بعد معرفة كرم أن نور غادرت إلى أسيوط، ذهب إلى دياب ليستفسر منه على بعض الأمور التي بدأت تراوده شكوكه. كرم: دياب، هي نور رايحة أسيوط؟ دياب يحاول المراوغة: هههه، رايحة تشوف الحاج درانة، شكله وحشها بقى له سنتين ما شافهوش، هه. كرم: دياب!!! انت هتستعبط؟ رايحة ليه؟ دياب: اتصل واسألها أنت. كرم: ويا سلام، هي هتقول الحقيقة؟ أنا قلبي مش مطمئن. أحمد (سنقر)
جه ونزل القاهرة على طول من غير ما حتى يسلم، ونور تسافر كده من غير كلمة، ومحمود بيكلمني وصوته فيه قلق. إيه اللي بيجرأ للكل مرة واحدة؟ وانت كمان بتراوغ أهو، ده يأكد إن فيه مشكلة. ليقترب دياب منه ويربت على كتفه: الأمور هتتحل، متشغلش بالك أنت. كرم: دياب، أنا خايف على نور. دياب: ما تخافش، نور قوية، وأكيد ربنا معاها. ***
كانت قد اقتربت مؤشرات الساعة إلى 10 صباحًا، واقتربت نور بسيارتها إلى قصر العمدة، وتقف أمام بوابتها الحديدية الكبيرة. لتطلق صوت بوق سيارتها، لينظر لها حارس البوابة، لتدل بنفسها على أنها ضيفة للعمدة الكبير (الحاج دارنة) الحارس: مين حضرتك؟ نور: أنا ضيفة جاية للحاج دارنة من مصر. الحارس: يا مرحب يا مرحب، هاعرف سيدتي الحاجة، أقولها مين؟ نور: نور... نور شمس. الحارس: حاضر، اتفضلي.
(ويفتح البوابة لتعبر، وتدخل عبر مدخل القصر الذي يأخذ بالسيارة 3 دقائق وذلك لطوله) *** ليدخلها إلى مندرة القصر إلى أن ينادى على زوجة الحاج دارنة. عندما ترى الحاجة نور، تسرع لها مهللة وفرحة بوجودها. الحاجة: يا مرحب يا مرحب، أسيوط نورت. (وتحتضنها) نور: منورة بناسها وصحابها يا حاجة. الحاجة: أخبارك إيه؟ والبنيه الصغيرة كيفه (سلمى) نور: الحمد لله، بخير ونعمة. الحاجة: ربنا يبارك لك فيها وتفرحي بيها، ليها روح حلوة جوي (قوي)
وعلى طول فرحانة وتفرح اللي حواليها. لتبتسم نور: أنا عارفة سلمى دايماً كده، بس يارب ما تكون بتتعبكم لما بتيجي. الحاجة: يا عيب، تعب إيه؟ طب ياريت تيجي تقضي الإجازة كلها هنا (هنا) مش شهر بس، دي كيف البسكوتة، طعمة كده. نور: ربنا يخليكي يا حاجة، هو الحاج موجود؟ الحاجة: الحاج وديب من الصبح بدري وهم في الشادر الكبير بيحلوا مشكلة هناك. نور: مشكلة؟ إن شاء الله خير.
الحاجة: خير يا بتي، مشكلة بتاعة ورث وخلافه، راحوا يحلوها وجايين طوالي. أكيد ما فطرتيش؟ أبعت أجيب لك أكل (أكل) نور: الله يخليكي يا حاجة، أنا ما بفطرش الصبح، كوباية قهوة يبقى تمام. الحاجة: قهوة (قهوة) على الصبح كده على الريق من غير أكل (أكل) لا، غلط يا بتي، لازم فطار. نور: والله ما هقدر، ما بعرفش، هي القهوة بس. الحاجة: إذا كان كده، هبعت لك معها شوية كحك (كعك) لتبتسم نور: ماشي، خلاص مادام هيريحك.
لتنادي الحاجة على خادمة بالقصر وتأمرها بجلب القهوة والكعك، وتستأذن الحاجة لتدخل لتشرف على طعام الغداء وتوصيهم. *** : مين دي يا حاجة؟ الحاجة: دي نور، نور شمس، صاحبة المستشفى والمدرسة اللي عاملينها العمدة. : هي دي زميلة دياب؟ هي دي الشمسي اللي كان دياب بدو يتجوزها؟ الحاجة: أيوه هي، وكلام ده كان زمان، ملوش عاد حديدة فيه. دياب بقى جوزك أنتِ يا صباح. صباح وبدأت الغيرة بداخلها والغضب: واه، هي دي اللي جايبها؟
مش كفاية أختها ولا قرايبها اللي بييجوا في الصيف؟ الحاجة بعزم وصوت آمر غاضب: اسمعي كويس يا صباح، البيت ده بيت الحاج دارنة وولاده من بعده، ودول ضيوف ليه وليهم أفضال على بلد كلها (كلها) . وانسى بقى الغيرة العامية بتاعتك دي، انتي مرات ديب وأم ولاده، اتفهمتي؟ صباح ببكاء طفيف: وأنا قلت إيه بس؟ أنا واحدة خايفة على بتها وجوزها. الحاجة: ديب ما هو صغير، ديب كبير جوي جوي (قوي قوي)
. ولو كان عايز يتجوزها عن جد، عمر ما حد قدر عليه. أما هي، البنية بالأصل مش رايداه لأنها عارفة وخابرة إنه مش من توبها، يارب تفهمي وتعقلي وتخربيش على نفسك. *** صوت الغفير العالي الذي يأتي مسرعًا من الخارج، جرى مهرولًا إلى الداخل. : الحاجي يا ست الحاجة، الحاجي يا ست الحاجة. لتخرج الحاجة له مسرعة وهي تعدل من وشاحها، وكذلك يفزع من في القصر ويخرجون وراءها مهرولين. الحاجة: فيه إيه يا غفير؟ الغبر، أنت خلعتني (فزعتني) الغفير
يلهث ويحاول التقاط أنفاسه: الحقي، فيه عركة بالشادر. لتفزع الحاجة: يا مرّي! والعمدة الكبير والصغير كيفهم؟ الغفير: ما عرفش، أنا فزعت أما لقيت الشادر قايم حرب جواه. الحاجة: قوم خد الغفر ويروحوا للعمدة. همل يا والد الغبر. الغفير: حاضر، قوام فوريرة. لتنتبه نور للحدث وتقف بشموخها المعتاد وتذهب نحوهم. نور للغفير: إيه اللي بيحصل بالشادر؟ وينظر للحاجة كأنه يستفسر إن كان يستطيع إخبارها أم لا، فـ تؤم له أنه يمكن إخبارها.
الغفير: عركة قامت بين العلتين المتخاصمين، وشكلهم بدأوا يضربوا بعض، والعمدة وسي ديب في وسطيهم. نور: خد واديني على الشادر. (وتنظر للحاجة) طبعًا بعد إذن الحاجة. الحاجة: بس يا بتي، دول رجالة وأنتي... نور: ما تخافيش يا حاجة، أنا برضو ظابط. ولو راح الغفر ممكن يحصل أسوأ لو شافوا عدد الغفر ويخافوا ويستخدموا السلاح، بعدها المشكلة تكبر. الحاجة بتردد: يعني انتي هتقدري تحلي المشكلة؟ نور: إن شاء الله. *** في شادر
(مثل مكان العزاء أو الأفراح ولكن بمقاعد بشكل حرف U للقاعة وباب كبير للدخول) ، كان النزاع على أشده، وكان صراع بين الرجال وتصاعد دمائهم الحارة التي مثل وقود الذي يشتعل بأقل احتكاك. كان أصواتهم عالية وصراخهم ضد بعض متفاوت، وكان منظرهم يدل على أن كل فريق يود أو على وشك أن يفتك بالفريق الآخر، وكأنهم نمور متنازعة. كانت نور تقترب من بوابة الشادر، لترفع شالها وتلثم به وجهها، وتأخذ مسدسها بيدها، ولكن قبل أن تدخل، سمعت...
سمعت ديب قام بشموخه وعظمته ورجولته الطاغية، ويمسك عصا الأبدوس العريضة التي يتكأ عليها والده، ويضرب بها في الأرض بكل قوة ليصدع الكل من الصوت، وبكل قوة من صوته الطاغي العالي. ديب: كله واحد يقعد مكانه. ما فيش احترام للكبير ولا إيه؟
جمد الطرفان من صوت الأبدوس وصوت ديب، ودب الخوف في أوصالهم من قوته وملامحه الجدية الغاضبة، ليتوقف نزاعهم ويختفي صوتهم. فشكله في ذلك الجلبابية الرصاصية اللون وعليها العباءة السوداء وشاله جميل اللون وقبعته البيضاء الملفوفة بإحكام، يزيد من هيبته هيبة، وكأنه حاكم من حكماء الصعيد القدماء.
ديب: ورث البنت تاخدوه لما تكبر، وهي مش قطعة أرض عشان تورثوها أو تاخدوها كملك وتزوجوها وهي لسه قاصر بحجة الورث. ورث أبوها وحقها شرعًا تاخدوه لما توصل لسن الجواز، نسألها ونخيرها، ساعدها. رجل: ومن امتى وإحنا بناخد رأي الحريم، وبعدين دي مش صغيرة أوي. ديب: لا، الزمن اتغير والعقول اتفتحت، والبنت تاخد رأيها وتفكر. وإنها صغيرة، البت لسه 14 سنة وبدك تجوزها بدل ما تقل تتعلم. رجل: ما عندناش بنات تتعلم، بيكفيها كده علام.
ليضرب ديب بعصا الأبدوس بشدة في الأرض: البت هتتعلم كيف الولد، وحقها هيبقى تحت وصاية أمها، وخلص الكلام. كانت نور تشاهد الموقف، وزاد فخرها واعتزازها بديب، وكانت عينها تلمع لعجابها بكلامه ورده ووقاره الطاغي على الجميع. لينفض المجلس وكان على آخر كلام ديب، ليرفع نظره عند البوابة ليلاحظ طيفها، وتلتقي أعينهم في نظرة، فيعرفها. نعم، يعرف تلك العيون التي أسره في يوم من الأيام، فيتغير ملامحه من الغضب إلى الامتنان.
لتسرع نور بالمغادرة، والغفير قبل خروج الرجال من الشادر وهم راضخون لقرار ديب. *** كانت السيارة التي رجع بها ديب يسرع للعودة إلى القصر، ليتاكد أن عينه لم تخدعه وأنه قد رآها. ديب للسائق: شهل يا والد. الحاج: براحة يا ديب، الدنيا ما طارتش. ديب: لا يا أبوي، ما هي طارتش، بس هنقعد طول النهار، يعني مصالحنا متعطلة. الحاج: يا والدي، في التأني السلامة، وفي العجلة الندامة. ديب: حاضر يا أبوي، شهل يا معلم، شهل. ***
ليدخل ديب والحاج القصر، وكانت الحاجة وصباح (زوجة ديب) ونور جالسين بالمندرة ينتظرانهم، والغفير على الباب. بمجرد دخولهما، أسرعت صباح نحو ديب والحاجة لتسأل الحاج عما حدث. صباح مسرعة نحو ديب: أنت بخير يا سي ديب؟ ديب ونظره نحو نور أولًا، لينتبه إلى صباح وينظر لها: أيوه بخير، ليه؟ حد قالك إني منصاب ولا حاجة؟ الحاجة: لا يا والدي، بس سمعنا إن فيه عركة بالشادر، فقلقنا عليكم. ديب وقد تأكد أنه لم يكن يتخيل وأنه رأى
نور هناك عند بوابة الشادر: لا، ما حصلتش عركة ولا حاجة، وحلينا المشكلة وخلاص. الحاج وانتبه لوجود نور: أهلاً يا بتي، كيف أخبارك؟ نور: بخير يا حاج، طول ما حضرتك بخير. الحاج: يكرم بأصلك يا بتي. الحاج للحاجة: الغداء جاهز يا حاجة؟ الحاجة: ثواني ويكون جاهز يا حاج، ونحط السفرة. الحاج: طب شهل، عندنا ضيفة، والضيف واجبه إكرامه. نور: لا يا حاج، أنا ولا ضيفة ولا حاجة، ده زي بيتي. ولا أنت مش بتعتبرني زي بنتك؟
الحاج: واه يا بتي، وأغلى كمان. غلاوتك كيف غلاوة ديب ودياب. نور: وده المتوقع يا حاج. الحاجة لصباح التي كانت تنظر إلى ديب الذي كان تائه في نظره لنور، والغيرة تأكلها، فهو زوجها وهي غريمته التي فضلها عليها في أحد الأيام وأراد أن يتزوجها، حتى ابنتهم الكبيرة اسمها يشبه اسمها. الحاجة: يا الله يا صباح، يا بتي، نشوف عملوا إيه في المطبخ. صباح وقد انتبهت: آه، حاضر.
ويخرج الاثنان. لم يتكلم ديب إلى نور، ولكن كان يكفي بالنظر عليها. نور: أهلاً يا أستاذ ديب، أخبار حضرتك إيه؟ لاحظ ديب محادثتها له الرسمية الشديدة، وقد غص ذلك بقلبه. ديب بقوة وشموخ: بخير ونعمة. بس بلاش أستاذ دي، وأنتِ لسه قايلة إنك من أهل الدار. نور وقد شعرت بتوتر بسيط من نظراته وقوة صوته المخجلة لها: آه، عندك حق. الحاج: خير يا بتي، جاية تتطمني على المدارس والمستشفى واليتيم، كيف صاروا؟
نور: لا يا حاج، أنا مطمئنة إنك بتديرهم، وأكيد واخد بالك منهم أكتر مني ومن أي حد. الحاج: والله يا بتي، ديب هو شايل كل المسؤولية على كتفه، إن كبرت ومبقتش أدي كل ده. نور: يديك الصحة يا حاج ويطول بعمرك. الحاج: ابعت حد ينضف السرايا بتاعتك تقعدي فيها. نور: لا يا حاج، ملوش لازوم. هو النهارده وبكرة بالكتير أوي، ولازم أرجع القاهرة. ديب: ليه الصراحة دي؟ نور: أنا جايه في شغل وعلى السريع كمان.
حاج: خير يا بتي، بس كنت خبر دياب ها ييجي ويساعدك، أنا خابر شغل شرطة ده وعر. نور: دياب في إسكندرية، لشغل بتاعنا برضو. ديب: دياب بالإسكندرية؟ مقلش يعني؟ نور: الأمور سريعة شوية. الحاج: إيه هي الحاجة المسارعة دي؟ نور: في واحد اسمه خايف سمعي، عايزة أوصله. الحاج: خايف سمعي؟ ما سمعتش الاسم ده قبل سابك. ديب: وده له قضية واعرة أكده، لتيجي من القاهرة على ما له وشك.
نور: الرجل ده مهم جدًا، هيحدد مصير حاجات كتير ويقدر ينقذ أرواح كتير. الحاج: انتي متأكدة إنه في أسيوط؟ نور: آه، المعلومات اللي وصلت لي إنه من مطاريد الجبل. ديب: مطاريد جبل؟!!! ده كده واعر جوي جوي. نور: أنا مش عايزة هو، أنا عايزة ناس وراه. الحاج: بس يابت، مطاريد الجبل مالهمش عزيز أو غالي، يعني ما تقدريش يفيدوكي. نور: زي ما غيري اشتراه، أنا هشتريه. الحاج ليقف ليغادر: خلاص، أنا هكلم حد من الغفر ويقدر يوصله ونعرف أراضيه.
نور: وهو كذلك يا حاج، بس لازم النهارده قبل سواد الليل. الحاج: ده باين إنها سريعة جوي جوي. نور: معلش يا حاج، أرواح ناس متعلقة زي ما بقولك. ليغادر الحاج دارنة ويترك نور مع ديب، لأنه لاحظ أنهم بحاجة إلى الكلام بمفردهم. ليسود الصمت بينهم لفترة طويلة، حتى تدخل فتاة بالخامسة في عمرها وتجري إلى أحضان ديب. : أنت جيت يا بابا؟ ليرفع ديب إلى حِجره ويجلسها على رجله: أيوه يا نور.
لتصطدم نور وتنظر له نظرة ذات مغزى، أكان يعشقها كل هذا العشق ليسمي ابنته على اسمها؟ أكان يحبها كل هذا الحب؟ أكان من نظرة من مقابلة واحدة أحبها وطلبها للزواج وهي من رفضت؟ آآآآه، أحبها بشدة. ديب لنور: بنتي نور الكبيرة. نور بصدمة: نور!!! ديب: نورسين، بس أنا بحب أناديها بنور، بيفكرني بحد عزيز على قلبي. وتنظر له نور نظرة رجاء أن يغفر لها، نظرة ندم،
والمنور: نور القمر أحسن بكتير من نور الشمس، نور الشمس بيحرق كل اللي يقرب منه. ديب: الشمس بتدفي وتعطي قوة لكل. نور: بس اللي يقرب منها يحرق. ديب: الحب والعشق بيداوني. نور: بس لما الشمس تحرق حد، بتحوله لرماد وتمحيه من الوجود، وحتى خياله وظله ملوش وجود. *** ليقطع حديثهم أحد الخدم وينبه أن الحاج يستدعيهم لتناول الطعام، فيقف حديثهم، ولكن يطول النظرات والعتاب في أعين أحدهم، والألم والندم في أعين الآخر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!