وكعادته لا يجيب ذلك الرقم المجهول، مما جعل مهران يغلقه دون اهتمام وتركه على المنضدة، ثم عاد ينظر إليها. أخذ يتلاعب بخصلاتها بأنامله وابتسامة هادئة مرتسمة على فمه، أثر رؤيته لاحمرار وجنتيها من شدة خجلها. هناك أسئلة كثيرة تدور بخلده ويريد إجابتها. لما كذبت على ذلك الشرطي ولم تخبره بالحقيقة؟ ولما عندما آتتها الفرصة للخلاص منه وعيش حياة هنيئة بعيداً عنهم لم تقتنصها وتتمسك بها؟ هل أصابتها سهام العشق كما أصابته؟
أم إنها لم تستطع الغدر به لشئ آخر في نفسها؟ وكأنها لم تعد تستطيع التظاهر أكثر من ذلك، إذ رفعت جفنيها لتتقابل شموسها مع سواد ليله الحالك، فتنيرهما بعشق متملك وصم به كلاهما منذ صغرهم. زحفت أنامله إلى وجنتها يملس عليها بحب وتمتم بوله: _صباح الورد. أخفت وجهها في صدره مما زاد ابتسامته، ولم يرحم خجلها إذ مد يده إلى ذقنها يرفع وجهها إليه، فعادت شمسها تنير ظلمته، فسألها بخفوت: _ندمانة؟ رمشت باهدابها وقد اربكها سؤاله.
بماذا تجيب؟ أتجيبه بما يعتمل بداخلها منذ أن وقعت عينيها عليه؟ أم تخبره بحقيقة مشاعر تحررت رويدًا رويدًا حتى أفلت منها اللجام، فتجدها تنساق خلف قلبها الذي أخذها لأسوار جنته؟ وعندما فتح الباب دلفت دون أدنى تردد. مدت يدها لتمسك القلادة التي مازالت محتفظة بها، وكأنها تخبره بأنها كتبت له منذ أن وضعت تلك القلادة بعنقها. فلا لم تندم مطلقاً.
سقطت عينيه على تلك القلادة التي ظل سنين يتساءل أين هي، ولم يعلم حينها بأنها تحتل عنق تلك الفتاة التي كتبها القدر له. مد يده ليحتوي يدها والقلادة معًا بين يده، وشعر حينها بأن العالم أجمع بين يديه، وتمتم بشرود: _السلسلة دي كانت أمي بتقولي إنها عملتها مخصوص يوم ما اتولدت، وقالت إنها هتفضل في رقبتها لحد ما تسلمها لعرستي يوم فرحي. لاح الحزن بعينيه وتابع: _كأنها عارفة إنها مش هتعيش لليوم ده، فسلمتها ليكي قبل ما تموت.
تأثرت بحديثه وعادت بذكرياتها هي أيضاً: _كان عمري ١٣ سنة لما سألت خالة أمي الله يرحمها عن السلسلة دي، حكتلي كل حاجة وقتها وإنها هي اللي لبستهالي يومها. كانت ديمًا تقولي فيكي شبه كبير منها. حبيت السلسلة دي أوي وفضلت محافظة عليها. لما زمايلي في المدرسة يسألوني مين مهران كنت بحتار، لدرجة إني لقيتني أنا كمان بسأل مين مهران اللي اتسميت على اسمه ولبست سلسلته. لحد جدتي ما ماتت واضطريت أرجع البلد اللي خرجت منها عمر يوم.
أول حاجة فكرت فيها إني أسأل عنك، بس اتراجعت لإني بالنسبة لك بنت أكتر راجل بتكرهه في حياتك. عشان كده لما لقيت نفسي قدامك قلت خلاص نهايتي هتكون على إيده. أراد أن يخبرها أنه بالفعل كان ينتوي ذلك، لكن تسلل الحب بداخله فلم يستطع فعلها، فتتبدل خطته لأن يجعل والدها يعترف بها أمام الجميع ويرفع من شأنها أمام عائلتها. قد تكون بطريقة خاطئة، لكن لم يجد طريقة أخرى غيرها.
_فكرت فعلاً أعمل كده، بس لما عرفت عنك كل حاجة عرفت إنك ضحية وملكيش ذنب. لم يكن هذا ما أرادت سماعه، لكنها تعلم بأنه لا يصرح بسهولة عن مشاعره، هكذا هو وعليها أن تقبل به كما هو، وبمرور الوقت هتعمل بكل الطرق على مداواته من جروحه التي لم تلتئم. بمد فحاله مثل حالها، وكانت دعوة أن تخرج ما بمكنونها من آلام، فتمتمت بحزن: _أنا بقى للأسف كنت ضحية آسيا مرات أبويا، وهي كانت السبب في موت أمي، إن ما كنتش هي اللي قتلتها من الأساس.
عرفت تنتقم من أمي فيا أنا. عملتني زي الخادمة، مفيش فرق بينا، كانت دائمًا تقولي انتي بنت الخادمة ودورك تكملي مكانها. تساقطت دموعها بغزارة وتابعت: _كنت بشوف في عينيه رفض للي بتعمله فيا، بس مكنش بيقدر يتكلم أو يدافع عني. كرهي له زاد وكل مدى بيزيد أكتر، لحد ما في يوم لقيت حسين أخويا جاي مرعوب وبيقولها إنه اتخانق مع ابن النجايمي والعربية اتقلبت بيه. تنهدت بتعب وتابعت:
_يومها لقيتها بتقوله إنها هتتصرف، استغربت أوي هتعمل إيه؟ لحد ما في يوم لقيتها بتكلم خليل وبتهدده يا إما يسكت ويهدي الأمور، يا إما هتعترف بكل حاجة. معرفش إيه هي الحاجة دي، بس جات في الآخر وطلبت منه أنه يتجوزني في المقابل. مكنش قدامي حل غير الهرب. ولما هربت. نظرت إليه بوله وتابعت بعشق: _وقعت في إيدك أنت. ضحك كلاهما وسألها بجدية: _ندمانة؟ عادت الدموع إلى عينيها وصححت كلمته: _آه ندمانة. قطب جبينه بعدم فهم لتتابع هي:
_ندمانة إني معرفتكش من زمان. مسح بإبهامه تلك الدمعة التي سقطت من عينيها وتمتم معنفاً: _أنا قلتلك إن الدموع دي معدش لها وجود في حياتنا، وأوعدك إن كل اللي غلط هيتحاسب، بس واحدة واحدة. _وانت؟ فاجأته بسؤالها وهو يعلم ما تود الوصول إليه. جذب ذراعه من أسفل عنقها ونهض دون التفوه بكلمة، وملامحه لا تعبر بشيء. اهتزت نظراتها وشعرت بأنها أخطأت باستعجاله. ما كان عليها التطرق في هذا الأمر الآن، ليس بتلك السرعة.
نهضت بدورها وتقدمت منه وهو يأخذ ملابس له من الخزانة، فمدت يدها توقفه وهي تقول بروية: _مهران. نظر إليها بليله الحالك وقد اهتز قلبه لسماع اسمه من بين شفتيها، فتابعت: _بلاش الطريق ده، خلينا نعيش بأمان. كل حاجة اتحرمت منها لقيتها معاك، حتى الأمان على نفسي. بس دلوقت عايزة أحس بالأمان عليك، الطريق ده نهايته صعبة، بلاش تضيع نفسك عشان خاطري. يعلم جيداً كم هي محقة في كل كلمة، لكن ليس بوسعه التوقف، ليس الآن على الأقل،
فغمغم بتسويف: _مش بالسهولة دي. تقدمت منه أكثر لتضع يدها على قلبه وتقول برجاء: _أرجوك بلاش. أحنا الأول مكنش عندنا اللي نخاف عليه، إنما دلوقتي أنا معدش ليا غيرك. بلاش تخليني أعيش قلقانة عليك. الطريق ده انت مش مجبر ليه ولا في أي شيء يستاهل إنك تجازف عشانه. شعور غريب اجتاح قلبه وهو يراها تتوسله لأجل سلامته. العبرات التي تجمعت داخل عينيها آلمته وتمنى حقًا أن يكون باستطاعته الابتعاد، لكن ليس بتلك السهولة. فقال بلهجة حانية:
_متقلقيش، كل حاجة هتمشي زي ما انتي عايزة، بس اتحملي شوية. _توعدني؟ أومأ لها بصدق: _أوعدك. ابتسامتها والسعادة التي لاحت على وجهها جعلته يفكر جدياً في الأمر. ضمها إلى صدره وهو يشعر لأول مرة بأن هناك من يهتم لأمره ويخشى عليه كما تفعل هي. وكأنها شعرت بما يعتمل في صدره، فشددت من احتضانه رغم خجلها، فهو حقًا يستحق أن تبادر هي لأجله. في غرفة حازم وقف. عادوا إلى المنزل وبداخلها رهبة من رؤية والدته. دلف مصطفى وهو
يحمل الحقائب ويقول بمزاح: _مادام البيت هادي كده يبقا مالك نايم. ابتسمت سارة ومازال قلبها ينبض بقوة من تلك المقابلة، تعلم أن أخيها يحاول تلطيف حدة رهبتها، لكن هي الآن تود الهرب، لا تريد رؤيته. نظرت لأخيها وتمتمت برجاء: _مصطفى لو سمحت أنا حقيقي تعبانة ومحتاجة أرتاح شوية، هدخل أوضتي أنام ساعتين وبعدين يبقا أشوفهم. أومأ لها بتفاهم، لا يريد الضغط عليها، يكفي تلك الخطوة التي بادرتها بإرادته.
دلف غرفتها لتغلق الباب خلفها وقد عاد شعور الوحدة يأرقه. نظرت إلى طفلتها التي غفت على ذراعها، وكأنها توعدها بألا تخذلها يومًا كما فعلت والدتها. وضعها في فراشها وذلك الألم يعتصر قلبه. رن هاتفها وهي تعلم جيداً هويته، فمن غيره يشعر بها كلما احتاجت إليه. _وصلتي ولا لسه ياحبيبتي؟ أغمضت عينيها وازداد الحزن بداخلها لاحتياجها له وهو بعيد عنها. صمتها أشعره بالقلق. _سارة انتي معايا؟ ازدردت جفاف حلقها وغمغمت بشوق:
_محتاجاك أوي يا جاسر. يعلم جيدًا بأن السبب في حالتها تلك هي والدتها، فتلك المقابلة هتكون صعبة بالنسبة لها، لكن حقًا لابد منها. _وأنا ديمًا جانبك مهما بعدنا، بس أنا عايزك المرة دي تعملي اللي انتي شيفاه ومحتاجة له. بلاش تداري وتتخبي من كل عاصفة تقابلك، كملي حياتك وواجهي، لإن مهما كانت قوتها مسيرها تعدي. هزت رأسها بنفي وقد صعب عليها المضي وغمغمت بألم:
_لو الكلام ده سمعته قبل ما أعرفكم كان ممكن أعمل بيه، بس بعد ما شفت ماما وسيلة واهتمامها بيكم حسيت إن أنا ومصطفى اتظلمنا كتير وعيشنا حياة صعبة معاهم. _بس في الآخر لقيتوا اللي يعوضكم، وهي برضو حست بالندم بعد فراقكم، صحيح متأخر بس يكفي إنها فاقت.
أديها فرصة أخيرة واتكلمي معاها، والغي اللي فات، بلاش تفتحي القديم لأنه هيتعبك أكتر، وبلاش عتاب أو أنك تفكريها بغلطها، لإن كل واحد غلط من جواه معترف بغلطه مهما لسانه وعقله أنكرو. والأفضل إنك متعاتبيش ولا تفتحي مواضيع عدت وانتهت. تعلم أنه محق بكل كلمة نطق بها، ولذلك قررت أن تفعل ذلك كي لا تفتح جبهة أخرى من الصراع بينها وبين والدتها. _نامي دلوقت وبعد ما تصحي بادري انتي بالكلام معاها، خليكي انتي المتحكمة في أمورك.
أنهت معه المكالمة وشعرت برغبة حقاً في النوم. فوضعت رأسها على الوسادة ليبادر النوم تلك المرة ويجعلها تنام رأفة بحالها. دلف مصطفى غرفته دون استأذن ليجد حلم قد انتفضت بخوف وقد سقط الهاتف من يدها عندما دلف الغرفة، مما أثار دهشته ونظر إلى الهاتف بشك. وخاصةً عندما تمتمت بوجل: _مصطفى انتي جيت امتى؟ لم يجيب بل نظر إلى الهاتف الملقي على الأرض، وقبل أن تميل عليه كانت يده تسبقها، مما جعل الخوف يزداد أكثر بداخله.
نقل بصره بينها وبين الهاتف ليندهش حقاً من ذلك الارتباك المرتسم على وجهه. لكنه لم يشك بها لحظة واحدة ولم يجعل الشك يدخل حياتهم يومًا حتى يجعله يدخل الآن. ناولها الهاتف وهو يبتسم لها ويتمتم بمزاح: _ايه شوفتي عفريت؟ ازدردت لعابها بوجل وتمتمت بابتسامة وهي تحتضنه باشتياق وتظاهرت بدورها بالمرح: _هو العفريت بيبقا حلو كده، بس انت خضتني مش أكتر. بعدها عنه قليلًا كي ينظر إليها باشتياق وغمغم بضيق مصطنع:
_بس أنا قايلك إن ساعتين بالكتير وهكون عندك. هزت كتفها بدلال وهي تتظاهر بالتجاوب معه: _والمطلوب؟ غمز لها بعينيه وتمتم بوله: _تعويض، أنا بصراحة كنت مستني مقابلة تانية خالص. مست بجوار اذنه: _بس كده من عينيه….. في منزل أمجد. تحسس فراشه يبحث عنها لكنه شعر به فارغًا. اعتدل جالسًا وبحث عنها بعينيه في أرجاء الغرفة فلم يجدها، حتى سمع صوتها في المرحاض. نهض مسرعًا وطرق الباب وهو يناديها بقلق: _ليلى انتي كويسة؟
انفتح الباب وخرجت منه وهي مرهقة، فاخذ يدها يسندها عندما لاحظ شحوبها وسألها بريبة: _مالك ياحبيبتي. اجابت بوهن وهو يساعدها على الاستلقاء: _أنا كويسة متقلقش. جذب عليها الغطاء وقال بقلق: _مقلقش ازاي وانتي تعبانة بالشكل ده. ابتسمت كي تطمئنه: _كل ده عادي بسبب الحمل، الشهور الأولى بس وبعدين هكون كويسة. جلس بجوارها آخذًا يدها بين يديه وغمغم بتعاطف: _تحب أجيبلك دكتور؟ _أومال أنا إيه؟ _أقصد يكون تخصص. جذبته
ليستلقي بجوارها تمتمت بحب: _خليك انت جانبي وأنا هكون كويسة. استلقى بجوارها ثم وضع رأسها على صدره وتحدث بشوق وهو يملي عينيه منها: _أنا جانبك على طول، بس انتي بلاش تبعدي. تشبثت بيده التي تحاوطها وغمغمت بنفي: _عمري ماهقدر أبعد، لإنك الهوا اللي بتنفسه. آه بحب شغلي واخد وقت كبير مني، بس ده مش معناه إنه أهم منك. داعب وجنتها بأنامله وتحدث بوله: _عمري ما كان عندي أدنى شك في كده، بس بغير من أي حاجة تشغلك عني.
ابتسمت بروية وتمتمت بخفوت: _بس أنا عمري ما بغير لإني واثقة إن مفيش غيري في حياتك. _تعملي إيه بقى في حظك اللي وقعك في واحد رجعي زيي. ضحكت وهي تغمض عينيها: _خلاص أنا مش هروح المستشفى بكرة وانت خد إجازة وخليني نقضي اليوم مع بعض. أومأ لها بابتسامة واخذ يداعب خصلاتها حتى عادت للنوم. كان الجميع على قدم وساق استعدادًا لعقد القران. كانت شمس في قمة سعادتها بموافقة سليم.
أما مرح فقد قررت الهرب تلك الليلة، فلن تظل لحظة واحدة بعد الآن. ستذهب أثناء انشغالهم في المناسبة كما اتفقت مع حلم. ظلت بجوار شمس وآمال حتى بدأ عقد القران، ثم قامت بأخذ الحقيبة الصغيرة التي أعدتها مسبقًا ومعها أخيها وتسللت من الباب الخلفي وخرجت منه. كانت تدعو بداخلها أن تجد سيارة تنقلها إلى محطة القطار، فلابد أن مهرة تنتظرها الآن.
بعد انتهاء ظل الجميع يبارك ويتمنى لهم السعادة، لولا سليم الذي يشعر بقبضة حادة في قلبه لا يعرف سببها. جاء أحد الرجال وتقدم من سليم ليهمس بجوار أذنه ما جعله ينتفض بصدمة وسأله: _هي فين دلوقتي؟ _لسة خارجة أول ما شفتها جتلك على طول. أومأ له سليم واستأذن من عمه وأسرع خلفها يدعو بداخله أن يلحقها كي لا تدمر نفسها، فإن علم عمه لن يرحمها وسيبحث عنها دون ملل ولا كلل حتى يعثر عليها، وحينها لن يرحمها مهما حاولوا.
استقل سيارته وخرج مسرعًا يبحث في الطرقات. والرؤية صعبة بسبب الأمطار مما جعل خوفه عليها يشتد. كانت تسير بخوف شديد، وخاصة عندما أسدل المطر ستائره فيزداد خوفها أكثر، ولكن تلك المرة على أخيها. ظلت على طريقها تتعثر في سيرها وقد بللتها الأمطار. لا أثر لسيارة ولن تستطيع السير في المطر، لذا توقفت تحت شجرة عتيقة وأخذت تنشف لأخيها رأسه ووجهه وعينيه تسألها ما سبب ذلك.
_متخافش ياحبيبي، دلوقتي نلاقي عربية ونركب القطر وتروح القاهرة ونبعد عن الناس دي. هز رأسه علامة على الموافقة رغم إنه لا يعرف لما كل ذلك. ظلت واقفة حتى رأت سيارة قادمة من خلفها. فتقدمت للأمام وأخذت تشير إليها حتى توقفت. أسرعت إليه تسأله: _ممكن لو سمحت توديني محطة القطر؟ نظر إليها من رأسها حتى أخمص قدميها بنظرات ماكرة ورحب بخبث: _أكيد طبعًا، إحنا نتمنى نخدمك. تراجعت مرح وشعرت بالقلق من نظراته، فارتدت
للخلف بتوجس وتمتمت برهبة: _لأ خلاص تقدر تمشي. فتح الرجل باب السيارة وترجل منها وهو يشملها بعينيه: _ليه بس ياحلوة، دا أنا خايف عليكي من الجو ده. مد يده لها ليجذبها، لكنها ابتعدت بخوف وهمت بسحب أخيها والهرب، لكنه استطاع الوصول إليها وهم بجذبها إليه، لولا تلك اليد التي سحبته للخلف. وفاجأته بلكمة أطاحت به وجعلت الدماء تنفر من أنفه. فاجأته به أمامها ينظر إليها بغضب هادر، مما جعلها ترتد للخلف بوجل.
كانت عينيه حادة لا تبشر بخير، وخاصة عندما هدر بها: _خدي الولد واستنيني في العربية. بخوف شديد اخذت أخيها ووضعته في السيارة، ثم عادت إليه، وعندما وجدته يبرح الرجل بكل الغضب الذي يحمله. تقدمت منه وهي تقول بهلع: _سيبه ياسليم الراجل هيموت في إيدك. نظر إليها بغضب وهدر بها: _قلتلك اركبي العربية. انسحبت بوجل، لكنها تنفست براحة عندما وجدته ينهض بالرجل ووضعه في سيارته وغمغم بتحذير:
_بلاش تقع قدامي مرة تانية، لإن المرة الجاية مش هرحمك. هز الرجل رأسه بخوف واستقل سيارته وانطلق بها. أما هو فأخذ ينظر إليها بغضب جحيمي وتقدم منها ليقول معنفًا: _عجبك اللي حصل ده؟ لو اتأخرت شوية عارفة إيه اللي كان هيحصلك؟ قطبت جبينها بألم وسألته بضياع: _إيه؟ قطب جبينه بعدم فهم وعادت تخاطبه: _إيه اللي ممكن يحصلي أكتر من اللي عملتوه فيا؟ إيه اللي ممكن يحصل قد ما اتخليت انت عني وسيبتني في إيد مبترحم. تجمعت الدموع
في عينيها وأردفت بألم: _مسألتش نفسك أنا عايشة في بيتكم ازاي ولا عمك بيتعامل معايا إزاي. هزت رأسها بألم وتابعت جلده: _متعرفش، لإنك جبان والحاجة الوحيدة اللي قدرت تعملها إنك تهرب، تهرب من كل حاجة ممكن تتعب. إنما أنا ميهمشك، المهم انت متتعبش. ظهوري قدامك هيتعبك يبقى بلاش منها. حساس الخيانة تاعبك يبقى بلاش أتوجد نهائي. حبك ليا بتحاول على قد ما تقدر تتخلص منه. (صرخت بأعلى صوتها) وأنا مش مهم، اتحرق أروح في داهية مش مهم.
أتعذب أنام مع واحد كل اللي عايزة يشوفني مذلولة قدامه مش مهم. أنا بتعامل أقل من الخادمة، غير تعذيبه ليا لو وقفت قصاده. ضربته بيدها في صدره فارتد للوراء وهي تصيح به: _جاي ورايا ليه؟ عايز مني إيه؟ أنا بكرهك وبكره اليوم اللي عرفتك فيه. أمشي مش عايزة أشوفك قدامي. طفح به الكيل ولم يستطع الصمود أمامها أكثر من ذلك، فصاح بدوره وهو يبعد يدها التي تدفعه: _وأنا بتعذب أكتر منك، اتعذبت يوم ما عمي طلبك ليه.
واتعذبت أكتر لما دخلتي بيته واتقفل عليكم باب واحد. بتعذب في كل مرة بشوفك قدامي ومش قادر أشيل عيني من عليكي، وإحساس الخيانة جوايا بيدمرني. كل ليلة بنام وصورتك مش بتفارق خيالي. ببقى عامل زي المجنون وأنا بتخيلك في حضن عمي وأنا عاجز قدام قلبي. ومع ذلك مش قادر أبعد. كل ما أفكر أهرب وأبعد ألاقي نفسي برجع تاني.
إحساس العجز بيزيد جوايا وصراع بين عقلي وقلبي اللي بيعاتبني وبيتهمني إني اتخليت عنك، وما بين عقلي اللي بيجبرني إني أبعد عشان مكنش خاين في نظر نفسي. عارفة القهر اللي حسيت به وأنا سامع صوتك في أول ليلة ليكي في البيت. هز رأسه بضياع وكأن الأصوات تعاد في مسمعه. _كنت بندبح بسكين بارد ومن يومها صوتك بيتردد جوايا. تقدم منها خطوة واحدة وعينيه تهيم بعينيها وقد بللتهم الأمطار الغزيرة التي تسقط عليهم وتابع بألم:
_إن كان حد مطلوب منه أنه يهرب فهو أنا، يمكن لما أبعد أرتاح من عذابي. _هترتاح وهترتاح نهائي كمان.. التفت كلاهما لصاحب الصوت فيتفاجئ بخليل واقفًا مع بعض رجاله. يتبع…
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!