انتفض كلاهما على صوت خليل الذي فاجأهم بوجوده. والسخط الذي ظهر على وجهه جعلها تتشبث بسليم دون إرادتها، والخوف يملأ قلبها. أخفاها سليم خلفه، وقلبه ينبض بعنف من هول الموقف، وتمتم بارتباك: _عمي، ياريت متفهمناش غلط، مرح كانت…. قاطعه خليل بشراسة عندما نطق اسمها بتلك السهولة، وكأنه معتاد على ذلك، وقال لأحد رجاله: _صالح، خدهم على المخزن لحد ما أخلص المهمة وأرجع أصفّي حسابي معاهم.
تقدم الرجال منهم ليأخذوهم، لكن ما إن اقترب أحدهم منها ليجذبها، حتى وجد سليم يظهر أنيابه وقد اشتعلت نيران غضبه. غمغم بتهديد وهو يمسك يده بغضب جحيمي حتى كاد أن يدميها: _إن مديت يدك هقطعهالك. شعر الرجل بالخوف لعلمه بأن سليم، رغم هدوئه، إلا إنه لا يتحكم بغضبه، وإن عانده فسيحدث ما لا يُحمد عقباه. تقدم منه صالح ليقول بهمس: _اهدى ياسليم وتعالى معايا، محدش هيلمسها. التفت سليم إليها ليجد الذعر بادياً عليها،
وعيونها تنظر إليه بتساؤل: ماذا سيحدث لهم؟ لم يهتم بشيء، ولا بنظرات عمه التي تحرقهم بلهيبها، كل ما يهمه الآن أن يغلفها بالأمان الذي هي بحاجته. _متخافيش، محدش هيقدر يأذيكي. أراد بث الاطمئنان بداخلها، رغم أنه يعلم عمه جيداً، لن يرحمهم ولن يبالي بشيء، لكن الأمل بداخله جعله يطمئن نفسه ويطمئنها، فهذا قدرهم وعليهم الرضوخ له. تجمعت العبرات داخل عينيها وتمتمت بخوف:
_أنا مش خايفة على نفسي قد ما أنا خايفة عليك، أنا السبب في كل ده. رغبة ملحة طالبته بأن يأخذها بين ذراعيه كي يطمئنها، لكن لن يستطيع فعلها كي لا يسكب الوقود على النار. _مش ذنبك، ده نصيبنا، ولو مت هيبقى أرحم بكتير من العذاب اللي عايش فيه وإنتي بعيدة عني. تساقطت دموعها بغزارة وهي ترى نظراته لها وكأنها الأخيرة، فغمغمت ببكاء: _لو جرالك حاجة مش هقدر أعيش ثانية واحدة.
جالت عيناه بملامحها التي حفرها بعقله وقلبه منذ أن وقعت عليها عيناه. أقسم حينها بأنه لن يجعل الدموع تعرف الطريق إلى عينيه. لكن القدر لم ينصفهم وحكم عليهم بشقاء كاد أن يزهق روحهم. رفع يده رغمًا عنه ومسح بأنامله تلك الدموع التي بللت وجنتها، وغمغم بشجى: _متخافيش. هدر بهم خليل ليأخذوهم، لكنها تشبثت به ولم تبالي بشيء سواه. _لأ، سيبوه، هو ملوش ذنب، أنا اللي هربت وهو كان بيمنعني. صاح بهم خليل بغضب: _قلتلكم خدوهم.
سحبها أحد الرجال من بين ذراعه، وهم سليم بمنعه، لكن باقي رجاله قيدوا حركته. فصاح بهم وهو يحاول الإفلات: _محدش يقرب منها. كانت تصرخ باسمه وهو يحاول الخلاص منهم، لكن همس صالح بألا يقلق عليها جعله يستسلم لهم. لا يهم ما يحدث له، الأهم هي، لم يعد هناك ما يخشى عليه بعد الآن. سيعترف بحبه لها ولن ينكره. لكن هي كانت تعيش أسوأ كوابيسها وهي ترى الأحب على قلبها في خطر، وهي سبب رئيسي فيه. وأخاها التي لا تعرف مصيره الآن.
الدائرة تشتد عليها حتى الاختناق، وشعرت برغبة ملحة في التخلص من تلك الحياة، لكن مصيرها الآن بين يدي ذلك الرجل، وهي تعلم علم اليقين بأنه لن يتوانى لحظة واحدة عن التخلص منها. ندمت أشد الندم على تهورها، لكن قضي الأمر، ولن يكون القادم منصفًا لها. كان صالح يحدثه لكنه لم ينتبه له. كانت تشمل كل انتباهه، والخوف يملأ قلبه عليها.
أما خليل فقد تولى القيادة وهو يتوعد لكلاهما بأشد الانتقام، وأخذها إلى ذلك المخزن البعيد فوق الجبل حيث لا أحد يستطيع الوصول إليه. رجل من السيارة وهو يجذبها من شعرها، وهي مستسلمة له. فتح الباب وألقاها بداخله. وزمجر بغضب: _بقا بتخونيني يافاجرة مع ابن أخويا؟ كانت تبكي، ليس خوفاً على حياتها، فقد أصبحت لا قيمة لها بعد الآن، فصححت قوله بألم: _أنا خنته هو معاك يوم ما وافقت على المهزلة دي.
صفعة حادة سقطت على وجهها أسقطتها أرضًا، وصاح بها: _وكمان بتبجحي ياتربية النعمانية. أجابت بعناد رغم الدماء التي سقطت من جانب فمها بسبب شدة صفعته:
_أيوة، لأنك كنت عارف إنه عايزني ورايح معاك عشان تطلبني له، والآخر حقدك خلاك تختارني أنا عشان تكسر حسين، بس إنت كسرت ابن أخوك وكسرت نفسك قدام رجالتك، عايز تقتلني اقتلني مادام دي الحاجة الوحيدة اللي هترحميني منك، بس صدقني هتعيش عمرك كله مرفوض من حياة كل اللي بتحبهم، وأولهم أم سليم. زاد الغضب بداخله وشعر برغبة ملحة في قتلها، لكن ليس الآن، عليه العودة للمنزل والاستعداد لتلك العملية، وبعدها سينتقم منهم جميعًا.
_حظك خدمك إني مشغول دلوقتي، بس راجعلك. خرج من المخزن وذهب إلى منزله، فيجد ابنه جالسًا برفقة شمس، وقد رأى ابتسامته التي حرم من رؤيتها منذ ذلك الحادث. فتقدم منهم ليقول بلهجة لا تقبل نقاش: _حضروا نفسكم عشان هتسافروا بكرة. اندهش ماجد وسأله: _بكرة إيه؟ إحنا ميعادنا آخر الأسبوع. _قلت السفر بكرة، كل حاجة جاهزة ومفيش داعي للتأجيل. نظر إلى آمال وتحدث بأمر: _وإنتي تعالي ورايا.
اندهشت آمال من حدته معها، فذهبت خلفه كي تعرف ما حدث. وما إن دلفت خلفه المكتب حتى تحدث بحدة: _اقفلي الباب. قطبت جبينها بدهشة، لكنها طاوعته وأغلقت الباب. ثم تقدمت منه لتسأله: _في إيه ياخليل؟ تحدث متهكمًا وهو يتقدم منها: _كنتي عارفة وبتستغفليني زيهم؟ رمشت بعينيها لا تستوعب معنى حديثه: _وضح كلامك لو سمحت، أنا مش فاهمة إنت بتتكلم عن إيه. غمغم من بين أسنانه وهو يقترب منها:
_ابنك اللي ربيته وكبرته جاي يرد الجميل بأنه يخوني مع مراتي. انقبض قلبها خوفًا وهمت بالإنكار، لكنه غمغم بتحذير: _اوعي تكدبي، لإني وقتها هعتبرك شريكة معاهم. زادت انقباضات قلبها حدة وتمتمت برهبة: _بس ده مش حقيقي، أه هما كانوا يعرفوا بعض قبل ما تتجوزها، بس بعدها كل واحد راح لحاله وسليم ساب البيت وعايش في الأوضة اللي في الجنينة. هدر بها بعنف: _عشان يكون براحتهم ومحدش ياخد باله منهم. أنكرت بحدة مماثلة:
_مش حقيقي، أنا ابني عمره ما كان خاين ومستحيل أصدق أنه يعمل كده. _مش خاين إزاي وأنا شايفها طالعة من أوضته في نص الليل ومش مرة واحدة، ده كتير، تفتكري كانت عنده بتعمل إيه؟ انصدمت من اتهامه، هزت رأسها بعدم استيعاب لما يقول، وتابع غضبه: _أنا لو قتـ ـلته دلوقتي هكون بدافع عن شرفي ومحدش هيحاسبني. اتسعت عينيها بصدمة وسألته: _هتقـ ـتل ابن أخوك؟ _ما دام اتعدى على شرفي يبقى حلال فيه الـ ـقتل. هزت رأسها بالرفض ودنت
منه لتمسك يده وتقول برجاء: _لأ، سليم لأ، أرجوك ياخليل، أنا مليش غيره، وأنا مستعدة أحلفلك إنه عمره ما يعمل كده، أه بيحبها وإنت اللي أخدتها منه، بس هو بعد وأقسم لك إنه بعد، بلاش تأذيه عشان خاطري، ورحمة أخوك بلاش. جذب يده بحدة، ودموعها ورجاءها لم يهدئ ذلك البركان الذي يثور بداخله، فغمغم باحتدام: _حلفانك مش هيغير حاجة، وخاصة لما شفتها بعيني خارجة من عنده. أغمضت عينيها برعب على ابنها الوحيد، فتسقط على الأرض وهي
تتشبث بملابسه وتقول برجاء: _أرجوك ياخليل، بلاش، ورحمة أخوك بلاش، هاخده ونبعد عن البلد كلها، بس بلاش تأذيه. بكاؤها تلك المرة جعله يتراجع قليلًا ويتخذ الأمر لصالحه، فتحدث بثبوت: _أنا ممكن أسامحه بس بشرط. أومأت له بلهفة: _أنا موافقة عليه. ابتعد عنها يوليها ظهره وقال بلهجة حادة: _أولًا، هو ملوش مكان في البيت ده بعد اللي حصل. تقدمت لتقف أمامه وأومأت بموافقة: _تمام. _ثانيًا، وده الأهم. ألزم الصمت قليلًا كي يتلاعب بأعصابها،
ثم تحدث بجدية: _تكوني مراتي. وقف مهران أمام المرآة يهندم من ملابسه، وخرجت هي من المرحاض وقد شعرت بالقلق من خروجه في ذلك الوقت. دنت منه تسأله بشك: _مهران، إنت رايح فين؟ التفت إليها لينظر إلى عينيها ويرى مدى قلقها عليه، فقال بثبات: _مشوار ضروري. تلاعب الشك بداخلها وسألته بريبة: _مشوار إيه اللي في وقت زي ده؟ زفر بضيق وأجاب باحتدام: _في إيه، هو تحقيق؟ دنت منه لتمسك يده وقد ارتعب قلبها عندما تذكرت ذلك الميعاد،
وتحدثت برجاء: _بلاش يامهران عشان خاطري، إنت وعدتني إنك تبعد عن الطريق ده، ارجوك بلاش. لم يجيبها، بل سحب يده بصعوبة من بين يديها وخرج من الغرفة. لم تتركه، بل أسرعت خلفه وتمتمت بتهديد: _لو روحت هترجع مش هتلاقيني، حقيقي مش هتلاقيني. انقبض قلبه بخوف من تلك الكلمة التي ألقتها، وعادت إليه ذكريات الماضي بقسوته، لكن لا وقت لديه الآن للرد عليها، فصاح بغضب: _سامية. أسرعت سامية بالظهور أمامه خوفًا من غضبه، وتمتمت بطاعة:
_نعم يامهران بيه. غمغم بأمر وهو يشير عليها: _عينيك عليها، متغيبش عنك دقيقة واحدة. هزت رأسها بتأكيد: _حاضر، مش هتغيب. خرج مسرعًا ولم يبالي بتهديدها ولا بصوتها الذي يرجوه عدم الذهاب. وأخذ رجاله وذهب لمهمته. انصدمت آمال من طلبه وسألته بذهول: _إنت بتقول إيه؟ ضرب بعصاه الأرض وتحدث بقوة: _زي ما سمعتي، يا توافقي تبقي مراتي شرعًا، ياإما حياة ابنك هتكون المقابل.
قطبت جبينها بدهشة من ذلك الرجل الذي عاشت معه أعوام عديدة وقد خدعت به، كيف خدعت به تلك السنين واتخذته أبًا لأولادها، وهو يكمن لهم كل هذا الشر. كانت تعلم بحقيقة مشاعره تجاهها، لكن لم تتخيل يومًا أن يكون بتلك الحقارة. كيف يتحدث عن الخيانة، وهو الآن يخون ذكرى أخيه، سواء كان بزوجته التي يساومها، أم بحياة ابنه التي يهدد بها. _للدرجة دي كنت مخدوعة فيك؟ أولاها ظهره وهو ينظر في ساعته وقال بثبوت:
_أنا ورايا مشوار ضروري، ولما أرجع تكوني فكرتي. تركها وغادر، لتتسمر هي في مكانها، لا تعرف ماذا تفعل. لم تنتبه لشمس التي دخلت لتطلب منها مساعدتها في توضيب حقائبها. كل ما يشغلها هو كيف تستطيع إنقاذ ابنها من براثينه. ……. استيقظت سارة مساءً على طرق الباب. نظرت في ساعتها فوجدتها قد تعدت الحادية عشر. كيف استطاعت النوم كل هذه المدة. اعتدلت في فراشها وسمحت للطارق بالدخول، فإذا بسمر تدلف الغرفة وهي تقول بحبور: _كل ده نوم؟
ابتسمت سارة بتصنع وهي تحتضن سمر التي مالت عليها تقبلها، وردت بثبات: _كنت تعبانة من الطيارة والليلة اللي فاتت كان عندنا فرح ومنمتش كويس. نظرت للفراش بجوارها فلم تجد ابنتها. _أومال فين سيلا؟ جلست سمر أمامها: _سيلا مع حلم بره، صحيت من ساعتين فاخدتها وسيبتك تنامي. لاحظت سمر بأنها مازالت متحفظة في حديثها، فأرادت أن تتحدث معها وتنهي ذلك الخلاف بينهم، ربما تكفر عن إهمالها لها. فتمتمت بروية: _ممكن نتكلم مع بعض شوية؟
علمت سارة ما تنوي التحدث، لكنها غير مستعدة لذلك الآن، كما أن ما حدث ولى وانتهى، ولا تريد التطرق به. فتمتمت بثبات: _لو هتكلميني عن الماضي فهو شئ منتهي بالنسبة لي، أنا اتولدت يوم ما سافرت لأهلي ووعيت عليها يوم ما رجعت لجاسر، قبل كده أنا مش عايزة كلام فيه، لإني بجاهد عشان أنساه. تطلعت إليها وتابعت: _صدقيني، أنا مش زعلانة منك، لإن برود القلب ده حاجة خارجة عن إرادة الإنسان، ملوش أي تحكم فيه.
وأكبر دليل على كده إني عمري ما طالبتك بحاجة. اخفضت سمر عينيها بحزن عميق وتمتمت بألم: _بس ده مش برود ياسارة، بالعكس، ده كان احتياج. جدتك ماتت وأنا عمري تلات سنين. جدك وقتها أخدني وعشنا عند والدته. مش هقولك كانت حنينة، بالعكس كانت شديدة قوي بطبعها. وجدك طول الوقت سابني لها وعايش حياته بره ويرجع آخر الليل وأنا نايمة، مكنتش بعرف أشوفه عشان أحكيله، والصبح جدتي بتبقى معانا وأخاف أشكيله قدامها.
صمتت قليلًا تستجمع ذكرياتها الأليمة، ثم تابعت بألم: _مكنتش أعرف يعني إيه أم ولا إيه بيكون دورها، لإني كنت منعزلة عن الجميع. حتى المدرسة كان دايماً عندي رهبة من التعامل مع زمايلي. لما كنت بخرج من المدرسة وأشوف البنات زمايلي وأمهاتهم جايين ياخدوهم، كنت بتألم أكتر. وكان دور الأم بالنسبة لي إنها تودي ولادها وتجيبهم من المدرسة.
لحد جدتي ما ماتت وعشنا أنا وجدك لوحدنا. هو كمل حياته عادي وأنا كملت في وحدتي. بس في الوقت اللي كان بيقعده معايا كان بيعوضني كتير. لحد ما كبرت ودخلت الجامعة، كنت على نفس انطوائيتي، وده لفت نظر أبوكي لي، بدأ يدخلني من كل الطرق لحد ما كسب قلبي، ولقتني بتجاوب معاه.
وقتها حسيت إن جاه الوقت اللي أخد فيه ومديش، كنت بعوض معاه حرمان السنين اللي عشتها. وكل ما أحس بحبه كل ما جبروتي يزيد. أخدته من أهله وبعدته عنهم، كنت عايزة أحس إني بامتلاكي له وإنه ليا أنا لوحدي. الوحيد اللي فضلت على حبي له هو جدك، لإن معنديش غيره. كافحنا وعملنا شركة وكبرناها. فجأة اكتشفت إني عندي مشاكل في الرحم، خفت ليكون ده سبب إنه يروح لغيره.
عملت كل حاجة وروحت عند أكبر الدكاترة، والآخر عملت أطفال أنابيب عشان أخلف بأي شكل. بس للأسف مكنتش أعرف يعني إيه أمومة عشان أقوم بيها. زي ما بيقولوا، فاقد الشيء لا يعطيه. كنت بحبكم أوي، بس مش عارفة أوصله لكم إزاي. كنت بخاف عليكم بجنون، لإنكم لو رحتوا مني يبقى كل حاجة انتهت. لما لقيتكم بتدوروا على أهلكم، خفت أكتر ليخدوكم مني، فكان لازم أدمر صورتهم في عينيكم.
ولقيت أبوكم واحدة واحدة بدأ يحن لأهله، وقتها قررت إني آخد كل حاجة يملكها، لإني حقيقي تعبت فيها أنا وجدك أكتر منه هو، بس مكنش قصدي خيانة. كل اللي فكرت فيه إني أملك كل حاجة عشان ميبعدش عني. بس اتفاجأت إن الأمور اتعكست، وهو اللي كتب كل حاجة باسمه، حتى بيت جدك. وقتها جدك متحملش الصدمة ومات فيها. يعني كل حاجة بالنسبة لي انتهت.
الوحيد اللي كان بيحبني بدون مقابل أو مصالح مات، وولادي اللي كنت بتدارى فيهم سابوني. فجأة لقيتني وحيدة من تاني، لا أملك أي شيء، وكل حاجة اتمسكت بها راحت مني. فوقت بس متأخر أوي، كنت إنتي اتجوزتي ابن عمك، ومصطفى اختار شريكة حياته وسافر بيها. والأصعب من كل ده خسارة أبوكي والبنك اللي حجز على كل حاجة.
ولما عمك أنقذه جاني وطلب مني إني أرجع وأقف معاه عشان الشركة ترجع زي الأول. مكنش قدامي حل تاني. رجعت وقلت يمكن أتغير، بس لقيته زي ما هو، بجبروته، بقسوته، بحبه لذاته. واللي زي أبوكي ده خاين لأهله، مستحيل الإنسان يحس بالأمان معاه. انسحبت بهدوء ورجعت شقة جدك القديمة لحد أخوكي ما رجع وأصر إني أعيش معاه. مسكت يد سارة وتابعت: _سارة، أنا مليش غيركم، بلاش تبعدوا عني في آخر أيامي وفي أكتر وقت محتاجالكم فيه.
زي ما قولتي، نطوي صفحات الماضي ونبدأ صفحة جديدة. لامست سارة الندم في حديثها، وأنها بالفعل قد تغيرت كثيرًا، ولا تنكر كم هي بحاجة إليها مهما تظاهرت بالقوة. رفعت سارة يد والدتها لتقربها من فمها وتقبلها بحب، ثم تمتمت بابتسامة: _لو كنتي فاكرة إن حد ممكن يعوض حنانك مهما كان اهتمامه وحبه، تبقي غلطانة. طول عمري وأنا حاسة باحتياج كبير ليكي، حتى وأنا بولد. رغم اهتمام الكل بيا ووقوفه معايا، بس كنت محتاجاكي إنتي أكتر.
وماما وسيلة كانت حاسة بده، فزودت اهتمامها بيا أكتر يمكن تعوضني عنك، بس لأ، وجودك في الوقت ده كان هيفرق كتير. اخفضت سمر عينيها بحرج وتمتمت بأسف: _ربنا يعلم في الوقت ده أنا كنت حاسة بإيه. وأول ما عرفت سافرت على طول، بس كنتي خلاص ولدتي. مكنش ينفع أروح معاكي البيت، لإن مكنتش هقدر أواجه جدك وجدتك. سبتك بس كان على عيني وقلبي حقيقي وجعني أوي. _بس هما كانوا عايزينك تبقي معايا عشان متأكدين إني محتاجاكي.
_إنتي مش هتعرفيني جمال ومراته، بس صدقيني، على قد ما نفسي أتعرف عليهم، على قد ما أنا محرجة أبص في عينيهم. _إنتي بتقولي كده لأنك مش عارفة هما إيه. دول حاجة كده كلها خير، متعرفش يعني إيه كره أو شر. صدقيني لو روحتي عندهم وعيشتي معاهم، مستحيل تفكري في يوم تبعدي عنهم. _أكيد في يوم هتلاقيني بخبط على بابهم، وبعتذر عن أي حاجة حصلت مني، بس المهم إني ألاقي ولادي.
بادرت سارة تلك المرة واحتضنتها باحتياج، وقررت طي الماضي بصفحاته السوداء، وبدء حياة جديدة معًا. فتح الباب ودلفت حلم وهي تحمل الطفلين بإرهاق، قائلة بعتاب: _أه قاعدين هنا وسيبيني، الولاد طلعوا عينيا. نهضت سارة لتتقدم منها وتأخذ مالك وتتمتم بوله: _ياروحي على قلب عمته اللي كانت هتموت وتشوفه. بكت سيلا لتركها، وحملت آخر غيرها، فيضحك الجميع عليها. فتأخذها سارة على الذراع الآخر وهي تلاطفها: _قلب مامي اللي بيغير ياناس. قطبت
حلم جبينها وغمغمت بدهشة: _إيه ده، بنتك غيورة أوي. _منهم لله، حازم ومعتز، عودوها على الأنانية. ظلت تلاطف الاثنين بسعادة، فسألت سمر عن مصطفى: _والله ياطنط، لسة نايم هو كمان، كل ما أصحيه يقولي سيبيني شوية. أخذت سمر الأولاد من يد سارة وقالت: _كفاية عليكي كده، وهاتي الولاد أشبع منهم قبل ما تمشي. أخذتهم وخرجت بهم من الغرفة. نظرت حلم لسارة وتحدثت بود: _وحشتيني أوي ياسارة. ردت سارة بحب: _وإنتي أكتر، بقالنا فترة متكلمناش.
أخذت حلم يدها وجلسا على الفراش لتسألها بحنين: _طمنيني، البلد أخبارها إيه؟ شعرت سارة بحنين حلم لبلدها، فردت بمزاح: _البلد بالنسبة ليا بيت جدو عاصم، وبيت ليلى، أو المستشفى أحيانًا، وبقولك إنهم كويسين وزي الفل، كمان بيسلموا عليكي. ضحكت حلم على طريقتها في الحديث وقالت بدهشة: _للدرجة دي.
_وأكتر، بس بصراحة أنا مكتفية بيهم، وبعدين هي دي طبيعتي، عدم الاختلاط، قبل ما أتزوج كنت من جامعتي للبيت، مكنش ليا صحاب غير واحدة بس، والآخر اتصدمت فيها صدمة عمري، من وقتها بطلت أعرف حد. _أنا كمان زيك، كنت من الجامعة للمدينة، لإني كنت بدرس في جامعة القاهرة، جدي الله يرحمه بقى كان رافض أكمل تعليمي. تبدلت ملامحها بحنين وهي تتابع:
_لولا مهران اللي ضغط على جدي إني أكمل، بس كنت دايماً مهددة إني أسيبها، وعشان كده كنت منعزلة عن الجميع، أخاف حد يعرضني لمشكلة وجدي ومهران يعرفوا ويجبروني أسيبها. _للدرجة دي كانوا قاسيين. هزت رأسها بالنفي وقالت بشوق: _جدي أه، كان بطبعه قاسي، حتى على مهران، إنما مهران كان بيدعي القسوة، بس كنت عارفة كويس أوي قد إيه هو إنسان قلبه أبيض ونضيف، بس مشكلته إنه فاكر إن الطيبة والحب ضعف، ومينفعش يظهرهم.
وإحنا أطفال مكنتش أعرف غيره، فكنت دايماً معاه، وهو كان معوضني عن كل حاجة. بطيبته، بحنيته، لما كنا نلعب مع بعض كان دايماً يخسر عشان مزعلش، وكنت مكتفية به لحد ما جدي بعدنا عن بعض وبدأ يعلمه القسوة. حسيت بفراغ كبير، وبدأت أعوضه في المذاكرة، حتى في الإجازة كنت بذاكر للسنة اللي بعدها. ومهران اتبدل، بقى واحد تاني، بخاف منه وببعد عنه. مع إني عارفة كويس قد إيه هو إنسان كويس. فاجأتها سارة بسؤالها: _كان بيحبك؟
هزت رأسها بالنفي: _إطلاقًا، جدي هو اللي أصر إننا نتجوز، بس أنا كنت بالنسبة له بنت عمه اللي اتربى معاها وحبها زي أخته، بس لو مهران في الوقت ده لقى اللي يحبها كان هيعرف كويس إنه عمره ما حبني. وعلى فكرة، اللي زيه لما بيحب بيعشق بجنون، يعني لو كان حبني بصحيح مكنش هيكون بالقسوة دي معايا. ربتت سارة على يدها وتحدثت بتأثر: _الحمد لله إنك بعدتي عنهم وبقيتي وسطنا، ولسه كمان لما تتعرفي على باقي العيلة.
_باقي العيلة دي أنا أعرفهم من قبلك، ولا نسيتي إن أنا وليلى أصدقاء دراسة. _أه صحيح، طيب أنتوا مش هتعشونا ولا إيه؟ أنا جعانة أوي. فتح مصطفى الباب وهو يتابع مزاحهم: _الحق بسرعة، لإن سارة في الأكل مبترحمشي حد. نهضت حلم لتقف جواره ويحيطها هو بذراعه: _أنا أصلًا عملتلها الأكل اللي بتحبه كله، هي بس تطلب. _بس كده، أنا اللي هطلع خسران في اليومين دول، أنا بقول أرجعها لجوزها، هو أولى. لزمت سارة فمها بغيظ وغمغمت:
_تصدق أنا غلطانة إني جيت معاك. ترك حلم وتقدم منها ليقبل خدها بحب وتمتم بمزاح: _الجميل زعل ولا إيه؟ ده بالذات مقدرش على زعله، يخرب بيت اللي يزعلك. نظرت له من جانب عينيها وسألته بشك: _هتأكلني يعني من غير نق؟ أشار إلى عينيه: _شاوري، أنا كل الحكاية إني خايف تتخني وجاسر يبص بره. تذكرت سارة مايا صديقة معتز وحازم وقوامها النحيف وضحكات زوجها معها، فسألته بشك: _يعني أنا لو تخنت هيبص لغيري؟ _بأكدلك ده. نهضت من الفراش وهي
تتجه للخارج وتقول بتأييد: _عندك حق، هو أصلًا عينه بتزوغ اليومين دول كتير، هما طبقين بس اللي هاكلهم. ضحك مصطفى وحلم نظرت إليه بغيظ وغمغمت بحدة: _أعمل فيك إيه، هتخليها تشك في جوزها. خرجت حلم خلفها، فينظر مصطفى في أثرها بنظرات عاتبة. وقف مع رجاله ينتظر وصول السيارات التي تحمل الأسلحة. قد تأخر خليل عن الميعاد جعل القلق يتسرب إليه. هم بالاتصال به، لكنه توقف عندما لاحظ اقتراب السيارة حتى توقفت بجوار سيارته.
ترجل خليل من السيارة وتقدم منه ليلقي عليه السلام. رد مهران بجدية: _وعليكم السلام، آخرت ليه؟ العربيات زمانها على وصول. أجاب خليل بوجه عابس: _مشاغل، المهم أنا جاهز بالمبلغ اللي اتفقنا عليه، هتشتري الشحنة اللي جاية باسمك زي ما اتفقنا، غير الشحنة اللي جاية باسمي. أومأ مهران بتأكيد: _أكيد طبعًا، مقدرش أرفضلك طلب، أنا عامة اكتفيت وعايز أكمل حياتي بعيد عن المجال ده. _اللي تشوفه.
وصلت السيارات المحملة بالأسلحة ووقفت أمامهم لتبدأ عملية التسليم. لكن تسمر جميعهم عندما حاوطتهم الشرطة من كل جانب.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!