الفصل 19 | من 35 فصل

رواية وختامهم مسك الفصل التاسع عشر 19 - بقلم نور زيزو

المشاهدات
18
كلمة
2,875
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 54%
حجم الخط: 18

بعنوان "طلاق" أنهت "مسك" جراحتها ليلًا وصعدت إلى سطح المستشفى وجلست به وحيدة تحت ضوء القمر البدري الذي ينير السماء، تستمع بهذا النسيم البارد وتتنفس بأريحية بعد يومها الطويل في العمل، مددت جسدها على المقعد الخشبي الطويل ووضعت يدها على بطنها وذراعها الآخر أسفل رأسها حتى قطع هدوءها صوته الرجولي يقول: -مش هتروحي؟ اعتدلت في جلستها لتراه واقفًا خلفها بزي المرضى وذراعه المكسور، سألته بحيرة من سبب وجوده هنا قائلة:

-أنت بتعمل إيه هنا؟ جلس جوارها بعفوية ثم قال: -من الصبح بسأل عليكي قالولي في العمليات، أنتِ إزاي تسيبي جوزك متشلفط كده ومتسأليش عليه! جزّت على أسنانها باغتياظ من كلمته ثم قالت بخنق: -إيه جوزك دي؟ لسه في ستة سبعة في المستشفى ميعرفهوش، روح قولهم. أدار رأسه إليها باندهاش ثم قال: -إيه ده؟ أنتِ بتستعري مني ولا إيه؟ لم تجب عليه ثم نظرت للأمام بتعب ووضعت يدها على عنقها بألم لبرهة من الوقت ثم قالت: -لا إزاي!!

نظر إلى يدها التي تدلك عنقها بلطف من التعب فربّت بيده على كتفها لتنظر "مسك" عليه مع صوت ربته ليشير لها بأن تتكأ على كتفه وقال: -اعتبريها مخدة. نظرت مطولًا إلى كتفه بحيرة من تصرفه ثم عادت بنظرها إلى الأمام، جذبها "تيام" نحوه بقوة لترتطم بصدره بالإكراه وجذب رأسها إلى كتفه، حاولت الإبعاد عنه لكنه تحدث بلطف قائلًا: -خليكي يا مسك.

هدأت من روعتها قليلًا وسكنت بين ذراعه بهدوء ثم أغمضت عينيها مستسلمة لتعب جسدها المنهكة، تبسم "تيام" على هدوئها وهذه الفتاة الشرسة أصبحت أكثر هدوءًا الآن، كانت تفكر بأختها "غزل" ومتى ستعود للحياة، كلما ذهبت إليها وجدتها كما هي لم تتقدم حالتها للأمام، ما زالت عالقة بين الحياة والموت كحرف الواو تمامًا بينهما، روحها لا تقوى على البقاء ولا على المغادرة، لا تعلم متى ستتمكن من رؤية بسمة أختها من جديد؟

أم ستذوق ألم الفراق مرة أخرى بسبب كذبة أبيها؟ تسللت دمعة من عينيها المغمضتين من الخوف أن يتحول الأمل للألم رغم كونهما يحملان نفس الحروف الثلاثة لكن ترتيبهم يفرق كثيرًا أحدهما يحيي القلب والآخر يقتله. نظر "تيام" إلى الأسفل نحو وجهها بعد أن سمعها تئن بصمت كأنها تخشى أن تدمر قوتها وشرستها المعتادة بلحظة ضعف وألم، مسك ذقنها بأنامله ليرفع رأسها إليه باندهاش وفتحت "مسك" عينيها عندما لمسها بأنامله وتقابلت عيونهما معًا،

سألها بقلق: -أنتِ كويسة؟ حدقت به بنظرات طويلة صامتة لبرهة من الوقت ثم قالت بنبرة جافة: -أنت قلقان عليا؟ تنحنح "تيام" بحرج من كلمتها وقال بلطف: -أكيد مش مراتي... قاطعته "مسك" باغتياظ من هذه الكلمة ثم وقفت من مكانها أمامه وقالت بحزم وعصبية شديدة: -متقولش مراتي، الكلمة دي بتعصبني. وقف من مكانه بهدوء ثم وضع يده على كتفها بلطف وقال: -طب خلاص اهدئي يا مسك، الموضوع مش مستاهل العصبية دي كلها.

غادرت من أمامه تستشيط غضبًا من هذا الرجل، لا تعلم سبب غضبها ونيرانها التي تحرق صدرها من الداخل، ربما لأنها لم تشعر بأنها زوجة له ومع ذلك يخبر الجميع بأنها زوجته، ذهبت إلى منزل والدها بحيرة وحزن يخيم على قلبها، لم تجد لها ملجأً من هذا الحزن الذي يخيم عليها والوجع الذي يمزق قلبها سواه والدها، استيقظ "غريب" من نومه بفزع بعد أن أخبره الخادم بأن "مسك" بالخارج تريده وتبكي بهستيرية، وضع الروب على بيجامته بذعر ثم خرج معتقدًا بأن هناك شيء أصاب "غزل"، رآها جالسة في الأريكة

تبكي بحزن وخيم ليقول: -غزل جرالها حاجة؟ هزت رأسها بلا تنفي هذا الاحتمال، تنفس بأريحية ثم اقترب أكثر نحوها بخطواته وقال: -أمال؟

جهشت باكية أكثر ودموعها لا تتوقف عن النزول، ابتلع لعابه بهدوء وعقله الغاضب لم يتحمل رؤيتها بهذا الضعف لطالما كانت تصمد وتصطنع القوة في أقسى اللحظات، ضمها إليه لتتشبث به بضعف وكلتا يديها تغلقهما على ملابسه بألم، ربّت "غريب" على ظهرها بحنان وبدأ يربت على كتفها بلطف وتذكر ما أصاب "تيام" أمس فسأل بزمجرة رغماً عنه: -جوزك جرى له حاجة؟ ابتعدت عن "غريب" بألم ثم قالت بحزن وسط بكائها وأنينها:

-حتى أنت بتقول جوزي، جوزي منين يا بابا؟ عشان مجرد ورقة بينا. ربّت عليها بلطف وهي تنهار أمامه وأخبرته بسبب زواجها من "تيام" وقلبها الذي يتمزق من الداخل الآن بسببه، جلس "غريب" قربها لا يعلم أيعاقبها على تهورها وزواجها من رجل لأجل انتقامها أم يربت عليها ويطمئنها حتى تتوقف عن الانهيار والوجع الذي يمزقها من الداخل، تحدث بلطف: -اهدئي طيب يا حبيبتي، أنتِ حبيتيه؟ نظرت إلى والدها بحزن وعجز عن نطق هذه الكلمة وقالت بغضب:

-أنا قلبي واجعني يا بابا، مش أنا دكتورة قلب لكن معنديش علاج لقلبي، أعمل إيه؟ أطلعه من صدري وأرميه في الأرض، لو هعرف أعيش من غير القلب ده كنت عملتها وأنت عارف ده.. لكن أنا أعمل إيه في قلبي. ضمها "غريب" من جديد إليه وجسدها ينتفض بين ذراعي والدها حتى توقفت عن النفض والارتجاف وسقطت رأسها بثقل على كتف والدها فاقدة للوعي من وجع قلبها وحيرته بسبب قسوة عقلها الذي يخبرها بأن تبتعد عن هذا الرجل... (المدينة الزرقاء blue city)

خرجت "ورد" من غرفة تبديل الملابس وكانت ترتدي فستان زيتي اللون بالأخضر الداكن طويل يصل لأسفل ركبتيها ومفتوح من الصدر وتسدل شعرها على الجانبين بحرية فقالت بعفوية: -إيه رأيك؟ اتسعت عيني "زين" مما يراه رغم جمالها الذي يخطف قلبه لكن غيرته أوشكت على قتلها للتو، قال بحزم وغضب مكتوم بداخله: -امشي غيري القرف ده. بدأت "ورد" تدور حول نفسها في حلقات دائرية بحماس وتقول بلطف: -ليه يا زين ده جميل جدًا؟ وقف من مكانه وركض

نحوها بغيرة تأكله وقال: -غوري يا بت غيري القرف ده. ركضت "ورد" إلى الداخل ليبتسم "زين" عليها فلم ينكر جمالها وإعجابه لكنه لن يسمح لأحد غيره بأن يرى جمالها، فتحت باب الغرفة وخرجت إليه بفستان فضي يلمع وقصير يصل لأعلى ركبتيها وبأكمام، قالت بعفوية: -طب وده؟ التف إليها ليُصدم مما ترتديه وقال بغضب: -فين المسدس؟ حد يديني مسدس أديها رصاصة بين حواجبها وأخلص منها، إيه رجلك دي يا بت؟ ... وده فستان ولا قميص نوم؟

ده أخدتك بيه على فين على الكازينو عدل. تبسمت "ورد" وهي تقف أمام المرآة تنظر على صورتها المنعكسة وقالت ببراءة ونبرة جادة: -طب بذمتك وحش؟ مع كعب أحمر عالي ويبقى واو. نزع حذاءه من قدمه وركض نحوها لتركض إلى الداخل وضحكاتها تملأ المكان عليه وجميع الفتيات العاملات بالمكان يضحكن عليه، فتحت باب غرفة الملابس وأخرجت رأسها إليه وقالت: -حمش. التف إليها وما زال يحمل حذاءه في يده بغضب سافر يمزق قلبه من نيران غيرته ثم قال:

-أظبطي يا ورد بدل ما أظبطك أنا وسط الناس. أغلقت الباب بسرعة خوفًا منه ليضحك بسعادة على فتاته البريئة بجمالها، أعطى بطاقته البنكية إلى الموظفة وقال: -أنا هآخد كل اللي قاستهم. أومأت إليه الموظفة بنعم ورغم غيرته الشديدة عليها لكنه أعجب بها بهؤلاء الفساتين الذين يبرزون جمالها وأنوثتها، لذا أخذهما جميعًا لأجلها وخرجوا من المكان معًا فسألته بحيرة من أمره: -ممكن أفهم بقى اشتريتهم ليه ما دام مش عايزني ألبسهم؟

ولا هتوديهم لواحدة تانية؟ يا لهوي! لتكون بتخوني يا زيزو؟ تبسم بلطف على غيرتها، ثم أخذ يدها في يده وسارا معًا، مجيبًا عليها بلطف وقال: -بتخوني وزيزو في جملة واحدة؟ ما ارتكبش يا ورد، بعدين ما تخافيش أنا بس أتجوزك أنتِ الأول ونشوف بعدها موضوع الخيانة دي. ضربته على ظهره براحة يدها الصغيرة غيظًا من كلمته التي قتلتها للتو، فقال بعفوية مزاحًا: -بهزر يا وردتي. مطت شفتيها للأمام بحزن مستاءة من كلمته، فقال بهمس وعينيه

لا تفارقها عن هذا القرب: -أنا جبتهم عشان ما ينفعش بعد ما لمسوا وردتي واحدة تانية تأخذهم وتلبسهم. تبسمت على غيرته المفرطة، فهل اشترى كل شيء وضعته على جسدها حتى لا ترتديه امرأة أخرى بعدها؟ ضربات قلبها لحبيبها تحياها فرحًا، ربما عليها أن تقبل جبينه الآن وتشكرَه بامتنان على هذا الحب الذي يكنه لها بداخلها. أخذ "زين" يدها في قبضته الدافئة وسار بها نحو سيارته وقال: -ما تشكرنيش يا ورد، أنا عايش عشان بحبك. ضحكت

على كلماته بلطف وقالت: -أنت عرفت منين؟ فتح لها باب سيارته ثم قال: -عشان أنا حافظك أكثر من نفسك يا وردتي. دخلت "ورد" إلى السيارة وعيناها ترمقه بحب وهو يدور حول سيارته حتى يصعد بمقعد السائق وبسمتها لا تفارق وجهها. وصلت "مسك" صباحًا إلى منزلها بعد قضاء الليلة بمنزل والدها لتجده ينتظرها بقلق سافر. فور دخولها هرع "تيام" إليها وقال بحزم: -كنتِ فين؟

رمقته ببرود شديد ثم دلفت إلى الداخل دون أن تتحدث بشيء. ذهب خلفها غاضبًا من اختفائها المفاجئ ليلًا ولم يعثر عليها بأي مكان. صعدت بفراشها فجلس "تيام" جوارها وقال: -بكلمك كنتِ فين؟ أغمضت عينيها باستسلام لتعبها بعد نوبة البكاء والإغماء عليها وهي تعاني من ألم قلبها وصراعه مع عقلها. سألها بقلق على حالها ووجهها الشاحب: -أنتِ كويسة طيب؟ لم تجب عليه وظل يستمع لصوت أنفاسها الهادئة فقط على عكس ما بين ضلوعها الذي يصرخ فزعًا. مسح

على رأسها بحنان ثم قال: -أنا من ساعة ما رجعت وأنتِ متغيرة يا مسك، بتتهربي مني وفيكي حاجة غريبة؟ حصل إيه؟ في عنادك وقوتك. لم تجب عليه بل اكتفت باصطناع النوم الآن على أن تتحدث معه ويغلبها القلب أمامه. تركها وخرج من الغرفة ففتحت عينيها تنظر إلى الباب المغلق وهو خارجه. تفكر بشرود فيما يجب أن تفعله. أيجب أن تنتظر معه الأشهر الباقية على زواجهما أم تهرب منه وهي لم تعتد الهرب أبدًا، لطالما كانت تفضل المواجهة؟

(المدينة الزرقاء blue city) كان "جابر" يسير في ردهة الفندق مع أحد رجاله وقال بحزم: -عينيك ما تفارقش متولي، وتعرفني كل خطوة بيخطيها وكل نفس بيتنفسه. أومأ الرجل إليه بنعم ثم قال: -أمرك يا جابر. -الرجل ده عامل زي العقرب بيلدغ من تحت لتحت. قالها "جابر" بحزم شديد واتجه إلى المصعد لينطلق الرجل يلبي طلبه في البحث وراء "متولي".

استيقظت "مسك" من نومها ليلًا وخرجت من الغرفة لتجد "تيام" يرتدي بنطلون أسود وتي شيرت أحمر ومستعدًا للذهاب. دلفت للمطبخ وارتشفت الكثير من الماء البارد وهو يسير خلفها وقال: -ممكن تلبسي وتيجي معايا مشوار. التفتت "مسك" إليه باندهاش ورمقته بصمت لا تعلم إلى أين سيأخذها، وبعد إلحاح كثير أخذها إلى مطعم لتتناول الطعام معه. سألته بحيرة من وجودهما هنا: -أنت عامل كل ده عشان تتعشى برا؟

-لا طبعًا، بس قولت تغيري جو شكلك تعبانة أو في حاجة مزعلاكي ومش هسألك هي إيه عشان ما تتعصبيش. قالها وعيناه ترمقها بلطف. أنهت "مسك" تقطيع طعامها بالسكين ثم بدلت الطبقين بسبب إصابة ذراعه. تبسم "تيام" على فعلتها ثم بدأ يتناول الطعام وهي تقطع طبقها حتى أنهى طعامه أولًا. أخذ هاتفها ورفع الحظر الذي وضعته له والتقط صورة لهما فزمجرت "مسك" باستياء من فعلته بينما تبسم "تيام" إليها بلطف وعيناها لا تفارق الهاتف:

-لقيت كل صورك على الانستجرام كأنك شبح ما بتعرفيش تضحكي. أخذت الهاتف منه بحزم مستاءة بشدة من تصرفه لتراه رفع الصورة على حسابها على الانستجرام وقبل أن تحذفها جاء النادل إليه بباقة من الورود الحمراء. نظرت "مسك" إلى الورد باندهاش ثم إليه. تبسم "تيام" لأجلها وقال بحب وسعادة تغمره: -حد جابلك ورد قبل كده؟ -تيام!! قالتها بنبرة حادة تحذره من أن يفعل ويقدم لها هذه الباقة. تبسم بعد أن فهم تحذيرها لكنه لم يبالِ إليها وقدم

إليها باقة الورد وقال بحب: -أنا عايز أتجوزك يا مسك. وقفت من مكانها غاضبة من تصرفه ولم تأخذ الباقة لكن "تيام" لم يستسلم وأعطاها باقة من الورد الأحمر وبسمته لا تفارق وجهه بل تنيره وتزيده جمالًا. نظرت "مسك" للورد بحيرة وغصات بقلبها تؤلمها جدًا على هذا الحب الذي حرمته على قلبها. أقسمت ألا تعشق هذا الرجل وتحقق أمنيته. قالت بنبرة خافتة: -قولت إيه؟

أخذ "تيام" خطوة نحوها أكثر وعيناه لا تفارق عينيها الحائرتين وقلبها المرتجف بين خفقان نبضاته إلى هذا الحبيب وبين حرب عقلها التي نشبت النيران بداخلها تمنعها من الاقتراب من "تيام". أخذ يدها الأخرى في يده وقال بدفء: -قولت تتجوزيني يا مسك، أعمل لك فرح وتلبسي فستان أبيض وألبس بدلة وأروح أطلبك من دكتور غريب حتى لو كنتِ مراتي، أعمل لك كل مراسم الجواز اللي ما عملتهاش وتبقى مراتي... أنا عايزك يا مسك.

سحبت "مسك" يدها منه ورأسها تشير له بلا وقالت بحزم وعيناها في عينيه تحدق بهما مباشرة: -وأنا عايزة أطلق يا تيام، دلوقتي ومش بكرة طلقني. صُدم من كلمتها رغم كل ما فعله لأجلها وحاول بكل الطرق أن يثبت لها حبه وأنه لم يهتم كثيرًا بهذا الرهان والكلمات التي تفوه بها من قبل لكنها ما زالت ترفضه. تذكر حديث العرافة عن الفراق فهل سيفارقها رغم عشقه إليه؟

مرت "مسك" من أمامه لكي تغادر بعد أن كسرت قلبه وهدمت سعادته بكلمتها وألقت بباقة الورد على الأرض. مسك "تيام" يدها يمنعها من الرحيل أن يتحدث معها ويستوعب بسبب خوفها منه ليديرها إليه وقال: -أنتِ بتعملي كده ليه يا مسك؟ أنا اتغيرت عشانك، اشتغلت وبقيت واحد تاني وقطعت علاقاتي بكل البنات اللي أعرفهم والكازينوهات حرمتها عليا، اتغيرت عشانك.

رفعت "مسك" حاجبها إليه ببرود شديد ثم قالت بحزم وهي الأخرى قلبها يتمزق من الداخل لكنها تخشى هذه المشاعر والاقتراب منه: -عشاني!! أنت اتغيرت عشان ورثك يا تيام واشتغلت واجتهدت عشان تقدر تنتصر على زين، مش عشاني ولا حاجة. أخذ "تيام" خطوة نحوها بعين دامعة وحديث هذه العرافة يحتل عقله الآن ولا يصدق بأنها ستفارقه. تحدث بنبرة خافتة:

-طب الشغل وعشان أهزم زين، طب والشرب اللي بطلته والبنات اللي قطعت علاقتي بيهم، أنا ما بقتش قادر أبص لبنت تانية غيرك، ما بقتش عارف أتقبل أي بنت مهما كانت جميلة.... ده كمان عشان زين. -ما أعرفش، بس أنا مش هكون ليك يا تيام ولمصلحتك ومصلحتي تطلقني، أنا ما بقتش قادر أبص لك.

قالتها بضيق وتحاشت النظر إليه. رمقها بنظراته ولا يصدق أو يستوعب ما يحدث معه وفجأة أصبحت تتهرب منه وتتحاشى النظر إليه. تساءل عقله كثيرًا هل يثير اشمئزازها لهذه الدرجة؟ أتكرَه "مسك" بهذا القدر؟ ترك يدها بلطف ثم قال بحزن: -للدرجة دي!! أنت طالق يا مسك.

نظرت إليه بصدمة من تنفيذ ما طلبته، ولأول مرة يخضع لأمر تريده. دومًا ما كان يفعل ما يريد فقط ويتحداها. قلبها انشق لنصفين من كلمته، ودمعت عينيها وأنفاسها كادت أن تُكتم بداخلها وتختنق. صُدمت أكثر عندما رأت دمعته فرت من جفنيه مع تفوهه بهذه الكلمة وقطعه لهذا الرابط الذي يجمعهما معًا. اقتربت "مسك" هذه المرة منه، لكنه لم يترك لها المجال وغادر من أمامها غاضبًا من قسوتها. ***

عادت "بثينة" من الريف بعد أن علمت بخبر طلاق ابنتها، ولم تجدها بالمنزل، واتجهت إلى المستشفى فأخبرتها الممرضة أن "مسك" تقريبًا شبه لم تغادر غرفة العمليات، بل كل المرضى على قوائم الانتظار خضعوا إلى جراحتهم حتى المتبقي منهم أخذ موعد هذا الشهر بفضل الطبيبة "مسك" التي تكلفت بكل مصاريف الجراحات. وهكذا رئيس المستشفى "غريب" كأنه يعلم بوجع ابنته بعد طلاقها ورغبتها في الانغماس في العمل حتى لا تترك مجالًا لقلبها حتى يتألم ويبكي، دفع تكاليف الكثير من المرضى لأن علاجهم الوحيد الذي سينجد ابنته من عذابها، كأن هذه التكاليف ثمن سعادة ابنته.

لم تصدق "بثينة" ما سمعته من الموظفين في المستشفى، وجلست تنتظر "مسك" أمام باب غرفة العمليات. فُتح باب غرفة العمليات وخرجت "مسك" بزي الجراحة لترى والدتها تجلس على المقعد الحديدي تنتظرها. تبسمت "مسك" بانكسار إلى والدتها التي وقفت فور رؤيتها، وخرج الاثنان معًا. تحدثت "بثينة" بغضب سافر قائلة: -أنا يمكن متكلمتش لما اتجوزتي من ورايا وقولت بلاش أقسي عليكي زي أبوكي، لكن تتطلقي بعد خمس شهور ليه يا مسك؟ ليه؟

التفتت "مسك" تنظر إليها بغضب شديد من حديثها في هذا الموضوع وقالت بحزم: -وحضرتك اطلقتي من بابا ليه؟ على الأقل أنا معيش عيال أشيل همهم ولا هيتعذبوا من الطلاق دا، لكن حضرتك؟ ابتلعت "بثينة" لعابها بحرج شديد ثم قالت: -أنا كان عندي أسبابي ودا كان في مصلحتي. صرخت "مسك" بضيق شديد أمام والدتها كأنها تطلق العنان لهذا الوجع الموجود بداخلها: -أنا كمان عندي أسبابي، ودا لمصلحتي.

نظرت "بثينة" إليها بغضب مكبوح بداخلها ولا تعلم سبب قسوة ابنتها وحدتها، فتمتمت بحزن على ما تراه الآن في وجه ابنتها: -أنت بتقسي حتى على نفسك، لتكوني فاكرة إن دي قوة يا مسك، أنا بشفق عليكي. -من الأفضل إنك تشفقي على نفسك مش عليا. قالتها "مسك" بغضب من كلمة ابنتها، لتُصدم عندما صفعتها "بثينة" بقسوة ردًا على كلمتها القاسية. حدقت "مسك" بها بألم شديد ثم غادرت من أمامها. *** (المدينة الزرقاء blue city)

دلفت "طاهرة" إلى غرفة "تيام" الغارق في نومه ثم قالت بخفوت توقظه: -تيام بيه... يا بيه. فتح "تيام" عينيه بتكاسل وقال: -شوية يا طاهرة. -دي رابع مرة يا بيه، وجابر وأستاذ زين برا. قالتها بتذمر على تكاسله، فاعتدل في جلسته ليمط جسده. أشعل سيجارته ويده تفرك عينيه بتعب ويتثاءب. كان "جابر" جالسًا في الصالون ينتظره مع "زين" الذي سأل بحيرة: -تفتكر عايزنا في إيه؟ أنا مش حمل كارثة جديدة منه. هز "جابر" رأسه بنعم ثم قال:

-لا متقلقش إن شاء الله مفيش كارثة. بعد خبر طلاقه أنا مبقتش أتوقع منه الكثير. خرج "تيام" بوجه عابس وقال بنبرة قوية: -اعمليلي قهوة يا طاهرة. جلس على المقعد مقابلهما ووضع قدمًا على الأخرى. تأفف "زين" غيظًا من غروره ثم قال: -خير!! تجاهل "تيام" هذا الرجل الذي يُثير غضبه دومًا ثم نظر إلى "جابر" وقال بحدة: -اسمع يا جابر أنا مللت من الحياة دي. خلينا نتفق الوصية إني أستلم منصب الرئيس بعد سنة من جوازي صح؟ أومأ "جابر"

إليه بجدية ثم قال: -فعلًا!! من غير طلاق.. -لكن نصيبي في التركة مبيتغيرش، أنا مش عايز منصب الرئيس، خليه لزين هو لايق عليه أكثر مني. ضحك "زين" بسخرية من تكبر "تيام" كأنه يعطيه صدقة وما تبقى منه: -لا والله كتر ألف خيرك، ما هو ليا من غير رأيك. رفع "تيام" حاجبه بسخرية إلى هذا الرجل الذي لا يقل غرورًا عنه وقال بحزم:

-أنا قررت أسافر، هعيش برا ونصيبي في الورث من الأصول هيخلي تحت سيطرة زين، لكن يا رب ميجيش يقول أنا كبرته واشتغلت واجتهدت ويطمع فيه. -تسافر!! قالها "جابر" بصدمة ألجمته، فرغم كل شيء مر به "تيام" ولا مرة قرر أن يهجر هذا المكان وهذه البلد، والآن بعد أن انفصل عنها استسلم وتنازل عن كل شيء وقرر الهرب. أجابه "تيام" ببرود شديد ثم قال: -آه، يا ريت تحجزلي على طيارة إيطاليا. ***

خرجت "مسك" من غرفة "غزل" بوجه شاحب وجسد خامل من الفراق الذي يمزق قلبها، واتجهت نحو المطبخ، لكنها شعرت بدوران في رأسها شديد لتمسك معصمها ووضعت يدها عليه تشعر بضربات قلبها الضعيفة، لكنها فقدت وعيها سريعًا وسقطت على الأرض وارتطمت رأسها بالأرض الصلبة وقسوتها تقتلها أولًا قبل أي شخص آخر. عنادها وكبرها سيقتلاها هي وليس الآخرين. لا تقوى على فراقه لكنها تكابر بإصرار وعناد. وصل "غريب" إلى المنزل ليُصدم عندما رأى "مسك" على الأرض فاقدة للوعي فهرع إليها مع "سراج" بخوف شديد على ابنته.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...