دلفت "مسك" لتُصدم مما تراه أمامها حين رأت "غزل" أختها نائمة في فراشها، وكانت صدمتها كالتي رأت ميتًا خرج للتو من تابوت موته. كان جوارها طبيب يحاول إنعاش قلبها الصغير، و"مسك" متحجرة تمامًا مكانها من الصدمة التي ألجمتها، لتفيق من صدمتها عندما رأت أختها تنتفض وجسدها تشنج بألم. أسرعت إليها وأبعدت الطبيب عنها وفحصتها بعينين تبكيان من السعادة لكونها حية وما زالت تمتلك الأمل في عودة أختها مرة أخرى، وهناك احتمال أن يجتمعا
معًا من جديد. تساقطت الدموع من عينيها بألم شديد، فالتفتت إلى والدها الذي يقف صامتًا واختار أن يخفي بقاء أختها حية عنها. طلبت بعض الأشياء الطبية من "سراج"، وعندما أحضرها أجرت جراحة لأختها بمساعدة الطبيب المجهول الذي فضله "غريب" عليها حتى يعتني بأختها المريضة. أنهت جراحتها في السابعة صباحًا وخرجت من الغرفة ثم جلست على الأريكة أمام والدها الذي وقف غاضبًا من مكانه، لكنها أوقفته
هذه المرة بحديثها قائلة: -بابا! استدار إليها بتأفف شديد وحدق بوجهها ثم قال: -أفندم!! وقفت من مكانها بهدوء تام وتقدمت نحوه خطوة ثم قالت: -مش عايز تقول لي عملت كده ليه؟ بلاش، خبيت عني ليه؟ مش عايز تسمع مني حاجة؟ جز على أسنانه بزمجرة قوية حتى سمعت "مسك" صرير أسنانه من قوته وقشعر جسدها منه ثم قال: -أسمع إيه؟
مسك، أيًا كان السبب ما يديكيش الحق تتجوزي من ورايا، حتى لو كان جواز مصلحة أو جواز غلطة، كان لازم ترجعي لي لأني أبوكي مش واحد غريب. ولا منتظرة إني أقبل بده بسهولة زي ما الست الوالدة قبلت بده. تنحنحت "مسك" بهدوء وعيناها تحدقان بعيني والدها ثم قالت بلطف: -جواز اضطراري، كنت مضطرة... قاطعه قهقهة "غريب" ضاحكًا على كلمتها وسببها لفعل هذا ثم قال: -آخر حاجة كان ممكن أتخيل إني أسمعها منك، الاضطرار... ده سبب كافي في نظرك؟
-تيام... قالتها بلطف وقبل أن تكمل كلمتها وضع يده أمام وجهها بحدة صارمة يمنعها من الحديث عن هذا الشيء والرجل الذي دخل حياتها اضطرارًا كما تقول وقال بحزم شديد: -بس خلاص، مش عايز أسمع منك حاجة. أنا كنت حالف لساني ما يخاطبش لسانك العمر كله، بس لولا حالة غزل وإصرار سراج إنه يجيبك ما كنتش زماني واقف معاكي في مكان واحد.
أنهى حديثه وغادر المكان لتتأفف "مسك" بحزن يغمرها حتى غرقت بقاعه، وجلست تنتظر لساعات أطول وحيدة حتى تطمئن على "غزل" وقلبها. رغم حزنه على فراق أبيها إلا أنه يرفرف فرحًا بـ"غزل" أختها التي تراها أمامها تتنفس تحت الأجهزة. أعطتها العلاج في الكانولا وجلست جوارها وأخبرتها بما فعلته مع "بكر" بمساعدة "تيام". أخذت يد "غزل" في يديها بحنان ثم قالت بلطف:
-ما تسيبنيش يا غزل، أنا جربت فراقك مرة ومش هقدر أتحمله تاني. أنتِ قوية وأنا اتعلمت القوة منك، فأرجوكي خليكي قوية للآخر. رن هاتفها يقاطع حديثها مع أختها فنظرت به وكانت "ورد". خرجت من الغرفة بخفوت ثم استقبلت الاتصال بعفوية وقالت: -أنتِ ما عندكيش حاجة تعمليها أول ما تصحي غير إنك تتصلي بيا؟ تبسمت "ورد" بعفوية ثم قالت ببراءة: -صحيتك؟ -لا، أنا في المستشفى عندي شغلي.
قالتها "مسك" بعد أن دلفت إلى المطبخ لتصنع كوبًا من النسكافيه وتحدث "ورد". تحدثت "ورد" بلطف وأصوات البحر والأمواج تداعب نبرتها الدافئة: -كويس، كنت خايفة أكون صحيتك، أنا برضه قولت ما فيش تنام لحد الساعة 10. ده تيام بجلالته صاحي من ساعة ونزل الشغل. تبسمت "مسك" وهي تسكب الماء المغلي في الكوب بحماس وقالت: -بجد!! -أمال إيه؟
معاه دلوقت فوج إيطالي وكله مزز ما أقولكيش إيه نار يا صديقتي هههههههه بس الغريب إن تيام مركز في شغله فعلًا وسألني على أفضل رحلة تحت الأعماق. قالتها بجدية رغم اندهاشها من حالته فقالت "مسك" بلطف وهي لا تستوعب أن من تتحدث عنه هو زوجها العاطل عن العمل، المتمرد: -متأكدة إنه تيام؟ غريبة إيه اللي غيره كده؟ ضحكت "ورد" وهي تسير على الممشى الخشبي بسعادة وعيناها تحدقان بـ"تيام" الذي يقف على اليخت مع السياح يتحدث معهم عن المكان.
قالت بجدية: -ما أعرفش، يمكن إصراره إنه ينتصر على زين. مش هتصدقي إنه جاب دبلة ولبسها وبقى كل ما يشوف بنتها بتعاكسه بيقولها إنه متجوز... بقى ماشي يذيع خبر جوازه منك في اليوم عشروميت مرة تقريبًا. جلست "مسك" على الأريكة وهي تضع الكوب الأسود على الطاولة بدهشة مما تسمعه وكيف تبدل حاله خلال شهر واحد فارقها فيه. تمتمت بخفوت وهي ترتشف القليل من الكوب: -أشك!!
سمعت "ورد" كلمتها لتحول الاتصال إلى مكالمة فيديو حتى تجعله تراه وهو يعمل بحزم مع الأجانب فوق اليخت، فتبسمت "مسك" فور رؤيته يعمل ويتحدث معهم من بعيد. أدارت "ورد" الكاميرا إليها لترى بسمة "مسك" فقالت بحماس: -قفشتك! إيه ده يا هانم؟ أنتِ بتحبي من ورايا ولا إيه؟ ولا إيه سر السعادة دي ها؟ اعترفي. توارت بسمتها وتحولت لوجه حاد ثم قالت بجدية: -خليكي مكانك وأنا هاجي أعترف لك فيس تو فيس. -هههههه لا خلاص مش عايزاك تعترفي.
قالتها "ورد" بخوف طفيف من مقابلة هذه الفتاة التي ستخبرها بيدها عوضًا عن لسانها إذا تقابلا الآن. تبسمت "مسك" من جديد بخفوت ثم أغلقت معها الاتصال وولجت إلى "غزل" تطمئن عليها ثم رحلت إلى المستشفى لتبدأ يومها في العمل بين المرضى... (المدينة الزرقاء blue city)
عاد "تيام" من البحر مع الغروب مع مجموعة من الأجانب ومعه "ورد" و"فادي" ومجموعة من الغواصين الآخرين. اتجه إلى غرفته وبدل ملابسه بعد حمام دافئ وارتدى بنطلونًا وقميصًا أسودين. وقف أمام المرآة يصفف شعره ليرى القلادة الموجودة حول عنقه وبها تميمة حظه رصاصتها كما أسماها. مسكها بأنامله ثم أخرج هاتفه واتصل بها من جديد ولم يصل لها الاتصال فكان يعلم أنها وضعت رقمه في قائمة الحظر. تبسم على هذه الفتاة المتمردة والعنيدة. هجرته "مسك" وحظرته فقط لأنه غادر دون أن يودعها، رغم أنها من كانت تطلب منه دومًا الرحيل وحينما لبى طلبها خاصمته. لا يفهم هذه المرأة حقًا ومثلها من النساء اللاتي يتفوهن بما لا يردن....
ترجل للأسفل وطلب من أحد الموظفين أن يحضر له شريحة اتصال جديدة حتى يتصل بها. دلف إلى المطعم وطلب عشاءه. جلست "ليلة" على الطاولة المقابلة له وعيناها تحدقان به فجاءها النادل وقال: -تطلبي إيه؟ -زيه.
قالتها بهدوء ويدها تشير على "تيام" ليرفع حاجبه إليها بغرور وكبرياء قاتل لكنها قابلت تعجرفه ببسمة دلالية. تحاشى النظر إليها بضيق ونظر بهاتف يتفحص حساب "مسك" على الإنستغرام ومعظم الصور التقطت لها داخل ندوات طبية أو المستشفى بزي الأطباء والجراحة ليبتسم بعفوية على جمالها رغم جديتها الصارمة في الصور فلا تملك صورة واحدة تحمل بسمة عفوية. تطلع بعينيها الرماديتين وأناقتها بهذه الصورة وهي تستلم شهادة الدكتورة من جامعة أمريكية
بالخارج ووجهها حاد. أدرك سبب فخرها بنجاحها ورأسها المرفوع دومًا بسبب ما وصلت إليه في هذا السن. أوشكت على الثلاثينات من عمرها ولم تهتم بسن الزواج كبعض الفتيات بل كان اهتمامها الوحيد والأول هو نجاحها لذا حققت هذا النجاح بإصرار وعناد يليق بها. بدأ يترك إعجاب على كل صورة حتى صورة فنجان قهوتها وضع عليه إعجاب. توقف عن فعل ذلك عندما تلقى مقابل إعجابه ومتابعتها حظرًا منها للتو. اندهش من صرامة هذه الفتاة وقرر أن يذهب إليها
غدًا ليعاقبها على ما فعلته للتو...
قاطع غضبه منها جلوس "ليلة" على طاولته دون إذن منه فرفع نظره إليها بصدمة ألجمته وقال باشمئزاز: -إيه ده؟ -ممكن أقعد معاك شوية؟ قالتها "ليلة" بنبرة لطيفة لتُصدم من رده حين قال بغلاظة ونبرة قوية: -ما أنتِ اترزعتي خلاص، وهوفر عليكي وهقولهالك تاني أنا متجوز. قالها ورفع بنصره الأيسر الذي يحمل دبلة زواج. نظرت "ليلة" إلى بنصره بهدوء ثم رفعت ذراعيها تعقدهما على الطاولة ثم قالت بسخرية: -وهي فين مراتك دي؟
في واحدة عاقلة برضه تبقى متجوزة القمر ده وتسيبه كده لوحده وتمشي؟ تبسم "تيام" بغرور وقال بفخر بزوجته الجميلة: -مش هرد عليكي عشان واحدة رخيصة زيك مش هتفهم.
ترك لها الطاولة والمكان كاملًا وغادر لتستشيط "ليلة" غيظًا من هذا الرجل الذي يشبه لوح الثلج. انطلق في طريقه إلى سيارته وقبل أن يصعد أعطاه الموظف شريحة الاتصال التي طلبها. أخذها وصعد إلى سيارته ثم انطلق بطريقه إلى القاهرة حيث زوجته المتمردة. لا يخشى القيادة ليلًا ولم ينتظر حتى الصباح...
_وصلت "ورد" إلى الشاطئ بعد أن وصلها رسالة من "زين" يطلب لقاءها لتُصدم عندما رأت "زين" قد أعد لها مكانًا رومانسيًا، والشموع الملتهبة تُغرس في رمال الشاطئ على الجانبين تصنع لها ممشى حتى تصل إلى أرضية خشبية مربعة بزواياها الأربعة يوجد أعمدة خشبية بها ستائر بيضاء تتطاير وترفرف مع الهواء البارد ومصنوع قلب من الورد الأحمر على الأرضية الخشبية كبير ويقف "زين" بداخله مرتديًا بدلة رمادية ويصفف شعره وكان متأنقًا على أكمل وجه.
اقتربت منه بدهشة وقلبها يرفرف فرحًا مما تراه ونبضاته تتسارع وأوشكت على التوقف من وهج الفرحة التي أصابتها. شعرت كأنها طير محلق بين السماء والأرض من سعادتها. وصلت إليه والشموع مستمرة مع خطواتها وتحيط بالقلب الوردي لتصنع قلبًا أكبر حولهما. تمتمت "ورد" بلطف وبسمة تنير وجهها
أجمل من إنارة هذه الشموع: -إيه ده؟ كل ده عشاني؟ تبسم "زين" وهو يأخذ يدها في يده ثم قال: -وقليل عليكي يا وردتي. ضحكت بعفوية عليه ولمست وجنته بيدها بدفء ثم قالت: -تعبت نفسك يا حبيبي.. وكمان بدلة. ضحك على أناقته أكثر وقال بعفوية وزمجرة وهو لا يطيق هذه الملابس: -ساعة واحدة، ليكي ساعة يا وردتي. ضحكت "ورد" أكثر ثم نزعت عنه رابطة عنقه التي تقيده وتخنقه أكثر ثم قالت:
-بس أنا بحبك وأنت كاجوال يا زين، مش محتاج تلبس ليا رسميتك وتخنق نفسك، أنا بحبك وأنت على طبيعتك. نظر إلى عينيها وضربات قلبه تضرب ضلوعه الصلبة بقوة وكأن هذا القلب يرغب بأن يخرج من هذا السجن الذي يعيش به ويذهب إلى "ورد". ابتلع لعابه بتوتر شديد ثم لمس وجنتها بيده بلطف وقال بنبرة هامسة ناعمة: -وأنا بحبك يا وردتي وعشان بحبك...
توقف عن الحديث وجثا على ركبته أمامها وأخرج من جيبه علبة مربعة صغيرة وفتحها ورفع رأسه إليها، وعينيها لا تقوى على تحاشي النظر إليها أو النظر لشيء آخر بحضرتها. قال بنبرة دافئة: -أنا بحبك يا ورد... لا بعشقك ومعشقتش حاجة ولا حد قدك ولا غيرك، وكل لحظة بتمر وأنتِ بعيد عن حضني بتكون سنة حتى وأنتِ معايا، وعشان كدة أنا عايز حضني يكون بيتك وحضنك يكون سكني الوحيد في العالم ده... تتجوزيني؟
دمعت عينيها وهي تستمع إلى كلماته وجلوسه أمامها راكعًا يطلبها للزواج رغم كونها خطيبته وتحمل في بنصرها خاتم خطوبتهما. تساقطت دموعها فرحًا على هذا الرجل الذي كان عوضًا لها عن عائلتها التي فقدتها في صغرها وسندها بعد أن كبرت على يديه وترعرعت أمام ناظره. تعلمت كل شيء معه وشاركته كل شيء بحياتها، وكل ثانية كان "زين" بها ومعها. جلست "ورد" على ركبتيها أمامه وأخذت وجهه بين يديها بحنان وعينيها تبكي فرحًا وسعادة تغمرها لم يتحملها
قلبها، فبكت عينيها ربما تفيض هذه السعادة للخارج وتستطيع التنفس من شدة سعادتها وعشقها الذي يفتك بقلبها الآن. شعرت بأنها تحتاج لـ "مسك" تضرب قلبها بجهاز إنعاش القلب الكهربائي وتصدمها حتى تعود للواقع من شدة حُبها لهذا الرجل. حدقت بعينيه التي تعانقها بدفء ينبعث منه الأمان والهوى الذي غلبهما معًا وأسقطهما معًا في دوامة من المشاعر الدافئة.
تحدثت "ورد" بنبرة خافتة: -أنت بتسألني يا زين؟ أنت المفروض تقولي هتجوزك حتى لو غصب عنك... أنت مش اختيار في حياتي يا حبيبي، أنت عمري كله، من يوم ما اتولدت وأنا معرفش غير زين، أنا عمري يعني زين، أنت نبضة قلبي اللي مليش خيار فيها وأكسجيني اللي بتنفسه من غير تفكير ولا اختيار.
أخذ يدها التي تلمس وجنته ووضع بها خاتم الزفاف المصنوع من الألماس فوق خاتمها المصنوع من الفضة الذي ترتديه من أكثر من عشر سنين. اشتراه لها في نجاحها في الإعدادية ولم تخلعه من يدها نهائيًا، وربما ما ساعدتها نحافتها التي ظهرت مع كبرها، فعندما كانت طفلة كانت أسمن بكثير من وضعها الآن. وضع قبلة في باطن يدها ثم رفع نظره إليها وعينيه تبتسم قبل شفتيه وقال: -أنا بحبك يا وردتي. -وأنا بعشقك يا عمري، أنت عمري كله يا زين.
قالتها "ورد" بلطف ليضمها إليه بسعادة يشم رائحتها ويكاد يقسم لو كان للعشق رائحة لأنبعثت منه رائحة "ورد" فقط. (مستشفى القاضي)
خرجت "مسك" من غرفة العمليات منهكة في العمل. ليلًا تذهب لفحص "غزل" وصباحًا تأتي إلى المستشفى وقليلًا ما تنام. طقطقت رقبتها يمينًا ويسارًا وهي تمد ذراعيها للأمام في حركات دائرية. طلبت قهوتها من الكافتيريا ثم انطلقت في طريقها. رآها "تيام" وهو يدخل من المستشفى بعد أن وصل إلى المنزل وأخبرته "بثينة" أن ابنتها بالمستشفى فجاء إليها. تبسم وهو يراها تسير هناك مرتدية زي العمليات الأخضر، بنطلون وتي شيرت بنصف كم فضفاض تدخله في البنطلون وتضع البالطو الأبيض فوقهما. شعرها منسدل على ظهرها وترتدي حذاء رياضي أبيض. أخرج هاتفه ليتصل بها. رن هاتفها يقاطعها عن شرب قهوتها. أخذت رشفتها الأخيرة وألقت بالكوب الورقي في أول صندوق قمامة وتستقبل الاتصال من هذا الرقم
المجهول فقالت بنبرة متعبة: -ألو. -أنتِ بتبلكيني يا مسك. قالها بجدية صارمة مصطنعة. تبسمت بخفوت على صوته الذي ميزته جيدًا ثم قالت بحدة وغلاظة: -هو أنت؟ عايز إيه؟ تحدث بنبرة غليظة مصطنعة وعينيه تراها أمامه: -هاعوز منك إيه؟ أنتِ حليتك حاجة تتعاز يا مسك؟ والله لو في منك فايدة كنت عوزت. تأففت بغيظ شديد من كلمته وقالت ببرود شديد تكبح غضبها قبل أن تقتله: -ده رقمك! أتاها صوت "تيام" عبر الهاتف وقدميه تسير خلفها عن بُعد: -آه.
تحدثت "مسك" بحزم واضعة يدها الأخرى في جيب البالطو الأبيض الذي ترتديه قائلة: -ما تغيرهوش تاني عشان خسارة وقتي اللي بيضيع في البلوك مرة تالتة. أنهت الاتصال بغضب من تصرفه ووضعت رقمه الآخر في قائمة الحظر. وقفت أمام مكتب الاستعلامات لترى موعد الجراحات التالية لها. وقف "تيام" جوارها ووضع يده على كتفها لتمسك ذراعه وألوته بقوة لكنها صُدمت عندما رأت وجهه وتركته سريعًا. تبسم على اندفاعها وقال: -إيه لسانك ما بيعرفش يسبق إيديك.
ظلت تحدق به باندهاش من ظهوره الآن من العدم أمامها وأخذت الأوراق وذهبت بعيدًا عنه فأسرع "تيام" خلفها بحماس وقال بعفوية: -استني بس. لم تجب عليه وأخذت مسار غرفة العمليات بوجه عابس رغم أن بداخلها جزءًا يرفرف فرحًا لرؤيته بعد هذه الفترة من الغياب ليقول: -مسك. -إيه اللي جابك؟ قالتها بصرامة ويدها تضغط على زر المصعد فوق أمامها مباشرة وقال بعفوية وعينيه ترمقها بسعادة وحب دافئ: -وحشتيني.
رفعت حاجبها إليه باندهاش من كلمته وبدأت قشعريرتها تضرب جسدها وثورة ربكتها تحتل عينيها مركزًا لقيام هذه الثورة. تنحنحت "مسك" بحرج منه وتحاشت النظر عنه بتوتر ودلفت للمصعد. تابع "تيام" بنبرة ناعمة وهو يدخل المصعد خلفها: -والله وحشتيني، وحشاني خناقك وصوتك العالي وعصبيتك وضربك، وحشاني عنفك وجرأتك يا مسك. ضربته بالملف على صدره من حديثه أمام ركاب المصعد فأخذ يدها في قبضته بالإكراه وقال بعفوية: -في إيه؟
واحد بيقول لمراته وحشتيني. -تيام. قالتها بخفوت ونبرة هامسة إليه وعينيها تنظر للجميع وتبسم بعضهم على هذا الزوج الذي يخبر العالم بأسره عن شوقه إليها دون حرج. حرجت "مسك" منهم وتوقفت عن جداله أمام الركاب وشعرت يده تقل من ضغطه على يدها وتشابك إياها بحنان. خرج بعض الركاب واحدًا تلو الآخر في كل طابق ولم يبق سواهما. سحبت "مسك" يدها منه باغتصاب وقالت بزمجرة: -أنت بتستعبط صح؟
صُدمت عندما كان جوابه عناقًا منه إليها وطوقها بذراعيه بإحكام حتى لا تفر منه وقال: -والله وحشتيني يا مسك. ازدردت لعابها بصدمة ألجمتها وانتفض قلبها مرتبكًا من هذا العناق. رفعت يدها لتسحبه من ملابسه من الخلف بعيدًا لكنه كان أقوى من سحبتها ويقيدها بذراعيه بإحكام ويستمع لصوتها تقول بتهديد: -أنت ناوي على موتك يا تيام.
تبسم على تهديدها ودفن رأسه في كتفها يشم رائحتها ويشعر بدفئها. تنهدت "مسك" بتذمر من فعلته وسكنت تمامًا بين ذراعيه مدركة أن كل محاولاتها في إبعاده ومقاومته فاشلة بسبب قوته الجسدية. تبسم بإشراق أكثر على هدوئها وتوقفها عن الهرب من عناقه ليغمض "تيام" عينيه مستمتعًا بهذه اللحظة معها و"مسك" تصطنع الصمود رغم ارتعاش قلبها من الداخل وهي تستمع لصوت أنفاسه ودقات قلبه من هذا القرب حتى رائحته الرجولية تغتصب أنفها وتثير ربكتها وتوترها أكثر.
(المدينة الزرقاء Blue City) صرخت "زينة" بغيظ شديد مستشاطة غضبًا من هذا الرجل: -اخرس خالص كله من تحت رأسك أنت! -اسمعيني بس يا آنسة زينة؟ قالها "متولي" بجدية. ضربت "زينة" الملف الموجود أمامها في وجهه بقوة غاضبة منه وبعد كل ما حدث ما زال يتحدث عن أفكاره الخبيثة لتقول: -أتكلم مرة تانية ولا اقترح حاجة تاني وهيكون موتك هو ردي عليك.
تنحنح "متولي" بحرج خوفًا منها ثم انحنى لكي يجمع الأوراق المنثورة على الأرض وجزت "زينة" على أسنانها وعقلها لا يستوعب أنها فقدت كل شيء الآن وتفكر كيف تسترد ما سلب منها. غادر "متولي" المكتب بخوف من غضبها وربما إذا ظل أمامها أكثر يطرده نهائيًا بهذه اللحظة.
خرج "بكر" من مقر النيابة بسبب محاميه الذي وضع كل شيء على عاتق "إيهاب" مساعده خصيصًا أن شركة غسيل الأموال تحت اسم "إيهاب". لم يفرق محاميه كثيرًا عن قذارة "بكر" فتنفس "بكر" بهدوء وصعد إلى سيارته ثم قال بحزم: أجابه السائق بنبرة قوية قائلًا: -تيام الضبع. تنهد "بكر" بهدوء وتوعد بالانتقام من "تيام" ورد الضربة إليه بضربة قوية مميتة تقتله هذه المرة ليحقق ما فشل "إيهاب" في فعله.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!