اللهم إني أستودعك بيت المقدس وأهل القدس وكل فلسطين. اللهم ارزق أهل فلسطين الثبات والنصر والتمكين، وبارك في إيمانهم وصبرهم. اللهم إنا نسألك باسمك القهار أن تقهر من قهر إخواننا في فلسطين، ونسألك أن تنصرهم على القوم المجرمين. اللهم اشف جريحهم، وتقبل شهيدهم، وأطعم جائعهم، وانصرهم على عدوهم. اللهم أنزل السكينة عليهم، واربط على قلوبهم، وكن لهم مؤيدا ونصيرا وقائدا وظهيرا.
سبحانك إنك على كل شيء قدير، فاكتب الفرج من عندك والطف بعبادك المؤمنين. وهام بها عشق رانيا الخولي الفصل السادس عشر أخرج المحامي بعض الأوراق من الحقيبة وقدمها لمنصور الذي انقبض قلبه خوفًا وهو يستمع لأولى كلمات المحامي. _الورق ده في تنازل من جمال عمران المنياوي لمصطفى منصور عن رئاسة مجلس الإدارة وكل الأمور المتعلقة بالشركة. شعر بالأرض تلتف به من كل جانب، وعادت الصدمة بخسارة كل شيء، لكن تلك المرة أشد وأقوى.
ولما لا، وقد قضى على ما تبقى له من الحياة. يعاد المشهد عندما أخذ كل شيء وغدر بحماه، ومن قبله أبيه. فيغدر به ابنه، أو بالأصح مناصفة القدر لأهله. ها هو ذا ابنه يسحب البساط من تحت أقدامه، ليسقط من العلو ويهبط على الأرض بكل قسوة. استند على المكتب عندما اشتد الدوار به، ولم يجد يدًا تسنده تمامًا، كما رفض من قبل إسناد والده. نظر إلى المكتب الذي خسر الجميع لأجله، والآن يخسره معهم.
رفع وجهه إلى ابنه الذي أشاح بوجهه بعيدًا عنه، كي لا يرى مدى تأثره، وسأله: _كي تاخد مكان أبوك يامصطفى؟ ازدرد مصطفى لعابه بصعوبة، ولم يستطع الرد. تقدم منه بقوته الواهنة من أثر الصدمة، وعاد يسأله: _جالك قلب تقف قصادي وتاخد مكاني؟ جذبه من تلابيبه وصاح به بهدر: _رد عليا، عمك وجدك بعتينك عشان تنتقملهم مني، ولا جاي تكمل الطريق اللي أنا بدأته؟ نزع مصطفى يده عن تلابيبه وأجاب دون النظر إليه:
_أنا بنفذ كلام جدي، وأنا مينفعش أقوله لأ. وبعدين ده ماله وهو حر فيه. _لا مش ماله، ده مالي أنا، حقي أنا. الشركة دي أنا بنيتها بعرقي وبتعبي. قاطعه مصطفى بهدوء: _تقصد بعرق جدي. صاح بأعلى صوته: _عرق جدك اللي عايش فيه جمال مش أنا. كشف مصطفى عن غضبه الذي كتمه بداخله منذ أن علم الحقيقة، وهدر بوالده لأول مرة:
_عمي ما أخدش حاجة عشان يعيش فيها. كل اللي فيه دلوقت من شقاه وتعبه هو طول السنين اللي فاتت. كنت عايش في عز ونعيم بفلوسهم وهما بيشقوا ويتعبوا عشان يسدوا ديونهم اللي كنت سبب رئيسي فيها. بلاش تضحك على نفسك وتعيش دور المظلوم، لإنك أنت الظالم مش هما. ظلمت أهلك وظلمت جدي اللي بنى الشركة دي معاك، وكملت ظلمك إنك تحجر على أبوك. ودلوقت الدور بقى عليك إن تجرب إحساس جدي وشعوره.
اندهش منصور من طريقة ابنه في الحديث معه، وهنا فقط تأكد أنه خسر كل شيء. _ودلوقت أنا محتاج مكتبي. هز رأسه بعدم استيعاب لما يحدث. مجرد كابوس، هكذا أقنع نفسه، وهو يجاري ما يحدث ويخرج من مكتبه. شعر بألم حاد في قلبه، لكنه تماسك حتى خرج من الشركة. ألقى نظرة أخيرة عليها، وشعور الخسارة يجثم على صدره. اشتد الألم به، فاستند على سيارته، لا يستطيع الحراك. أسرع إليه أحد الأمن يسأله: _منصور بيه، أنت كويس؟
أخرج منصور مفتاح سيارته وناوله للرجل، وقال بألم: _وديني المستشفى بسرعة، وبلاش تعرف حد. ساعده الرجل على الصعود للسيارة، وتولى هو القيادة، وانطلق بها للمشفى. حملت سامية الثوب ودلفت به غرفة مهرة، التي مازالت ترفض ارتداءه. وما إن رأتها حتى صاحت بها بغضب: _اطلعي بره بالزفت ده. أغلقت سامية الباب خوفًا من وصول الصوت لها، وقالت بقلق: _ياست مهرة، الله يرضى عليكي، بلاش عناد. صرخت بها:
_قلتلك أنا مش هكمل المهزلة دي، يروح يشوف واحدة غيري تكمل معاه. _أنا مش عارفة إنتي رافضة ليه، ده مهران بيه، أي واحدة تتمناه. ازداد العناد بداخلها، لتدب الأرض بقدمها: _خلاص، يروح يشوف واحدة منهم. _وانتي لازمتك إيه؟ قالها مهران، الذي يدخل بهدوء يتنافى تمامًا مع ما بداخله من غضب. أرعبها هدوءه، لكنها أبت إظهار ذلك، وتمتمت برهبة: _أنا مش هكمل.
نظر إلى سامية التي انصرفت وأغلقت الباب خلفها، ثم تقدم من مهرة بهدوء أخافها حقًا، حتى أنها لم تستطع إخفاءه. وقف أمامها، لا تفصل بينهما سوى مسافة لا تذكر، حتى شعرت بأنفاسه تلفح بشرتها، وغمغم من بين أسنانه: _رأيك ده تحتفظي به لنفسك. هنا أنا أقول، وأنتي تنفذي.
ازدردت لعابها بصعوبة من شدة خوفها، وعينيه الغاضبة تخترق عينيها، التي تجمع بداخلها خوف كبير فشلت في إخفائه، مما جعلها تغضب من ضعفها، وهي التي أقسمت أن تتخلص منه، وجاهدت حتى يظل صوتها ثابتًا، وهي تقول بعناد: _وإن رفضت، هتقتـ ـلني زي ما قتلـ ـت بنت عمك؟ ربي، ماهذا الذي قالته! ارتعبت أكثر عندما لاحظت اتساع دائرة عينيه بغضب جحيمي لن يستطيع شيء إخماده.
لا تعرف متى وجدت عنقها بين قبضته، وظهرها للحائط، فصدرت منها آهة قوية من شدة الألم الذي شعرت به في ظهرها، وغمغم هو بفحيح يشبه فحيح الأفعى: _احمدي ربنا إن الفرح بكرة، وإلا كان زماني متاويكي دلوقت. بس يعدي اليوم ده، وبعدها هحاسبك على اللي قلتيه. نظرات الشر في عينيه جعلتها تجفل، لكنها واصلت عنادها: _مش هيكون فيه فرح.
نظرات التعند في عينيها جعلته يغضب أكثر، وود في تلك اللحظة التخلص منها، لكن قلبه الذي بدا غريبًا منذ فترة، لم يطاوعه في غضبه. لا يعرف لما يكون بذلك الهدوء ما أن تقع عينيه عليها، وخاصة عندما يكونوا بهذا القرب، الذي انتبه له. لم يكن يفصلهم شيء سوى بضع إنشات، حتى شعر بأنفاسها الثائرة تلفح عنقه، لتجعل خفقاته أكثر حدة، وتنقلب مشاعر الغضب إلى مشاعر لم يشعر بها من قبل مع فتاة غيرها، حتى حلم.
لا بتلك الخفقات، ولا بالاحاسيس التي تهز أوصاله بقوتها. دون إرادته، جالت عينيه بملامحها، مدققًا النظر بها. عينيها التي تدعي القوة، وهي تحمل حزن العالم بداخلها. أهدابها التي ما إن ترمشها، حتى تجرح حدتها مشاعره. أنفها الذي يشبه حد السيف بشموخه، وثغرها الذي رُسم بإتقان، وكأنها لوحة في يد فنان، زينها بكل حرافيه.
ازدرد لعابه بصعوبة، وقد جف حلقه تمامًا، كما تصلب جسده، يطالبه بلمس تلك الشفاة بأنامله، وخاصة عندما انفرج ثغرها لتظهر أسنانها، فتختلط حمرة شفتيها مع بياض أسنانها، فيتدفق الدم بعروقه، وتأتي رغبة عارمة بتحسسها بشفتيه. أما هي، فقد كانت تائهة في نظراته، التي أخذتها معه، لتجوب هي أيضًا ملامحه، ووسامته التي تمتاز برجولة لم تراها من قبل. قوة وهيبة ورجولة وطغيان وقسوة، تجمعوا به، فيخلق ذلك الرجل الذي أمامها.
لولا تاريخه، ولولا قسوته، لكانت الآن ساقطة في عشقه دون مقدمات. هكذا تمنت، وهكذا رغبت، لكن طريق العشق بينهما مليء بالأشواك، ولن تعود منه إلا خالية الوفاض، إلا من جرح غائر سيظل ندبته تشوه قلبها ما بقى لها من عمر. لا، لن تسقط في بحوره مهما رغبت بذلك.
رمشت بأهدابها عندما وجدته يرفع أنامله ليقربها من فمها، فترتعد أكثر، وتدفعه بيدها المرتعشة في صدره، كي تخرجه من تلك اللحظة، فيحمحم بحدة، كي يعيد هيبته التي تبعثرها تلك الفتاة. فقال بخشونة، وهو يبتعد عنها قليلًا، ويشير إليها بتحذير: _متخليش لسانك يكون وبال عليكي، لأنك لسة متعرفيش مين هو مهران الهواري. ودت لو تجرحه كما يجرحها، لكنه انصرف من أمامها، قبل أن تواتيها الشجاعة لتقف أمامه. _يعني إيه هتروح؟
قالتها آسيا بغضب، عندما أخبرها بذهابه لحضور حفل الزفاف المزعوم، والذي سيكمل به مهران باقي انتقامـ ـه. فيوليها ظهره، وهو يتمتم بانفعال: _عايزاني أعمل إيه يعني؟ أهرب؟ أروح فين؟ اشتعل الغضب بداخلها، وجذبته من ذراعه، كي تجبره على مواجهتها، وتحدثت بحدة: _لو روحت هناك، هتكون بتأكدلهم أنها بنتك حقيقي، وأنا مستحيل... قاطعها كامل بصرامة: _الناس خلاص عرفت، واللي كان كان. تبدلت ملامحه لحسرة، وهو يتابع كأنه يحدث نفسه:
_اتفضحت قدام العيلة كلها، والنهاردة هيكون قدام النجع كله. جلس على المقعد ليضع رأسه بين يديه، وأردف بانكسار: _عرف ابن الهواري ينتقم مني، ويردلي بدل القلم عشرة، وكسرني كسرة عمري. هزت آسيا رأسها بضياع، وقالت بعدم استيعاب: _هي فضيحة ليك أنت وبس؟ دي فضيحة وشماتة، البلد كلها هتتغنى بيها. هيقولوا بنت الشغالة اللي فضلها على مراته وخلف منها. نظرت إليه بغضب شديد، وصاحت به:
_قلتلك نخلصوا منها، رفضت، وقلت مستحيل أرمي بنتي مهما كان. شوف اللي اتمسكت بيها عملت إيه. جابتلنا كلنا العار، وفضحتنا قدام الخلق. أغمض عينيه بعذاب، وقد شعر حقًا بمدى ضآلته، وهو الذي كان يتجبر بعظمته. ضاع كل شيء وانتهى، لكن ليس بوسعه شيء سوى الرضوخ لما أمر به مهران. انحرقت آسيا بلهيب حقدها، وخاصة تلك الفتاة الأخرى، التي استطاعت إقناع خليل بأخذ أخيها، كي تخرج بره سيطرتهم.
ضاع كل شيء من حولها، حتى ولدها، الذي قرر البقاء بعيدًا عنهم. لا، لن تقبل بالانهزام، وستعمل بكل الطرق على سير الأمور كما أرادت دائمًا. كانت سعادتها لا توصف، عندما دخل أخيها، الذي حرمت منه لمدة أسبوعين. كانت تحتضنه بشوق وحنين، فهو ما تبقى لها من عائلتها. أخذ هو يراقبها من بعيد، عندما خرج من غرفة ماجد، ووجدها مع أخيها. وعيونه تحكي حزنًا يروي قصة حب حكم عليه بالفشل الذريع.
قسوة زمانهم الغادر، الذي فرق بينهم، لكن يجمعهم في منزل واحد، كي يسمع صرخاتها ليلًا لتصم آذانه. هرب وابتعد، لكن يسمعها بقلبه وإحساسه. تقابلت النظرات، لترق النجوى، لحظات خلى منها العتاب، وغلب الحب تلك المرة. كانت تملي عينيها منه، وتحفر ملامحه في داخلها، كي تكون بلسم الفراق بعد هروبها. ولم ينتبهوا لتلك العيون، التي ترمقهم بشك، خطى أولى درجاته. انتبهوا على تقدم شمس منهم، والتي دنت من أخيها، لتقول بارتباك:
_سليم، ممكن نتكلم مع بعض شوية؟ انصرفت مرح بأخيها إلى الغرفة التي خصصت له، ورد سليم: _أكيد ياحبيبتي، اتفضلي. أخذها إلى غرفته، وقد اندهش من ترددها، فسألها بحيرة: _في إيه؟ قلقتيني. وجدت صعوبة في التحدث معه، مما زاد القلق بداخله، فتقدم منها أكثر، ممسكًا بيدها، التي تعقدها بتوتر، وقال بقلق: _في إيه؟ أنتي كويسة؟ رفعت عينيها إليه، لكنها لم تستطع النظر بهما، وأخفضتها ثانية. مد يده يرفع وجهها إليه، وتحدث بلهجة حانية،
بثت الاطمئنان بداخلها: _قولي مالك، ومتخافيش من حاجة. عادت ترفع عينيها إليه، وغمغمت بخفوت: _ماجد. قطب جبينه بعدم فهم، وسألها: _ماله ماجد؟ عقدت جبينه، أرهبتها وجعلتها تتراجع فيما تود قوله، لكنها بدأت ولن يمكنها التراجع. _شمس، خلصي وقولي في إيه. قالها سليم بتحذير، جعلها تجفل منه، فعاد إلى لهجته الحانية: _قولي، ومتخافيش. ازدردت لعابها بصعوبة، وتحدثت بريبة: _بصراحة، أنا وماجد...
توقفت عن المتابعة، عندما رأت نظراته جامدة، لا تبين شيئًا، مما جعلها تصحح قولها: _أقصد يعني... أن ماجد كان هيكلم... عمي عشان يطلبني منك بس. ارتدت للخلف بوجل عندما لاحظت الشك بنظراته وصوته الذي برغم هدوئه إلا إنه يحمل تعبيرًا قاتلًا. _بس إيه؟ هزت رأسها بنفي عندما لاحظت شكه وتمتمت مسرعة: _لا، متفهمش غلط. مكنش فيه حاجة بينا أصلًا. صرخة مفاجأة صدرت منها عندما أمسك ذراعها بعنف هادرًا بها:
_يعني كنتوا بتستغفلونا كلنا الفترة دي كلها وقاعدين تحبوا في بعض من ورانا؟ ارتعبت شمس من غضبه وقالت بخوف: _والله ما كان في بينا حاجة. أمسك ذراعها الآخر بحدة أشد وأخذ يهزها بين يديه. _هتستغفليني تاني؟ أومال اتفقتوا إزاي من ورانا؟ عرفتي إنه بيحبك إزاي؟ بكت بخوف شديد.
_والله ما اتكلمنا إلا قبل الحادثة بساعة واحدة وقاله إنه هيروحلك في المكان اللي بتقعد فيه عشان يكلمك في موضوع مهم وبعدها هيفاتح عمي الأول. يومها اتخانق مع حسين وحصل اللي حصل. ضغط على أسنانه حتى يسيطر على أعصابه وغيرته على أخته جعلته يغضب بانفعال. ترك يدها وقال باحتدام: _لسة عقابك معايا منتهاش، بس هروح أعرف شغلي مع الخاين ده وارجعلك. تشبثت بملابسه تمنعه من الذهاب وقالت برجاء ودموعها تنهمر بغزارة:
_لا، أرجوك بلاش. هيفهم إنك بترفض عشان وضعه وده هيتعبه أكتر. دفاعها عنه جعله يغضب أكثر فأبعدها عنه كي يخرج من غرفته، لكنه تفاجأ بوالدته تدلف الغرفة مندهشة مما يحدث. فسألتهم بتعجب: _في إيه؟ نظرت إليه شمس برجاء ألا يخبرها، مما جعله يزم فمه بغيظ وغمغم بضيق: _مفيش. عقدت حاجبيها بدهشة وعادت تسأله لكن بحدة: _هو إيه اللي مفيش وانت صوتك جايب آخر الدنيا وهي بتعيط؟
التزم الصمت علمًا بأن والدته لن تترك الأمر يمر دون أن تعرف ما حدث. نظرت إلى شمس وتابعت: _طب قوللي انتي في إيه؟ رمقها سليم بحدة وقال بأمر: _روحي انتي دلوقت. أسرعت بالخروج من المكان، فيلتفت سليم إلى والدته وتحدث بعتاب: _عايزة تقولي إنك ملاحظتيش حاجة بين شمس وماجد؟ عقدت حاجبيها بدهشة وسألته بعدم استيعاب: _حاجة زي إيه؟ اتسعت عينيها ذهولًا وهي تضع يدها على قلبها خوفًا عندما أخطأ الفهم. _أوعى تقصد إن... قاطعها سليم:
_لا يا أمي مش اللي فهمتيه، بس هي وماجد بيحبوا بعض. تنهدت براحة عندما نفى شكها، لكنها أيضًا انزعجت من الأمر. _بس أنا ملاحظتش حاجة عليهم، ولو لاحظت عمري ما كنت هسمح بيه. مسح على وجهه بصبر نافذ وتمتم بخيبة: _اتصدمت فيهم، وخاصة ماجد اللي خان ثقتنا فيه. تنهدت بأسى وقالت بحزن: _بس أنا عمري ما شوفتهم بيتكلموا مع بعض حتى. زاد حنقه أكثر متمتمًا باحتدام: _من ورانا، والله أعلم كانوا بيتكلموا فين. نفت اتهامه:
_لا يا سليم، أختك متربية كويس أوي وإن قالت إن عمرهم متكلموا تبقى أكيد صادقة، وماجد برضه كلنا بنشهد بأخلاقه وعمره ما هيعمل أي حاجة تضرها أو تزعلنا منه. خليني أتصرف أنا في الموضوع وخد بالك إن ماجد وضعه حساس أوي وأي كلمة هتجرحه. سيبني أتكلم معاها الأول وأفهم منها إيه الحكاية. دلفت غرفة ابنتها التي وجدتها جالسة على الفراش تضم ساقيها إلى صدرها وتنتحب بشدة. أغلقت الباب وتقدمت منها تجلس بجوارها وتقول بجدية:
_ممكن أعرف بتعيطي ليه؟ رفعت رأسها بانكسار وهي تشعر بالخزي من والدتها وغمغمت ببكاء: _والله ما عملت حاجة ولا كان في بينا أي تعامل، أنا أصلًا مكنتش بغيب عن عيونكم يبقى إزاي هيكون في علاقة بينا. _اومال إيه الحكاية؟ رمشت بعينيها مرات قبل أن تقول بخجل:
_أنا كنت بلاحظ نظراته ليا وأحيانًا عيونا كانت بتتقابل وبصراحة أنا بحبه من زمان وهو كمان بيحبني. مفيش غير مرة واحدة بس كنت قاعدة في الجنينة وهو كان بيدور على سليم، ولما سألني عليه قلتله أكيد على النيل زي ما بيقعد على طول. اخفضت عينيها بخجل وهي تتابع بتردد: _وقتها سألني إن كنت أوافق أتجوزه وأنا اتكسفت أرد عليه فهم إني موافقة وقالي أنه هيكلم عمي ويطلبني منه بس هياخد رأي سليم الأول وبعدها حصل اللي حصل. تنهدت بتعب وربتت
على ذراعها وقالت بهدوء: _أنا واثقة في بنتي اللي ربيتها وعارفة كويس إن عمرها ما تعمل حاجة غلط، بس ليا عتب عليكي لإنك خبيتي عليا. _مكنش فيه حاجة عشان أقولها. _طيب إيه اللي خلاكي اتكلمتي دلوقت؟ رفعت عينيها بتوجس: _بصراحة عايزة أكون جانبه في الوقت ده، أنا واثقة إنه محتاجني معاه. قطبت جبينها بعدم استيعاب وسألتها: _تقصدي إيه؟ _أقصد يعني، إن سليم يكلمه ويقوله أنه موافق. اتسعت عيناها بصدمة وحدثتها بحدة: _انتي اتجننتي!
عايزة أخوكي يعرضك عليه. ازدردت لعابها بصعوبة شديدة وقالت بنفي: _أنا مش بعرض نفسي، أنا حاولت أكلمه بعد ما رجع بس هو رافض، خايف أرفضه بعد اللي حصل. وبصراحة بقى هو ابن عمي وأنا أولى بيه. ازدادت صدمتها في ابنتها والجرأة التي تتحدث بها. _هو انتي كمان روحتي عرضتي نفسك عليه؟ أجابت مسرعة: _لأ طبعاً، أنا دخلت عشان أسلم عليه بس هو رد عليا بأسلوب مش حلو ولما سألته قالي ابعد عنه لمصلحتي. عادت للبكاء وتابعت:
_وأنا مصلحتي معاه هو مش حد تاني، أنا لو طاوعته ووافقت هكون بتخلى عنه في أكتر وقت محتاجني فيه. أمسكت يد والدتها وتحدثت برجاء: _أرجوكي يا أمي ساعديني، أنا مقدرش أبعد عنه أكتر من كده. أشاحت بوجهها بعيداً عنها، لا تريد الرد عليها الآن قبل أن تتحدث مع أخيها أولاً. نهضت من جوارها وردت بجدية: _الموضوع مش سهل كده، هتكلم مع أخوكي الأول وأعرف رأيه. ثم تركتها وخرجت من غرفتها. ***
وقفت أمام المرآة بذلك الثوب الذي سيكون كفنها حتماً، تعلم جيداً بأنها تلعب بالنار لكن لن تترك فرصة إلا وتغضبه بها كي يمل منها، اختار الزفاف فليتحمل إذاً. انتهت من ارتداءه ثم وضعت الحجاب المناسب له والذي زادها جمالاً وفتنة تجذب القلوب قبل العيون إليها. دلفت سامية الغرفة لتتفاجئ بها وقد انتهت من الارتداء. تقدمت منها وهي منبهرة بها. _بسم الله ما شاء الله، طلعة زي القمر يا ست مهرة. نظرت لها شزراً وقالت بانفعال:
_انتي مش قلتي ستات العيلة جايين؟ _جم تحت ومستنيين يشوفوا العروسة. عادت تنظر للمرآة وعينيها تحمل توعد لا تعرف أضراره. _طيب أنا نازلة حالاً. انتهت أخيراً ونزلت لنساء العائلة الذين انبهروا بجمالها بين غيرة وحقد وبين عيون المها أن تسقط تلك البريئة في براثن حفيد الشيطان. جلست في مقعدها والكل تقدم منها ليبارك تلك الزيجة والتي يعلمون نهايتها جيداً، فما حدث مع والدته وحلم ستكون حتماً نهايتها. والدها كان سبباً في موت والدته.
وأما هو قاتل ابنة عمه وخطيبته، فأين لتلك الهادئة من ويلات ماضي تلك العائلة. *** وقف بكل جبروت يستقبل كامل وباقي عائلته بتشفي واضح لم يخفى على أحد. تقدم منه كامل متظاهراً بالهدوء لكن بداخله براكين ثائرة لو خرجت لأحرقت الجميع بحممها الهادرة. لكن لن يفعل ويجعل ذلك المعتوه يشعر بلذة الانتصار. _أهلًا يا حاج، نورت القصر. قالها مهران بابتسامة عريضة تؤكد مدى شماتته به. رد من بين أسنانه كاظمًا غضبه منه:
_الله لا يبارك فيك يا ابن الهواري، وأوعدك إن اللي حصل ده مش هيعدي بالساهل. ضحك مهران بسعادة دوت في القصر بأكمله وظنه الجميع من شدة سعادته بلم شمله مع حبيبته. _وماله، معنديش مانع. أنا لو مكانك مش هخليك عايش لحظة واحدة على وش الدنيا وخصوصاً لما تعرف إن بنتك اللي خبيتها عن الدنيا كلها عشقت واحد غريب وسلمتله نفسها من غير جواز. بس لإني صعيدي ومقبلش الغلط قلت أصلح غلطي وألم عارك.
علا تنفس كامل وكاد أن يخرج سلاحه ويفرغه به وبها لكنه أحكم عقله كي لا ينفضح أكثر من ذلك وغمغم بتوعد: _هيحصل متستعجلش على رزقك. أومأ له ومازالت ابتسامته الشامته مرتسمة على وجهه وتمتم بجوار أذنه: _متقلقش، سرك في بير. هي خلاص بقت مراتي وهتكون أم ولدي ومقبلش إن سيرتها تلف النجوع اللي حوالينا، فاهدى كده واطمن. أراد كامل أن يستفز غيظه: _كل ده عشان رفضت أستر على أمك. حافظ على هدوئه رغم النيران التي اشتعلت بقلبه وتحدث بهدوء:
_تؤ، دي ليها حساب تاني لسه مجاش وقته، متستعجلش انت بس على رزقك. ربت على كتفه وتابع: _يلا يا حمايا، البيت بيتك ويبقى اقفل الباب برجلك وانت ماشي. وعادت ضحكته التي أشعلت النار أكتر بداخل كامل، الذي اهتز ثباته بتهديد مهران والذي يعلم جيداً بأن تهديده هذا حق مادام توعد به. *** وضع رأسه بين يديه لا يعرف لماذا وافق عمه في ذلك الأمر. كم كان صعباً عليه أن يفعل ذلك. يندهش حقاً كيف فعلها أبيه من قبل.
يود أن يعرف منه كي يفعل مثله ويتخلص من ذلك الألم الذي يكاد يمزقه إرباً. تفاقم الألم بداخله ولا يعرف ماذا يفعل. أمسك هاتفه كي يتحدث معه ويخبره بما عليه فعله. وعندما أجابه لم يستطع التفوه بحرف. رأف به عمه علماً بمدى العذاب الذي يجثم عليه الآن. لكن هذا قدره وعليه تحمله. _مش قادر يا عمي، حقيقي مش قادر. _لو عايز تساعد أبوك هتقدر. _إحنا بنضحك على نفسنا. نفى مصطفى: _أهي محاولة أخيرة عشان يجرب إحساس أبوه يمكن ربنا يهديه.
أخذ مصطفى نفس عميق وعاد بظهره للوراء وغمغم بخفوت: _اللي زي بابا مستحيل هيتغير، حبه لذاته أقوى من أي شيء، ده غير كمان إنه عمره ما هيعترف بالخسارة. _الشركة بتقع وانت عارف كده كويس وهو رافض يعترف بده. وقفها انت ودي هدية جدك ليك. أبوك للأسف مش عارف يقود حاجة لوحده سواء بيته أو شغله ولو هتلاحظ إن أمكم هي اللي متولية كل حاجة تخصكم وأنا أشهد لها بنجاحها معاكم، وفي الشركة كانت هي وجدك وبعدهم الشركة سقطت.
دير أنت الشركة ووقفها على رجلها من تاني ولو وافق يفضل معاك خليه بس أوعى تقوله إنها بقت ملكك. يدهشه حقاً ذلك الرجل الذي يؤكد لها كل مرة بأنه جدير بالاحترام والتقدير. _أنت إزاي كده؟ ضحك جمال وتحدث بحكمة: _صدقني، أنا إنسان عادي زيك وزي أبوك وزي أي حد، بس الإنسان يا مصطفى لو غلبه حب الدنيا والمال فقد إنسانيته واحترامه لذاته وفقد حكمته وكل اللي حواليه، وده اللي ربيت ولادي عليه. دي نصيحتي ليك يا ابني.
أغلق مصطفى الهاتف ووضعه على الطاولة أمامه وأخذ يفكر فيما ينتوي فعله. *** في المشفى. ظل في الغرفة وحيداً لم يجد أحد بجواره. وعندما طلب منه الطبيب الاتصال بعائلته أصر على الرفض، لم يعد لديه عائلة كي تقف بجواره. أضاعهم من يده بأنانيته وأصبح شخص منبوذ لا يجد من يقف بجواره في تلك المحنة. شعر بحنين جارف إلى والدته وأن يلتمس الحنان بحضنها لكنه أضاعها ولا أمل له بالرجوع.
أبيه الذي لم يبخل عليه يوماً منذ صغره ظل يتهمه بالباطل حتى كاد أن يخسره بسببه هو. أخيه... سنشد عضدك بأخيك. لكن لم يتجرأ على فعلها. سيكون هذا عقابه الذي سيفرضه على نفسه بأن يظل وحيداً. *** انتهى الزفاف وقد ملت من ثرثرة النساء من حولها ومن المهزلة التي تحدث. كيف طاوعته ووافقت على ذلك. هل تعترف بوعده لها بأن يتركها ترحل بعد انتقامه من أبيها، اللعنة عليهم جميعاً.
ذهب الجميع لتتنفس أخيراً بأريحية بعد انتهاء هذا المسلسل الهابط وهمت بالصعود لولا صوته الذي أوقفها. _رايحة فين؟ ابتسمت بخبث عندما سمعت صوته واستدارت ببطء لترى مدى اتساع عينيه وهو يراها أمامه بهذا الشكل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!