الفصل 16 | من 35 فصل

رواية وختامهم مسك الفصل السادس عشر 16 - بقلم نور زيزو

المشاهدات
22
كلمة
3,351
وقت القراءة
17 د
التقدم في الرواية 46%
حجم الخط: 18

فتحت بثينة باب الشقة ودلفت أولًا، ثم مسك متكئة على ذراع تيام بحرج من وجود والدتها، وبسبب مرضها وجسدها المنهك من الجراحة. تحدثت بثينة بنبرة خافتة: -حمد الله على السلامة يا حبيبتي، نورتي بيتك. أومأت مسك لها بنعم وبسمة خافتة. جلست على الأريكة بمساعدة تيام، ودلفت بثينة إلى غرفتها. أخبرها تيام بتحرك المباحث للقبض على بكر، فأومأت إليه بنعم ثم قالت: -شكرًا... تيام.

نظر إليها باهتمام من ذكر اسمه. أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تتحدث عن هذا الماضي، وحدقت بعينيه بشجاعة وأخبرته بما قاله إيهاب، وأنهت حديثها بسؤال ولهجة صارمة: -أنت عملت كدة فعلًا؟ اتسعت عينيه على مصراعيهما وهو يستمع إلى حديثها من البداية حتى توقفت بعد سؤاله، ليرفع نظره إليها بغضب سافر لا يصدق هذا السؤال وقال بحدة:

-أنا فيا كل العبر وعيوب محدش يتقبلها، لكن عمري ما دخلت في علاقة مع واحدة غصب عنها. وبعدين ما أنتِ أهو مراتي وحلال ليا أعمل معاكي اللي عاوزه، لكن لمستك... لا يا مسك، أنا بروح للي شبهي في نجاستي، ومستحيل أعملها مع واحدة بالغصب لأن وقتها مش هبقى نسونجي وفلتان، هبقى مغتصب وبنتهك عروض البنات.

تنحنحت بحرج من كلماته وتحاشت النظر له بتذمر وغضب مما تسمعه وهو يحكي عن نزواته بفخر كونه يفعلها مع فتيات، وكأنه يخشى أن يكن مغتصبًا لكن لا مشكلة لديه في أن يكون زانيًا، ثم قالت بضيق: -أنا كنت عارفة. -بعدين البنت اللي بتحكي عنها دي كانت بتشتغل جرسونة في الكازينو عندنا في القرية، وكل ناس عارفة حكايتها وإنها كانت ميالة للرجالة الكبيرة ومتحبش غير الراجل اللي قد أبوها...

وعارفين حكايتها لما لاقوها مقتولة في البحر، روحي اسألي أي حد في القرية لو مش مصدقاني. وبعدين واحدة ميولها للعواجيز هتغير ميولها فجأة وتمشي معايا وكمان أكون آخر واحد شافها؟ طب ليه عشان سوداء عيوني مثلًا... آه أنا شوفتها ليلة ما اختفت بس دا عشان كنت عايز منها مخدرات، وبقولها قصادك من غير خوف عشان رغم كل القرف اللي فيا أنا مبنكرش حاجة أنا عملتها.

قالها بجدية صارمة ووجه عابس متحاشيًا النظر إلى مسك، فظلت تحدق بوجهه في صمت دون أن تتفوه بكلمة واحدة. لا تعرف أهذه ميزة به أم نقطة لا ترى وسط بحر العيوب الذي يغرق به. وقفت لكي تدخل غرفتها ليقف تيام قبلها مسرعًا ومسك أكتافها يساعدها في الوقوف، لتتقابل عيونهما معًا. رغم غضبه لكن عينيه كانت تحمل بريقًا ضئيلًا من الدفء لمساعدتها ورؤيتها. تنحنحت مسك بحرج وتحاشت النظر إليه فتركها قبل أن تغضب من لمسه لها.

_كان زين يقود سيارته بسرعة جنونية إلى الغردقة بعد أن تلقى خبرًا من جابر بما تخطط له زينة. نظرت ورد إليه بقلق من سرعته وخوف شديد ثم تحدثت بنبرة هادئة: -اهدأ يا زين. نظر زين لها وكان وجهه ملتهبًا من الغضب وحاجباه يعقدهما بحدة وظهرت خطوط عريضة في جبينه وقال بنبرة حادة: -أنا تعمل فيا كدة؟ أختي اللي من لحمي ودمي تغدر بيا... بتستغل فرصة غيابي عشان تطمع في مالي. ربتت ورد بلطف على ذراعه وقالت بحنان تحاول

التماس العذر إلى زينة: -برضه اهدأ، الثروة كبيرة والقرية تقدر بمليارات، ممكن يكن وسوس لها الشيطان ولا حاجة، لكن أكيد أول ما تتكلم معاها هترجع لوعيها. زينة بتحبك وواقفة في ظهرك. تأفف بغضب شديد من كلمات ورد التي تلتمس العذر لأخته التي تحاول سرقة منصبه منه وقال: -واقفة في ظهري عشان تطعني فيه من غير ما أحس وأنا مأمن ليها. -أكيد لا يا حبيبي، أكيد لا.

قالتها بثقة قوية في زينة وكأن براءة هذه الفتاة وعقلها النقي لم يستوعب ما يحدث وما تخطط له زينة بمكرها بعد أن تمكن إبليس من عقلها وزرع الطمع في عينيها. نظر زين إلى ورد بحزن قوي يخيم عليه من تعرضه للغدر من أخته وقال: -متثقيش في حد يا ورد، أنتِ طيبة زيادة عن اللزوم وسط الديايبة اللي إحنا عايشين فيها. الثقة هتأذيكي بس. تبسمت ورد إلى عينيه التي ترمقها تارة والطريق تارة، ثم وضعت يدها على يسار صدره حيث قلبه وقالت بدفء:

-أنا بثق في دا يا حبيبي. وضع يده فوق يدها متشبثًا بها، ربما تستطيع كبح غضبه والسيطرة عليه قبل أن يصل للقرية ويقتل زينة على خيانتها. _دق باب غرفة مسك ودلفت والدتها مع مجموعة من الأطباء زملائها في المستشفى وقالت بلطف: -مسك يا حبيبتي صحابك جم. تبسمت مسك بلطف إليهم وهي بفراشها وجلست معهم لنصف ساعة يتحدثون ويتسامرون عن مرضها والمستشفى. عاد تيام من الخارج ووجد بثينة تحمل صينية بها الكثير من أكواب العصير والكعك فسأل بخفوت:

-إيه كل دا؟ تبسمت بثينة بلطف وقالت: -صحاب مسك جوا. أخذ الصينية منها بعفوية دون إذن مبتسمًا حتى يستغل الفرصة وقال برحب: -طب عنك يا حماتي. تبسمت إليه بلطف ودلف تيام ليجدها مبتسمة بإشراقة وبسمتها تحتل وجهها وتملأ الضحكات غرفتها. تقدم للأمام خطوة لكنه توقف عندما سمع شاب يقول: -أنا ماليش في الورد اللي بيدبل دا... أنا راجل عملي جبتلك الشوكولاتة اللي بتحبيها. تبسمت مسك على مداعبته ونظرت إلى علبة الشوكولاتة وقالت:

-مرسي تعبت نفسك. استشاط تيام غيظًا من هذه البسمة التي تهديها إلى هذا الرجل، وانفجرت قنبلة مميتة بداخلها تدمر صدره وقلبه من الغيرة التي أكلته. وضع الصينية ببسمة مزيفة وقال: -اتأخرت عليكي يا روحي. قبل جبينها أمام الجميع وجلس جوارها. نظروا إليه باندهاش وجزت مسك على أسنانها بحرج من تصرفه أمام زملائها وقالت ببسمة اضطرارية: -لا... أعرفكم تيام جوزي. تبسمت فتاة بعفوية وعيناها تحدقان به بإعجاب ثم قالت:

-شوفته معاكي في المستشفى كان هيموت من القلق عليكي. نظرت مسك إليه بحرج من التصاقه بها وتشير له بعينيها بأن يبتعد ليرفع ذراعه ويحيط بأكتافها متجاهلًا نظراتها ثم قال بنبرة دافئة: -طبعًا مش روحي. همست في أذنه بغيظ قاتل يمزقها من الداخل وهو يستغل أي فرصة للتقرب منها وتمثيل دور الزوج العاشق: -طلعت روحك يا بعيد... ابعد عني. قهقه ضاحكًا بصوت مرتفع ورمق هذا الشاب بعينين ثاقبتين وقال: -بتموت فيا. -يا بختك بمسك.

قالها الشاب بعفوية ليصدم تيام من حديثه وقال بوجه عابس وحدة: -مسك!! حاف كدة من غير دكتورة ولا مدام ولا أي حاجة. -تيام. قالتها مسك برفق شديد وتنكزه في خصره حتى يتوقف، لكنه تابع بغيظ شديد قائلًا: -مفيش تيام لازم يتعلم يحترم اللي قدامه، وإيه يا بختك دي... حضرتك بتعاكس مراتي قصادي يا بجاحتك والله. نظر الشاب إلى مسك وأصدقائه بحرج من حديث تيام ثم وقف بغضب وقال: -أنا ماشي. -في ستين داهية.

قالها تيام بضيق شديد وهو يقف من مكانه ليغادر الشاب وخلفه الجميع فصرخت مسك بغضب سافر يمزق عقلها للتو من تصرفه الذي لم تفهمه ولا تدرك سببه قائلة: -إيه اللي عملته دا؟ أنت مجنون مين اللي أديك الحق تتدخل في حياتي كدة؟ التف تيام إليها وهو يقف في منتصف الغرفة مشتعلًا من نيران الغيرة التي تحرق قلبه وتصاعدت الآن إلى عقله وقال بانفعال:

-أنتِ تسكتي خالص، دا راجل مش محترم قاعد يعاكس فيكي وأنا قاعد بكل بجاحة وكمان أنتِ اللي زعلانة، ليه شايفني مركب قرون قصادك؟ اندھشت مسك من انفعاله ونبرته المرتفعة التي تكاد تجزم أن والدتها سمعتها من الخارج. تمتمت بصدمة ألجمتها من تحوله المفاجئ أمامها: -قرون!! أنت بتكلمني أنا كدة؟ أشار بيده نحو باب الغرفة وعينيه تحدقان بها بنظرات يتطاير معها الغيظ ورائحة رماد قلبه وتحدث بغضب شديد قائلًا:

-أيوة أنتِ مش محترمة وجودي قصادك وقاعدة تضحكي معهم وكمان زعلانة إني طردته وبتتخانقي معايا عشانهم. وضعت يدها على جرحها الذي بدأ يؤلمها من الانفعال وقالت بحزم ونبرة غليظة: -إيه دا أنت بتزعق ليه؟ وبصفتك إيه تطرد صحابي؟ كان مستشاطًا غضبًا منها بعد رؤية هذا الرجل زميلها بالعمل يحدثها بلطف وهي تبتسم إليه حتى قتلت بسمتها قلبه وأشعلت النيران بداخله فقال صارخًا: -بصفتي جوزك...

بقيت بتنسي كتير يا مسك، ولعلمك لو اللي حصل ده اتكرر تاني هيكون لي تصرف غير معاكي. رفعت رأسها بشموخ غاضبة منه ثم قالت: أنت عبيط يا تيام؟ هو حصل إيه؟ الناس جايبين ورد وجايين يطمنوا عليا، فيها إيه دي؟ اقترب منها مشتعلًا من الغيرة وسبابته تقرص وجنتها باغتياظ قائلًا: والضحكة اللي من الودن للودن دي إيه؟

ده أنا كنت فاكرك ما بتعرفيش تضحكي ولا نازل عليكي لعنة ضد الضحك، تيجي أول ما تشوفهم تسيحي على نفسك. وبعدين مين الأخ اللي جايب لك شيكولاتة أصلك بتحبها؟ حبك برص، من النهاردة ما فيش شيكولاتة. أنا هكرهك في كل الشيكولاتات، ولو لمحتك بتأكلي شيكولاتة واحدة هطفحهالك! تمتمت مسك بنبرة خافتة مندهشة من انفعاله وغضبه قائلة: أنت شارب حاجة؟ ما أنت لو مش شارب حاجة تبقي غيران ودي ما تتصدقش.

اقترب أكثر منها ويجز على أسنانه لتضع يدها على صدره تمنعه من الاقتراب الأكثر، لتشعر بشيء صلب أسفل يدها. رفعت يدها عن صدره واتسعت عيني مسك على مصراعيها وهي تنظر إلى صدره العاري من فتحة أزرار قميصه السماوي مندهشة مما تراه. قربت يدها ببطء إلى صدره ومسكت القلادة بأناملها التي تحمل الرصاصة التي أعطتها له وقالت بخفوت: تيام! تميمة حظي.

قالها ببسمة عافية متنازلًا عن دوامة غضبه وقسوته لتبتسم مسك بعفوية على صنعه لقلادة من طلقة نارية مزقت جسدها وأحشائها وبسببها هي طريحة الفراش هنا. سحبته من القلادة بقوة إليها وما زالت لم تتخطى الغضب الذي بداخلها وعينيها تحدق بعينيه عن قرب وتشعر بأنفاسه الدافئة ثم قالت: إياك تاني مرة تتخطى حدودك معايا يا تيام، فاهم!

تطلع بها عن قرب وأنفه تلامس أنفها وعينيها تلمعان ببريق الغضب لكنه يزيدهما جمالًا ليبتلع لعابه بحرج من قربهما وهذه المرة هو من فر بعيدًا عنها بعد أن شعر بدقة جديدة تصيب قلبه وخفقان يحمل مشاعر لا يعرف ماهيتها من قربه من مسك. ارتجف عقله فزعًا مما يشعر به لذا هرب من أمامها. اندهشت من هروبه المفاجئ منها ولم تفهم شيئًا من تصرفاته. المدينة الزرقاء (blue city) كانت زينة تجلس مع المدراء التنفيذيين في غرفة الاجتماعات

ثم قال متولي بجدية: اللي موافق على عزل الرئيس زين من منصبه المؤقت يرفع إيده، خلونا نأخذ التصويت بالأغلبية. رفع القليل أيديهم والبقية نظروا إلى بعضهم بقلق من اتخاذ قرار حاسم كهذا. فتح باب الغرفة ودلف زين وخلفه جابر الذي اقتحم المكان للتو وحدق بهم ثم قال: جابر! أمرك. قالها بعينين ثاقبتين يحدق بعيني زينة التي لم يتحرك لها ساكنًا من مكانها فتابع زين بنبرة قوية صارمة: كل واحد رفع إيده مفصول من وظيفته.

ارتعب الجميع من كلمته ووقفوا من مقاعدهم ثم قال: زين بيه! صرخ زين بهم بغيظ شديد ثم قال: اخرسوا! بتتأمروا عليا ومن وراء ظهري؟ بكرة الصبح ما ألاقيش واحد فيهم في مكتبه ولا في وظيفته، أما بالنسبة لأنسة زينة زعيمتهم تفصل من وظيفتها الإدارية ما هي قدوة ليهم وتكتفي بنسبتها في الأسهم. اتسعت عيني زينة على مصراعيها بصدمة ألجمتها ووقفت من مقعدها تضرب الطاولة بيديها وقالت: زين!

التف وغادر الغرفة دون أن يستمع لها أو إلى حديثها فتبسم جابر إلى متولي بسخرية من هزيمته وغادر خلف زين. خرج الجميع من الغرفة وتبقى متولي بصحبتها فقال بمكر شديد: صدقتيني بقى لما قلت لك إنه عايز كل حاجة له؟ جلست زينة على مقعدها بصدمة ألجمتها من خسارة كل شيء الآن، فقط تمتلك حصة ضئيلة في هذا المكان لتغلق قبضتها بإحكام تسيطر على غضبها.

ذهب تيام إلى ملهى ليلي وارتشف الكثير من الشراب والخمر غاضبًا من هذا الشعور الذي أصابه. حاولت فتاة تعمل بالمكان التقرب منه فتبسم إليها وحاول مبادلتها الرغبة في الحديث لكنه لم يشعر بضربات قلبه التي أزعجته سابقًا، بل شعر بوخزات في قلبه تفتك بصدره كأنه يعاقبه على خيانة مسك. أبعد يد الفتاة عنه باغتياظ وغادر المكان شاردًا ويسير في الطرقات وحيدًا مستمتعًا بنسيم الليل ربما يقتل ثمالته ويعيده إلى وعيه. يتأرجح جسده من السكر لكنه ما زال يفكر في غضبه عندما رآها تبتسم إلى آخر وخفقان قلبه من قربهما والنظر إليها والشعور بأنفاسها كاد أن يفقده صوابه. جلس على الرصيف قرب النيل مستسلمًا لهذا الشرود حتى سمع

صوت سيدة عابرة من جواره: محتار ليه يا ولدي؟ فتح عينيه وكانت سيدة مسنة تتكئ على عصا من جذع شجرة وتسير بطريقة فوضوية. جلست جواره فقال تيام بعبوس: محتار من نفسي، ما بقيتش عارف هي عايزة مني إيه؟ تبسمت السيدة إليه وقالت: هو العشق كده يا ولدي، يحير ويتعب القلب. اعتدل في جلسته باندهاش من كلمتها الأولى وحدق بها بذهول ثم قال: العشق؟ أخذت السيدة راحة يده ونظرت إلى باطنها ثم قالت بخفوت ونبرة هادئة:

طريقك صعب ومليان مخاطر بس هي واقفة في ظهرك وهي بس اللي هتأخذك لبر الأمان. هي مين؟ سألها بفضول شديد وعينيه تنظر في باطن يده ولا يرى شيئًا مما تتحدث عنه فقالت بحدة: اللي غلبتك، واحدة بينك وبينها هيكون في رباط قوي ما يقدرش الكون كله على كسره. بس ما تستهونش بالرباط ده يا ولدي، ده ما يقويهوش غير الفراق، والفراق مكتوب عليك من زمان واللي مكتوب على الجبين لازم تشوفه العين.

ابتلع لعابه بخوف مما تتفوه به هذه السيدة الغجرية رغم كبر سنها لكنها تحدثه بوعي وحدة. سألها بقلق: هتفارقني.. مسك؟ ما حدش بيوصل لمسك الختام غير بعد معافرة وصبر، وأنت وصلت بدري لكن اللي جاي صعب، صعب قوي محتاج منك قلبك من حديد وصبر من نار، نار أول ضحاياها هو قلبك اللي دخله العشق وخلاك عشقان والعشق نار يا ولدي تولع لكن ما تحرقش، بس أنت قدرك تتحرق بالنار وتعيش لحالك، عاشق بعيد عن المعشوق.

كانت تحدثه وعينيها تحدق براحة يده فسحب يده منها بخوف مما تتفوه به لتربت على رأسه وغادرت من أمامه. ظل يرمقها حتى غابت عن نظره ليقف من مكانه ويعود للمنزل بقلق وخوف تملك من قلبه من حديثها الذي أعادته لصوابه كاملًا وتخلص من ثمالته. دلف إلى غرفة مسك وكانت نائمة في فراشها والساعة بلغت الثالثة فجرًا. لم يبدل ثيابه وتسلل إلى الفراش خلفها ينظر إليها بخوف من وحدته، وتساءل هل سيعود ساكنًا في إحدى غرف الفندق وحيدًا بعد أن اعتاد على عودته للمنزل ومسك به؟

دمعت عينيه من الرعب الذي أصابه بسبب الفراق والوحدة. طوقها بذراعيه بدفء ووضع رأسه على كتفها. شعرت مسك بيديه لتفتح عينيها وقبل أن تصرخ به أو تضربه كعادتها سمعت صوت بكائه وشعرت بدموعه الحارة تذرف على عنقها. تجمد جسدها محله وتوقف عقلها عن التفكير من الصدمة التي حلت بها لأول مرة تراه يبكي حتى بعد وفاة جده لم تنزل دمعة واحدة منه. لا تعرف ماذا حدث حتى بكى كطفل صغير هكذا في صمت؟

يكبح صوت أنينه وشهقاته بحذر حتى لا يوقظها من النوم وتبعده عنها. أغمضت عينيها من جديد لكنها لم تعود لنومها بل ظلت تستمع إلى صوت أنينه المكتوم ودموعه تتسلل على عنقها. كان تيام يبكي بخوف من الفراق والوحدة، لا يعلم ماذا أصابه يبكي دون توقف مهما حاول التوقف عن البكاء؟

أنهى هذه النوبة من الوجع الذي أصابه بلا سبب لم يستطع. لا يعلم شيئًا سوى أنه لا يقوى على الفراق بعد أن اعتاد عليها وحديث هذه المرأة عن العشق أخبره بحقيقة مشاعره وسبب غضبه منه اليوم وهربه من أمامها، وهذا الألم لا سبب له إلا لأنه يملك المشاعر لها. أخبرته هذه العرافة أنه عاشق حتى لو لم ينتبه لهذا العشق والمشاعر التي بداخله.

شعرت مسك بثقل على كتفه لتعلم أنه غاص في نومه من التعب. تحركت ببطء شديد حتى لا توقظه واستدارت له وتضع يدها على حرجها فتنهدت بتعب وبيدها الأخرى مسكت رأسه قبل أن تسقط. ظلت تحدق به باندهاش وعقلها يتساءل عن سبب حزنه وبكائه المفاجئ. رفعت يدها إلى وجنته كي تجفف دموعه لكنها توقفت بحزم قبل أن تلمسه وظلت عينيها ترمقه ويدها أمام وجهه معلقة في العدم لا تقوى على لمسه ولا ترغب بإبعادها. عالقة بالمنتصف كحرف الواو بين السماء والأرض. كان يطوقها متشبثًا بها كطفل صغير متشبث بوالدته من الخوف. أبعدت مسك يدها بعيدًا عنه رافضة لمسه واستسلمت للنوم بين ذراعيه حتى لا تتحرك وتوقظه ويعود للبكاء والحزن من جديد.

استيقظت مسك صباحًا لتجده غادر الفراش والغرفة كاملة. ترجلت من فراشها بتعب وخرجت إلى الخارج ويدها لا تفارق خصرها المصاب ووجدت والدتها تجهز الإفطار. بحثت عنه في أرجاء الشقة بنظرها ولم تجد له أثر وقبل أن تسأل أجابتها بثينة بجدية قائلة: تيام نزل من بدري قال عنده شغل في الغردقة وما حبش يصحيكي من النوم. اتسعت عينيها على مصراعيها بصدمة ألجمتها من رحيله دون أن يخبرها أو يودعها وقالت بتلعثم: رجع الغردقة!

أومأت بثينة إلى ابنتها بنعم بلا مبالاة ولا تعرف بقرار رحيله دون أن يخبر زوجته. جلست مسك على الأريكة بتعب وقالت بحزن لا تعرف سبب رحيله: من غير ما يقولي.. فتحت هاتفها بحزن خيم على قلبها وعقلها لا تعرف سببهما. رأت رسالة من رقم مجهول لكن فور فتحها علمت أنها منه وكان محتواها:

(صباح الخير يا مسك، أنا ما حبيتش أصحيكي وأزعجك أو نتخانق من جديد قبل ما أمشي بس أنا عندي شغل وأنتِ عارفة إني ما عنديش وقت كثير لازم أكون مستعد للي جاي. أنا كنت عايز أشكرك على كل حاجة حلوة أو وحشة حصلت بينا. شكرًا يا مسك على كل حاجة عملتيها عشاني وإنك قبلتي تتجوزي واحد زيي بمكانتك وعلمك ونقائك وعلى كل مرة أنقذتي حياتي فيها وكل مرة وقفتي لزين عشاني، وآسف على كل مرة عرضت حياتك للخطر بسببي وآسف إنك مريضة دلوقت بسببي بس لحد هنا وكفاية يا مسك، كفاية كل أذى ليكي بسببي وكفاية هجر والدك ليكي بسببي. اقبلي اعتذاري وشكري وأوعدك ما يحصلش أي أذى ليكي من تاني بسببي)

تنهدت مسك بغضب سافر من حديثه. راسلته بضيق شديد: مش مقبول.. أسفك مش مقبول. أغلقت الهاتف بضيق شديد وتركته على الأريكة، ثم ذهبت إلى غرفتها غاضبة. أوقفتها بثينة بعفوية تقول: -مش هتفطري يا مسك؟ -لا. قالتها بحدة صارمة ثم دلفت إلى غرفتها غاضبة وأخبأت في فراشها. (المدينة الزرقاء blue city)

كان تيام جالسًا في مكتب الرئيس في مقدمة الطاولة الزجاجية، وزين في المقدمة الأخرى مقابلًا له، وجابر يجلس في المنتصف معهم يحجز بينهم. وهذا الاجتماع يشبه الحرب بين كلا الطرفين. قذف تيام الأوراق على الطاولة بغضب سافر وقال باختناق: -وأنا مش هعمل دا... تحدث زين ببرود شديد ونبرة استفزازية أكثر: -والله هو دا اللي موجود، ولا أنت فاكر أن يوم ما تتكرم وتتنازل وتقرر تشتغل هتقعد في التكييف وتشرب فنجان القهوة وتقضيها تليفونات؟

وقف تيام من مكانه وهو على وشك ضرب هذا الرجل بقوة، لكن أوقفه جابر عندما تشبث بذراعه وقال بزمجرة من هذين الاثنين: -اهدى يا تيام بيه، مش كده يا أستاذ زين! دا مش أسلوب نقاش ولا شغل يا جماعة، أنتوا في صف واحد أمال لو منافسين هتعملوا إيه؟ وقف زين من مقعده واقترب هو الآخر نحوهما وقال بسخرية: -دا فاكر أنه جاي يدلع مش يشتغل. رفع تيام ذراعه يحاول دفع جابر عن طريقه من الغيظ الذي يتملكه الآن من زين وقال:

-أوعي يا جابر، خليني أضربه، هو عايز يضرب. -تصدق خوفت، وسع له يا جابر والنبي. قالها زين بسخرية وبرود سافر مستفزًا يثير غضب تيام أكثر. دفعه جابر بعيدًا بضيق شديد من هذه الحرب المميتة بينهم وقال بحدة صارمة: -خلاص بقى إحنا ناس كبيرة، وبعدين يا تيام بيه محدش بيبدأ كبير، ما أنت لازم تبدأ كموظف صغير وتتعلم كل حاجة من تحت وتطلع السلم واحدة واحدة. تأفف تيام باختناق شديد ثم أخذ الورق الذي قذفه على الطاولة وقال بازدراء:

-أنا راجل وسخ أني حطيت أيدي في أيدك وربنا. غادر الغرفة غاضبًا من هذا الحديث ليبتسم زين بسعادة على انتصاره. فنظر جابر إليه بزمجرة وقال: -ارتاحت كده؟ أومأ زين له بنعم ثم قال: -تعال يا جابر سيبك من الهم دا.

خرج الاثنان معًا إلى المكان الذي يعتقل فيه جابر الرجلين اللذين هاجما على تيام من فترة، ولم يتفوه أحدهما بكلمة واحدة ليصدم عندما رأى المكان فارغًا وقد هرب الرجلان من هذا المكان المغلق، ولا يعرف كيف فعلاها أو هل ساعدهما أحد في الهرب. تحدث زين بغضب شديد قائلًا: -هم فين؟ هز جابر رأسه بالنفي بصدمة ألجمته لا يستوعب هذا الشيء ثم قال: -معرفش، أكيد في حاجة غلط. خرج زين من المكان غاضبًا وقال بغضب من فقده لطرف الخيط الذي

سيصله إلى مرتكب جريمة ورد: -أكيد طبعًا.

اعتنَت بثينة بابنتها طيلة الليالي من أجل شفائها، ووضعت مسك رقم تيام في قائمة الحظر بسبب غضبها من طريقة رحيله، ولم تتواصل معه لمدة شهر كامل. وبدأت تستعيد سلامتها وصحتها وشفي جرحها كليًا طيلة الشهر الذي ظلت به حبيسة في بيتها. وعادت إلى عملها من جديد في المستشفى وسمعت من ورد أن تيام منهكًا في العمل وبدأ بالفعل في الاهتمام بالعمل رغم أنه مجبورًا على تنفيذ أوامر زين بالإكراه وكل مرة بعد افتعال شجار. سعدت مسك كثيرًا لتقدمه خطوة للأمام لكنها ما زالت غاضبة منه ولا تريد محادثته.

دق باب الشقة فجرًا بطريقة همجية وقوية. خرجت بثينة من غرفتها وهكذا مسك التي فزعت من نومها من صوت الطرق. فتحت بثينة الباب ووجدت سراج أمامها لتقول بذعر من قدومه في الفجر: -في إيه يا سراج؟

تطلع سراج بوجه مسك وهي شبه نائمة وتحدق به وكان القلق والخوف يحتل وجهه. ابتلعت لعابها بخوف من قدومه إليها. جعلها تبدل ملابسها بسبب وجود حالة حرجة وارتدت بنطلون أزرق وقميص نسائي أبيض بأكمام وتدخله من الأمام في البنطلون وذهبت معه. أخذها إلى طريق المنزل لتقول بقلق: -دا مش طريق المستشفى. لم يجب عليها وأخذها إلى منزل والدها السري وفتح الباب لها. نظرت مسك إلى المنزل الذي لا تعرف لمن هو؟ ولماذا هي هنا بحيرة؟

ثم دلفت إلى المنزل وقاد سراج الطريق إلى الغرفة التي بها غزل ووقف بتوتر وخوف من رد فعلها عندما ترى أختها بالداخل حية ولم تمت. ازدردت مسك لعابها بخوف من نظرات سراج كأنها سترى بالداخل شيء لا يجب أن تراه في حياتها ووجهه المرتبك زاد من خوفها. فتح لها الباب ودلفت مسك لتصدم مما تراه أمامها... للحكاية بقية...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...