الفصل 17 | من 33 فصل

رواية وهام بها عشقا الفصل السابع عشر 17 - بقلم رانيا الخولي

المشاهدات
19
كلمة
4,114
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 52%
حجم الخط: 18

تسمر مكانه عندما وجدها ترتدي ذلك الثوب الذي احتفظ به منذ رحيلها لتأتي تلك العنيدة وتتعدى عليه فقط كي تثير غضبها. اشتعل الغضب بداخله يدفعه لتحطيم رأسها الذي لا يفعل شيئًا سوى العناد. تقدم منها وعيناه تنذرها بغضب شديد، لكنها عميت عن الخطر لحظة لتجرح كبرياءه. وقف قبالتها وهتف معنفًا بغضب هادر: _أنتِ إزاي تسمحي لنفسك إنك تلبسي الفستان ده؟ صوته الحاد أرهبها، لكن لم تبدِ ذلك، فهذا ما تسعى إليه. فتجيب بهدوء يتنافى تمامًا

عن الخوف الذي بداخلها: _إيه المشكلة، عجبني وقررت ألبسه بدل التاني. هدوءها جعل غضبه يصل لذروته، فهو يعلم جيدًا بأنها تفعل ذلك كي يمل منها ويتركها. واهمه إذ ظنت لوهلة بأنها سيتركها ترحل بهذه السهولة. نعم، أتم انتقامه على أكمل وجه، لكن تلك البغيضة لا تعرف بأن من يدخل حياته لا يتركه إلا بالموت. تقدم منها أكثر بخطوات، دبت الرعب في أوصالها مما جعلها تزدرد لعابها بصعوبة، وعيناه الغاضبة لا تبشر بخير، مما جعلها تلوذ بالفرار.

لكن يده حالت دون ذلك ليجذبها من ذراعها ليقربها إليه ويغمغم من بين أسنانه بغضب هادر: _لو كنتِ فاكرة إن عمايلك دي هتخليني أمل منك وأسيبك تمشي، تبقى بتحلمي. اللي يدخل القصر ده ميخرجش منه إلا على آخـ ـرته. قال كلمته الأخيرة بحدة أجفلتها، لكنها أرادت سكب الوقود على النار كي تؤلمه أكثر. _كل اللي دخل بيتكم مخرجش منه على رجله، زي ما يكون القصر ده ملعون واللعنة متبتة فيهم.

مجرد إنك تعدي من قدامه تحس بالنفور والخوف وكأنه كهف مليان أشباح. وأنت أولهم، مجرد ما وقعت في طريقي استغليت ضعفي وكسرتي وفضحتني في البلد لمجرد إنك بترد اللي عمله أبويا مع أمك. انصدم مهران من معرفتها بهذا الأمر وضيق عينيه يسألها بشك: _هو إيه اللي أبوكِ عمله مع أمي؟ ابتسمت بمرارة وأجابت بألم: _أنا عارفة كل حاجة من البداية، من وقت ما أمك وخالك جم يتحاموا في أبويا وخان ثقتهم فيه. لاحت الدموع في عينيها وهي تتابع:

_بس أحب أقولك إنها مكنتش لوحدها، لأن في اليوم ده كانت أمي مدفونة بالحياة في البدروم عشان محدش يعرف عنها حاجة غير أبويا ومراته اللي خايفة من الفضيحة. تبادرت العبرات داخل عينيها، فيشعر بآلامها عندما تابعت بألم: _يمكن ربنا عمل كده عشان أمك تنقذني من الموت، لأني اتولدت في اليوم ده على إيديها وكانت أول إيد تشلني. نظرت إليه بحزن وتابعت: _حتى إنها سمتني "مهرة" على اسمك. كان يستمع إليها بضياع، لتتابع هي نحره:

_لما خالتها راحت عشان تعرف أبويا، كان الخبر وصل لآسيا ونزلت عندها وطلبت من ولدتك إنها تخرج عشان تتكلم معاها، بس أمك مسبتنيش وخرجت بيا وفضلت في حضنها لحد ما أبويا وصل، بس كانت آسيا خلصت مهمتها وقتلت أمي. دموعها كانت تنهمر بغزارة وحاله لم يكن بأفضل منها وهو يسمع ما عانته تلك الفتاة، فتتابع وهي تنزع قلادة من عنقها باسم مهران وتشير به إليها:

_السلسلة دي بتاعت أمك الله يرحمها وهي اللي لبستهالي بنفسها وطلبت من جدتي إنها تحافظ عليها عشاني. بيد مهتزة رفع مهران أنامله ليتناول القلادة منها، دقق النظر بها ليتأكد منها. نعم هي، كانت لوالدته تضعها في عنقها وتخبره بأن اسمه يحتل قلبها وعنقها ولن تفارقها حتى بعد موتها. وكم بحث عنها بعد وفاتها ولم يجده. نعم هي بكل تأكيد، فرت دمعة من عينيه رغماً عنه وهو يغمض عينيه بألم شديد لا يحتمل، وتتابع مهرة جلدها بعتاب قاسٍ:

_ما كنتش تعرف إني هكون فريسة ضعيفة في إيد ابنها وينتقم لها من واحدة عايشة حياتها كلها تدفع تمن غلطة ملهاش ذنب فيها. دنت منه أكثر لتواصل تعذيبها: _قولي أنت أنا ذنبي إيه عشان أتحمل منك كل ده؟ شهرت بيا وفضحتني والناس كلها بتتكلم بنت كامل اللي خلفها من الخدامة هربت مع ابن الهواري وكررت عملت أمها. مفكرتش لحظة واحدة في مصيري بعد ما توصل لغردك وترميني؟ مفكرتش هروح فين؟ ومين هيقبلني بالماضي ده؟ هزت رأسها بنفي وأردفت

بصرخة شقت صدره نصفين: _طبعاً متعرفش وميهمنكش لأن أهم حاجة عندك توصل لغردك وتشبع انتقامك، غير كده ميهمنكش. كور قبضته على القلادة وقلبه ينبض بعنف وكأنه يقسى عليه انتقاماً لها: _عارفة قصة بنت عمك اللي مرحمتهاش وقتلتها بأيديك عشان فكرت تهرب من جحيمك، وعشان كده لبست فستانها قلت عشان أواجه أنا كمان نفس مصيرها وأرتاح من العذاب اللي ملازمني من يوم ما اتولدت. صرخت به وكأنها أصابها بضرب من الجنون وتمتمت بحدة:

_حقيقي براڤو، عرفت ترسم وتخطط وتظلم الظلم بظلم تاني، بس ارجوك كفاية لحد كده وسيبني بقى. لملم بصعوبة شتاته وخرج من الغرفة وقد استطاعت هي الثأر منه لتجعله يشعر بالانهزام بعد النصر الذي حققه وردت له الصاع بصاعين. عاد إلى غرفته لا يعرف كيف، كل ما يدركه الآن هي تلك القلادة التي بين أنامله. تذكر وهو طفل صغير كيف كان يتهجى اسمه عليها وهي ترمقه بسعادة وابتسامتها التي خصته بها وحده تنير وجهها.

كانت تخبره بأنها لن تنتشلها من عنقها إلا لأجل زوجته وستضعها بيدها في جيدها. وقد كان لها ما أرادت ووضعتها في جيد زوجته دون أن يدري كلاهما شيئًا عنه. وكأن القدر نصفها تلك المرة بأن حقق لها أمنيتها في يومها الأخير. تساقطت دموعه بألم وبكى كما لم يبكي من قبل. وأراد أن يصرخ ويخرج تلك الآلام التي تعتمل بقلبه بغير شفقة ولا رحمة. عاد ذلك الصغير وعاد ذلك اليوم الذي تلقى فيه خبر موت أمه التي كان يتعلق بها حد الجنون.

كل شيء يعاد أمامه، وكلما تذكر كلما أغمض عينيه أكثر ويضغط على قلادتها وكأنه يستمد منها القوة. ولكن أين القوة والضعف غرز أنيابه في قلبه ليقضي على ما تبقى منها. أرادها بشدة تلك المرة. أراد من حرم من طعم الحنان والأمان منذ رحيلها. يشتاقها حد الجنون. طلبت منه ألا يكون ضعيفًا، لكنه لم يعد يستطيع الصمود أكثر من ذلك. ترك الطفل الذي بداخله يتحرر من أسره فيسقط على الأرض بركبتيه ويترك لدموعه العنان.

أما هي فقد عادتها آلام الماضي بكل أوجاعه. يوم أن خرجت طفلة صغيرة منبوذة من منزلهم لا تعي شيئًا مما يحدث حولها سوى كلمة واحدة "ابنة حرام". وعندما عادت فتاة لقبت بـ "ابنة الخادمة" لتعيش في منزل والدها مجرد خادمة لا يحق لها شيء. ولا تلك المرأة التي اتخذتها ابنة لها، لربما لجأت إلى الانتحار للتخلص من تلك الحياة. كلاهما جالسًا على الأرضية مستندًا بظهره للوراء. هي تتحسس جيدها الفارغ، وهو يتحسس الذكرى الوحيدة لوالدته.

قلوبهم تنزف دمًا وعينيهم تذرف دموعًا تحاكي الموت. كلاهما يتخبطان في طريق لا يعرف الرحمة. يحتاج كل منهم للآخر أشد احتياج. وظلوا على ذلك الحال حتى أشرق الصباح بنوره بعد ظلام طويل أرهق كلاهما. دلف غرفة ابنه ليجده جالسًا على كرسيه ينظر من النافذة بشرود. أفـ ـعم قلب خليل، لا يصدق أن ذلك القعيد هو ابنه الذي لا يكف عن المرح طيلة الوقت. أصبح الآن جليس ذلك المقعد. تقدم منه وهو ينظر إليه بتأثر: _عامل إيه يا ولدي دلوقتي؟

أجاب ماجد دون أن يحيد عينيه عن النافذة: _زي ما أنت شايف. دنى منه أكثر ليجلس قبالته ويغمغم بألم: _شايفك زينة الشباب كلهم... قاطعه ماجد بسخرية: _زينة الشباب؟! أنا!! _أيوه أنت، إيه الغريب فيها، أنت ماجد ابن خليل النجايمي اللي أي بنت في النجع تتمناه. ازداد سخريته أكثر ليعود بكرسيه للوراء وكأنه يهرب من الشمس التي تهل عليه من النافذة: _كنت، إنما دلوقتي أنا منفعش أي واحدة.

لم يقبل خليل استسلامه ليجذب المقعد ويقربه منه هاتفًا بانفعال: _ليه؟ إيه اللي ناقصك عشان تقول كده؟ رفع ماجد حاجبيه مندهشًا وسأله بضياع: _إيه اللي ناقصني؟ ناقصني كل حاجة، رجلي اللي مش حاسس بيها، نفسي اللي انكسرت قدام الناس كلها، هيبتي اللي راحت في حادثة عربية كان سبب فيها ابن عم مراتك اللي جايبها لي البيت عشان تتأكد من عجزي. قاطعه خليل برفض:

_لا يا ولدي متقولش كده، أنا جبتها لأنها حبيبته اللي كان عينه منها وروحه فيها. قلت دي اللي أقدر أكسره بيها وأنا باخدها منه ومش قادر يعمل حاجة، جبتها عشان أكسره وأكسرها وأخليها خدامة في بيتنا. جبتها عشان لما تشوفها مذلولة تحس بكسرته هو كمان. نظر له باستهزاء: _وأنت فاكر إن اللي بتعمله ده هيرجع حاجة؟ هز رأسه بنفي وتابع: _ولا أي شيء، لإن اللي انكسر مش بيتصلح. نفى خليل بثقة:

_لا هيتصلح، الدكتور أكد لي كده دلوقتي وإن الدكتور اللي في أمريكا وافق يعملك العملية وقال إن نسبة نجاحها... قاطعه بألم: _الدكتور اللي في مصر قال نفس الكلام وللأسف مفيش أي تحسن. _المرة دي فيه، والدكتور ده عمل قبل كده كتير ونجحت، أنا من بكرة هخلص الأوراق وتسافر على طول. _بالبساطة دي. _إيه اللي يمنع؟ لم يجبه والتزم الصمت ليتابع خليل:

_ارجوك يا ابني ارحمني وبلاش الانكسار اللي أنت فيه ده لأنك بتكسرني بيه. هنت، مش كنت بتحب بنت عمك؟ أنا دلوقتي... قاطعه ماجد بحدة: _لأ، معدتش بحب حد. _كيف ده وأنت طلبتها مني قبل الحادثة. ابتعد بكرسيه عن أبيه كي لا يلمح مدى تأثره وتمتم بعناد: _كنت، إنما دلوقتي خلاص معدتش بفكر فيها. انهض خليل ليجلس قبالته ويجبره على النظر إليه وتحدث بقوة: _أنت تأمر وبس واللي أنت عايزه يتنفذ، عايز شمس أجيبها تحت رجليك.

هز رأسه برفض وهتف بإصرار: _لأ، شمس بنت عمي تتشال على الراس مش تتحط تحت الرجلين. أيوه بعشقها بس عايز أطلبها وأنا واقف على رجلي، عايز يوم فرحنا أبقى واقف جنبها مش هي واقفة وأنا قاعد على الكرسي مستني حد يحركني. عايز لما ندخل أوضتنا أدخل وأنا شايلها بين إيديا مش هي اللي بتزقني بالكرسي. عايز لما تتعب أنا اللي أشيلها وأجري بيها متستناش أخوها ولا أنت اللي تعمل كده. تجمعت الدموع في عين خليل حزنًا على ابنه وقال بتأكيد:

_هيحصل كل ده بس لما تساعد نفسك الأول وتوافق تسافر. اتجوزها وخليها تكون جنبك، أكيد وجودها هيفرق معاك. تناول يده ليربت عليها واردف بتحفيز: _دي بنت عمك وبتحبك وأنت بتحبها، هي محتاجة ليك وأنت محتاجها، وأنا عارف شمس كويس لإني اللي مربيها بنفسي، عمرها ما هتجرحك. يعلم ذلك جيدًا لكنه لا يريد أن يظلمها معه، فأراد أن ينهي النقاش معهم، فقال بثبوت: _سيبني الأول أتكلم مع الدكتور وبعدين أشوف موضوع شمس.

أومأ له خليل وتركه وغادر الغرفة كي لا يتعبه بالحديث أكثر من ذلك. انتهت أخيرًا من توضيب المنزل الذي أتعبها حقًا، فقد ظل طوال اليوم في المنزل كي يتأكد من دورها كـ خادمة في منزله ويكسر شوكتها أكثر. همت بدخول غرفتها أو جحيمها كما تطلق عليها، لكنها توقفت عندما سمعت صوت شمس تناديها بخفوت. التفتت إليها فاندهشت من عينيها التي ذبلت من شدة البكاء. تقدمت منها تسألها بلهفة: _شمس مالك، في إيه؟

جذبتها شمس للداخل وأغلقت الباب خلفها وارتمت في أحضانها تبكي بحرقة مما أقلق مرح عليها: _في إيه يا شمس قلقتيني، أنتِ كويسة؟ ابتعدت عنها قليلًا وقالت من بين شهقاتها: _سليم عرف اللي بيني وبين ماجد وناوي يتخانق معاه. عقدت جبينها بدهشة: _عرف إزاي؟ قصت عليها كل شيء مما جعل مرح تشعر بالحزن عليها، فتربت على كتفها بتعاطف: _معلش يا شمس، شوية كده وهيهدى. هزت رأسها بنفي:

_أنا خايفة يتكلم معاه ويجرحه بالكلام، ارجوكي يا مرح تتكلمي معاه أنتِ واقنعيه إنه يوافق، أنا لازم أكون جنبه الفترة دي. عقدت جبينها بعدم استيعاب وغمغمت برفض: _أنا؟ لا طبعاً صعب. امسكت شمس يدها برجاء: _ارجوكي اتكلمي معاه المرة دي بس، هو بيحبك وهيقتنع بكلامك. التزمت الصمت لأنها لن تستطيع فعلها، لكن دموع شمس جعلتها تفكر في الأمر: _مقدرش أوعدك بس هحاول. أومأت لها بامتنان ثم تركتها مرح وذهبت إلى غرفته.

تنفست بعمق عندما لم تجده في الغرفة، فمنذ خروجه لم يعد حتى الآن. ظلت تفكر في أمر شمس وماجد واندهشت من رفضه. لما؟ هل لإعاقته أم لأنها فعلت ذلك من وراءه؟ احتارت في أمره وقررت التحدث معه قبل عودة خليل. أخرجت هاتفها من الخزانة ثم هاتفته لتجد الرد منه بعد عدة محاولات وكأنه يخشى من الرد: _أيوه. تحدثت بجمود: _أنت فين؟ اندهش من سؤالها لكنه أجاب: _في الأوضة اللي في الجنينة. أغلقت الهاتف دون أن تخبره بمجيئها.

وضع الهاتف على المنضدة بجواره وهو مندهش من حديثها، حتى مرح طرق على الباب. أخبره قلبه بأنها هي، لكن عقله أنكر ذلك. تقدم من الباب ليفتحه ليتفاجئ بها أمامه: _مرح؟ ردت بنفس جمودها: _ممكن نتكلم شوية؟ اندهش من حضورها وكذلك مما تود التحدث به. أراد أن يرفض خوفًا عليها لكنه أراد معرفة ما تود التحدث به. أشار لها بالولوج: _اتفضلي. _هنا. _فـ اوضتك؟ تنهد بتعب وقال بتهكم: _تحبي نروح فين؟ أغضبها تهكمه وتمتمت بحدة: _أنت هتتريق؟

أشار لها بالولوج رغم صعوبة الأمر عليه: _لإن مفيش مكان غيره وبعدين إحنا في الصالة مش أوضة النوم. ولجت في صمت وجلست على المقعد ليجلس قبالتها وهتف بجمود: _خير. _شمس. قالت دون مقدمات ليفهم حينها أن أخته تحدثت معها وسألها بحدة: _هي كلمتك ولا كنتِ عارفة من الأول. رمشت باهدابها تبحث عن إجابة مقنعة كي لا تتعرض لحدته التي رأتها من قبل، فتمتمت باهتزاز: _أ.. أنا معرفش حاجة، كل الحكاية إنها حكتلي...

نظراته لها لم تتركها تكمل كذبها عليه حيث كان ينظر إليها ببرود أجفلها، زفرت بضيق وهتفت بانفعال: _ممكن أعرف أنت رافض ليه؟ _ومين قالك إني رافض؟ قطبت جبينها بعدم فهم: _يعني إيه؟ نهض سليم ليقف أمام الشرفة موليًا إياها ظهره وأجاب بهدوء: _يعني لازم يتعاقب الأول. نهضت لتقف خلفه وتحدثت بعتاب: _زي أنا ما اتعاقبت على حبي ليك. التفت إليها ليغمغم بتهرب: _فيه فرق. _إيه هو؟ تقابلت النظرات لتبث الشكوى من قلب أرهقه الفراق.

وغمغم بحزن: _عايزة تعرفي ليه؟ لإن اللي بيبدأ بمعصية بيتحكم عليه بالفشل. اهتزت نظراتها وشعرت برعشة تنتابها من حديثه ليتابع هو جلده: _للأسف دي الحقيقة، وأكبر دليل كانت علاقتنا ورغم حبنا الكبير لبعض إلا إننا اتعاقبنا بالفراق، دي حقيقة مهما أنكرناها. أومأت بانكسار فهو محق في كل كلمة: _عندك حق، دي حاجة مقدرش أنكرها، إحنا غلطنا لما طاوعنا قلوبنا وغضبنا ربنا، وعقابنا كان شديد أوي. نظرت إليه وتابعت:

_بس بلاش تخلي غيرنا يجربه، وبعدين صدقني هما مغلطوش زينا، رغم إنهم في بيت واحد يعني شايفين بعض على طول ومع ذلك التزموا حدودهم. وماجد ده أكتر وقت محتاجها جنبه، بلاش تعذبه أكتر. بلاش تعذبهم أكتر من كده. ظل على موقفه يلويها ظهره كي لا ينظر إلى عينيها بعد أن جرحها بحديثه. خرجت من الغرفة وعينيها تجوب المكان بخوف ولم تنتبه لعيون تترصد بها متوعدة بغضب لن يغفر.

أما هو فظل يطلب من قلبه الرأفة به فلم يعد يستطيع التحمل أكثر من ذلك. الدائرة تضيق عليه وكلما حاول التحرر منها كلما اشتدت حوله. عينيها لا ترحمه بعتاب قاسٍ لا يبالي بذلك القلب الذي يئن ألمًا كلما وقعت عليها عيناه. يطالبها بالرحمة لكنها ترفض وتظل تجلده بسوط من لهيب يحرقه بلا شفقة. الألم لا يحتمل وظلام عشقه يشتد قتامة فلم يعد يستطيع الاستمرار في ذلك العذاب. لكنه مجبر على التحمل وليس بوسعه فعل شيء.

عاد مصطفى إلى شقته وألقى المفاتيح باهمال على الطاولة وجلس على المقعد بارهاق. شعر بيدها تمسد عنقه وكتفيه ليشعر بالارتخاء من فعلتها. تناول يدها ليقبلها بحب ثم جذبها ليجلسها على قدميه مبتسمًا بكل الحب الذي يحمله لها لتتمتم بحب: _حمدالله على السلامة يا مصطفى. قبل يدها مرة أخرى وغمغم بولع: _الله يسلمك يا قلب مصطفى، وحشتيني. _أنت كمان وحشتني أوي الفترة دي. ملس على وجنتها وغمغم بأسف:

_عارف إنك زهقتي مني اليومين دول بس صدقيني غصب عني. زمّت فمها بغضب مصطنع واكدت: _بصراحة آه، أنت سايبني لوحدي طول النهار وبترجع تعبان وتقولي عايز أنام، وأنا عارفة كويس أوي إنك مش نايم، وبطلت تحكيلي اللي مضايقك زي الأول. _مش عايز أشغلك بس. _ولو منشغلتش بيك أنت أنشغل بمين؟ وضع رأسه على صدرها وتحدث بتعب: _الموضوع أصعب مما كنت أتخيل، مش قادر أستوعب إزاي بابا قدر يعملها.

تغلغلت أصابعها داخل خصلاته كما تفعلها معه عندما يكون بتلك الحالة وتركته يخرج ما بداخله: _ماما طلبت الطلاق منه وعايشة لوحدها في شقة جدي القديمة وهو عايش لوحده في الفيلا مش بيخرج منها وأكيد بيدور على خطة جديدة. تنهد بتعب وتابع: _مش عارف أعمل إيه. ابتعدت حلم عنه قليلًا كي تنظر إليه وتحدثت بحكمة:

_مع إن شخصية عمي دي صعب أوي إنها تتغير بس صدقني لما يفوق ويلاقي نفسه لوحده هيعرف مدى الخسارة الحقيقية، عمر الخسارة ما كانت بالفلوس وأكبر دليل على كده مهران بكل الأموال والنفوذ دي كلها إلا إنه مش حاسس بطعمها ولا بقيمتها لأن مفيش حد يشاركه فيها. تلاعبت غيرته به وغمغم بضيق: _والاحساس ده جالك منين وإنتي بقالك أكتر من سنة مشفتوش؟ راقت له غيرته عليها ولكنها طمأنته برزانة:

_لإن مهران ابن عمي وعشنا عمر مع بعض، صحيح كان قاسي وشديد بس كنت واثقة إن كل ده من ورا قلبه. عمري ما كرهته بالعكس كنت ديمًا بشفق عليه لإنه كان وحيد، إنما أنا كنت عايشة مع ماما ومهما شفت قسوة من جدي كانت هي بتعوضني بحنانها. إنما هو كان بيكتفي بأوضته ويفضل جواها ويطلع بعدها إنسان تاني كله جبروت وكأنه داخل يلبس توب سالم الهواري.

كان له جوايا معزة كبيرة أوي معرفش ليه، يمكن لإننا اتربينا مع بعض في بيت واحد أو طفولتنا قضيناها مع بعض. حتى لما غلط في مرة وجدي عاقبه بضربه بالكرباج في الجنينة كنت بحس بألمه بيقطع قلبي. توقفت عن الحديث عنه عندما لاحظت تبدل ملامحه وخاصةً عندما سألها بحدة: _خلصتي ولا في كلام تاني عايزة تقوليه؟ ضحكت بدلال واحاطت عنقه بذراعيه وتقول بدلال: _إيه بتغيري عليا يا سنسن؟ عقد حاجبيه وتحدث بامتعاض: _ما تتعدلي يابت إيه سنسنتي دي.

قبلت جبينه وتمتمت بلوعة: _بموت فيك وأنت بتغير عليا، بس اطمن مهران اتجوز خلاص. نحاها من على قدمه بغيظ: _مبروك. نهض متجهاً إلى غرفته فتسرع خلفه كي تعتذر له عن تماديها في الحديث: _مصطفى أنت زعلت؟ حرر أزرار قميصه وخلعه ويلقيه باهمال على الفراش وهو يجيب بفتور: _هو إنتي قلتي حاجة تزعل؟ دنت منه لتحتضنه من الخلف وتستند بوجنتها على ظهره العاري وتمتمت بوله: _أنت عارف إني بحب أشوف غيرتك عليا. تنهد بيأس من غلظتها وسألها بغيظ:

_وشوفتي؟ هزت رأسها مغمغمة: _أمم، بموت فيها. ابتسم رغمًا عنه والتف لينظر إليها بعينيه التي أظهرت مدى حبه لها وتحدث بجدية: _يا ريت متجربيش تاني لإني بسيطر على نفسي بأعجوبة، ممكن تعمليها مرة مقدرش أتحكم فيها. _تؤتؤ، أنا عارفة كويس إنك متقدرش تزعلني أبداً. رفع حاجبيه متسائلًا بدهشة: _والثقة دي جايباها منين؟ وضعت سبابتها على قلبه لتقول بهمس: _من هنا.

هز رأسه بحيرة من تلك المرأة التي تدفعه بدلالها وثقتها بذاتها للجنون فتحرك مشاعر العشق بداخله. وينتهي بهما الحال لقبلة ناعمة هادئة يبث بها شوقه وولعه بها. رغمًا عنها انتزعت نفسها عنه بصعوبة لتجده يغمغم بضيق: _بتبعدي ليه؟ ابتعدت عنه قليلًا وتحدثت بجدية: _خلينا نروح لمامتك الأول، مينفعش نسيبها أكتر من كده.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...