اللهم إني أستودعك بيت المقدس وأهل القدس وكل فلسطين. اللهم ارزق أهل فلسطين الثبات والنصر والتمكين، وبارك في إيمانهم وصبرهم. اللهم إنا نسألك باسمك القّهار أنْ تقهر من قهر إخواننا في فلسطين، ونسألك أن تنصرهم على القوم المجرمين. اللهم اشف جريحهم، وتقبّل شهيدهم، وأطعم جائعهم، وانصرهم على عدوهم. اللهم أنزل السكينة عليهم، واربط على قلوبهم، وكن لهم مؤيدا ونصيرا وقائدا وظهيرا. سبحانك إنك على كل شيء قدير؛ فاكتب الفرج من عندك والطف بعبادك المؤمنين.
تمت مداهمة عملية التسليم من قبل الشرطة فلم يكن هناك متسع للفرار مما جعل الجميع يستسلم لمصيرهم إلا من خليل الذي رفض الاستسلام. لكن الشرطة حاوطته من كل جانب فلم يستطع الفرار، فينظر بغضب لمهران الذي وقف هادئًا بينهم فيعلم حينها أنها خطة مدبرة منه للإيقاع به. فغمغم بغضب: "عملتها يا ابن الهواري." زم مهران فمه باستياء مصطنع وتمتم بروية: "معلش بقا الظروف بتحكم."
تم وضع القيود في أيديهم وقاموا بوضعهم في السيارة تحت نظرات مدحت المنتصرة. تقدم مدحت من مهران وقال بمغزى: "ضربة معلم بصراحة وفلت من تحت إيدي." ضحك مهران وتحدث بحبور: "تقول إيه بقا في ابن الهواري، ابن جان." رفع مدحت حاجبيه وتحدث بمغزى: "أوعى تفتكر إني هسيبك، هفضل أتابعك لحد ما أتأكد إنك ماشي سليم." "لأ من الجهة دي اطمن، بس في حاجة أخيرة هعملها قبل ما أرتاح منك نهائي."
وقبل أن يفهم مدحت ما ينتويه مهران حتى تفاجأ بلكمة قوية أصابت وجه مدحت فيرتد للخلف من قوتها. وضع يده بجانب فمه ليجد الدماء تسيل منها، غمغم محتدًا: "يا ابن الـ…… الهواري." مسد مهران يده وتحدث بقوة: "عشان اتعديت على حرمة بيتي، ولو كنت عملتها بدري شوية كان زماني مخلص عليك." عاد مهران لثباته وتركهم متوجهاً لسيارته كي يعود إليها، فقد انتهت مهمته عند تلك النقطة.
كان مقيدًا في كرسيه وقلبه الذي تزداد وتيرته قلقًا عليها؛ لا يرحمه. ماذا فعل عمه بها؟ عينيها وهي تستجديه أن ينقذها لا تترك مخيلته. خذلها مرة أخرى وهو يقف عاجزًا أمام عمه. لكنه تلك المرة تركها كي لا يثير غضبه أكثر فيقوم بقتلها وستكون فرصة للتخلص من كلاهما. دلف صالح وهو يقول بيأس: "بحاول أكلمهم بس تليفونهم مقفول." لن يستطيع البقاء أكثر من ذلك فقال بأمر: "فكني."
"ما تصبر شوية لحد ما نعرف مكانها، عمك ممكن يرجع دلوقتي، هما زمانهم خلصوا التسليم وجاي." "قلتلك فكني." تقدم منه صالح ليحل قيوده ثم هم بالخروج لولا مداهمة بعض الرجال للمكان وأخذوا يبحثون في كل مكان. فسألهم سليم بدهشة: "انتم مين؟ قال وهدان وهو يظهر من خلف رجاله: "أنا وهدان وجاي بأمر من مهران بيه عشان آخد ست مرح." عقد حاجبيه مندهشًا وسأله: "تاخدها فين؟ وبصفته إيه؟ نظر وهدان لرجاله كي يفتشوا المكان
بدقة أكثر ثم تحدث باطراق: "عمك اتقبض عليه في مداهمة من المركز ودلوقتي مطلوب مني إني أسلم مراته لبنت عمها." عاد الرجال خاليين الوفاض وسليم في صدمة كبيرة لا يعرف ماذا يفعل فيها. "ملقناش حد." سألهم وهدان: "دورتم كويس؟ أجاب أحدهم: "ملهاش أثر هنا." عاد سليم لوعيه وغمغم بعدم استيعاب: "مش معقول." نظر إلى وهدان وسأله بشك: "ومهران؟ "مهران بيه خارج الموضوع لإن الشحنة كانت جاية لعمك ومعنديش كلام تاني أقوله."
خرج وهدان كي يبحث عنها في مكان آخر، أما سليم فقد الجمته الصدمة وجعلته غير مدركًا لما يحدث. عليه أن يقاوم كي يبحث عنها قبل عثور رجال مهران عليها. نظر إلى صالح وسأله: "فين عربيتي؟ "أنا خليت حافظ يرجعها الفيلا وكان فيها أخوها بس أنا معايا العربية التانية." "هات المفاتيح." أخذها منه ثم خرج مسرعًا كي يبحث عنها والقلق ينهشه. ظل يبحث في كل مكان ولا يجد لها أثرًا حتى تذكر ذلك المخزن القديم الذي تركوه منذ أعوام لبعد المسافة.
نفى وجودها فيه وظل يحاول التفكير لكن عبثًا لا يوجد غيرها. انطلق إليه وظل طوال الطريق يدعو ألا تكون به، فهو محاط بالخطر من كل جانب. تحسس سلاحه الذي أخذه من صالح ودعا بداخله أن تكون بخير حتى يصل إليها. أما هي فقد كانت تستمع إلى عواء الذئاب وجسدها ينتفض بخوف. البرودة قاسية وتلك الأشياء التي تزحف على أقدامها ترهبها. وذلك الظلام الحالك يطغى بسطوته عليها. وقلقها على من أحبت يكاد يدفعها للجنون. ظلت تدعو ربها أن ينقذهم.
حتى شعرت بصوت من خلفها جعل قلبها يرتعد بخوف. استدارت ببطء وهي مستندة على ذراعيها لتتقابل عيونها مع تلك العيون التي تحاكي الموت وأنياب حادة قاسية تتوعد لها. ازدردت لعابها بصعوبة ولعابه هو يسيل بلذة من فمه. هل هذه ستكون نهايتها؟ عاشت منبوذة وماتت خائنة. ألقت للذئاب. كانت أقدامه تتقدم منها وكأنه يتلاعب بأعصابها ويتلذذ بذاك الخوف الذي يراه بها. اهتزت نظراتها وشريط حياتها يعاد أمامها بتلك اللحظة. ضحكاتها مع والديها.
بكاؤها عليهم. عذابها في منزل عمها والاشد منه في منزل زوجة. لم تجد ما يجعلها تتشبث بالحياة لأجله. أخيها تعلم جيدًا بأن مهرة لن تتركه. وسليم سينجو بوفاتها فهو البسمة الوحيدة في حياتها. فلتستسلم للموت فهو الأرحم لها الآن. هم الذئب بالهجوم عليها لولا تلك الرصاصة التي استقرت ما بين عينيه وسقط قتيلاً بجوارها. لم تحرك ساكنًا بل ظلت على وضعها تنظر إلى الأمام وكأنها بين أنياب ذلك الذئب ينهش بها حتى أنها شعرت بأنيابه تخترقها.
تقدم منها سليم وعينيه تجول عليها كي يتأكد من سلامتها وتمتم بخوف: "مرح انتي كويسة؟ فيكي حاجة؟ صوته لم يساعدها على التركيز فلم تنتبه له. أدار وجهها إليه وتحدث بقوة: "مرح متخافيش انتي بخير وخلاص الكابوس انتهى." لم تهتم وظلت على حالها. ازداد قلقه عليها وقام بحملها والخروج منها من ذلك المكان، لكن رجال مهران الذين أحاطوه لم يتركوا له الفرصة فتقدم منه وهدان قائلاً: "سيبها ياسليم بيه، هي دلوقتي في أمانتنا."
كانت مستسلمة بين يديه ترفض العودة إلى تلك الحياة البائسة، لكن سليم غمغم بغضب: "أبعد من قدامي." تحدث وهدان بجدية: "بلاش تخليني آخدها بالغصب، مينفعش إنك ترجعها البيت بعد اللي حصل، هي دلوقتي محتاجة بنت عمها." نظر سليم إليها فيشعر بغصة مؤلمة في قلبه على حالها، فهو محق لن يعيدها إلى ذلك المنزل بقسوته، لكنه يقسم لها الآن بأنه سيعيدها إليه لكن كأميرة. جذبها لصدره أكثر وذهب بها إلى سيارته كي يعيدها لوعيها.
ولم يقف وهدان أمامه بل تركه يفعل ما يريد. تقدم منها أكثر وهو يجبرها على العودة: "مرح فوقي انتي بخير فوقي عشان خاطري وعشان خاطر أخوكي." كان صوته يأتي من البعيد وكأنه يأتي من عالم آخر، لكنه عالم بغيض لم ترى منه سوى القسوة. يتردد صدى صوت محبوبها لكن لا تريد الذهاب إليه. لكنها مجبرة على العودة لأجل أخيها. تساقطت دموعها وهي ترمش بعينيها دلالة على عودتها. أغمض سليم عينيه براحة عندما استردت وعيها وتمتم بروية: "الحمد لله."
وكأنها انتبهت لوجوده فتطلعت إليه تجوب ملامحه تتأكد حقًا من وجوده. هل ما تراه حقيقة؟ هل عاد حقًا إليها سالمًا؟ وهي هل مازالت على قيد الحياة؟ وكأنه علم بها إذ قال بهدوء: "اطمني انتي كويسة والكابوس انتهى خلاص." "انتهى؟ أومأ بعينيه بحزن وأكد لها: "عمي اتقبض عليه بتهريب سلاح." صدمة أخرى تلقتها في ذلك الرجل وعتاب آخر ينضاف إليه لتركها والتخلي عنها لذلك الرجل. فقالت بجمود: "عايزة أخويا." أومأ لها وتحدث بتفاهم:
"أخوكي في البيت هوديكي عنده." هزت رأسها بنفي: "مش هدخله تاني، أنا هاخده ونمشي من البلد." تنهد بتعب شديد وتمتم بهدوء: "مش هينفع تخرجي من البلد وانتي بالحالة دي، مهرة مستنياكي، خدي أخوكي وروحي عندها لحد ما الأمور تتحسن وبعدها هسيبك تمشي." لم يمهلها فرصة للاعتراض وانطلق بالسيارة وخلفه رجال مهران. كانت تنظر من النافذة بشرود وهو يراقبها بعينيه ودموعها التي تتساقط بغزارة تدمي قلبه.
وصلوا إلى المنزل ولم تقبل بالولوج إليه، ظلت في السيارة حتى دلف ليأخذ أخيها ثم عاد إليها. ترجلت من السيارة عندما رأته قادمًا إليها. فتحت ذراعيها لتأخذه في أحضانها بلهفة. وقلبها يأن ألمًا على حالهما. ابتعدت عنه قليلًا كي تنظر إليه ثم تحدثت بخفوت: "متخافش إحنا خلاص هنبعد عن البلد دي ومش هنرجعها تاني." هز الطفل رأسه بتأييد لها وكأنه هو أيضًا لا يريد البقاء فيها، فتتابع بابتسامة:
"إحنا هنروح عند مهرة والصبح هنسافر ونبعد عنهم." أخذته لتضعه بسيارة وهدان تحت نظرات سليم المندهشة. فدنت منه لتتمتم بجمود: "لحد هنا وكل واحد يروح لحاله، خلاص مفيش كلام ممكن يتقال." قال بالمعارضة لكنها منعته: "قلتلك مفيش حاجة ممكن تتقال، أنا ماشية ومستحيل أرجع البلد دي تاني ومش عايزة أي حاجة تفكرني بيها." تطلع إليها بألم وغمغم باعتراض: "وأنا ذنبي إيه؟ "ذنبك إنك دخلتني حياتك ولما احتاجتك اتخليت عني وسيبتني لغيرك."
"أقسم لك كان غصب عني، مكنش ينفع أعارضه." ابتسمت بوجع: "عرفت بقا إن غيري دايماً ليه الأولوية في حياتك؟ هز رأسه بنفي وغمغم معاتبًا: "أنا لما جيت لك وطلبت منك نهرب ليه رفضتي؟ "لأن فيه روح متعلقة بيا مكنش ينفع أسيبها." ابتسم بمرارة: "زيي بالظبط، لو كنت عارضته وعرف اللي بينا كان هيحصل زي اللي حصل الليلة دي، سكوتي مكنش ضعف بس كان عذاب وقهر محدش يقدر يتحمله، عايزة تبعدي انتي براحتك بس أنا مش هبعد."
انسحبت بهدوء يتنافى تمامًا عما بداخلها من دمار وصعدت بجوار أخيها وأخذت تنظر إليه بدموع وهو يتركها ترحل دون التمسك بها. ولو أجبرها على البقاء ما كانت لتسمح بالفراق يدخل بينهم، لكنه تركها ترحل بهذه السهولة. *** ظلت تزرع الغرفة ذهابًا وإيابًا تنتظر عودته بفارغ الصبر. تأخر الوقت ولم يعد. ماذا ستفعل إذا اكتشف الضابط كذبها عليه؟ وماذا ستفعل أيضًا إن تم القبض عليه؟ لا، لن تقف مكتوفة الأيدي وتتركه لذلك المصير.
توقفت عن التفكير وقررت الذهاب والبحث عنه. همت بالخروج من الغرفة لكن سامية أوقفتها: "رايحة فين بس يا ست مهرة؟ فتحت مهرة الباب وهي ترد بإصرار: "هدور عليه مستحيل أسيبـ……" قاطع حديثها رؤيته وهو يصعد الدرج مما أشعرها بالراحة لعودته سالمًا، ولكن أيضًا بخذلان منه على إصراره بإكمال السير في ذلك الطريق. انصرفت سامية ما إن رأته فتقدم من مهرة التي جالت العبرات داخل عينيها وهي تنظر إليه بعتاب. وما إن دنا منها حتى تمتم بثبات:
"رايحة فين؟ كشفت مهرة عن أنيابها ودفعته بغضب: "انت مالك؟ كانت تدفعه بقوتها الواهنة بكل كلمة وهو يجاريها: "بتسأل ليه؟ ان شاء الله أغور في ستين داهية، عايز إيه؟ همت بدفعه مرة أخرى لكنه أحكم يدها بين يديه وغمغم بتحذير وهو يشير للدرج خلفه: "دفعة كمان وهتلاقيني تحت." اغتاظت من هدوئه وصاحت به بامتعاض وهي تحاول دفعه رغماً عنه: "أحسن خليني أرتاح منك بقا." أحكم قبضته على يدها التي تحاول التحرر وقال بامتعاض:
"اهدي وفهميني عاملة غاغة ليه؟ اندهشت من الهدوء الذي يتحدث به وكأنه لم يفعل شيئًا. "مالك بتتكلم ببساطة كدة ولا كأنك عملت حاجة." "وانتي تعرفي إيه عن اللي بعمله؟ وبعدين تعالي الأوضة مينفعش نتكلم على السلم كدة." اغتاظت حقًا منه وهو يدلف الغرفة بكل هدوء. دلفت خلفه لتقول بغضب: "انت كنت فين؟ خلع جلبابه ورد بفتور وهو يدلف المرحاض: "طلعيلي لبس من الدولاب ودخليه ورايا الحمام."
اندهشت حقًا من هدوئه معها وشعرت بأنها أخطأت عندما تتبعت قلبها ولم تبلغ عنه. انتبهت على صوته من داخل المرحاض: "قلت الهدوم." رغمًا عنها أخرجت ملابس له من الخزانة وتقدمت من المرحاض لتطرق بابه كي يأخذ منها الملابس، لكنها شهقت بصدمة عندما وجدت يده تجذبها للداخل وأغلق خلفه الباب. *** استكانت برأسها على صدره ومازالت الأسئلة تدور بخدها. تريد أن تعرف ما حدث معه ولما لم يطاوعها ويبتعد عن ذلك الطريق. وكأنه علم بمعاناتها
إذ نظر إليها وسألها بهدوء: "عايزة تعرفي إيه؟ رفعت بصرها إليه وهتفت برجاء: "عايزة أعرف ليه عملت كدة؟ اعتدل مهران كي يستطيع التحدث معها وقال بثبوت: "وانتي ليه خبيتي عليا." اهتزت نظراتها واند هشت من معرفته لهذا الأمر: "عرفت أمتى؟ "تفتكري إن حد غريب هيدخل بيتي من غير ما أعرف؟ اخفضت عينيها وأجابت: "خفت." قطب جبينه بحيرة: "من إيه؟ عادت تنظر إليه وتحدثت بحيرة:
"مش عارفة بس كان إحساس بالخوف مش عارفة إذا كان منك ولا عليك. وأنا معرفش أخون، وحاولت أقنع نفسي وقتها بأنها فرصة عشان أهرب بعيد عنكم أنا ومرح. لما جيت عندي في الوقت ده كنت في أصعب حالاتي ما بين قلبي وعقلي. حيرانة بين الاتنين ولما سمعتك بتتكلم في التليفون عن ميعاد التسليم خفت أوي وحسيت بمعنى اليتم للمرة التانية." تنهدت بألم وتابعت:
"حاولت أهرب من مشاعري بس اكتشفت وقتها إني حبيتك مهما أنكرت إلا إنها الحقيقة الوحيدة في حياتي. غيرت الميعاد عشان يبعد عني وفي نفس الوقت شغلته بمرح عشان أتأكد أنه هيكون بعيد عنك. زمانه دلوقتي هربها." ابتسم مهران بحب ومال عليها يقبل جبينها وتمتم بوله ونظراته لا تحيد بعيدًا عن عينيها: "وأنا كمان نهيت كل حاجة." قطبت جبينها بعدم فهم وسألته: "يعني إيه؟
"يعني كلمت الظابط مدحت وعرفته الميعاد الحقيقي عشان نكمل مع بعض من غير قلق وخوف وقبضوا على خليل ورجالته يعني بنت عمك دلوقتي بقت حرة." تذكرت مهرة أمر مرح وأخيها فسألته بقلق: "وهي فين دلوقتي؟ طمأنها مهران: "متقلقيش عليها بعت رجالي يجبوها." نظرت إليه بحيرة وعادت الأسئلة تحتل عينيها، لكنها تلك المرة صرحت بها وسألته: "ليه عملت كدة؟ داعب وجنتها بأنامله وأجاب بهدوء:
"مش هقولك عشانك ولأنك طلبتي ده مع إنه كان دافع بس الدافع الأقوى إني أنا اللي عايز أبعد عن الطريق ده لنفسي ولأولادي بعد كده، مش عايزهم يواجهوا نفس المصير اللي أنا شفته وعيشته فيه مجبر." كنت مجبر أكون قاسي مع كل اللي حواليا وكنت فاكر إن دي الطريقة الوحيدة اللي هتخليني في موقف قوة. ابتسم بسخرية وتابع: "مكنتش أعرف إن القسوة دي صحيح بتخلي الناس تخاف منك بس بيبقى جواهم كره وفي أقرب فرصة بيدوسوا عليك فيها."
عاد بذكرياته إليها وتابع: "أكتر واحدة اتعذبت منها كانت حلم، وللأسف ضعفها كان بيعذبني لأنها بتفكرني بالإنسان الضعيف اللي أسرته جوايا." "كنت بتحبها؟ أفزعته بسؤالها فاراد أن يكون واضحاً معها فتحدث بروية: "مش عارف بس اللي كنت واثق منه إنها كانت شيء أساسي في حياتي مقدرش استغنى عنه وعشان كده لما جدي فرض عليا أتجوزها مترددتش ووافقت. لكن هي فضلت الانتحار على أنها تعيش معايا." "يعني انت…؟ هز رأسه بنفي والقهر ظهر واضحًا
على ملامحه: "عمري في يوم ما فكرت أأذيها ولو كنت أعرف أنها هتعمل كده كنت سبتها تروح للي قلبها اختاره." تأثرت مهرة بحديثه فوضعت يدها على خده وتحدثت بتعاطف: "مش عارفة ليه قلبي حاسس إنها عايشة لإن مفيش حاجة تأكد إنها ماتت." تنهد بتعب وتمتم بتمني:
"لو كانت عايشة كانت ظهرت، صحيح محبتنيش واتعلقت بغيري بس أنا واثق إنها لو عايشة مكنتش هتقدر تبعد كل ده، حلم كانت متعلقة بيا بجنون واحنا لسه أطفال، لدرجة إني كنت بهرب منها وهي تفضل تدور علي. ولما كانت تضايقني أكتر وأخاصمها مكنتش تسيبني إلا لما أصالحها. ولما كبرنا ونجحت في الثانوية جدي رفض أنها تكمل زي ما عمل معايا بس جاتني وترجتني إني أقنعه، مقدرتش أتحمل دموعها وأجبرت جدي أنه يوافق." لاحت الغيرة عليها لكنها
لم تبديها له وقالت بثبات: "مهرة حبتك كأخ لها لأن مكنش فيه غيرك قدامها فتحت عينيها عليك وده خلاها تحس إنك أخ مش زوج أبداً وجدك كان لازم يراعي ده وميضغطش عليكم." "جدي ده كان إنسان أهم حاجة المصلحة حتى لو على حساب أقرب الناس له وده كان سبب رئيسي في موت ولاده." أراد غلق الحديث معها فنظر في ساعته وقال بثبوت: "قومي جهزي نفسك عشان مرح زمانها جاية." ***
وقفت السيارة أمام بوابة القصر فتنزل منها مرح وعينيها تحكي حزنًا وألمًا على كل ما عاشته ومرت به تلك الفترة. لم تجد سوى ذراعي مهرة تستقبلها بلهفة وشوق كما كانت لها دائمًا. بكت وانتحبت على كل شيء. على رحيل والديها وحرمانها منهم وأيضًا قلبها الذي حكم عليه بخسارة من أحبته. وعلى شعور بالخوف من مستقبل مجهول لا تعرف ما يخبئه لها. أخذتها مهرة وهبت بها إلى الغرفة عندما أمرها مهران بذلك. درفت الغرفة مع أخيها وقالت سامية بترحيب:
"نورتي القصر يا ست مرح." ابتسمت بمجاملة دون النطق بشيء فتابعت سامية: "أنا هروح أحضرلك حاجة خفيفة تاكليها." "لأ بلاش أنا تعبانة ومحتاجة أنام." رفضت مهرة واصرت على تناول وجبة خفيفة لأجل أخيها فلم تمانع حينها. ساعدت مهرة عمر على النوم بعد تلك الليلة الشاقة التي عاشها. ثم جلست بجوار مرح وهي تشعر بالخجل منها. فهي تشعر بأنها سببًا رئيسًا في كل ما يحدث لها فتمتمت بأسف: "حقك عليا." ابتسمت مرح بحزن وقالت بثبوت:
"ده قدر ونصيب وأنا نصيبي إني أعيش الأيام دي والحمد لله الشر أحياناً بيبقى وراه خير والخير إننا خرجنا من تحت إيدين أبوكي ومراته والاهم منهم حسين. أنا هسافر القاهرة وأعيش هناك يمكن البعد يخفف الجروح اللي صابتني هنا." أيدت مهرة حديثها: "عندك حق كفاية إننا خرجنا من تحت إيديهم، بس أنا مش هكون مرتاحة وانتي هناك لوحدك، خليكي معايا هنا…" قاطعتها بثبات:
"مش هينفع مش هكون مرتاحة خلينا أعمل حاجة أنا مقتنعة بيها لأول مرة في حياتي يمكن ألاقي علاج لعمر وأنا التانية ألاقي حياتي." "وسليم؟ ابتسمت بمرارة وأجابت بألم: "أنا وسليم خلاص مبقاش ينفع نرجع لبعض بعد اللي حصل، لا أنا هقدر أرجع البيت ده تاني ولا هو هيقدر يسيب بيته وأهله، يظهر إن كلمة مستحيل هتفضل في حياتنا." "ليه تحكموا على نفسكم بالفراق مع إن في إيديكم ترجعوا لبعض."
"وتفتكري الناس هتقول إيه. أبسط ما فيها هيقولوا بلغ عن عمه عشان يتجوز مراته." "اللي يقول يقول المهم إنكم ترجعوا لبعض." غيرت مرح مجرى الحديث فقالت بابتسامة: "سيبك مني دلوقتي المهم إني اتطمنت عليكي شكلك بيقول إنك مبسوطة معاه." ابتسم قلبها قبل ثغرها وتمتمت: "جدًا، عمري ما كنت اتخيل إن ليا سعادة في الدنيا دي أو إني أتزوج مهران في يوم من الأيام. أشوف؛ لأ واتجوزه كمان، بس زي ما قولتي النصيب." ربتت على ساقها وقالت بحب:
"هسيبك تنامي دلوقتي ولما تصحي هيكون لينا كلام تاني." عادت مهرة لغرفتها لتجد مهران نائماً في فراشه. لا تصدق حتى الآن أن كل شيء سيء في حياتها ولى وانتهى. دنت من الفراش لتستلقي بجواره وتتطلع إلى ملامحه التي تمتاز بصلابة وقوة تدب الخشية في قلب من يراه لكنه يحمل قلبًا نقيًا لم تستطيع الدنيا العبث به. ابتسمت بخجل عندما فتح عينيه بتثاقل ليجدها تنظر إليه فتمتم بصوت مبحوح: "آخرتي ليه؟ "ما أخرتش انت اللي نمت بسرعة."
جذبها لكن تلك المرة ليضع هو رأسه على صدرها وغمغم بخفوت: "تعبان أوي وعايز أنام." لم تمانع بل رحبت به واحتوته بذراعها كي يستطيع النوم بأريحية. ستعمل بكل الطرق على راحته كما فعل هو معها. *** في المركز. بعد محاولات عدة استطاع سليم مقابلة عمه بعد إن جاءه بمحامي العائلة كي يجدوا ثغرة يخرجوه بها. لكن المحامي أكد له بأن الأمر في غاية الصعوبة. جلس في المكتب ينتظر دخوله لكن ما إن رأه حتى تحدث بحدة: "جاى تشمت."
نهض سليم باحترام وتقدير له فهو يعتبره أبًا له مهما فعل فقال بنفي: "العفو ياعمي مهما كان انت اللي ربيتني بعد موت أبويا وعاملتني زي ابنك ولازم أقف معاك حتى لو كنت على غلط، أنا كلمت المحامي و…." قاطعه خليل برفض: "أنا مش عايز مساعدة من حد أنا عارف كويس هعمل إيه، الناس دي لو اتخلت عني أنا هبلغ عنهم والتهديد ده وصلهم وهما أكيد هيخرجوني." هز سليم رأسه بيأس منه فهو يلقي بنفسه في التهلكة ظناً منه بأنها خلاصه فغمغم بروية:
"الناس دي مبترحممش ومش بسهولة كده هيوافقوا." وتحدث بتعال: "وأنا خليل النجايمي وضربتي والقبر وهنشوف. المهم ماجد ميعرفش حاجة عن اللي حصل والصبح لازم يسافر." نظر إليه بسخط وتابع: "أما عقابك انت وهي بعد ما أخرج هيكون واعر قوي." نهض وترك سليم الذي يشعر بقبضة حادة تعصر قلبه. كل شيء يضيق من حوله حتى أشعره بالاختناق.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!