الفصل 23 | من 33 فصل

رواية وهام بها عشقا الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم رانيا الخولي

المشاهدات
21
كلمة
3,616
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 70%
حجم الخط: 18

صوتها أوقفه. يغمض عينيه بلوعة ويلعن حظه الذي وضعها أمامه. تقدمت منه لتقف أمامه فتجده يشيح بعينيه بعيدًا عنها. فقالت بثبوت: _عايزة اتكلم معاك ضروري. تحلى بالثبات رغم صعوبته وتحدث بجمود: _مينفعش. اندهشت من رده: _بس الموضوع مهم. غمغم برفض: _الأهم أنك تمشي دلوقتي. عقدت حاجبيها بدهشة ونظراته تحيد بعيدًا عنها. همت بتركه لكن شمس بحاجتها فقالت باحتدام: _متخافش أوي كدة أنا جاية بس عشان شمس. قطب جبينه بعدم فهم وسألها بحيرة:

_مالها شمس. _ماجد مش عايز يعمل فرح إلا لما يرجعوا من السفر ويقف على رجليه من تاني. ازدادت قطبت جبينه بغضب وعاد يستفهم منها: _بتقولي إيه؟ لما يرجعوا؟ رمشت بعينيها خوفًا من هيئته وأجابت بارتباك: _أقصد يعني أنهم هيأجلوا الفرح لما يقف على رجله، وبعدين أنا مش شايفة مشكلة طالما هيكتبوا الكتاب. زم فمه دلالة على صعوبة تحكمه في غضبه وسألها بحدة: _حاجة تاني؟ قطبت جبينها بدهشة وسألته: _يعني إيه؟

يعلم جيدًا بأن ما يتفوه به ستكون حتمًا نهاية لحبها له لكن عليه ذلك إن أراد الصالح لها فتحدث باندفاع: _يعني خرجي نفسك برة الحوارات دي تمامًا، دي حاجة تخصنا إحنا، انتي مليكش تدخلي فيها. لكنه أخطأ إن ظن ذلك فهي أكثر من يعرفه وأكثر من يعلم بما يجول بداخله. قد يكون محق في دفعها بعيدًا عنه لكن مهما حاولوا لن يفلحوا في ذلك. العشق أصبح دامسًا بداخلهم ولن يستطيع أحدًا منهم نزعه من داخلهم مهما حاولوا. _ليه؟ أجاب باقتضاب:

_من غير ليه. _بس أنا بقيت واحدة من البيت وليا رأي وخصوصًا إني بقيت مرات عمها. استطاعت بجداره استفزازه لكنه أحكم غضبه وغمغم بانفعال: _مرات عمي، مرات أبويا، متدخليش، ابعدي ومتدخلش، وده آخر تحذير ليكي. تجمعت العبرات داخل عينيها من حدته معها وقلبها يأن ألمًا على ذلك الحبيب الذي باعد القدر بينهم. لم تعد تستطيع التظاهر بالثبات أكثر من ذلك فتمتمت بألم:

_مش قادرة، مبقتش قادرة أتحمل العذاب اللي أنا فيه ده، كل ما أشوفك قدامي غصب عني قلبي بيحن ليك. حاولت كتير إني أخرجك من حياتي بس خلاص مبقتش قادرة أتحمل أكتر من كده، أنا واقفة مع شمس وساعدها عشان حاسة بيها وعارفة قد إيه صعب إن الواحدة تتحرم من الإنسان اللي بتحبه. بلاش تدمرهم زينا. لو تعلم ما فعلته كلماتها بقلبه ما كانت لتسمح لنفسها بالتفوه بكلمة واحدة منها. عن أي عذاب تتحدث وهو يعاني ويلات العذاب في كل ثانية تمر بحياته.

أغمض عينيه يحاول بصعوبة إخفاء مدى تأثره وحارب رغبته في أخذها والهرب بها بعيدًا لكن كيف ذلك وذلك الطوق الذي وضع خلف عنقهم يربطهم بمصيرهم. فغمغم بروية: _أمشي دلوقتي. رفعت بصرها إليه فوجدته يبعد عينيه عنها بصعوبة ولذلك ترفقت به وبقلبه وانسحبت بهدوء. وعاد هو إلى سجنه ولكن هل سترحمهم تلك العيون التي تتطلع إليه بتوعد قاسٍ. *** مر يومًا بعد يوم وهو في انتظارها حتى اقترب الموعد.

اليوم سيتحدد مصيرهم وسيكتشف ما يخبئه لهم القدر. طرق بابها فوجدها تفتح دون التفوه بكلمة. تقابلت النظرات لتبث الشكوى من تلك العيون السوداء لكن صفاء عيونها الشمسية جعلته يحتار فيهما. فتحدث القلب بما يدور به: "حقا هذا الشعور يضايقني فأنا معكِ ولأول مرة أقف مكتوف الأيدي فما أشعر به معكِ غريب فأي صدفة ألقت بكِ في طريقي؟ فأنا حقًا أشعر بالحيرة. فأيهما أنتِ؟ البراءة أم الغدر! الطيبة أم الانتقام!

فكلما نظرت إلى وجهكِ أرى غدرًا لا يبالي. وكلما أمعنت النظر إلى عينيكِ أرى براءة وانكسارًا يغلفهما الحزن. وكأن عينيكِ تناديني أنا مجبرة على إيذائكِ فسامحيني. فتجيبه بشموسها الذهبية: إني عالقة في بحر من الحيرة.. فلا أعلم من أنت.. أأنتِ الطيبة أم القسوة.. القوة أم الضعف.. حقيقة أم وهمًا غاصت به أحلامي. هل سقطت في دوامة غدرٍ أم لاح من الأفق نور أضاء ظلماتي.

فأنا مثلكِ لم أذق طعم الحنان يومًا، وعانيت من ظلمات أب ظالم وبطش زوجته. حتى عندما هربت من هذا الظلم وظلماته.. التقيتكِ أنتِ وكأنَّه كتب عليَّ أن أرى العذاب أينما ذهبت. فأنتِ تعد صورة أبي بقسوته وجبروته. وفي نفس اللحظة أتفاجئ بكِ وكأنني أرى شخصًا آخر عكس ذلك. ألقاكِ منبعًا للحنان وملاذًا للأمان. فحقًا لم أعد أعرفك. أأخاف منكِ وأحذركِ أم أطمئن لكِ وأقترب." انقطع حبل الوصال بينهم وترجلت لتسمح له بالدخول.

مؤكد أن بداخله شيئًا يود التحدث به. وقف ينظر إليها وعينيه ترجوها هذه المرة ألا تخيب رجاءه. _إيه اللي عايزة تعرفيه؟ تطلعت إليه وعينيها تجوب عينيه التي ترى فيهما أسئلة يود الإجابة عليها لكنها حقًا لا تملك لها أي إجابة. كل ما تعرفه بأنها عاشقة لخاطفها الذي لم ولن تستطيع الهرب منه أينما ذهبت. فتمتمت بمغزى: _مبقتش عايزة أعرف حاجة، وياريت متقولش.

عينيها ترجوه ألا يخبرها لكن عقله يجبره على إخبارها كي يؤكد لها بأنها لم ولن تشعر بما يحمله لها بداخله. وغمغم بروية: _بس أنا مصر تعرفي كل حاجة. خفضت عينيها كي تهرب من أسر عينيه التي أصبحت سر عذابها وليلها الحالك يطغى بسطوته على شموس عينيها. لا هي تستطيع إضاءة ظلامه ولا هو يسمح بذلك. حارب شوقه وانامله التي تود رفع وجهها إليه لكن منعه صوت هاتفه فلم يتردد في الإجابة وابتعد قليلًا كي يجيب.

وقد كان وهدان يود معرفة ميعاد التسليم. اهتزت نظراتها بخوف وهو يخبره به وخشيت أن ترفع عينيها فيرى فيهما دليل خيانتها. خائنة لكنها مجبرة، كل شيء حولها يجبرها على ذلك رغم صعوبته. ها قد عاد إليها يطالبها برفع وجهها إليه لكنها لن تستطيع. إن رفعت بصرها فسوف تعترف بكل شيء. عليها الهرب من أمامه. _مهرة. أغمضت عينيها بعذاب قاسٍ لا يبالي بما يعانيه قلبها الذي اخذ يهدر بعنف واسمها يطالبها بألا تخذله لكنها مجبرة.

تقدم خطوة ترجلتها هي للخلف وكأنه علم ما تعانيه عندما رأى دمعتها. أخذ ينظر إليها وهي تهرب منه إلى المرحاض وتغلق الباب خلفها فعلم حينها بأنها ستفعلها. انسحب بهدوء واستسلام من غرفتها وقد ترك عنقه بين يديها تفعل به ما تشاء. فقد زهد تلك الحياة وإن كان خروجه منها على يدها فهو أكثر من مرحب بذلك. لكن هي كيف تواجه هي قسوة الحياة وهي وحيدة؟ ستقسو عليها ولن ترحمه. نزل إلى الأسفل وتوجه إلى مكتبه في وجوم تام.

تعبيره هادئ لا يبين شيئًا. فقام بفتح حاسوبه ينتظر خروجها وما تنتوي فعله. أغلق شاشة الحاسوب عندما طرق الباب ودلف منه وهدان وبعينيه ألف سؤال لكنه لم يجرؤ على التفوه بها. وقد علم مهران ما يدور بداخله. فسأله: _عملت إيه؟ _كل تمام زي ما أمرت، بس… التزم الصمت لا يجرؤ على التكملة. فسأله مهران: _بس إيه؟ قول. اخفض عينيه بحرج وغمغم بتحير:

_بس إحنا هيكون وضعنا إيه وخصوصًا إنك بلغتـهـا بالمعاد الحقيقي يعني لو الظابط ده صدقها هنروح كلنا في داهية لو مكنش من الحكومة هيبقى من الناس اللي بنتعامل معاها، وخليل بيه كمان هيروح في الرجلين. يعلم جيدًا بأنه يجازف برهان خاسر لكنه تقدم خطوة لن يستطيع الرجوع فيها. _متقلقش انت هتكون بعيد تمامًا انت ورجالتك. تعجب وهدان من هدوئه وسأله بحيرة: _وانت؟ عاد بظهره للوراء ودون إرادته جال الحزن واضحًا في عينيه وقال بقوة زائفة:

_يمكن حان خلاص وقت النهاية. تأثر وهدان بحال سيده وخاصة أنه يعرفه جيدًا ويعلم مدى نقاء سيده. لكن استسلامه يتعبه حقًا وهو لم يراه يومًا بتلك الحالة. تركه وغادر فهو بحاجة إلى البقاء وحيدًا. أخذ يطرق بأنامله على المكتب أمامه وهو شاردًا فيها. دقات قلبه رتيبة لكنها تدق بعنف فتنقبض وتتوقف للحظات عندما سمع صوتها تهاتفه. لم ينظر للحاسوب خشيةً من طبع صورتها داخل ذكرياته فتظل عالقة بها. فظل على وجومه وهو يسمع صوتها:

_أنا موافقة بس على شرط، تساعد بنت عمي إنها تهرب. _........ _لأ أنا مش هكون معاها لإن الهرب منه مستحيل أنا السبب في وضعها وأنا الملزمة أهربها ولولا كده كان مستحيل أخون. _........ _الميعاد هيكون…………. أغمض عينيه وقد ازدادت وتيرة دقاته وقد خسر رهانه. نهض من مكتبه صاعدًا لغرفته مستسلمًا لقلبه. دلف غرفته ومازالت الأسئلة تدور بخلده. حارب شوقه الذي يريد أن يأخذه إليها كي يعلم سبب فعلتها. سيتركها تفعل ما تريد.

دلف المرحاض كي يأخذ حمامًا دافئًا كي يريح أعصابه قليلًا وقد كان له ما أراد إذا خرج وهو يشعر برغبة في النوم دون اللجوء إلى المنوم. هم بالاستلقاء على الفراش لولا طرق خافتة مترددة شعر بها، يعلم جيدًا هوية صاحبها. لم يشاء إزعاجها ويقوم بفتح الباب وهو عاري الصدر. قام بارتداء قميصه القطني وذهب ليفتح لها. فيجدها واقفة خافضة عينيها لا تستطيع التطلع إليه.

وهو لم يضغط عليها رغم إنه في أمس الحاجة لرؤية شموسها كي تنير دربه المظلم. وكأنها علمت ما يدور بخلده إذا رفعت عيونها الشمسية فتهتز أواصـله من نورهم الآخذ لأنفاسه وقلبه الذي ازدادت وتيرته فتجعله يغوص في بحور الشوق. لكن دمعتها التي سقطت منهما أظلمت عينيه وجعلت ليله أشد قتامة. أنادمة أنتِ أم القلب بات يدق بعشقٍ جارف ليس بوسعه التوقف. كانت عينيها تجوب داخل ليله الحالك تبحث فيه عن شيء يجعلها تتراجع ويعنفها الندم.

لكن لم تجد سوى ذلك الاحتياج الذي يناجيها ألا تخذله وتبقى معه، لم يشعر يومًا بمدى احتياجه لأحد كما يحتاجها هي وقد ظهر هذا واضحًا في نظراته. تمتمت بألم: _حاولت أخون بس مقدرتش. لا تعرف من أين أتتها الجرأة لكي تلقي بنفسها داخل أحضانه وتسمح لدموعها بالنزول. كانت يديها تتشبث به ووجهها تخفيه في صدره كأنها تتحامى به من غدر زمانه. بكت بحرقة وبكل الأوجاع التي عاشتها منذ مولدها حتى الآن.

تبكي لضعفها وقلة حيلتها أمام جبهة أخرى فتحت لها وكلما شعرت بالألم كلما أخفت وجهها أكثر داخل صدره. بكاءها جعله يشعر بتدفق الدم داخل أوردته. حاول الثبات لكن عبثًا لم يطاوعه قلبه ولا ذراعاه الذين أحاطها بعشق متملكًا وكأنه يخشى من ضياعها. أغمضت عينيها وازدادت تشبثًا به وكأنها تريد الاختباء داخل ضلوعه وذراعيه.

لم تبخل عليها بذلك فيتشبث هو أيضًا بدوره وكأنه يناجيها ألا تتركه وتظل بين ذراعيه ولن يخذلها يومًا فقط تبقى بين ذراعيه. أمسك رأسها يرفعها إليه كي ينظر داخل شموسها وقد آلمه تلك الدموع التي غزت عينيها فيمسحها بإبهامه وهو يتمتم بوله: _الدموع دي ملهاش وجود في حياتنا بعد الليل. أديرت رفعت بصرها إليه تستفهم معنى كلمته فيومئ لها مؤكدًا بما ظنته. فالعشق لاح واضحًا في عينيه ولن يخفيه بعد الآن. هو الآن أكثر احتياجًا لها.

ذلك الوحيد الذي عانى ويلات من عذاب الوحدة أتته هي كي تنير حياته بحب لم يشعر به من قبل. وأخذت عيناه تحكي لها ما لم تستطيع الشفاه التفوه به. شعور الأمان الذي كانت تشعر به معه أصبح الآن يغلفه العشق من كل جانب فتلتف حولهما سرب من الفراشات في هالة تخطف الخيال. عينيه التي تتجول بكل أريحية على ملامحها وتنشر الدفء في قلبٍ أرهقته الدنيا بقسوتها لأنف حاد لكن يحكي قوة وصلابة لم يهزه شيء.

وشفتيها التي تهتز برهبة لموقف لم تختبره يومًا. تلك المشاعر التي فرضها عليها جعلها تنتظر القادم بتردد. عينيه ترجوها ألا تبعده ومشاعرها تطالبها بالغوص في أكثر عمق مشاعره. انامله التي تتحسس شفتيها لا ترأف بقلبه ولا بعقله الذي استسلم أمام كل تلك المشاعر التي يعيشها. كفى لم يعد يستطيع التحمل فمال عليها بروية يلثم شفتيها في قبلة أطاحت بعقلها وقضت على ما تبقى بداخلها من اعتراض.

مد يده ليغلق الباب وأغلق معه أحقاد ماضي وحاضر وربما مستقبل. *** في الصباح وعلى مائدة الإفطار. تجمعت العائلة بسعادة بالغة بمناسبة أخرجتهم من حالة الحزن التي غلفتهم تلك الفترة. نظرت ليلى إلى معتز وقالت بسعادة: _إن شاء الله المناسبة الجاية هتكون لمعتز. أمن الجميع خلفها لكن معتز تحدث برفض: _لا لا أنا ليا مواصفات ومميزات خاصة ولحد دلوقتي ملقتهاش. تحدث مصطفى بمزاح: _قلتها قبلك وفي اليوم اللي قلتها فيه لقيتها فيه برضه.

ربت على كتفه وأردف: _ابشر هتقابلها قريب. سألته سارة بحنين: _مصطفى أنت هتفضل باعد ابنك عننا كده؟ أنا عايزة أشوفه هو وحلم. رفض جاسر تأييدها: _لأ طبعًا مينفعش إحنا منضمنش الخبر يصل لمهران وخصوصًا إنه فاكرها ماتت أي ظهور ليها هيعمل شك، خلينا نصبر شوية. _أنا كمان رأيي من رأي جاسر خلينا نصبر شوية ولو إنتي عايزة تشوفيهم يبقى روحي قضي معاهم يومين.

نظرت إلى جاسر الذي لم يمانع وأيد رأيه فترتسم ابتسامة تملؤها السعادة بتلك الخطوة التي خطاها جاسر تجاه علاقتهم. نهض أمجد قائلًا: _طيب نستأذن إحنا بقى عشان ميعاد الطيارة. نهض مصطفى بدوره: _آه فعلًا الكلام أخدنا يادوب أغير هدومي. كذلك سارة التي نهضت لتأخذ ابنتها من وسيلة: _معلش هأخركم شوية لحد ما أغير لسيلا. منعتها وسيلة من أخذها وقالت برزانة: _سيبيها أنا هغير لها وحضري إنتي حاجاتك.

أومأت سارة وذهبت إلى الغرفة بسعادة كبيرة ليس لذهابها بل لأنه ترك لها بعضًا من حريتها. انتهت أخيرًا من تجهيز حقيبتها وهمت بحملها لولا دخوله وعينيه تنظر إليها بامتعاض مرح: _فرحانة أوي إنك هتسافري وتسيبيني؟ تقدمت منه لتلف ذراعيها حول عنقه وتمتمت بدلال: _بصراحة آه عشان أشوقك ليا شوية. رفع حاجبيه مندهشًا: _ليه مش كفياكي الشهر اللي عذبتيني فيه ده؟ أومأت له وهي تتمتم بدلال: _شهر إيه ده كلهم خمتاشر يوم بس. _ياسلام؟ أكدت له:

_آه وبعدين متقلقش كلهم يومين بالظبط وهرجع. ابتسم بحب وهو يعدل وضع حجابها وتمتم بوله: _بحبك. هم بتقبيلها لولا صوت مصطفى الذي قال بغيظ: _خلص يا عم مش وقته. ضحكت سارة وابتعدت عنه لتحمل حقيبتها وهمت بالخروج لكن ما أن وصلت إلى الباب حتى عادت إليه تلقي نفسها في أحضانه. أحاطها بقلبه قبل ذراعيه وأراد في تلك اللحظة أن يمنعها من الذهاب. كيف سيتحمل بعدها يومين كاملين. نزعت نفسها عنه بصعوبة وتمتمت باستياء: _تعالى معانا.

ملس بابهامه على وجنتها وغمغم برزانة: _للأسف مش هينفع لأننا الأول كنا بنقعد في الشقة إنما دلوقتي مصطفى ومراته عايشين فيها. _ننزل في فندق. _برضه مينفعش لأن كده مصطفى هيتحرج أوي وأنا مش عايز أوصله الإحساس ده. أومأت له بتفاهم ثم حملت حقيبتها وذهبت معهم. *** استيقظت صباحًا لتجد رأسها مستكين بكل هدوء على صدره الذي احتواها بحب لم تشعر به من قبل.

لم تصدق ما حدث حتى الآن وكيف أنها استسلمت له بتلك السهولة وكان سحرًا أسرًا ألقي عليهم لينهل كلاهما من نهر العشق بعد جفاء وعذاب. وكلما تشربوا منه كلما شعر أكثر بالظمأ فيعودوا إلى نهر الحب الخالد ليرتوي أكثر منه. تذكرت حنانه همساته احتوائه لها حين ترددها. كل شيء حدث بينهم أكد لها بأنه ليس ذلك الشخص الذي سمعت عنه الأقاويل. بل شخص آخر به من الحنان ما اروى به عطشها له. لم يجبرها على شيء بل ترك لها الاختيار.

وجعلها العشق تستسلم بكل رحابة فتنعم بحضنه الذي لم يبخل عليها بفيض من المشاعر التي تعيشها لأول مرة. ستعمل بكل الطرق على تحرره من سطوة الماضي الأليم وترسم أمامه مستقبل ملئ بالورد وتبعده عن طريق المخاطر الذي فرض عليه. أغمضت عينيها فور أن رمش بعينيه دلالة على استيقاظه. كان يخشى من فتحها كي لا يفوق من ذلك الحلم الذي بات ليلته يغوص في بحوره. هل حقًا حقيقة أم خيال. لم يؤكد له ثقل رأسها على صدره ولا ذراعه الذي يحتويها.

بل أنفاسها غير المنتظمة التي لا ترأف بعنقه فتقذف حمم بركانية لا تعرف الرحمة. نظر إليها يتأكد أكثر فيبتسم بتروي وهو يراها تتظاهر بالنوم. أبعد خصلاتها التي سقطت على وجهها وهم بإيقاظها لولا صوت هاتفه الذي جعله ينظر إليه باستياء فيجده ذلك الرقم المجهول الذي لا يجيب صاحبه. أجاب عليه لربما يفلح تلك المرة ويرد عليه. _مين؟ في الطائرة. نظر مصطفى بحب إلى سيلا التي بدأت تغمض عينيها بنعاس وتحدث بحبور:

_تعرفي إن ماما هتفرح بيها أوي لأن ديمًا تقولي نفسي أشوفها. تبدلت ملامح سارة للحزن وغمغمت بهدوء: _لو كان نفسها تشوفها بصحيح مكنش فيه حاجة هتمنعها إنها تزورنا. لامس مصطفى الاشتياق الذي تخفيه تجاه والدتهم وقال بمحايدة: _شوفي ياسارة أنا عارف إنها قصرت معاكي ومقامتش بدوره كأم معانا بس هي حقيقي ندمانة وبعدنا عنها خلاها تحس بالخسارة اديها فرصة وقربي منها وهتلاقي فعلاً إنها اتغيرت. هزت راسها بنفي وقالت بحزن:

_للأسف ماما مكنش ليها دور في حياتي غير الاسم. بيوم ما ولدت سيلا كانت أكتر حد محتاجاه في الوقت ده، ولما جاتني المستشفى فرحت وقلت إنها هتفضل معايا بس اتفاجئت بيهم بيستأذنوا بحجة إنها مش هتقدر تروح معايا وإنها مطمئنة عليا مع ماما وسيلة. اتقهرت بجد ووقتها عرفت إن مليش غير العيلة دي اللي لقيت فيها الأب والأم وكل عيلتي. شعر مصطفى حقًا بما تعانيه لكن لن ييأس وسيظل يقرب بينهما حتى تهدأ الأمور بينهما.

انتفضت حلم بخوف وسقط الهاتف من يدها عندما دلف مصطفى الغرفة مما أثار دهشته ونظر إلى الهاتف بشك. وخاصةً عندما تمتمت بوجل: _مصطفى إنت جيت إمتى؟ لم يجيب بل نظر إلى الهاتف الملقي على الأرض وقبل أن تميل عليه كانت يده تسبقها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...