الفصل 9 | من 33 فصل

رواية وهام بها عشقا الفصل التاسع 9 - بقلم رانيا الخولي

المشاهدات
24
كلمة
4,948
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 27%
حجم الخط: 18

انتفض جاسر من غفوته على صوت الجميع حينما خرج الطبيب من غرفة جده. يتلفت حوله يحاول استيعاب ما حدث. انتبه على صوت والده ومصطفى وهم يسألون الطبيب عن صحته، ما جعله يضع يده على قلبه ويزدرد ريقه بصعوبة. حتى أجابهم الطبيب: _اطمنوا الحمد لله مرت مرحلة الخطر والجلطة عدت على خير بس للأسف تركت أثر. لم يستمع جاسر لشئٍ أخر واغمض عينيه براحة وهو يحمد ربه أنه مازال على قيد الحياة. لا يهم أي شئٍ بعدها. دنى منه جاسر وقال برجاء:

_ارجوك أنا عايز أشوفه. تردد الطبيب، لكن جاسر أعاد رجاءه: _أرجوك دقيقة واحدة بس. ساومأ له الطبيب وقال بهدوء: _تمام بس متحاولش تجهده بالكلام. هز رأسه بالموافقة وسمح له الطبيب بالولوج. ليدلف وعينيه تجوب ملامح جده الذي استلقى على السرير تحيطه الأجهزة من كل جانب. لا يهم حتى ولو ظل باقي عمره على تلك الحالة، المهم أن يظل يتنفس بينهم. ابتسم رغم الدموع التي سقطت على وجنته ودنى منه ليميل عليه يقبل يده ورأسه وقال من بين دموعه:

_حمد لله على سلامتك يا أغلى الناس. ضغط عمران على يد حفيده وتحدث بوهن: _يظهر إن لسه في العمر بقية. أغمض جاسر عينيه يحاول بصعوبة التحكم في عبراته وغمغم برجاء: _بعد الشر عليك يا جدي، أنا اكتشفت إننا ملناش لازمة من غيرك، اتمسك بالحياة عشانا وعشاني أنا بالذات، ارجوك يا جدي. تنفس عمران بعمق كي يداري حزنه: _بس أنا معدش ليا لازمة، ولا هقدر أمشي على رجلي مرة تانية.

_هكون أنا رجلك اللي بتمشي بيها، هكون سندك وضهرك وكل حاجة، مش هفارقك لحظة واحدة بس خليك معانا وأوعاك تستسلم وتهملنا. أرمي كل حمولك عليا وأنا بعون الله هكون قدها. مال على يده يقبلها مطولًا وكأنه يتأكد بأن ما رآه حقًا كابوس مزعج وقد استيقظ منه. ربت عمران على يده بوهن ليدلف الطبيب ويطلب منه الخروج. بصعوبة بالغة نهض من جواره وهو يقول بصوت يحمل رجاء الدنيا: _قوم بسرعة يا حاج عمران البيت ملوش حس من غيرك.

ابتسم عمران رغم آلامه ومحى جاسر عبراته وخرج من الغرفة. فأسرع الجميع إليه يسأله بقلق، فابتسم لهم بحبور: _اطمنوا جدي زين وبيقولكم متقلقوش. تنفس الجميع براحة إلا من مصطفى الذي أنزوى بعيدًا عنهم وكأنه يحمل نفسه ذنب ما حدث. لأول مرة يشعر بأنه غريب معهم، ولم يعد له مكان بينهم. أبيه.. ذلك المتحجر الذي قضى على ما تبقى بداخلهم من عطف ناحيته. كيف استطاع فعل ذلك بالرجل الذي لم يبخل عليه يومًا رغم آثامه.

رن هاتفه ليدق قلبه لوعة لرؤيتها والاختباء داخل أحضانها. أجابها بألم: _حلم. ارتعبت عندما سمعت صوته الذي يحاكي الموتى وسألته بقلق: _مصطفى انت كويس؟ مسح على وجهه وغمغم بألم: _مش كويس لدرجة إني حاسس بروحي بتتسحب مني. ازداد قلقها عليه وتلاعب الشك بداخلها بأن يكون مهران علم بعودتها لتشعر بالفزع ينتابها. _انت فين؟ _بابا دمر نفسه ودمر كل شئ ودمرني أنا وأختي معاه. لم تفهم شئ من حديثه ولم تستطع البقاء فتقول بإصرار:

_أنا مسافة الطريق وهكون عندك. أغمض عينيه يحاول ضبط النفس وتحدث برفض: _لأ خليكي بلاش نجازف. _بس أنا قلقانه اوي عليك. _متقلقيش هكون كويس وأول ما أوصل البيت هكلمك. أغلق الهاتف وظل بعيدًا عن الجميع لا يريد النظر داخل أعينهم كي لا يزداد شعوره بالخزي أكثر من ذلك. عاد جمال بعد أن أنهى إجراءات المشفى ليجده يقف بعيدًا مسندًا كتفه على الجدار ملتزمًا الصمت. تقدم منه ليقول برزانة: _واقف بعيد ليه؟ تهرب مصطفى بعينيه ورد بانكسار:

_مش بعيد ولا حاجة بس أنا قلقان على جدي. شعور الانكسار في عين ابن أخيه جعله يستاء أكثر من أفعاله. _تقلق معانا مش بعيد عننا. _لأول مرة بحس إني مليش مكان وسطيكم. علم جمال ما يدور بخلده فربت على كتفه وهو يقول بصوت حازم: _شيل الأوهام دي من دماغك، محدش بيتاخذ بذنب حد، إن كان أبوك غلط فدي حاجة بينه وبين أبوه مليكش صالح بيها. اخفض عينيه بخزي: _بس المرة دي غير، المرة دي كانت أصعب بكتير. تنهد جمال بتعب وتحدث بقوة:

_شوف يا مصطفى خرج نفسك برة الحوارات دي تمامًا انت وسارة برة الموضوع ودي حاجة بيني وبين أبوك وجدك محدش بينكم يتدخل، بالنسبة لمنصور حسابة جاي متقلقش. أهم حاجة أننا والحمد لله أننا اطمنا عليه، وأي حاجة بعد كدة مقدور عليها. في منزل خليل. دلت الغرفة بعد أن أمرها بالولوج داخلها وتركها ليظل مع الرجال حتى ينصرفوا. ظلت تنظر إلى الغرفة وعينيها تجوب المكان بحزن. تتساءل هل تستطيع تحمل ذلك المصير؟

حبيبها الذي لم تعشق ولن تعشق غيره يعيش معها تحت سقفٍ واحد لكن تفصلهم هوةٍ لن يستطيع أحدًا تخطيها. وكأنه كتب عليهم وعليهم الرضوخ. طرق الباب ودلفت منه امرأة تشبه كثيرًا شمس أخته فعلمت أنها والدة سليم. تقدمت منها بابتسامتها وهي تقول بترحيب: _ازيك يا أم رحيم. لم تستطع مرح أن تبادلها الابتسام وقالت بهدوء: _الحمد لله. _شمس كلمتني عنك كتير وكان نفسي أشوفك. ابتسمت بصعوبة ثم اخفضت عينيها بحزن مما جعل آمال تشعر

بالحزن عليها وقالت بتعاطف: _معلش يابنتي هو نصيبكم كدة من الدنيا. للأسف سليم مكنش هيقدر يقف قصاد عمه ولا يصغره قدام الناس. اخفضت مرح عينيها بصمت فتشعر آمال بالحزن عليها وتحدثت بتعاطف: _صدقيني يابنتي الكل أصلًا اتفاجئ بطلبه بعد ما العيلة اتفقت إنهم هيطلبواكي لسليم. وخصوصًا إن عمه متكلمش في الموضوع ده نهائي. تنهدت مرح بقهر وتمتمت بخفوت: _اللي حصل حصل وخلاص، ومعدش له لازمة الكلام، ده نصيبي من الدنيا ولازم أرضى به.

_سيبي حمولك على ربنا وهو قادر إنه يعوضك عن اللي شوفتيه، وبعدين خليل بيبان قاسي بس من جواه حد كويس. اندهشت مرح من البساطة التي تتحدث بها وسألتها بريبة: _بس مش غريبة تعاطفك معايا وأنا أبقى ضرتك؟ ابتسمت آمال وتحدثت برصانة: _أنا ضرتك بالاسم بس مش أكتر، أنا اللي بيني وبين خليل ورقة عشان أقدر أعيش في نفس البيت وأربي ولادي بعد موت أبوهملأن أنا من القاهرة واتعرفت على نعمان في فرح واحدة صاحبتي واتجوزنا.

بس الموت أخده مني من عشر سنين. حمايا الله يرحمه أصر إني أتزوج خليل عشان مينفعش أعيش أنا وسلفي في نفس البيت وخصوصًا أن مراته ماتت مع نعمان في الحادثة زي ما أنتِ عارفة. وافقت غصب عني عشان ولادي بس كان شرطي أنه يكون جواز صوري على الورق بس وأعيش عمري الباقي على ذكراه. هربتت على كتفها واردفت: _أنا هسيبك دلوقتي عشان ترتاحي ويبقى لينا كلام تاني. خرجت آمال من الغرفة لتصادف خليل يصعد الدرج. تقدمت منه لتقوم باقتضاب:

_مبروك يا خليل. وقف خليل أمامها وهو يتطلع نحو الغرفة ثم ينظر إليها: _الله يبارك فيكي. تركها ودلف الغرفة لتهز آمال رأسها بأسف على تلك الفتاة وعادت لغرفتها. أغلق خليل الباب ثم تطلع إليها ليجدها واقفة بجوار النافذة تنظر إليه بريبة. ازدردت لعابها بخوف وازداد رعبها عندما وجدته يدنو منها وخاصةً عندما وجدته يلقي العصا على الفراش مع شاله وقال بحدة آمرة: _انتي هتفضلي واقفة كده، امشي غيري خلجاتك دي.

انقبض قلبها خوفًا وقد تلاعبت بها الظنون مما جعلها تهز رأسها برفض: _لا مستحيل. عقد حاجبيه مندهشًا وسألها بحدة وهو يدنو منها اكثر: _هو ايه ده اللي مستحيل؟! انتي مش واخدة بالك أن النهاردة دخلتك؟ لم تزيدها كلماته سوى رعب وفزع مما ينتوي ذلك الرجل فعله فغمغمت برفض: _متقربش مني، أنا مستحيل اسمح بده. ضيق خليل عينيه متسائلًا: _ايه السبب؟ تكونيش معيوبة وأضحك عليا؟ تحول الخوف إلى غضب من ذلك الاتهام وصاحت به:

_اخرس إني مسمحلكش تغلط في شرفي. أغضبته طريقتها في الحديث معه مما جعله يتقدم منها وجذبها من ذراعها ليهزها بعنف هادرًا بها: _أوعى تنسي حالك يا بنت النعمانية انتي جاية هنا تخليص حق يعني صوتك ميعلاش وإن اتكررت تاني أد ف نك مطرحك وملكيش عليا دية. دفعها حتى سقطت على الفراش وجلس هو على المقعد قائلًا بحزم: _تعالي خلعي النيزمة دي. نظرت إليه ببغض وقالت باحتدام وهي تنهض: _مستحيل اسمحلك تكسرني مهما عملت فيا.

اشتد غضبه واصبح لعينه كل شئٍ أسود وهدر بسخط: _يبقى انتي اللي جنيتي على نفسك يا بنت النعمانية. صفعة اثر أخرى جعلها تصرخ بألم تلاها ذلك الحزام التي لا تعرف من أين أتى به. كانت تتلقى ضرباته العنيفة بصرخات وصلت إلى ذلك الذي كان جالسًا يستمع إليها ظنًا منه بأنها صرخات من حدته معه. لم يتخيل بأنها تتحمل تلك الضربات كي تحافظ على نفسها له. إذا كانت تلك الطريقة الوحيدة للخلاص منه فـ ستتحمل مهما كانت النتيجة. ألقى خليل

الحزام بجوارها وقال بسخط: _يظهر إن كامل معرفش يربي وأني اللي هربيكي لحد ما تبوسي رجلي عشان أرحمك. دلف المرحاض وأخذت هي تبكي بحرقة وقد انزوت بجوار الجدار تبكي بألم وسخطها عليه يزداد. ظلت على تلك الحالة حتى خرج من المرحاض وهو ينظر إليها بحنق. ثم دنى من الفراش وأمسك الوسادة ليلقيها على الأرضية وهو يأمرها: _نامي على الأرض هنا السرير ده متقربيش منه نهائي. تركها واستلقى هو على الفراش.

لتزداد عبراتها انهمارًا وهي تنظر إلى الوسادة. كيف تتحمل النوم على الأرضية الصلبة تلك وفي ذلك الوقت من العام. إذا كانت هذه طريقته في كسرها فعليها التحمل. كما أن الغرفة دافئة. جلست واسندت ظهرها على الجدار وعادت تبكي. تبكي على كل شئ ضاع منها. تقدم مصطفى من جاسر الذي لم يذق الراحة منذ ما حدث وأمجد الذي ما أن وصله الخبر حتى أسرع بالمجيء إليهم. تقدم من جاسر وقال بهدوء: _جاسر روح أنت وأنا هفضل معاه الليلة دي.

جاسر رأسه وتحدث باقتضاب: _مستحيل أسيبك. نظر مصطفى إلى أمجد الذي كان يتحدث مع جمال وعاد يقول: _بس أنا معاه ومش هسيبه، وبعدين أمجد هنا من الصبح وأنت عارف أنه بيتخنق من جو المستشفيات. خده معاك خليه يرتاح هو وعمي الليلة دي والصبح يبقى تعالوا. همس جاسر بالاعتراض لكن مصطفى منعه بحزم: _على الأقل غير الهدوم دي وخد شاور ويبقى تعالى. بعد إصرار من مصطفى ذهب الجميع إلى المنزل وفور وصولهم قال أمجد:

_أنا هروح البيت والصبح إن شاء الله…. قاطعه جمال بدهشة: _بيت ايه اللي هتروحه وأنا بيتي موجود. تعالى الله يرضى عليك. دلف أمجد فالوقت حقًا لا يسمح بجدال. وعند دخولهم وجدوا الجميع جالسين في وجوم تام. ألقى جاسر السلام: _السلام عليكم. رد الجميع السلام لتتفاجئ ليلى بأمجد معهم. سألته جليلة بقلق: _جدك عامل ايه دلوقتي يا ولدي. تنهد جاسر بتعب وتمتم بهدوء: _زين الحمد لله متقلقيش.

_ولما هو زين مش عايزيني أروحله ليه، وضغط إيه اللي يتحجز عشانه الفترة دي كله. دلف جمال ليستمع إليها فدنى منها ليقبل رأسها ثم تحدث برصانة: _صدقيني ياست الكل هو بخير بس الدكتور مانع عنه الزيارة عشان الضغط على شوية وبكرة بالكتير هيكون معانا. لم تقتنع جليلة بحديثهم وتحدثت بإصرار: _مش هصدق إلا لما أشوفه بنفسي. جلس جمال بجوارها وقال بثبات: _إن مطلعش بكرة هخليكي تروحي معانا وتشوفي. نظر إلى ليلى وقال برزانة:

_ليلى خدي جوزك وخليه يرتاح في أوضتك. رفض أمجد بهدوء: _لأ معلش يا عمي أنا هبات في المضيفة. حاول جمال الاعتراض لكن أمجد تحدث بإصرار: _معلش سيبني براحتي. أومأ جمال باستسلام ثم ذهب أمجد لتلاحقه ليلى على مضض. نظر جمال إلى وسيلة وسألها: _أومال فين معتز. نظرت وسيلة إلى جليلة كي تخبره ألا يتحدث أمامها. فأومأ إليها ثم نهض قائلاً: _طيب أنا هطلع أرتاح شوية ولما يرجع خليه يصحيني. أومأت له وسيلة ثم ذهبت خلفه.

فجلس جاسر بجوار جليلة متجاهلًا سارة التي كانت تنظر إليه بلهفة، فقد اشتاقته حد الجنون. قبل يدها بحب قائلاً: _متقلقيش إن شاء الله هيبقى زين ادعيله أنتِ بس. غمغمت جليلة بقلق: _دعياله يا ولدي في كل ثانية بتمر بعمري. ربت على يدها التي يحتويها بين يديه ثم تحدث بتمالك: _أني هقوم أتحمم وأرجع تاني. رفضت جليلة بإصرار: _لا يا ولدي هخليك ريح جسمك شوية الليلة دي والصبح يبقى روح.

لم يعد لديه قدرة على الجدال فأومأ لها بصمت ثم نظر إلى ابنته التي ما إن نظر إليها حتى تبسمت بسعادة. رفعت عن كاهله مشقة تلك الأيام. مدت إليه يديها الصغيرتين ليحملها بحب ويقبل وجنتها باشتياق لتعبر عن فرحتها بيديها التي أخذت تهزهم بسعادة ثم صعد بها إلى غرفتهم دون التحدث إلى زوجته. أخذت تنظر إليه وهو يصعد الدرج دون أن يتفوه بكلمة معها. لما؟ هل سيعود لنهجه القديم ويحملها ذنب لا ذنب لها فيه؟! شعرت بها جليلة وقالت بتعاطف:

_روحي يابنتي لچوزك يمكن يحتاج حاجة. اخفضت سارة عينيها بألم شديد ثم غمغمت بحزن: _هو محسش بوجودي عشان يحتاج مني حاجة. _معلش يابنتي هو بس قلبه محروق على جده انتي خابرة هو متعلق به قد إيه، اطلعي وراه وحسسيه بوجودك ديمًا جنبه. أومأت سارة بصمت ثم نهضت لتصدع غرفتها فتجده جالسًا على الأريكة يحتضن سيلا التي أغمضت عينيها على كتفه. أخرجت له ملابسه ووضعتها في المرحاض. ثم عادت إليه.

وعند رؤيتها تتقدم ناحيته نهض ليضع طفلته في فراشها ثم توجه إلى المرحاض على نفس الوجوم. وقبل أن يخطو داخله تحدثت بعتاب: _هنرجع لنقطة الصفر من تاني؟ توقف مكانه عند سماعه كلماتها التي برغم جمودها إلا أنها تحمل عتابًا حادًا. فقال بهدوء دون النظر إليها: _لا ياسارة مرجعناش بس مش عايز أتكلم مع حد دلوقتي. دلف المرحاض ثم أغلق الباب خلفه ليتركها هي في صدمتها، حقًا سيظل والدها بينهم مهما أنكروا ذلك. في المضيفة.

ولج أمجد بوجوم ووضع حقيبته على الفراش ليخرج ملابسه دون النظر إليها ثم توجه إلى المرحاض. اندهشت من تجاهله لها وكأنها هي التي أخطأت بحقه وليس العكس. إذا عاند ستعاند هي أيضًا. طرق الباب وذهبت لتفتح فتجد الخادمة تحمل الطعام. سمحت لها بالدخول لتضعه ثم انصرفت واغلقت الباب خلفها. خرج أمجد بعد قليل وقد ارتدى منامة قطنية ثم توجه إلى الفراش ليستلقي عليه ويوليها ظهره دون الاهتمام بها.

نظرت للعشاء ولم تستطع تركه ينام دون أن يتناول طعامه. بعد تردد دام للحظات تقدمت منه لتقول بفتور: _أمجد قوم اتعشا الأول. لم يجيبها وظل على وجومه. فعادت تقول: _أمجد… قاطعها بحدة: _مليش نفس. استاءت من حدته معها فإن ظن أنها من أخطأت فلتعرفه خطأه إذًا، غمغمت بحنق: _يعني على كل ده وأنت اللي زعلان؟ زفر بضيق ثم تحدث بصبر: _أظن لا وقته ولا مكانه، لما نرجع بيتنا يبقى نتكلم.

ازداد عنادها من ثقته بأنها ستعود معه دون أن يعترف بخطأه ويعتذر لها فقالت بتعند: _بس أنا مش هرجع معاك. آزاح الغطاء بحدة ثم نهض ليتقدم منها والغضب يحتل ملامحه وخاصةً عندما دنى منها ليسألها بانفعال: _يعني إيه؟ ازدردت لعابها بخوف فهي تعلم ذلك الوجه عندما يثور فقالت بثبات زائف: _يعني اللي حصل ده مش هيعدي بالساهل. رفع حاجبيه مندهشًا وسألها بحدة: _واللي عملتيه أنتِ ده أعديه إزاي؟

رمشت بعينيها تحاول الثبات أكثر وألا يرى مدى خوفها من انفعاله الذي ينذرها بغضب شديد: _أنا معملتش حاجة أنت اللي غلط لمـ.. صرخة فزع خرجت منها عندما اندفع ليمسك ذراعها ويهزها بعنف هادرًا: _واللي عملتيه أنتِ ده كان إيه؟ خروجك في نص الليل وسفرك للصعيد تسميه إيه؟ حالتي أنا لم أرجع الساعة اتنين بالليل ملقيش مراتي وقفلة فونها عشان متكلمنيش أسميه إيه؟ غلطت واعتذرت وانتي عارفه كويس أوي إني مقصدش إنما أنتِ قصدتي إنك تعملي كدة.

حاولت افلات ذراعها من بين يده وغمغمت بخوف: _أمجد سيب دراعي أنت بتوجعني. ضغط أكثر على ذراعها وهتف معنفًا: _أحمدي ربنا إنك حامل لولا اللي في بطنك كان زماني بتصرف تصرف أنا نفسي هندم عليه. تركها وخرج من المكان عندما رأى دموعها التي ستجعله يلين أمامها ويمتنع عن العقاب. فصفق الباب خلفه بعنف. حاله كحال جاسر الذي خرج هو أيضًا متعللًا بمراجعة بعض الأوراق كي يتهرب من أسئلته. تقابل كلاهما ليسأله أمجد: _خير خارج من أوضتك ليه؟

ابتسم جاسر وهو يقول نفس السؤال: _هو أيه اللي خرجك أنت؟ جلسوا على المقعد فأجاب جاسر بيأس: _اللي خرجك أنت، بس أنا هربان من أسئلة معنديش إجابة ليها. شرد أمجد لحظات ولم يشأ جاسر إحراجه لكن عليه التدخل كي لا تتفاقم المشكلة وتحدث بجدية: _أنا لحد دلوقتي محاولتش أدخل وأعرف إيه اللي حصل بينكم يخليها تخرج من البيت في وقت زي ده. وفي نفس الوقت حاسس إني لازم أدخل وعايز أعرف منك. التزم أمجد الصمت قليلًا ثم تحدث بجدية:

_أنت راجل وصعيدي زي وعارف أد إيه صعب على الإنسان يرجع من شغله ميلقيش مراته أو بمعني أصح هو اللي يستناها ترجع، أو يرجع من شغله يلاقيها هي رايحة شغلها. غير كمان لو عندها شيفت بتبات في المستشفى. وصلت لمرحلة مبقتش قادر أتحمل. طلبت منها أنها تسيب قسم الجراحة بس هي أصرت على الرفض. طلبت منها تاخد أجازة لحد ما تعدي الشهور الأولى لكن كالعادة رفض قاطع والمشاكل بدأت تكتر بينا.

لا ينكر بأنه محق في كل كلمة، هو نفسه ما كان ليقبل بهذا لو مازالت في منزلهم. ولن يقبلها من زوجته، لكنه تزوجها وهو يعلم بطبيعة عملها فقال بهدوء: _بس دي ظروف شغلها وأنت عارف كده من البداية. _وأنا مش بطلب المستحيل، كل اللي بطلبه أنها تسيب قسم الجراحة وأنا هعملها عيادة كبيرة وفي المكان اللي تشاور عليه. تنهد جاسر بتعب ثم تحدث بمعزة:

_أمجد أنا مش بعتبرك جوز أختي وخلاص لأ أنت الوحيد اللي بآمنه على بيتي وعيلتي لإنك بقيت واحد مننا، بس نصيحة بلاش العناد يدخل بينكم. ليلى طيبة أوي وبتحبك بجنون وأكبر دليل على كدة إنها تخلت عن عادات وتقاليد قيدت نفسها بيها وخرجت منها عشانك. كلما سافرت أنت وترجتني تسافر معاك شفت في عينيها حب ولو الدنيا كلها في الوقت ده وقفت قصادها مكنش حد هيقدر يمنعها عنك. لدرجة إني استسلمت ليها وسيبتها تسافر معاك.

خفت عليها لإني لو قدرت ومنعتها كانت ممكن تموت فيها. الي تعمل عشانه كل ده تقدر تتخلي عن روحها عشانه. يعني بالحب والتفاهم تقدر تخليها تتخلى عن كل شئ عشانك، قوم روحلها وحل مشاكلكم بهدوء مادام ليها حل، في مشاكل تانية للأسف مش بيكون ليها حل. نهض جاسر وتابع بهدوء: _قوم واعمل زي ما قلتلك، خليني أنا كمان أقوم أحلمشكلتي. نهض الاثنين وذهب كلًا منهما إلى وجهته بتفكير مختلف. عاد أمجد ليجدها جالسة على الفراش وهي تبكي بشدة.

آلمه رؤيتها بتلك الحالة وعينيها التي يملؤها العتاب. لكن لن يضعف أمامها، ليس بعد ما فعلته. تركها واستلقى على جانبه من الفراش ونام دون أن يلتفت إليها. دلف جاسر المنزل ليجد حازم يتحدث في هاتفه. انتظر حتى انتهاءه ثم تقدم منه يسأله: _عملت ايه مع المحامي؟ ألقى معتز الهاتف على الأريكة بملل ثم تحدث بجدية: _متقلقش المحامي طمنا لإن كل حاجة مكتوبة باسم أبوك وبالتالي مفيش أملاك يتحجر عليها. تنهد براحة ثم تحدث بأريحية:

_كويس أوي لإن الموضوع لو طول واتعرف هتبقى صدمة أكتر لجدك، أنا طالع أرتاح شوية لو فيه أي جديد طمني. صعد إلى غرفته ليجدها نائمة على الفراش أو بمعنى أصح تتظاهر بالنوم. قام بخلع عباءته والقاها على المقعد بإهمال ثم توجه إلى ناحيته واستلقى عليه دون النطق بشئ. كانت توليه ظهرها تنتظر منه أي رد فعل. لكنه ظل على وجومه. أسئلة كثيرة تدور بخلدها وتريد لها إجابة، إلى متى سيظل والدها بينهم.

ماذا تفعل كي يرى بأن لا ذنب لها في أفعال أبيها. شعرت برغبة ملحة في الذهاب؛ لكن إلى أين؟ ليس لها أحدًا سواهم. أو بالأدق ليس لها سوى حضنه هو مكانها الوحيد الذي لا تعرف سواه. لحظات مريرة مرت عليهما وكلًا منهم يتعذب بشأن الآخر، لأول مرة تنام بعيدًا عن صدره وذراعيه. وظلوا على ذلك الحال حتى غفا كلاهما على وضعه. انتهى الصوت لكن لم ينتهي من أذنه. وهو جالسًا على فراشه وقلبه يتمزق إربًا من قهره.

الآن حقًا أصبحت زوجة لعمه قولًا وفعلًا. وانتهى كل أمل بداخله. شعر بأن الغرفة تضيق عليه حد الاختناق. خرج من الغرفة وتوجه إلى حديقة المنزل. يرغب في الهرب بعيدًا لكنه لن يستطيع. وكأنه حكم عليه أن يعيش أشد العذاب بعشقٍ أصبح محرمًا عليه. جلس أمام شرفتها ينظر إليها بإنكسار. تلك الغرفة التي حلم بها معها. والشرفة التي كان يتخيلها وهي واقفةً بها تنتظر عودته. أشياء كثيرة تمناها معها لكن قضي الأمر.

وأصبح جرحها في قلبه لا يندمل مهما مرت عليهم السنين. استيقظت لتجد نفسها وحيدة في فراشها لمرتها الأولى منذ عودته. دائمًا يصير على بقاءها بين ذراعيه. تذكرت ليلتها الأولى بعد ولادتها حينما طلبت منه وسيلة أن تبقى هي معها لكنه أخبرها بكل جرأة بأنه لن يستطيع النوم إلا وهي بين ذراعيه. وأصر على البقاء معها. نهضت لتنظر لفراش ابنتها فلم تجدها، ساورها القلق من طريقته تلك.

بدلت ملابسها ونزلت للأسفل تبحث عن ابنتها لتجدها تبكي مع حازم الذي وقف بها يحاول تهدئتها. تقدمت منه لتأخذها وهي تسأله بقلق: _أومال جاسر فين؟ _جاسر راح المستشفى وقالي آخد بالي منها لأن أمي وجدتي راحوا معاه. داعب الفتاة وهو يستأذن منها: _أنا هدخل أنام يا سيلا مش عايز أسمعلك صوت. ذهب حازم وشعرت سارة بغصة حادة في قلبها. ثم احتضنت ابنتها بخوف من جاسر الذي تصرفاته لا تبشر بخير مطلقًا. وجدت معتز يخرج

من غرفته فنادت عليه تسأله: _معتز انت رايح فين؟ أجابها على استعجال: _رايح المستشفى خير؟ _استنى هاجي معاك. تردد معتز وسألها بريبة: _عرفتي جاسر؟ أجابت بعناد: _لأ بس أنا عايزة أطمن على جدي. سبقته هي إلى الخارج فاضطر لأخذها معه. في غرفة ليلى وأمجد. استيقظت لتجد نفسها نائمة على الأريكة يبدو أنها غفت عليها. نظرت إليه لتجده مازال نائمًا على الفراش. تذكرت قسوته معها وكيف تحامل عليها تلك الليلة وعاملها بتلك القسوة.

نهضت لتشعر بألم بسبب وضعها على الأريكة. فتخاملت على نفسها وتقدمت من الفراش لتوقظه. فنادته بخفوت: _أمجد. فتح عينيه بتثاقل ثم تطلع إليها بقلق: _في حاجة؟ كانت تجاهد كي تخبره بقرارها الذي ظلت طوال الليل تفكر به: _ممكن نتكلم شوية؟ اعتدل في فراشه ثم مسح على وجهه ونظر إلى ساعته ليجدها قد تخطت التاسعة صباحًا فتطلع إليها قائلاً: _خير؟ ترددت حقًا لكن عليها الثبات كي لا تخسره. فتحدثت بثبوت:

_أنا قررت أسيب قسم الجراحة زي ما قلت، في حاجة تاني؟ لم يسره قرارها فهو لا يريد الوقوف أمام مستقبلها وأيضًا لا يريد انشغالها عنه. تمتم بجمود: _وأنتي فكرك لما تقوليلي كده هتحلي المشكلة بينا؟ عقدت حاجبيها بدهشة وسألته بعدم فهم: _تقصد أيه. نهض من فراشه وقال بحدة: _يعني عايز أعرفك إن نوع شغلك مش المشكلة الأساسية اللي بيناتنا. تقدم منها ليتابع:

_المشكلة إنك متعلقة بيه لدرجة إنك بتراضيه على حساب بيتك وجوزك ودي أكتر حاجة تجرح أي راجل. لكن شغلك بالنسبالي عمره ما كان مشكلة. ليلى أنا اتجوزتك وأنا عارف إنك دكتورة ومهنتك ليها تطلبات بس مش لدرجة إني أرجع وأحلم إن مراتي مستنياني رجوعي وابني حلم عليه طول الطريق والاخر اتفاجئ إني مش في دماغك أصلًا. أنا آه غلطت ومش هسامح نفسي على غلطتي بس أنا كنت راجع وندمان وجاي أعتذر اتفاجئ إنك سيبتي البيت وسافرتي في وقت زي ده.

مع إنك لو فضلت كنتي هتقدري تنتقمي مني أفضل من كده. وعشان كده بقولهالك صريحة……… توقعاتكم هيقولها إيه؟ وأيه رد فعل المتعصب لما يشوف سارة في المستشفى بدون علمه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...