الفصل 10 | من 35 فصل

رواية وختامهم مسك الفصل العاشر 10 - بقلم نور زيزو

المشاهدات
23
كلمة
3,471
وقت القراءة
18 د
التقدم في الرواية 29%
حجم الخط: 18

أمر جابر رجاله بضرب هذين الرجلين بقوة حتى يتوقفا عن عنادهما ويتحدثا، هتف بنبرة قوية قائلًا: برضو مش هتتكلموا؟ ظل الاثنان في حالة من الصمت القوي رغم الألم والضرب المبرح الذي يتعرضان له، لكن خوفهما من بكر أكبر بكثير. خرج جابر من هذا المكان غاضبًا وعقله يفكر بشرود تام: من هؤلاء ومن خلفهم يخشاه بهذا القدر كي يتحملوا هذا الكم من الضرب والأذى ولم يجرؤ أحدهم على فعلها؟ اتجه إلى مكتب الأمن وسأل بغضب سافر:

أنا كلامي كان واضح، اللي فتح الأسانسير للجناح الملكي تجيبهولي من تحت الأرض، واللي حصل إياك جنس مخلوق يشم خبر عنه وإلا هتكون أنت المسؤول قصادي. أومأ إليه قائد الأمن بنعم موافقًا على أمره ليغادر جابر من غرفة الأمن وقال باختناق: كان ناقصني هجوم في الأوتيل كمان.

_كانت مسك تقف على الشاطئ صامتة وتنظر إلى البحر وأمواجه العالية تفكر في والدها وغضبه منها، حاولت الاتصال به لكنه لم يجب عليها ويتجاهل كل اتصالاتها ورسائلها، الوحدة تقتلها وخصامه يفتك بها وجعًا.

على البار القريب من الشاطئ كان تيام واقفًا مرتديًا تي شيرت وردي اللون وفوقه قميص أبيض مفتوح وشورت يصل لركبته وحذاء رياضي، حوله فتيات أجنبيات ويضحكون معه ويتحدثون رغم عينيه التي لا تفارق مسك بوحدتها هناك ولا تبالي لأفعاله تمامًا كأنه غريب لا تكترث لأفعاله ولا علاقاته النسائية، رأى رجلًا يقترب منها حتى وقف جوارها وطال حديثهما. قاطع شرودها ظهور سراج جوارها يقول: أخبارك إيه يا دكتورة مسك؟ التفت مسك باندهاش من وجوده هنا

في الغردقة وقالت مذهولة: سراج، بتعمل إيه هنا؟ وجهه شاحب وعينيه باردة كالثلج يحدق بها بإشفاق لا تعلم سببه، فربما السبب الوحيد الذي طرأ على عقلها هو خصام والدها وخبر زواجها، تحدث سراج بهدوء شديد قائلًا: أنا عندي خبر لحضرتك مش حلو، محتاج أنك تكوني قوية. التفت مسك إليه كليًا تحدق في وجهه بقلق من هذا الخبر الذي نقله من القاهرة إلى الغردقة لتقول: إيه؟ بابا حصله حاجة؟!!

هز رأسه بلا ليزداد قلقها أكثر فابتلعت لعابها بخوف شديد تملكها عندما نفى حدوث مكروه إلى والدها وقالت بتلعثم: غزل. تنحنح بارتباك من لفظ هذا الخبر وهذا التوأم بروح واحدة قسمت لاثنين في أجسادهما، ثم قال بخفوت شديد رأفةً بها: أطال الله في عمرك، اتوفيت من يومين ومكنش ينفع تعرفي الخبر من التليفون...

قاطعه سقوط مسك على الأرض من هول الصدمة وبدأت تلهث بصعوبة وأنفاسها تكاد تنقطع من فراق أختها، اتسعت عينيها على مصراعيها بصدمة قتلتها للتو من موت أختها وسالت دموعها بقوة الفيضان بل إعصارًا هجم على قلبها وروحها أغرقهما في أوجاعه وحزنه. هرع تيام إليها بخوف بعد أن سقطت على الأرض تبكي وتنتفض على غير المعتاد من قسوتها وقوتها ليقول بجدية: أنت مين؟

نظر سراج إلى مسك المنهارة على الأرض رغم هدوئها وصوت بكائها المكبوح بداخلها تكتفي بدموعها المنهارة، تجاهل تيام عندما جثا على ركبته وقال بلطف: دكتورة مسك أنا... لم يكمل كلمته عندما اتكأت مسك على ذراعها ووقفت من مكانها وبدأت تركض، فاستدار تيام خلفها وبدأ يركض بقوة وراءها رغم إصابة خصره ومع ذلك لم يكترث لشيء سوى اللحاق بها ولا يتركها وحدها بهذا الضعف، وضع يده على جرحه ولم يتوقف لحظة واحدة عن الركض خلفها.

ظلت تركض بعيدًا لا تعلم إلى أين تأخذها قدميها لكنها تركض خلف ذكريات غزل التي همشت قوتها وصمودها وتقتل عقلها، غادرت الفندق ركضًا لتسقط على الأرض من التعب المنهك بقلبها وبدأت تضرب صدرها بقوة من الألم ونيران الفراق تحرقها بقسوة من القدر، تبكي تاركة العنان لصوتها المبحوح أن يخرج من حنجرتها وتئن وجعًا وحزنًا.

توقف تيام خلفها يراقبها وهي تجهش في البكاء بضعف شديد وانكسار وصوت شهقاتها يخترق أذنيه، لا يفهم ماذا قال هذا الرجل لها حتى وصلت لهذه المرحلة؟ وقف يراقبها من بعيد وهي جالسة على ركبتيها وتضرب صدرها بقوة وتصرخ باكية، جسدها ينتفض من الفراق لكنه لم يصمد كثيرًا في المراقبة، ذهب إليها وجثا على ركبتيه أمامها، تطلع بها وهي تنظر إلى الأرض وتضرب صدرها.

مسك قبضتها التي تهمش صدرها من الوجع بحنان منه، فسابقًا رفض رؤيتها باكية محافظًا على كبريائها أمامه لكن هذه المرة لم يقو تيام على رؤيتها بهذا الانكسار. وضع يده أسفل ذقنها بلطف ورفع رأسها إليه، تبكي وتنتفض بصدمة وألم يمزق صدرها من فراق غزل كأن جزءًا من روحها فارقها مع فراق أختها، تمتم بنبرة دافئة: حصل إيه؟ إيه اللي عيطك كده؟

زادت من نفضتها وانهيارها لم تتخيل للحظة أن تبقى وحيدة هنا بهذا العالم وأن تفارقها أختها، جفف دموعها بأنامله وقال بنبرة هادئة: طب خلاص متحكيش، فداكي أي حاجة، اللي اتكسر يتصلح، امسحيها فيا طيب. طأطأت رأسها بانكسار ويدها تضرب صدرها بقبضتها الصغيرة بألم يفتك بها، ضم رأسها إليه بإشفاق عليها وعقله يكاد يقتله من التفكير لا يعرف ماذا حدث لها وأبكاها في الطرقات هكذا.

تشبثت مسك بقميصه بيديها وجهشت في البكاء بألم، طوقها بذراعيه وبدأ يربت على ظهرها ويمسح على شعرها بحنان ثم قال: خلاص، حقك عليا أنا من أي حاجة مزعلاكي... أنا آسف ليكي نيابة عن العالم كله. توقف عن الحديث بنبرته الدافئة عندما سقطت رأسها فاقدة للوعي من هول الصدمة التي أصابتها بخبر موت أختها فتشبث بها بقوة خوفًا عليها وراحمًا بضعفها وانكسارها.

قبل جبينها بقلق وعينيه تحدق ملامحها يتأملها وهي جسدًا باردًا بين ذراعيه لا حول ولا قوة لها، احتضن وجهها براحة يده ويحمل نصفها العلوي على ذراعه الأخرى فقال متمتمًا: مين اللي وجعك كده؟ وبعدين معاكي يا مسك!! _ذهبت ورد إلى مكان السباحين وهناك تقابلت مع فادي صديقها ليبتسم بسعادة لعودتها بعد غياب أكثر من شهر بسبب حادثتها التي سمع بها من الجميع، قال بعفوية: ورد. تبسمت بخفوت إليه وهي تتكئ بذراعيها على النافذة

الخشبية التي تفصلهم وقالت: عامل إيه؟ الحمد لله، المهم أنتِ عاملة إيه؟ قالها بترحيب شديد لعودتها، أعطى أدوات الغوص إلى أجنبي للإيجار من النافذة ثم وقف محله في الداخل ينظر إليها بسعادة، أجابته ورد بهدوء: الحمد لله أحسن. تبسم إليها بسعادة وقال: دايمًا يا رب، أنتِ لازم تقوي يا ورد.

أشارت إليه بنعم بتكفل وحذر شديد فأدرك أن هناك الكثير من الأشياء التي كسرت بهذه الفتاة حقًا، رغم قتل الشاب الذي قبض عليه بجريمة ما فعله بها لكن هذا لم يصلح ما كسر بها، بعض الأشياء عندما تكسر لا تصلح مرة أخرى مهما كان ثمن الإصلاح. _فتحت مسك عينيها من التعب وكانت جالسة على الأرض قربه أمام البحر ورأسها على كتفه يحيطها بذراعه، ابتعدت عنه بضعف شديد أصابها لينظر إلى وجهها وقال: أنتِ كويسة؟ لم تجب عليه، تنحنح

تيام بقلق ثم قال بفضول: قالك إيه الراجل ده عشان توصلي للمرحلة دي؟ أخذت نفسًا عميقًا وعادت للبكاء من جديد ليتحدث تيام بتعجل وسرعة يحاول منعها من العودة للبكاء: خلاص خلاص متقوليش حاجة بس متعيطيش. وقف لكي يغادر تاركها وحيدة مع ضعفها فعقلها لم يتحمل هذا الضعف منها لكنه توقف عندما سمع صوتها المبحوح تقول بخفوت: أنا موافقة أكمل السنة معاك. التفت إليها بصدمة أصابته فتابعت بهدوء يحدق بها مذهولًا من قرارها: بس تساعدني.

جلس من جديد جوارها بتهكم وعقله حائرًا والفضول يقتله أكثر حول ما قاله سراج لها حتى غيرت رأيها بهذه البساطة واللين، بدأت مسك تتحدث ودموعها تسيل على وجنتيها:

أنا باباي مطلق مامتي من 20 سنة وكل واحد منهم قاطع كل الصلة مع التاني وكان عندي أخ أكبر مني، ماما أخدته معاها لما مشيت وأصحاب السوء عرفوه طريق المخدرات ومرة واحدة مات وعرفنا أن سبب الوفاة هو جرعة زيادة من المخدرات لكن ماما مصدقتش ده وأصرت أنه اتقتل وكان عندي أخت توأم... جهشت في البكاء مع ذكر غزل أكثر وبدأت ترتجف بقوة وطأطأت رأسها للأسفل ليربت تيام على كتفها بلطف وقال بجدية: اهدئي طيب، متحكيش لو الكلام هيتعبك.

جففت دموعها بضعف بقوة محاولة أن تتشبث بهذه القوة التي سقطت عنها أرضًا مما حدث وأكملت الحديث:

غزل كانت توأمي، مهندسة في الجيش وقوية، ماما أقنعتها أن في حد قتل أخويا وهي صدقت وسابت الجيش وبدأت تدور وراء كل الناس اللي يعرفهم لحد ما وصلت لتاجر مخدرات وعرفت أنه أجبر أخويا يشتغل ديلر، زيفت هواية ليها وقربت من الناس دي عشان تعرف الحقيقة وفي يوم لاقيتها داخلة عليا وقالتلي أنها عرفت معلومات خطيرة ومهمة هتسجن بيها الراجل ده، لكن بعدها بيومين لاقيتها في المستشفى شبه ميتة في حادثة عربية ودخلت غيبوبة، بابا قرر يبعتني هنا بالإجبار لأنه كان خايف أنهم يأذوني أنا كمان ويبقى خسر ولاده الثلاثة لأنه عرف أن تاجر المخدرات بيدور وراها عشان المعلومات دي وهيأذيها لأن غزل كانت واثقة أن اللي معاها واللي عرفته عنه هينهي حياته بس هي ملحقتش وماتت...

جهشت باكية ولم تقو على التفوه بكلمة واحدة بعد ذكر نهاية أختها، جذبها تيام إليها يضمها بين ذراعيه فجهشت باكية بانهيار متشبثة به بكلتا يديها تنتفض بين ذراعيه ويشعر ببرود جسدها لكنه ربت عليها بلطف وهمس إليها: اهدئي طيب. ابتعدت عنه وقالت بحزم غاضبة وقد تحولت لرماد من نيران الفراق التي أحرقتها: هتساعديني؟ الراجل ده يبقى بكر صح؟ اللي طلبتيه مني معلومات عنه. قالها بحزم شديد من إصرارها على الانتقام فأومأت إليه بنعم ليقول:

أنتِ متقدرش تلعبي معاه، ده راجل قذر. نظرت إلى عينيه بقلق من أن يخشاه ويرفض مساعدتها فقالت بجدية: الراجل ده جالي لحد عندي يعني بيدور ورايا لو مأذتوش هو اللي هيأذيني، وبعدين أنا مبخافش وهو عارف ده كويس. ابتلع تيام لعابه بحيرة من أمرها ثم قال: أنتِ متعلمتيش من اللي حصل؟ أختك وصلت لهنا عشان فكرت تقرب منه وأنتِ هتكرري نفس اللي هي عملته. أومأت إليه بنعم بتحدي فهي ستنال من هذا الرجل مهما كلفها الأمر ليقول بضيق شديد:

بكر نازل في الأوتيل هنا؟ يعني هو ناويلك يا مسك ومش بعيد يكون هو اللي عايز يقتلك، متنسيش أن من ساعة ما رجلك اتحطت في المكان ده وأنتِ كل يوم في مشكلة وخطر أكبر. عشان كده أنا مش هرجع القاهرة، أنا كان المفروض أرجع بعد أسبوع لكن أنا مش هتحرك من هنا، ممكن تقولي هتساعدني ولا هتخاف؟ قالتها بغضب يحرقها ونيران الانتقام تقتلها وتسيطر على عقلها، رفع تيام حاجبه بغرور شديد من كلمتها ثم قال: أنا مبخافش.

ظلت تنظر إليه منتظرة جوابه، عينيها تربكه وتألمه رؤية دموعها لطالما كان الأفضل له كبرياؤها وقوتها لكن ضعفها هكذا يثير شفقته ويجعله يرغب بهدم هذا العالم لأجل رؤيتها قوية من جديدة. ابتلع لعابه بحيرة من هذه النظرات وقال: هساعدك ما دام هتساعديني. أومأت إليه بنعم باستماتة وقالت بثقة: هساعدك والله وهفضل معاك سنة.

هز رأسه بنعم إليها موافقًا على هذا، أخذها وعادوا للفندق معًا، رآهما بكر وهو جالسًا على طاولته ويشرب فنجان قهوته فاشتعَل غضبًا من رؤيتها قرب رجل آخر وهو هنا قد فقد عقله تمامًا أمام قوتها وجرأتها، استثناؤها احتل عقله وقلبه من الوهلة الأولى. ظل يتبعهم بنظره حتى رأى تيام يتركها أمام المصعد واتجه إلى طريق الكازينو، تبسم بكر ووقف من مكانه يذهب خلفها.

ضغطت مسك على زر الطابق الآخر ووضعت مفتاح الجناح الإلكتروني على بصمة المصعد وقبل أن يغلق الباب وضع بكر يده بمنتصف البابين حتى يمنع إغلاقه، نظرت مسك لترى وجهه فجزت على أسنانها وأغلقت قبضتها بقوة بإحكام قبل أن تقتل هذا الرجل للتو وما زال قلبها ينزف وجعًا على فراق أختها. _سار زين معها في شوارع الغردقة ويأخذ يدها في يده بسعادة ويأكل معها المثلجات لتقول ورد: ده كمان يا زين وحياتي.

نظر إلى محل الأكلات السورية ثم قال بعفوية مداعبًا إياها: نفسي الأكل اللي بتأكليه ده يبان عليكي يا ورد، يا بنت ده أشيلك بإيد واحدة مش كده. تبسمت بعفوية على تذمره من نحافتها وقالت بحماس: طب ده أحسن عشان متقلقش على غضروفك. قهقه ضاحكًا على جملتها ووقف يشتري سندويتشات من الطعام لهما وانطلق في طريقهما، تحدث زين بخفوت: لسه مقررتيش هنتجوز أمتى؟ صمتت ورد بخوف من أخذ هذه الخطوة الآن ليقول بغزل وعينيه تغمز لها بحب:

يا بت ارحمي قلبي العاشق. تبسمت بخجل من كلماته ثم قالت: حاضر يا زين. اختار الوقت اللي يعجبك. نظر إليها بحماس شديد، وقلبه يرفرف فرحًا من موافقتها، ثم قال: -أنا لو عليا هختار إني آخدك للمأذون دلوقتي حالًا. قهقهت ضاحكة بعفوية على هذا الرجل، ثم قالت: -لا مش لدرجة دي يا زين!

أخذها في يده وأكمل طريقهما معًا، كان متعمدًا ألا يتركها لحظة وحيدة حتى لا يقتلها الخوف والوجع مما أصابها. تبسمت "ورد" بخفة على بقائه معها، وكانت مدركة أنه يظل جوارها رغم عمله الذي يتطلب منه مجهودًا كبيرًا في منصبه الجديد، لكنه يفضلها على كل شيء. تمتمت بخفوت وقالت: -أنا كويسة يا زين. التف كي ينظر إليها فرآها تحدق به بجدية وقالت: -كويسة ما تقلقش عليّ. تنحنح بخفوت من إدراكها لتصرفاته وقال بحرج: -ورد أنا...

قاطعته ببسمتها اللطيفة وقالت بدفء: -أنا عارفة إنك خايف عليا واللي بتعمله عشان تخفف عني، لكن صدقني أنا كويسة فعلًا. هز رأسه بنعم إليها، فتبسمت أكثر من أجله، مدركة أن ما يحركه هو الحب الذي يحتل قلبه إليها، وهذا الخوف نابعًا من عشقه. كل ما يخشاه هو أن يقتلها الخوف في وحدتها... ***

اقتربت فتاة من "تيام" داخل الكازينو ووضعت يدها على ظهره بينما تجلس قربه على البار. نظر "تيام" إليها وهو يحمل في يده كأسه، تطلع بها فتاة جميلة وشعرها ذهبي اللون وتضع عدسات لاصقة في عينيها الزرقاء وبشرتها بيضاء، ترتدي فستانًا يليق بهذا المكان القذر، فضي اللون وقصير يصل لأعلى ركبتيها وبدون أكمام، تحدثت قائلة: -هاي. اندهش من جرأتها وقال: -مصرية؟ أومأت إليه بنعم ثم وضعت سيجارة بين شفتيها وقالت بدلال: -ممكن تولع لي؟

رغم أنه مدخن من الدرجة الأولى لكنه رفض قائلًا ببرود شديد: -معيش ولاعة، وماليش مزاج.

قالها وعينيه ترمقها من الرأس لأخمص القدم يخبرها بعينيه أنه لا يريدها. وقف من مكانه كي يغادر باختناق من عقله وتصرفاته. يجلس هنا منذ ساعة ولم يرفع نظره بأي امرأة وعقله يفكر في "مسك" وحدها وبكائها. عندما ضمها باكية كانت باردة لدرجة نفضت قلبه من محلها. شعر بضربات قلبها بين ذراعيه لم تكن الأولى التي ضمها إليه بهذا القرب، فسابقًا ضم من النساء الكثير بعدد أنفاسه لكنه لم يشعر بما شعر به حينما ضمها وتشبثت به. أسرعت الفتاة

خلفه وقالت بغيظ شديد: -إيه اللي مش عاجبك فيا؟ التف إليها ثم قال بسخرية من سؤالها ونبرة باردة كالثلج: -بالعكس أنتِ جميلة وتعجبي أتخن واحد هنا لكن أنا لا. اقتربت الفتاة منه ووضعت يدها على صدره بدلال تداعب أزرار قميصه المفتوح من الأعلى بإغراء وقالت بنبرة مثيرة: -ليه؟ أبعد يدها عنه بالقوة وقال حادقًا في وجهها بغرور وتغطرس قائلًا: -لأني متجوز.

غادر بعد أن أخبرها بهذه الكلمة أنه لا يريد امرأة لأنه بالفعل يملك واحدة. دلف للمصعد بضيق من تصرفه كأن عقله جن في محله، وتساءل هل أصبح يرفض الفتيات لأجل "مسك" وتحجج بزواجه الصوري منها؟ لم يقبل عقله بفتاة أخر تدخل بين ذراعيه وتلوث هذا العناق الذي تركته "مسك" به. لم يقوَ على ضم امرأة أخرى بعدها ليدرك "تيام" بأن نهايته ستكون بسبب "مسك". ***

ظلت جالسة محلها على الأريكة بغضب سافر وتتذكر صعود "بكر" معها في المصعد. وقف جوارها في صمت حتى قتل هذا الصمت صوت "مسك" تقول: -ما اتعلمتش من اللي قولته؟ التف "بكر" إليها يتطلع بها من الرأس لأخمص القدم ثم قال بإعجاب: -بالعكس اتعلمت إنك غير الكل، لكن كمان اتعلم إنك بتقدري تشقلبي حال أي راجل من النظرة الأولى.

رفعت نظرها إليه باندهاش. التف "بكر" إليها وعينيه تخبرها بأنه يريدها لتبتلع لعابها خوفًا من هذا الرجل الذي جاء في اللقاء الأول لقتلها، أم الآن يريدها؟ تشبثت بقوتها واستمعت إلى حديثه يقول: -إزاي واحدة زيك ينتهي بها الطريق مع راجل زي تيام.. أنتِ عايزة راجل بجد يحطك تاج على رأسه. قهقهت ضاحكة بسخرية شديدة منه وقالت: -زيك مثلًا؟ اقترب نحوها بخطوات بطيئة وعينيه تلتهم كل أنش بها بإعجاب شديد مهووسًا بها ثم قال:

-سيبيه وتعالي لي يا مسك وأنا أخليكي فوق الكل. ضحكت بسخرية أكبر فهل جاء إليها بعد أن تسبب في قتل أخواتها الاثنين كي يخبرها بأنه يريدها وقالت بغضب: -أنت عبيط وشكلك كبرت وبدأت تخرف. حاصرها في المصعد ويديه تقيدها وعينيه تنظر لكل أنش بها ثم قال بإعجاب: -بلاش تشوفي الخرف عندي بيبقى عامل إزاي. دفعته بقوة بعيدًا عنها مستشاطة من الغضب والكره الذي بداخلها لهذا الرجل. لا تقوى على تحمل رؤيته يتنفس أمامها حي وأختها توفيت

وفقدت حياتها بسببه وقالت: -أنت مجنون ومكانك الأمثل مستشفى المجانين. تبسم إليها بسمة شيطانية خبيثة وقال بتهديد واضح: -وأنتِ مسكينة مصرة تخسري كل الناس اللي في حياتك على أيدي. أخوكي وغزل وبكرة يبقى تيام جوزك، ووقتها هتبقي أرملة، وإن ما جتيش بمزاجك هجيبك غصب عنك. مسكته من سترته بقوة، بغضب أشعل نيرانه هو هذه المرة، رغم محاولتها في كبح غضبها قدر الإمكان منذ رؤيته، وقالت بتهديد واضح:

اللي أذيتهم حقهم أنا أخده من دمك لأني غير الكل زي ما قلت، وتيام لو قربت له هتبقى بتستعجل موتك على إيدي... جرب بس ترفع عينيك فيه. تركت سترته باغتياظ شديد منه، وعينيها تبث شرارة نارية. تبسم بكر باندهاش من دافعها عنه وتهديدها له من أجل تيام، وقال: أنتِ حبيته ولا إيه؟ معقول دا!! تأففت بضيق شديد منه، ثم ضغطت على زر الطابق التالي لتغادر المصعد، تاركة هذا الرجل قبل أن تقتله حقًا هنا.

فتح باب المصعد لترى تيام يترجل منه. نظر تيام إليها بعد أن رآها جالسة على الأريكة وترفع قدميها فوقها، مرتدية بيجامة بنصف كم باللون الأسود وبنطلون فضفاض، وتضع فوق قدميها شالًا من الصوف، وتحمل في يدها كوبًا من الأعشاب الساخنة تحيطه بيديها الاثنتين. ظل يحدق بها بحيرة من أمره، ودموعها ما زالت لم تجف بعد على فراق أختها، وطاهرة جالسة أمامها على الأرض تواسيها.

تجاهلها وصعد إلى غرفته في صمت وحيرته تقتله، لا يفهم سبب تصرفاته. نظرت طاهرة إليه باندهاش من عودته باكرًا عن المعتاد، ثم قالت: ليكون عيان؟ دا عمره ما عملها ورجع قبل الصبح!! أبعدت مسك الشال عن قدميها لتضعه على ظهرها وذراعيها. صعدت بهدوء إلى غرفته وطرقت الباب برفق، ولم تدخل حتى سمعته يقول: ادخلي.

دلفت مسك للغرفة فرأته مستلقيًا على الفراش بملابسه، بتعب منهكًا من التفكير. رفع رأسه عن الفراش كي ينظر إليها فرآها تحمل في يدها صندوق الإسعافات الأولية ليبتسم بعفوية عليها وقال: مش قلتلك ما بتقدريش تشوفي مريض قصادك.

عاد برأسه للخلف بحيرة من هذه الفتاة. جلست جواره وفتحت زرين من قميصه من الأسفل، وبدأت تطهر جرحه الذي بدأ يلتئم ويشفى. عقلها شاردًا، أتخبره بتهديد بكر لها بأذيته أم تلتزم الصمت، فما زالت العلاقة بينهم لا تسمح لها بهذا، وتذكرت ما حدث صباحًا فتنحنحت بحرج. تمتمت مسك بهدوء: أنا آسفة.

رفع رأسه وجسده متكئًا على مرفقه باندهاش من اعتذارها الذي يسمعه لأول مرة منها. هذه الفتاة القوية لم تعتذر لأحد من قبل، لكنها فعلت اليوم بسبب حزنها وغيمة الفراق التي احتلت عقلها، وقال: دا من إيه؟ تحاشت النظر إليه بحرج وأغلقت يديها على الشال الصوفي بارتباك من عينيه، وقالت: عشان اللي حصل الصبح، أنا كنت مصدومة بس و... قاطعها تيام عندما اعتدل في جلسته كليًا وقرب رأسه منها يقول بهمس خبيث متعمدًا هذا بجراءة: عشان حضنتيني!!

ازدردت لعابها بحرج منه وتنحنحت بخجل، وعينيها لا تقوى على النظر إليه. تبسم على خجلها الذي زاد حمرة وجهها أكثر من حمرة بكائها المتواصل ليقول بعفوية: ولا يهمك، أنا متعود أسلف الناس حضني... لو عايزة واحد تاني ما عنديش مشكلة تعالي. قالها بحماس وفتح ذراعيه إليها على مصراعيه، فرفعت نظرها إليه باندهاش وغضب من كلمته واعترافه أنه مباح للجميع ومتاح لجميع النساء. جزت على أسنانها باشمئزاز منه وقالت:

لا أنا آسفة عشان يوم ما لجأت لواحد كان واحد متاح للجميع. توارت بسمته وتحولت لغضب سافر من كلمتها المهينة له رغم كونها حقيقة. قال باختناق سافر: آه أنا متاح للجميع إلا أنتِ، بصراحة من الصبح وأنا قرفان من حالي بسبب اللي عملتيه. وقفت من أمامه بصدمة من كلمته، هل هي بهذه القذرة التي يجعله يشمئز من جسده طيلة اليوم لأجل عناق واحد منها؟ قالت بانفعال شديد: والله دا المفروض مين اللي يقرف من الثاني، أنا ولا أنت؟

بس العيب مش عليك، العيب عليا أنا إني.... توقفت عن الحديث ولم تقو على استكمال جملتها ليقف تيام بوجه خبيث أمامها. يتطلع بها ثم قال بمكر يثير غضبها أكثر: إنك إيه؟ إنك اترميتي في حضني كأنك ما صدقتي تلاقي حجة عشان تعمليها.

عيناها الباكيتان وما زالت دموعها بهم معتقلين بين جفنيها، استشاطت غيظًا منه وجزت على أسنانها من كلماته لترفع يدها كي تصفعه، لكن تيام مسك يدها بقوة وبالأخرى مسك رأسها يحيطها وعاقبها بقبلة، لتدفعه بعيدًا عنها ووضعت يدها على شفتيها بغضب سافر وهربت دمعتها من أسر عينيها بسبب غضبها منه، بينما قال تيام ببرود: أنا قلتلك دا هيكون عقابك لو قلتي أدبك معايا، وأنتِ اللي بإيدك تتعاقبي أو لا.

غادرت من أمامه بغضب وتغلق قبضتيها بقوة وهي على وشك قتله حقًا. دلفت إلى غرفتها وأغلقت الباب لتجهش في البكاء بحزن من حاجتها إليه لأجل الانتقام من قاتل أختها، بعد أن اعترف بكر لها بأنه فعل ذلك بأخواتها الاثنين، وحاجتها إلى تيام التي تقيد يديها الآن عن قتله.

وقف تيام أمام باب الغرفة يستمع لصوت بكائها في هدوء دون أن يصدر صوت حتى توقفت عن البكاء بعد نوبة طويلة أفرغت بها كل حزنها وألمها الكامن بداخلها. فتح باب الغرفة ليراها نائمة في الفراش من التعب وكثرة البكاء. اقترب تيام بخطوات هادئة وجلس على ركبتيه قرب السرير يتفحصها بعينيه. رفع يده يجفف دموعها عن وجنتيها وأنفها ثم قال:

سامحيني على طريقتي لكنها الوحيدة اللي هتنفع معاكي يا مسك عشان تتخطي الحزن والوجع اللي في عينيك، الوجع اللي خلاكي تعتذري لواحد زبالة زي.

مسح على شعرها بحنان ثم وقف من مكانه وقبل جبينها بلطف وغادر الغرفة ثم أغلق الباب. فتحت مسك عينيها بهدوء ونظرت إلى الباب حيث خرج بعد أن استمعت لحديثه لتدرك بأنه يغضبها قصدًا ويتحداها حتى لا تغرق في الحزن الذي رآه في عينيها واعتذارها. لم تفهم هذا الرجل أهو حقًا كما ينعت نفسه بالقمامة والحثالة أم هو شخص آخر لا تعرفه؟

لو كان قذرًا فلن يكن يحمل بداخله حنانًا أو احترامًا لها. احترم دموعها ولحظة ضعفها ولم يجرؤ على الاقتراب ورؤيتها ضعيفة وأوجاع عارية أمامه، وهذا الفعل لن يصدر نهائيًا من رجل وقح. أغمضت عينيها من جديد غارقة في تفكيرها وماذا تفعل مع بكر الذي اعترف بجرائمه إليها بكل وقاحة، ولم تكف وقاحته عند هذا الحد بل قتل عائلتها ويرغب بها بكل قذارة منه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...