الفصل 32 | من 33 فصل

رواية وهام بها عشقا الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم رانيا الخولي

المشاهدات
22
كلمة
3,324
وقت القراءة
17 د
التقدم في الرواية 97%
حجم الخط: 18

خرج مسرعًا من الغرفة وهي خلفه لتقول برجاء: _استنى يامصطفى اسمعني الأول. نزل الدرج وهي تحاول اللحاق به: _مصطفى والله فهمت غلط أنا.. قاطعها صائحًا وهو يستدير لها: _غلط إيه اللي فهمته وأنا شايفك في حضنه ياهانم. هزت رأسها بنفي: _والله الموضوع مش كده خالص أنا هفهمك بس اسمعني. أبى الرضوخ لها وغمغم بسخط: _بعد اللي شوفته ده مش عايز أعرفك تاني، إنتي طالق.

تسمرت مكانها من هول الصدمة وقد شعرت بالدنيا تتوقف من حولها فلا تعي بشيء من حولها بعد تلك الكلمة. ذهب وتركها دون أن يستمع إليها ولم تنتبه لصوت مهران ولا لمهرة التي تواسيها وتوعدها بتصحيح ما أفسدته هي. كل شيء توقف عندما تركها حبيبها ورحل. لا تصدق بأنه طلقها، كيف طاوعه لسانه وعقله على التفوه بها بعد كل الحب الذي عاشاه. هزت رأسها بنفي وقد استطاعت أخيرًا النطق بشيء وتمتمت بضيق: _طلقني ونهى كل حاجة بينا بكلمة واحدة.

ربت مهران على كتفها وتمتم بثقة: _هيرجع متقلقيش، أنا هتكلم معاه وأقوله كل حاجة. اعتذرت مهرة بتأثر: _حقك عليا أنا السبب في كل ده. رأفت حلم بحالها وقالت بتأثر: _إنتي ملكيش ذنب، هو اللي سمح للشك إنه يدخل جواه، فطبيعي إنه يعمل كده. تنهد مهران بتعب وتمتم بثقة: _اطلعي أوضتك ارتاحي وأنا هتصرف، من النهاردة مش عايزك تشيلي هم حاجة. أومأت له بابتسامة حزينة وسألت عن ابنها فقالت مهرة بثقة:

_اطلعي ارتاحي وابنك في عينينا، أوضتك زي ما هي كانت بتتنضف باستمرار زي ما يكون قلبه حاسس إنك راجعة. أومأت حلم بحزن وصعدت لغرفتها بقلب ملتاع. نظرت مهرة إليه وتمتمت بتأثر: _أنا السبب، لو كنت أعرف مكنتش كلمتها. جذبها مهران إليه بحنين جارف وتمتم بامتنان: _كل حاجة هتتصلح متقلقيش عليها. ابتسمت له بسعادة كبيرة وقد عاد أخيرًا إليها وقالت بحب: _وحشتني أوي يامهران. طبع قبلة تحمل امتنان وعشق لها وتمتم بوله:

_عارف إني تعبتك الفترة دي معايا بس خلاص راحت وانتهت. غمغم من بين أسنانه: _بس ليكي عقاب مش هعديه مهما عملتي. قطبت جبينها بدهشة وسألته: _عملت إيه؟ _الرسالة اللي أخدتيها من المزرعة. ضيقت عينيها بحيرة وسألته بريبة: _وإنت عرفت إزاي؟ _وهدان اللي اتصل عليا وقالي إن سامية راحت المزرعة وراجعة مخبية حاجة في هدومها، عرفت وقتها إنك إنتي اللي بعتها وسيبتك تعرفي. وضعت يدها على خده وتمتمت بخفوت:

_كان لازم أعرف الورقة دي فيها إيه عشان أقدر أساعدك والحمد لله ربنا أكرمنا ورجعتلي من تاني. ابتسم بعشق ثم وضع يده على بطنها يتحسسه بشوق وتمتم بوله: _عاملين إيه معاكي؟ عقدت حاجبيها وتمتمت بتزمر: _تعبني أوي زي أبوهم بس أديني متحملة. ابتسمت بسعادة عندما سمعت ضحكته التي افتقدتها وقال باستسلام: _معلش اتحملينا بقى قدرك كده. _أجمل قدر وأجمل تعب حسيت بيه، آه قبل ما أنسى مرح اتصالح مع سليم وهتيجي النهاردة عشان يطلبها منك.

تنهد بتعب مصطنع وتمتم: _مسؤولياتي كترت أوي، واحدة عايزة تتجوز والتانية عايزة ترجع لجوزها واتنين جايين في السكة بشايرهم متطمنش، ربنا معايا بقى. ضحكت مهرة وعادت إلى أحضانه تتشبث به كطوق نجاة. كان صعبًا عليه العودة للقاهرة في نفس الوقت. وكذلك لن يتركه أحد في منزل جده إذا مر عليهم. توجه مباشرة إلى موقف القطار وجلس ينتظر انطلاقه لوقت طويل. لا يصدق ما حدث الآن.

عاتبه قلبه على فعلته لكن عقله أبى الاعتراف بخطأه، لقد رآها في أحضانه وداخل غرفته، ماذا ينتظر أكثر من ذلك؟ ومن الذي يستطيع تحمل ذلك ويمر الأمر مرور الكرام؟ زوجته في أحضان ابن عمها وتبكي على كتفه وداخل غرفة مغلقة، كيف التحمل؟ رفض قلبه الاعتراف بذلك والتمس لها آلاف الأعذار. لو كانت تحبه لم تخلت عن كل شيء وذهبت إليه وتمسكت به. كان دائمًا تحكي له عن مشاعرها تجاه مهران بأنه أخ، فتحت عينيها عن الدنيا لتجده أمامها.

تذكر حديثها مع سارة وهي تخبرها عن ذكريات طفولتهم ومدى تعلقها به. لكن ليس لدرجة أن تتركه يحتضنها ويحيطها بذراعيه. غلبت غيرته تعقله وأبى الاعتراف بخطأه مقررًا الذهاب دون عودة وينهي كل شيء بينهم. لكنه لن يترك طفله معهم حتى لو اضطر لخطفه. توقف سليم بالسيارة في منتصف الطريق مما جعلها تندهش وسألته: _وقفت ليه؟ استدار لينظر لعمر كي يتأكد من نومه ثم نظر إليها قائلاً: _كنت عايز أتكلم معاكي شوية قبل ما تروحي لمهرة. _خير؟

_إنتي عارفة كويس علاقتي بمهران حساسة قد إيه وصعب أوي إني أحط إيدي في إيده بعد اللي حصل وغدره بعمي. وفي نفس الوقت مش هآمن عليكي ترجعي بيت أهلك وتفضلي لوحدك. عقدت حاجبيها بدهشة وسألته: _تقصد إيه؟ _عايزك ترجعي البيت وأنا اللي هخرج منه لحد ميعاد الفرح. رمشت بأهدابها وقد أربكها حديثه فقالت برفض: _مش هينفع. _ليه؟ في الأول والآخر ده بيتك وليكي نصيب فيه. ومحدش هيقول... قاطعته بإصرار:

_لأ ياسليم مش هرجع البيت دلوقتي، على الأقل خليني مع مهرة وأتحمل شوية زي ما إنت كمان اتحملت. مهران مغلطش لما بلغ عنه وهو بيتاجر في دمار بلده. هو اللي سلك الطريق الغلط ومتلومش حد بعد عن الطريق ده ووضع له نهاية. زم فمه دلالة على صعوبة تقبله للأمر وسألها: _يعني ده قرارك؟ أومأت بصمت فيهز رأسه بتفاهم وعاد ينظر للطريق وانطلق بالسيارة. ظل طوال الطريق يفكر في حل آخر لكن لم يجد.

مر الوقت بصمت حتى وصلوا للقصر وترجلت من السيارة وكذلك هو. أسرع أحد الحرس بحمل الحقائب وهو يرحب بها. فهو يوم ملئ بالزيارات. كان مهران في انتظارهم وقد تبدل حاله بعد عودة حلم. رحب به لكن سليم قابله بجمود. جلس كلاهما في مكتبه وتحدث سليم باقتضاب: _أنا جاي أطلب منك إيد مرح زي ما طلبت. رفع مهران حاجبيه مندهشًا وسأله: _زي ما طلبت؟ هز رأسه بتأكيد: _أيوه ولولا كده أنا مكنتش حطيت إيدي في إيدك. ابتسم مهران وعاد بظهره

للوراء ليتحدث بتسلية: _يعني هي سايبة القرار كده؟ ليا أوافق أو أرفض! تنهد بضيق وهو يحاول بصعوبة التحكم في أعصابه: _لأ مش كده أبدًا ولو كان كده أنا مكنتش هوافق وهي حرة في اختيارها بس هي مصرة إنها تفضل مع بنت عمها لحد ميعاد الفرح فطبيعي إني آجي استأذنك مش أكتر. أعجبه الأمر وأراد إشعال ناره أكثر فقال بمكر: _وتفتكر إن أهلها هيسمحوا بده؟ عقد حاجبيه متسائلاً: _تقصد إيه؟

_أقصد إن كبار العيلة مش هيسمحوا إن بنتهم تتجوز عن طريق واحد غريب عنها، أنا يادوب جوز بنت عمها وطبيعي إنك تطلبها منهم عشان متتعداش الأصول. لم يفكر سليم في هذا الأمر مطلقًا فهو محق بكل كلمة وتابع مهران: _روح للحاج سلام واطلبها منه وهي عندي معززة مكرمة لحد ما تيجي تاخدها عروسة. أومأ سليم ونهض ليخرج من القصر دون قول شيء. ومهران يضحك بتسلية على ذلك العاشق الذي اكتوى بنيران العشق. فتحت مهرة الباب وقد استمعت لحديثهم

فدنت منه لتقول بعتاب: _ليه كده يامهران؟ نهض مهران ليساعدها على الجلوس وجلس بجوارها وهو يقول بروية: _لازم منتعداش الأصول ولازم سليم يحس إن لها أهل وعزوة وليهم كلمة في حياتها، مش مجرد إنه ييجي يطلبها مني وخلصت الحكاية، فهمتي. وضعت يدها على بطنها وقد أصبح الألم متواصل فغمغمت بضيق: _بس أنا خايفة يرفضوا. طمئنها بثقة: _متخافيش أنا واثق إنهم مش هيرفضوا وخصوصًا أن الحاج سلام شخصية جديرة بالاحترام وهيعرف يتعامل مع الموضوع.

_طيب وحلم. من وقت اللي حصل وهي قافلة على نفسها وصعبانة عليا أوي. أنا طبعًا مقدرش ألومه لإن أي حد مكانه كان هيعمل كده. إن شاء الله هسافرله بكرة القاهرة وأتكلم معاه. وضعت يدها على جوفها وقد ازداد الألم ولم تعد تستطيع تحمله، لكنها حاولت إخفاءه كي لا تقلقه وتمتمت برهبة. بس أنا قلقانة أوي لإن مصطفى باين عليه متهور. لاحظ مهران على ملامحها وصوتها الألم الذي تخفيه فسألها بريبة. مهرة انتي كويسة؟

عادها الألم لكن أشد وأقوى تلك المرة، فصدرت منها آهة قوية جعلته يجفل وسألها بريبة. مالك في إيه؟ تمتمت وهي على وشك البكاء. تعبانة أوي مش قادرة أتحمل. انقبض قلب مهران ولم يستطع التصرف من خوفه. تذكر حلم بأنها طبيبة وقد تساعدهم. سامية. قالها مهران بقلق فتسرع إليه سامية تسأله بريبة عندما رأت مهرة بتلك الحالة. خير يا بيه؟ اطلعي بسرعة نادي حلم.

أسرعت سامية بالصعود إليها وقلب مهران يتمزق بقلق على محبوبته. ساعدها على النهوض كي يحملها ويصعد بها غرفتهم. فنزلت حلم مسرعة وكذلك مرح. في إيه؟ مالك يامهرة؟ لم تستطع مهرة التحدث من شدة الألم، فقال مهران بخوف. هو الألم ده عادي ولا إيه؟ توترت حلم من حالة مهرة وقالت بقلق. طيب طلعها أوضتها الأول عشان أكشف عليها. حملها مهران وصعد بها غرفتهم وطلبت منه أن يخرج كي تعاينها. وقف أمام الغرفة ينتظر خروجهم والخوف يفعم قلبه عليها.

خرجت حلم مسرعة وهي تقول بقلق. دي ولادة ولازم تروح المستشفى حالًا. انقبض قلبه خوفًا وقال بوجل. إزاي دي لسة في السابع؟ مش وقته يلا بسرعة نوديها المستشفى. وقف جميعهم أمام غرفة العمليات بقلق بالغ. فولادتها حقًا متعسرة وخاصةً بأنهم اثنين. استمر الحال ما يقارب الساعتين وصرخاتها تهز أرجاء المكان. ومرح لا تكف عن البكاء عليها. حاولت حلم تهدئتها لكن لا فائدة. نظرت إلى مهران الذي وقف يتعذب من خوفه.

فشعرت به و بمعاناته فتقدمت منه لتتمتم بتعاطف. متقلقش إن شاء الله هتقوم بالسلامة. هز مهران رأسه بضياع وأسند ظهره على الحائط وتمتم بعذاب. مقلقش إزاي وانتي سمعتي بنفسك كلام الدكتورة. لو جرالهم حاجة مش هقدر أتحمل. ربتت على ذراعه وتمتمت بتأثر. خلي أملك في ربنا كبير. صوت صغيرته التي أعلنت قدومها للحياة بذلك الصوت الواهن جعله يطمئن قليلًا وانفرج فمه عن ابتسامة أمل. الحمد لله.

لم يمضي دقائق معدودة وصدح صوت آخر جعلت السعادة تكتمل داخل قلوبهم. خرجت الطفلتين بعد قليل على أيدي الممرضات وتقدموا من مهران الذي أخذ ينظر إليهم برهبة وشعور غريب يكتاحه. ابتسم بسعادة عندما نظر إلى إحداهما ووجدها تجعد وجهها ببكاء وتمتم بوله. حور. علمت حلم بأنه اسم والدته وسألته. والتانية؟ نظر إليها بمكر قائلًا. كان نفسي أسميها حلم بس خليها مرة تانية وهسميها ورد على اسم أم مهرة. ماشي نعديها المرة دي.

استأذنت الممرضة لضرورة وضعهم في الحضانات فشعر بأن روحه تنسحب معهم. خرجت مهرة بعد قليل على الحامل وقد ظهر عليها الإجهاد فما عانته بالداخل يهز الجبال. أسرعوا جميعًا خلفها ومرح مازالت تبكي بشدة عليها. قام مهران بحملها ووضعها على السرير وقد شعر بالخوف عندما وجدها ساكنة دون حراك. سأل الممرضة بقلق. هي مالها. أجابت الممرضة بتعاطف. هي متخدرة دلوقتي سيبوها ترتاح لأنها تعبت أوي.

ازدرد جفاف حلقه وأخذ يبعد خصلاتها التي التصقت بجبينها ومال عليها يقبله بشوق. ظل بجوارها لا يستطيع مفارقتها ثانية واحدة حتى فتحت عينيها أخيرًا بعد وقت طويل. حمد لله على السلامة. أومأت بعينيها فلم تستطع التحدث تطلعت إليه بقلق فطمأنها قائلًا. متقلقيش الدكتور أكدلي إنهم كويسين وهما دلوقتي في الحضانة عشان يطمنوا أكتر. دلفت مرح وحلم الغرفة فسعدوا بها. فقالت مرح بسعادة. حمد لله على السلامة يامهرة كنت هموت من الخوف عليكي.

تقدمت حلم كذلك. لسة جايين من عند البنات دلوقتي اللهم بارك قمرات ميكس كده بينك وبين مهران. نظرت إلى مهران وتمتمت بوهن. الحمد لله إنهم بخير. انت بتقول إيه؟ يعني إيه طلقتها. قالتها سمر بدهشة عندما أخبرها مصطفى بأمر الطلاق. نهض مصطفى من مقعده بغضب وغمغم بانفعال. طلقتها يعني طلقتها خلاص حياتنا مع بعض انتهت لحد كده. لا انت شكلك اتجننت. بقا بعد وقفتها معاك واتخلت عن كل حاجة عشانك تيجي انت تطلقها بالسهولة دي.

لم يرد سماع المزيد فيكفي قلبه الذي لا يرحمه فقال بعناد. اللي حصل بقا ومش عايز كلام تاني في الموضوع. هم بدخول غرفته لكنها وقفت أمامه تمنعه وقالت بحدة. مش هسمحلك تهرب ولازم تقولي اللي حصل بالظبط. تنهد بملل وحاول التهرب لكنها لم تتركه فقال بانفعال. عرفت باللي حصل لأبن عمها وأصرت إنها تروحله وكسرت كلمتي. قطبت جبينها بدهشة وسألته بعدم استيعاب. بقا تطلق مراتك عشان أختارت تقف مع ابن عمها في ظروفه دي.

ابن عمها ده اللي كان بيهددها كل شوية وكان عايز يتجوزها بالغصب واخد كل أملاكها. نسيت كل ده وافتكرت بس إنه ابن عمها ولازم تقف جانبه. ده دم يامصطفى. اللي بيجري في عروقهم ده دم واحد مهما قسوا على بعض الدم بيخليهم يحنوا. واديك شفت أبوك واللي عمله في أهله واول ما خبط على بابهم استقبله بحب. المفروض إنك تاخد اللي حصله فرصة تقربهم لبعض وتتخلص من الخوف اللي عايش فيه انت وهي. مش تطلقها ولا اللي عملت مصيبة.

هرب مصطفى إلى غرفته لا يريد سماع المزيد لكن سمر لم تيأس وقامت بالاتصال على سارة كي تجعل جاسر وجمال يتدخلوا في الأمر. انتي بتقولي إيه ياماما طلقها ازاي. انتبه جاسر لتلك الكلمة فاعتدل في فراشه وسألها بحيرة. طلاق مين؟ أشارت له أن ينتظر حتى انهت المكالمة مع والدتها ثم نظرت إليه بعدم استيعاب وغمغمت. مصطفى طلق حلم. قطب جبينه بذهول وسألها. ليه؟ عشان راحت لمهران غصب عنه. نهض من فراشه وقام بارتداء قميصه القطني فسألته.

رايح فين؟ أخذ هاتفه وخرج من الغرفة. رايح أكلمك المجنون ده أشوفه عمل كده ليه. محاولات كثيرة للاتصال به باءت بالفشل وهو يجده قيد الإغلاق. عاد إلى غرفته ليجدها هي أيضًا تحاول الوصول لحلم لكن لا فائدة. برضه مقفول. زم فمه باستياء وغمغم بانفعال. متخلف. خلينا نعرف السبب الأول وبعدين نحكم. جلس على المقعد وأسند مرفقيه على ساقه وتحدث بحدة. سبب إيه!

واحدة وعرفت إن ابن عمها اللي اتربت معاه في الظروف دي إزاي تتخلى عنه. وبعدين قولنا وحكينا كتير مهران اتغير. حقيقي اتغير وأكبر دليل أنه استقبلها ومقتلهاش زي ما كان بيقول. ولا هو بقا موضوع غيرة. نهضت لتجلس على المقعد المجاور وقالت بتعاطف مع أخيها. مش عارفة بس مصطفى بيحب حلم ومستحيل يقدر يتخلى عنه. أكيد كانت لحظة غضب وهيرجعها تاني. يرجعها إيه!

الموضوع مش سهل زي ما انتي فاكرة، يطلق بمزاجه ويرجع بمزاجه. وأنا بأكدلك إن مهران مخلاش أخوكي يحفى عشان يرجعها، مبقاش أنا جاسر. شعرت بالقلق إزاء هذا الأمر، فإذا فعل مهران ذلك لن يلومه أحد. "وبعدين هنعمل إيه؟ عاد بظهره للوراء وتحدث بيأس: "ولا حاجة، اطربقت على دماغه وخلاص. الصبح هتكلم مع أبويا وأشوف هنعمل إيه." "بلاش تعرف عمي." "لأ، عمك هيدخل، وجدك كمان، وتبقى فرصة لمهران يطلعها على عينينا." زفر بضيق وتابع:

"قومي نامي، والصبح هنشوف نعمل إيه، ولا نوصل لإيه." *** فتحت مهرة عينيها بتثاقل، فتأن بألم عندما حاولت التحرك. استيقظ ذلك الغافي على الأريكة، فأسرع إليها بلهفة. "مهرة، انتي كويسة؟ أومأت مهرة بعينيها وتمتمت بصوت مبحوح: "البنات... طمئنها بثقة: "كويسين، متقلقيش عليهم. كلها ساعتين والنهار يطلع، وأخدك تشوفيهم." نظر في ساعته وقال بثبوت: "قرب المقعد من الفراش وجلس عليه، لتحتضن يده يدها وتمتم بوله:

"حمد لله على السلامة ياحبيبتي، عيشتيني ساعتين هفضل فاكرهم العمر كله." ابتسمت بوهن وهمهمت بضعف: "الحمد لله، كانت محنة ومرت. أومال فين حلم ومرح؟ "روحتهم بالعافية عشان الولاد." "كلمت جوزها؟ ربت على يدها وقال بحنان: "متفكريش في حاجة خالص، وسيبى كل حاجة عليا. ومصطفى ده هخليه يبوس إيديها عشان ترجعله، بس اصبروا عليا." ابتسمت بحب له، وبصعوبة ابتعدت قليلاً كي تفسح له مكان لينام بجوارها، وتمتمت بحب: "عايزة أنام في حضنك."

أومأ لها بابتسامة ونهض ليغلق الباب، وعاد إليها يستلقي بجوارها ويضع رأسها على صدره. رغم تألمها من تلك الوضعية، إلا أن الراحة التي شعرت بها وهي تستمع لدقات قلبه الرتيبة جعلتها تستكين بهدوء وتنعم بدفئه. قبل جبينها بكل ما يحمله من حب تجاهها، وظل يداعب خصلاتها حتى عادت للنوم. *** ظل قابعاً في غرفته ينظر إلى مكانها في الفراش بحنين، لكن صورتها وهي في أحضانه تجعله يسخط عليها.

الغيرة لا ترحمه، وقلبه أيضاً ناقم عليه، وعقله يجبره على الثبات ومعاقبتها. زم فمه بغضب شديد، يحاول السيطرة على لهيب قلبه، لكن كيف؟ ظل على حاله حتى أشرقت الشمس بنورها، فقام بأخذ حمام بارد كي يطفئ لهيبه، لكن لا فائدة من أي محاولة. ذهب إلى الشركة وضغط على نفسه بالعمل، لكن مازالت صورتها معه محفورة بعقله. رن هاتف الشركة، فاضطر للرد عليه ليجد صوت عمه الحازم يقول بغضب: "النهاردة تكون عندي بأي طريقة." أغمض

عينيه بضيق وغمغم باعتراض: "مش هينفع لإني مضغوط." قاطعه بلهجة لا تقبل نقاش: "قلت النهاردة تكون قدامي، يا إما أنا اللي هتصرف المرة دي." أغلق جمال الهاتف في وجهه، فزفر مصطفى بضيق ومسح على وجهه بكف يده كي يهدأ قليلاً، لكنه شعر بالنيران تشتعل أكثر. لما يتحامل عليه الجميع لأجلها، ولا أحد منهم يشعر بآلامه وما يعانيه! *** في منزل عمران. كان جمال ثائراً منذ أن علم بأمر الطلاق، فلم يجد سوى جاسر يخرج به غضبه.

"أنا اللي أستاهل إني وثقت في شوية عيال زيكم وعاملتهم على إنهم رجالة، وأنتم ولا تعرفوا حاجة عنها. رايح تساعده وتهرب البنت من أهلها وتتعدى الأصول، والآخر صغرنا تاني وركبنا الغلط بطلاقها في بيت أهلها. هتخلوني وأنا في السن ده أروح لواحد من سن ولادي وأقوله إحنا غلطانين وحقك علينا." ضغط على أسنانه حتى كاد أن يدميها وتابع بسخط:

"وللأسف مش هقدر أقولكم صلحوا اللي عملتوه عشان مش هثق فيكم تاني ولا هعملكم رجالة، بس الحيوان ده لما ييجي هاخده يعتذر ويستسمح مهران إنه يرجعله مراته وابنه، وشوف بقى اللي هيعمله فيه، وأنا مقدرش ألومه." ظل جاسر يبحث عن مبرر لمساعدته، لكنه حقاً لم يجد، فغمغم بتعند: "بس إحنا مغلطناش، إحنا طلبناها من خالها وهو اللي جوزها." "برضه ده مش مبرر، الأصول كان تطلب البنت من جدها." "وجدها رفض."

"وقتها الكبار تدخل، مش تهربوها وتطلبوا من خالها يجوزها." اخفض جاسر عينيه، لكن من داخله يتوعد لمصطفى بسخط. *** سمحت الطبيبة لمهرة بالخروج، وعادت إلى القصر وهي تشعر بالحزن على تركها لهم، لكن ستتحمل لأجلهم. عادوا إلى المنزل ومهران يسندها، حتى وصلوا للدرج سألها: "أشيلك؟ هزت رأسها بنفي، لكنه لم يطاوعها وحملها صاعداً بها، وغمغم بألم مصطنع: "تقيلة برضه، أنا قلت هتولدي وتخفي شوية." ضربته بوهن على كتفه وقالت بغيظ:

"خلاص نزلني، مطلبتش منك تشيلني." ضحك مهران وتمتم بولع: "ده أنا أشيلك بقلبي ياقلبي." ابتسمت بسعادة بالغة لعودته إليها في هذا الوقت خاصة، وكأن القدر كف عن قسوته عليهما. دلف الغرفة ووضعها على الفراش وجلس بجوارها يقبل يدها بحب، وتمتمت هي بوله: "وحشتني أوي يامهران، متعرفش الأيام دي مرت عليا إزاي." ربت على يدها التي مازال محتويها، وتمتم بتأثر: "كانت أصعب عليا أكتر، وأنا بكتشف إني عشت جوة كدبة كبيرة أوي، وأولهم إني ابن...

وضعت يدها على فمه تمنعه من قولها، وتمتمت بتحذير: "أوعى تقولها، مش عايزة أسمعها تاني، بلاش نعذب نفسنا على حاجة مش بإيدينا ولا لينا ذنب فيها. أنا قررت أنسى، وانت كمان بلاش تفكر فيه، خلي اللي راح يتنسي وكأنه معداش على حياتنا، ونبدأ صفحة مستقلة بعيدة عن قسوتهم. خلينا نكون سويين عشان نقدر نعوض حرماننا ده في ولادنا ونديهم الحب اللي اتحرمنا منه." تنهد بتعب شديد وغمغم بوجل: "خايف مقدرش أعوضهم."

"هتقدر، طول ما أنا جنبك هتقدر تعدي أي محنة، بس لازم تحذف الماضي من حياتك زي ما عملت أنا." ابتسم بامتنان لها، فلولاها لكان مازال ذلك المنبوذ الذي زهد الدنيا ودفن قلبه وروحه في الماضي الأليم. "نامي شوية." هزت رأسها بنفي، فغمغم هو باعتراض: "بس أنا منمتش خالص الليلة دي، هستأذن بقا أروح أنام في أوضة تانية وأسيبك مع البنات، زمانهم واقفين على الباب مستنيني أخرج." خرج من الغرفة ليجد مرح واقفة حقاً تنتظر خروجه.

"ادخلي انتي، وأنا هنام في أوضة تانية." أومأت له بإحراج ودلفت، وحلم وذهب هو لغرفة أخرى. *** في منزل الحاج سلام. استقبل سليم بترحاب ودعاه للجلوس معه دون أن يعلم سبب زيارته. شعر سليم بالإحراج ولا يعلم من أين يبدأ. حتى تجرأ أخيراً وتمتم برهبة: "أنا عارف إنك بتسأل عن سبب زيارتي، وأنا هدخل في الموضوع على طول من غير مقدمات. أنا عايز أطلب منك إيد مرح."

اندهش سلام من طلبه، وظن لوهلة بأنه يفعل ذلك ضماناً لحقها الذي ورثته عن عمه، فأراد التأكد أكثر فسأله بشك: "مش غريبة شوية إنك جاي تطلب إيد أرملة عمك؟ وبعدين مرح رفضت تقعد في البلد بعد اللي حصل وسافرت القاهرة مع أخوها، مظنش إنها هتوافق." شعر سليم بأنه يضعه في الزاوية كي يستشف سبب طلبه: "أنا جاي أتقدم لمرح بنتكم، مش أرملة عمي، لأنك عارف كويس سبب الجوازة دي، وجاي أطلبها بصفتك كبير العيلة وفي مقام أبوها." أعجب

سلام بحديثه وقال بحكمة: "أنا عن نفسي معنديش مانع، وبالنسبة لباقي العيلة أنا هتكلم معاهم، لإن الرأي مش رأيي لوحدي، بس اطمنك إن محدش هيرفض مادام خبطت على بابنا وطلبتها مننا ومقولتش ملهاش أهل واطلب إيدها وخلاص." شعر بالإحراج من نفسه، وعلم أن مهران محق فيما قاله، فتمتم بثبات: "على العموم أنا موافق لكل شروطهم واللي هما عايزينه."

"واحنا مش عايزين غير راحت بناتنا. لما عرفنا موضوع بنت عمها، كنا قادرين نقف قدام مهران وناخدها منه، بس آمنت عليها معاه، لإني لو طاوعت أبوها ورجعتها كانت هتتأذى أكتر، ولما اتكلمت معاه لقيت إن اللي جواه مش بس انتقام، فوقفت أنا قدام أبوها وسبتها أمانة معاه. عايز أسيب مرح كمان معاك وأنا مطمن." أكد سليم بصدق: "اطمن، هشيلها في عينيّه." أومأ له سلام: "على خيرة الله، بكرة إن شاء الله هجتمع بباقي العيلة وأتكلم معاهم."

زم سليم فمه باستياء، فلن يستطيع الانتظار كل ذلك الوقت، لكنه رد باستسلام: "تمام، اللي تشوفه." *** توقفت السيارة أمام منزل عمران وترجل مصطفى منها وهو يشعر بالضيق من إصرار عمه على المجيء. طرق الباب بتردد، ويتفاجأ بعمه يفتح الباب. أشار له بالدخول بصمت مطبق جعل مصطفى يشعر بالخوف منه لأول مرة. دلف للداخل فيجد الجميع جالساً في بهو المنزل وقد أصابهم الوجوم، وبالأخص جاسر. حمحم بثبات زائف وألقى عليهم السلام: "السلام عليكم."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...