه مرة أخرى. لا يريد أن يعيش تلك الالام بعد أن التأمت جروح روحه بعد موت حلم.

نهض ليخلع عباءته ودلف المرحاض ليأخذ حمامًا دافئًا ربما يساعده على الارتخاء. وقد كان له ما أراد إذ خرج وهو مرتدي بنطال قطني فقط رغم برودة الطقس ودلف اسفل الغطاء ليغمض عينيه وقد ساعده ذلك الدواء الذي لجأ إليه كي يساعده على النوم بسرعة ويرحمه من دوامة الافكار. لكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه إذ وجد تلك العاصفة تقتحم غرفته بهوجاء وهي تصيح به: _انا مجتش من وحل زي ما بـ…

شهقت بوجل وهي تضع يدها على عينيها عندما وجدته يعتدل في فراشه فينحصر الغطاء عن صدره فيظهر أمامها عاريًا. ازاح الغطاء عنه ونهض مقتربًا منها وهو يسالها بغضب: _في ايه؟ وإزاي تدخلي الاوضة بالشكل ده؟ ازداد ارتباكها ومازالت تخفي عينيها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...