وقف "تيام" مكانه بدهشة من بُكائها الذي يزداد أكثر فأكثر، جفف دموعها بأنامله بخوف أكبر عليها ثم قال بحيرة من أمرها: "خلاص يا مسك... خلاص متضغطيش على نفسك أكثر... متوافقيش بس متعيطيش والله دموعك بتقتلني وكمان بسببي." قاطعته "مسك" بصوت خافت وعينيها تحدق به بضعف شديد وشهقاتها تزداد أكثر، ودموعها التي جففها بللت وجنتيها مرة أخرى كالفيضان الذي يسيل من جفنيها، تحدثت قائلة: "تيام أنا... مسح على رأسها بلطف شديد ثم قال:
"متضغطيش على نفسك يا مسك، أنا مستعد أستناكي العمر كله ويحرم عليا أي بنت غيرك حتى لو عشت عمري كله مستني." صرخ قلبها بداخلها باسمه، فماذا تنتظر أكثر من هذا لتذهب إليه؟ جاء رجل إليه يخبره أن "جابر" يريده ضروريًا فقال بخفة: "عن إذنك."
ذهب معه كأنه انتظر أن تأتي فرصة إليه ليهرب منها بألم قلبه الذي يخفيه، ما زالت لا تريده وتخشى الاقتراب منه، ركب المصعد حزينًا حتى رن هاتفه مُعلنًا عن استلام رسالة، أخرجه "تيام" من جيبه بلا مبالاة لكنه صُدم عندما وجد الرسالة منها تحمل كلمة واحدة لكنها غيرت حاله تمامًا وجعلته يضغط على أزرار المصعد بجنون حتى فتح أبوابه وهرع راكضًا كالمجنون للخارج ولا يصدق هذه الكلمة التي قرأها للتو (موافقة)
، كان يركض بسعادة تغمره وقلبه يتراقص فرحًا وأوشك على التوقف من شعوره بالحُب، بحث عنها في كل أرجاء الشاطئ ولم يجد لها أثر، اتصل بها ووضع الهاتف على أذنيه وهو يدور في المكان وعينيه لا تتوقف عن البحث عنها، ربما سيضمها هذه اللحظة أو سيأخذها للمأذون حالًا، استقبلت الاتصال ليصرخ بسعادة ونبرة حماسية: "أنتِ فين؟
لم تجبه "مسك" بل ظلت تستمع إلى نبرته الحماسية، تغيرت تمامًا عن السابق فكان يخبرها بأن لا تضغط أكثر على نفسها ونبرته على وشك البكاء من الحزن الذي خيم على قلبه من صمتها، تبسمت "مسك" عليه وقالت: "في طريقي للبيت." اتسعت عينيه على مصراعيها وركض إلى مرآب السيارات بجنون لا يُصدق بأنها ستتركه هكذا وتعود للقاهرة دون أن يراها ويهدأ من روعته وضربات قلبه، قال بتمتمة: "لا، إياك يا مسك تمشي دلوقت، مش بعد ما نشفتي دمي تمشي."
تبسمت "مسك" أكثر على كلمته وقالت: "بس أنا لازم أمشي لأن عندي شغل." توقف بتعب من ركضه ويلهث بقوة جنونية من التعب واتكأ بيديه على ركبته ثم وقف ووضع الهاتف على أذنه من جديد وقال: "أشوفك للحظة وبعدها ممكن تمشي، لكن أقسم بالله لو مشيتي من غير ما أشوفك لأسيب الدنيا تقلب تضرب هنا وأجي وراكي." لم تجب عليه وظلت صامتة، تحدث بنبرة خافتة راجيًا إياها بحُب: "عشان خاطري يا مسك أشوفك لحظة واحدة."
لم تجب عليه فمط شفتيه للأسفل بضيق مُدركًا بأنها لن تتراجع عن قرارها وإذا كان عملها هو ما يوجد في الكفة الأخرى ستختار العمل وعلاج المرضى لطالما اختارت علاجه عن غضبها وخصامها إليه، تأفف بضيق أكثر وقال: "خلاص يا...
توقف عن الحديث عندما شعر بأنامله صغيرة تربت على كتفه من الخلف، التف ليراها تقف أمامه وتضع الهاتف على أذنيها وتنظر في عينيه بهدوء وبسمة خافتة تنير وجهها، تبسم بإشراق وظهرت غمازاته من شدة بسمته وعينيه العسليتين تتلألأ بالحُب بل يسكنهما العشق كضوء وميض أنار حياته كاملًا، اقترب أكثر إليها وفتح ذراعيه لكي يضمها إليه فصرخت به بغضب قائلة: "إياك!!!
توقف "تيام" قربها وذراعيه مفتوحين بدهشة من تحذيرها الحادة ونبرتها القوية كأنها ستقتله الآن إذا فعل حقًا، رأت تعجبه في ملامح وجهه لتقول بحزم: "أنا دلوقت مش مراتك، إياك تعملها." هز رأسه بالموافقة إليها لكنه يترجاها بقول المُتذمر بوجه عابس وشفتيه يقوسها للأسفل: "حاضر مش هكررها بس مرة واحدة بس عشان خاطري." قالها واقترب أكثر لتجز على أسنانها غيظًا منه ومن تكرر طلبه فألتف غاضبًا وعانق عمود الكهرباء الموجود
جواره بتذمر شديد وقال: "اااه أنتِ بتعاقبني ليه." أعاد إليها عاضبًا ليراها تبتسم على فعلته وعناقه لعمود الكهرباء وقال بغيظ وغضب سافر من نفسه: "أنا كان لازم أتسحب من لساني وأطلقك يعني، حضن واحد يا مسك." ضربته في خصره بغضب سافر يتملكها بعد أن ذكر طلاقه إليها وقالت بتذمر: "تستاهل العقاب عشان تطلقني كويس." "تعالي أكتب عليكي دلوقت."
قالها بحزم وعينيها لا تقوى على البُعد عنها وقلبه لا يتحمل فراقها وبُعدها عنه أكثر، عقله سيجن جنونه بهذه اللحظة وأمنيته الوحيدة الآن هو ضمها وشم رائحتها بداخله لكنها تعاقبه بقسوة كعادتها، ضربت "مسك" يده بتذمر من كلمته وقالت: "تاني!! وبابا!!
لا مستحيل، ما صدقت أنه سامحني ويكون في علمك أنا مش هتجوزك من غير موافقة بابا يا تيام، مش هقول ماما لأنها ما شاء الله حابك أكثر مني أنا بنتها، لكن بابا لازم يوافق وللعلم بالشيء بابا مبيكرهش قد الراجل العاطل والكسول يعني شوف لما تروح تقابله هتقوله أنت شغال إيه؟ تحدث بثقة وغرور شديد: "أنا عندك قرية سياحية مالديف مصر تساوي أكثر من 100 مليار." "بالورث يعني مش بمجهود." قالتها ببرود شديد وتذمر على تكاسله في العمل ليقول:
"طيب خلاص هآخذ الرئاسة من زين وهكون الرئيس." رفعت حاجبها الأيمن إليه بحدة وقالت بتحذير شديد: "ولعلمك الحاجة الأهم أنا مش هتكون رجل وحيد يجي يطلبني من بابا بطوله." عاد خطوة للخلف بجدية مُستمعًا إلى جملتها وقد فهم ما تلمح إليه وقال: "أنا لما بقعد معه في المكتب بنجيب جابر ورجالته يحجزوا بينا، عايزني أجيبه معايا وأنا بطلبك." أومأت إليه بنعم بجدية وكأنها تضع شرطًا لزواجها منه وقالت بجدية:
"يبقى تصفي اللي بينكم لأن جابر مش هيجي معاكم، لو بتحبني بجد هتعملها يا تيام... أنت مبسوط وأنت لوحدك كده؟ لو أنت مبسوط يبقى أنا لا مش مبسوطة." تنحنح بحرج شديد من شروطها الكثيرة وتقدم للأمام وبدأ يسير بعيدًا عنها بعد أن قيدته سعادته بكلماتها وربطت فرحته بحبال الود بين "زين" وقال مُتمتم: "أنتِ بتعجزيني ليه؟ كل شرط أقسى من اللي قبله؟ "عشان مصلحتك يا تيام!! عايزك تخرج من الحرب والوحدة اللي عايش فيهم وتوصل لبر الأمان."
قالتها وهي تسير خلفه بخطوات هادئة ليتذكر حديث العرافة بأنها ستأخذه لبر الأمان وستكون سندًا إليه ليرتعب خوفًا من أن يحدث كل كلمة تفوهت بها هذه العرافة ويفارق "مسك" حقًا ويتألم قلبه، نظر إلى وجهها بخوف لتتعجب "مسك" من خوفه الذي ظهر في ملامحه وقالت بقلق: "في إيه؟ توقف عن السير ومسكها من ذراعيها لتتقابل أعينهما معًا بخوف وتمتم بجدية صارمة: "متسبنيش يا مسك."
اندهشت من كلمته ولما ذكر الفراق الآن بينما تتحدث عن "زين" وعلاقته بعائلته ليتابع "تيام" بخوف أكبر ونبرة مرتجفة: "متسبنيش مهما حصل، حتى لو عملت حاجة غصب عني أو حصل سوء تفاهم بينا، مهما يحصل متسبنيش ولا تبعدي عني." أومأت إليه بصدمة ألجمتها من هذا الخوف، أخذ يدها بيده ووضعها فوق رأسه وقال بجدية: "احلفي بحياتي أنك مش هتسيبني مهما يحصل."
لم تفهم سبب خوفه هذا ولما ذكر الفراق في حين أنها تقترب منه أبدًا ولم تفكر به نهائيًا، ظلت عينيها تتجول بين عينيه الاثنتين بحيرة وتشعر بأن هناك شيء ما يخفيه "تيام" عنها، تطلع بها وكلمات هذه العرافة تتردد في أذنيه سيربطها رباط قوي لكنه سيقوى بالفراق، لا يعلم أي رباط هذا ولما سيقوي بالفراق، مُرْتعبًا من داخله من هذه اللحظة إذا حدثت بالفعل، أومأت "مسك" إليه بنعم بحيرة تحتلها من رؤيته خائفًا هكذا، سحبت يدها من يده وأنزلتها إلى وجنتيه تلمس لحيته بدفء وعينيها تعانقه بحُب
وقالت بلطف: "مش هسيبك!! ومتخافيش إذا غضبت منك هضربك مش هسيبك." هز رأسه بجدية موافقة على حديثها رغم أنها قالته بدعابة ومزح لكنه يوافق على هذا وقال بإصرار وقبول: "اه اضربيني وكسريني ومتعالجنيش يا مسك وقتها بس متسبنيش، إن شاء الله تخليني نايم في السرير العمر كله بس متبعديش عني." "بعد الشر عنك!!
قالتها بلطف وعينيها ترمقه وعقلها بدأ يفكر في سبب خوفه من الفراق هكذا ربما بسبب ماضيه أو لأنها أول شخص يتحمله ويقبل بوجوده ولم يقارنه بأحد، ربما لأنها الوحيدة التي أحبته لكونه "تيام" ليس الأفضل بين الجميع لكنها أحبته، تابعت بنبرة دافئة: "أنا مش هبعد عنك يا تيام." تشبث بيدها كطفل صغير خائفًا من أن يضيع من والدته وسط زحام وضجة العالم الخارجي، وقال بجدية:
"أنتِ أول حد يقبلني يا مسك، ويحبني عشان أنا تيام مش عشان وريث ولا عشان فلوس ولا عشان الأحسن، أنا عارف إني مش أحسن حد ويمكن أي راجل على أرض خلقه ربنا أحسن مني كمان بس أنا بحبك والله ومبقدرش على بُعدك، الأيام اللي فاتت ربنا العالم بحالي كنت عامل إزاي؟
أقسم بالله ما كنت عارف نفسي ولا عارف أتنفس، كنت حاسس إن الهواء اللي بيدخل رئتي بيخنقني أكثر ما بيساعدني على الحياة، أنا عارف والله إني مستاهلكيش وإنك كتير عليا أوي بس بحبك أعمل إيه، أنا حاسس إني عايز ألف قلب على قلبي عشان يكفوا بس حُبي ليكي عشان قلبي صغير أوي علي حُبك يا مسك."
تبسمت بعفوية وأذنيها تستمع إلى كلماته وقلبها جن تمامًا وانتهى أمره من حديثه وكادت أن تجزم أن رغم كونها طبيبة قلب لكنها لن ترى حالة قلب كحالة قلبها على مدار سنوات عملها، سحبت يدها بيده التي تمسكها ووضعتها على قلبها حتى يشعر بضربات هذا الصغير الموجود بين ضلوعها في اليسار وقالت: "أقسم لك إن حتى وأنا دكتورة قلب معنديش علاج لتنظيم ضرباته اللي هتنفجر جوايا دي، معقول أسيبك وهو حاله كده في قربك أومال في بُعدك عامل إزاي...
مش عايزة أعرف حتى في بعدك هيبقى عامل إزاي. تساقطت دموعه رغماً عنه، ويده تشعر بضربات قلبها أسفلها. صُدمت "مسك" من دموعه التي تساقطت كأوراق الشجر في فصل الخريف، ولا تعلم سبب هذا التساقط. رفعت يدها تجفف دموعه بأناملها الدافئة ثم قالت: -تيام! -أنا متيم بيكِ يا مسك، الله يكرمك وحياة أغلى حاجة عندك تفضلي جنبي العمر كله.
قالها ببكاء وانهيار، لتجفف هذه الدموع بذعر وعقلها تأكد بأن هناك شيئًا يخفيه بداخله عنها. تمتمت بحزن شديد وقلبها يتألم لأنهياره هكذا وقالت: -بس، بس خلاص والله ما هسيبك وحياة تيام عندي مش هسيبك، بس اهدأ وغلاوتي.. رن هاتفها يقاطعهما برقم "غزل"، لتتجاهل الاتصال وذهبت معه في الطريق يسيران معًا وأخبرته أن "غزل" ما زالت على قيد الحياة واستعادت وعيها وأنها السبب في مسامحة والدها لها. ***
ظلت "ورد" تسير معه في الشوارع ويديهما متشابكة معًا، والفرحة لا تفارقهما. يتجولان و"زين" يفعل لها كل شيء تريده. تبسمت "ورد" بعفوية وقالت: -لا بس إيه رأيك في الفيلم، اختياري! جذبها "زين" إليه ووضع ذراعه حول عنقها لتكون تحت جناحه بجوار هذا الضلع الذي خلقته منه إليه المجاور ليساره النابض بالداخل وقال بغزل: -قال يعني اتفرجتي عليه يا ورد، أنتِ ناسية أفكرك.
نكذته "ورد" بذراعها في خصره بخجل شديد وتوردت وجنتاها بلون الدماء التي تدفقت إلى رأسها للتو من كلماته وتذكرت هذه اللحظة. تبسم "زين" بعفوية على خجلها وحمرتها ثم قال بحماس: -هههههه ما دام قلبتي فراولية كدة يبقى افتكرتي، أنا بقول نروح بسرعة بقى عشان عايز أنشط الذاكرة عندي. قرصته هذه المرة بخجل أكثر من حديثه الجريء أمامها وقالت: -اتلم يا زين، عيب! وبعدين أنا بتكسف. قهقه ضاحكًا عليها بسعادة وقلبه بلغ قمة العالم من السعادة
التي تحتله وقال بحب شديد: -هو إيه اللي عيب يا بت، أنتِ حلالي يعني ما اسمعش الكلام دي تاني بدل ما... وضعت يدها على فمه تمنعه من الحديث وقالت: -خلاص يا زين يا بقى، غير الموضوع. ضحكت عليها وهو ينزل يدها عن فمه ثم قال بجدية مصطنعة: -خلاص بنغير الموضوع، أنا عايز أرجع من هنا بابا إزاي معرفش. أنزلت ذراعه عنها بغيظ تحاول إخفاء خجلها في هذا الغيظ الطفولي وذهبت وحدها أمامه ليضحك بسعادة عليها وقال: -طب خلاص خدي يا بت.
ركضت منه بعد أن سمعت جملته ليركض خلفها بسعادة تغمره وقال: -والله لو مسكتك يا ورد لتندمي، خدي يا ورد. ضحك الأجانب عليه فتوقف عن الركض بحرج وقال ببسمة خافتة بالإنجليزية: -إنها زوجتي. ركض خلفها من جديد وهي تضحك عليه بعد أن نظر الجميع عليه بعد أن صرخ بها، تضع يديها على فمها من شدة ضحكاتها عليه. *** كان "تيام" واقفًا مع "فادي" يتحدث معه في العمل ويقول:
-المهم إنك تعمل حاجة مختلفة يا فادي، بلاش نفس الرحلات البحرية والغطس المعتاد، ابتكر جديد. أومأ إليه بنعم والتف "تيام" ليذهب من مكانه إلى الفندق لكن أوقفه ظهور "ليلة" في طريقه ليتأفف بضيق شديد من هذه الفتاة التي لن تمل ولم تكتف بإهانته المعتادة لها وقال: -يا صبر أيوب. تبسمت "ليلة" وهي تقف جواره بعفوية وقالت: -صباح الخير يا تيمو. اتسعت عينيه على مصراعيها من كلمتها وقال بسخرية: -تيمو...
ما بقاش اللي واحدة زيك أنتِ اللي تصبح عليا. وصلت "مسك" على الشاطئ وهي تركض وترتدي ملابسها الرياضية وتوقفت فجأة عندما رأته هنا مع فتاة تبتسم إليه. نزعت السماعات من أذنيها وعيناها تحدقان بهما وبسمة هذه الفتاة تقتلها فلم تتحمل غضبها أكثر وهي تراه يقف هناك مع فتاة غيرها. كيف يخبرها بحبه والآن يخونها؟ أهذا حبًا؟
هرعت "مسك" إليه وعيناها تحدقان بـ "ليلة" التي تقف جواره باسمة لأجله. رآها "تيام" تقترب ليبتلع لعابه الجاف في حلقه بصعوبة وخوف من هذه الفتاة المجنونة. ذهب نحوه لتضربه في خصره بقوة وتقول بحدة: -مين دي! صحيح ديل الكلب عمره ما هيتعدل. تألم "تيام" من ضربتها لكنه وقف صامدًا أمامها وقال بهدوء: -هفهمك... -تفهمني إيه يا خائن... دا أنا شايفاك بعيني!! قالتها بعصبية قوية ونار كادت أن تحرقه للتو. تبسمت "ليلة" بخبث شديد وقالت:
-هو مش طلقك، بتجري وراه ليه؟! حدقت "مسك" بها بصدمة ألجمتها و"تيام" يقف بينهما. كان عقلها يخبرها أن تقتل هذه الفتاة للتو بقبضتها، لتتقدم خطوة للأمام، لكن أوقفها "تيام" بذعر وهو أكثر الناس معرفة بها ويعلم أن يدها هي من تتحدث دومًا في غضبها قبل لسانها. تمتم بلطف قائلًا: -اهدئي يا مسك.
رفعت نظرها به بغضب وشر ينبعث من عينيها، ليزدرد لعابه ويتركها بخوف. اقتربت من "ليلة" بقلب محترق وعقل بركاني. لا تستوعب ما رأته وعينيها يتطاير منها الغضب وحتى أنفاسها كانت غاضبة. كانت تشبه الثور الهائج من الغيرة التي نشبت حربها بداخل ضلوع هذه الفتاة الصغيرة. بدأت تدفعها في كتفها للخلف بقوة وقالت: -لعلمك أنا عفاريت الدنيا كلها قصاد عيني دلوقت، والله لو ما مشيتي من خلقتي لأخليكي تندمي عمرك كله. تبسمت "ليلة" بغرور وقالت:
-ولا تقدري تعملي حاجة. نظرت "مسك" إليها ضاحكة بسخرية على كلمات هذه الفتاة وقالت: -قالت مقدرش!! رفعت يدها لتلكمها بقوة لكن أوقفها يد "تيام" الذي مسك قبضتها بيده وقال بحزم: -امشي من وشها دلوقت.
رحلت من أمامه بعد أن تركت له قبلة في الهواء، فاستشاطت "مسك" غضبًا أكثر والغيرة تأكل قلبها من الداخل ويحترق بنيرانها. كادت أن تسرع خلف هذه الفتاة الوقحة وتهمش وجهها بيديها. ذعر "تيام" من انفعالها وعينيها التي يتطاير منهما الشر فأحاطها بذراعيه بقوة وإحكام حتى لا تذهب خلفها. حاولت مقاومة تقييده إليها بالقوة لكنها لم تقو على ذلك فنظرت له بغضب شديد. تمتم "تيام" بخفوت: -اهدئي يا مسك، والله سوء فهم. دفعته بقوة بعيدًا عنها
بغضب سافر وتصرخ به قائلة: -سوء فهم؟ واقف معها والضحكة على وشها من الودن للودن وتقولي سوء فهم؟ أنت بس اللي واحشك القرف بتاعك... دي عارفة يا بيه أنك طلقتني. تركته وذهبت في طريقها إلى الفندق ليهرع خلفها بجنون خوفًا من غضبها وقال بجدية: -يا مسك القرية كلها عارفة أني طلقتك، أنا مش مجرد سايح هنا أنا صاحب القرية وطبيعي هتلاقي بنات بتحوم حواليا عشان فلوسي والله ما أعرفها ولا حصل حاجة من اللي في خيالك.
دلفت إلى الفندق غاضبة وعلى وشك ضربه لكنها تغلق قبضتها بإحكام حتى جرحت أظافرها الطويل باطن يدها وراحتها. لكنها تحاول جاهدة كبح غضبها. صعدت إلى غرفتها وهو خلفها يترجاها أن تستمع إليه وقال: -والله مظلوم يا مسك، معقول يوم ما تزعلي مني أكون مظلوم؟ كانت تلهث من غضبها وجولة الركض وتجمع أشياءها في حقيبتها. وقف جوارها يخرج كل ما تضعه في الحقيبة ويقول:
-اسمعيني بس، والله بحبك يا مسك ومن ما عرفتك ما دخلت حياتي بنت غيرك ولا بصيت لواحدة غيرك. التفتت إليه غاضبة وألقت الملابس بوجهه من الغيظ والغضب صارخة به بقسوة: -واللي شوفته إيه؟ أنا شوفتك محدش قالي، كل دا وبتحبني أمال لو... اهتز جسدها بسبب دوران رأسها الذي أصابها، فمسك يدها بقلق من الاتزان الذي فقدته للتو وقال بقلق: -أنتِ كويسة؟ أبعدت يده عنها بغضب ويدها الأخرى تمسك جبينها ثم جلست على الفراش تستريح وقالت:
-سيبني لوحدي يا تيام. ركع أمامها وجلس أمام قدميها بقلق عليها ويأخذ يدها في يده وعينيه لا تفارقها. تحدث بنبرة واهنة وقلق يحتله: -أنا مستحيل أسيبك لوحدك، أنا أنتِ وأنتِ أنا يا مسك... اهدئي طيب، نروح لدكتور. أنزلت يدها عن جبينها وحدقت به بحزن شديد ثم قالت: -دا شوية إرهاق من العصبية والضغط، متخونيش يا تيام، لو عملتها قسمًا بربي وغلاوتك عندي ما هتلاقيني ولا هتشوفني في حياتك كلها تاني.
هز رأسه بنعم باستماتة ويده تتشبث بيدها وقال بجدية ونبرة دافئة: -يحرم علي أي ست في الكون كله، أنا مستحيل أضم غيرك في حضني، والله دا بيتك وملكك لوحدك. قالها ويده الأخرى تضرب صدره بقوة. أومأت إليه بنعم وأغمضت عينيها من التعب وتتمتم بضعف: -أنا همشي، غزل محتاجة ليا، أنت عارف أن مفيش حد يعرف إنها عايشة وأنا دكتورتها وهي لسه حالتها مستقرتش. أومأ إليها بنعم ثم قال بقلق عليها:
-ماشي بس هبعت معاكي سواق، مستحيل تسوقي وأنتِ تعبانة كده. أخبرته أن هذا الرجل الذي جاء معها سيقود ليشعر بالغيرة الشديدة ووجهه تحول للون الأحمر من نيران غيرته فتبسمت بلطف وقالت: -دا زميل غزل وقولتلك أني معرفهوش ولا شوفته غير يوم ما جيت هنا، بس كده كده هيروح معايا على القاهرة. -أنا واثق فيكي على فكرة أنا بس بغير. قالها بعبوس لتبتسم "مسك" إليه بعفوية ليتابع بجدية:
-تردي عليا أول ما أتصل حتى لو نايمة، إياكي تتجاهلي اتصالاتي والله هتلاقيني عندك. هزت رأسها إليه بجدية ثم قالت بلطف: -هرد حتى لو نايمة، بس وأنا في أوضة العمليات لأ وهبقى أعرفك وقت العمليات وهتستغرق قد إيه عشان متقلقش. أومأ إليها بسعادة ليبعثر غرتها الطويل بيده وقال: -برافو عليكي.
بدأ يجمع لها حقيبتها بنفسه وهي جالسة مكانها تراقبه عن كثب ثم خرج من الغرفة وتركها تستعد. أخذت حمام دافئ ثم ارتدت بنطلون أسود وقميص نسائي أسود بأكمام وأسدلت شعرها على ظهرها وحذاء رياضي أبيض اللون. خرجت من الغرفة ووجدت موظف الفندق في انتظارها. أعطته الحقيبة وذهبت إلى حيث "تيام" لتودعه قبل رحيلها.
كان يجلس في مكتب الرئيس يباشر عمله مع "جابر" وعرض عليه مخطوطة لتطوير بعض الأشياء في القرية ستزيد من جذب السياح إليها. اندهش "جابر" مما يراه في هذه المخطوطة وتقدم "تيام" هكذا ثم قال: -أنت فعلًا عملت دا لوحدك؟ -أنت نسيت إني مهندس، المهم خلي مدير الحسابات يشوفها ويعرف هتكلف كام.
قالها "تيام" بحزم وعيناه تحدق في الهاتف منتظرًا أن تتصل به لكي يذهب ويودعها. تبسم "جابر" وهو يختلس النظر إليه بعد أن سمع عن العرض الذي حدث على الشاطئ ليلًا. أموال تتطاير في السماء ونجوم لامعة ظهرت في البحر تضيء عتمة الليل. أدرك بأنه تقدم خطوة للأمام مع محبوبته وسعد كثيرًا لنجاح خطته مع "ورد" و"زين" لجمعهما معًا في حفل الزفاف وجلب "مسك" إلى هنا لأجل هذه المواجهة التي انتهت بشيء جيد ويظهر هذا في حماس "تيام" اليوم وسعادته التي تحتل كل ملامحه كأن دقات قلبه وعشقه يظهران في عينيه وبسمته. لأول مرة يستقبل أي شخص يلقي الصباح عليه وأي موظف ببسمة كبيرة تظهر غمازاته. وقف "جابر" بسعادة إلى أن وصل إليه "تيام"
وقال: -هوصله الملف وهبلغك برده. التف لكي يغادر المكتب وتمنى لو كان "عبدالعال" ينظر عليهم من الأعلى أو تأخر موته قليلًا ليرى كيف أصبح حفيده الغليظ المغرور. قبل أن يصل لباب المكتب فُتح ليجد "مسك" تدخل فاندهش من مجيئها وقال: -صباح الخير يا دكتورة. تبسمت "مسك" بحرج، بسمة خافتة إليه وقالت: -صباح النور.
وقف "تيام" من مقعده مهرولًا إليها بسعادة. غادر "جابر" مبتسمًا عليهما ووصل "تيام" إليها ليراها تبتسم إليه بإشراق غير بسمتها إلى "جابر" كليًا، ليقول: -ليه لابسة أسود كله كده؟ -شوف مين بيتكلم؟ قالتها بسخرية وعيناها تحدق بملابسه السوداء مثلها. بنطلون أسود وقميص أسود يفتح أول أزرار إليه وقلادته العجيبة المصنوعة من تميمة حظه ورصاصته التي اخترقت أحشاءها تظهر في عنقه. تتمتم بعبوس على هذه القلادة قائلة:
-لو أعرف أنك هتعمل بيها سلسلة مكنتش أديتهالك. لمس القلادة بسعادة وقال بلطف: -دي أول هدية منك، وتميمة حظي فعلًا.. هتمشي؟ أومأت إليه بنعم ليخرج الخاتم من جيبه وقال بحب: -قبل ما ألبسهولك. تبسمت وعيناها تنظر إلى الخاتم بسعادة وقالت: -أبقى هاته معاك لما تيجي لبابا، لكن في المقابل ممكن آخد دا. أشارت على خاتمه الفضي الضخم الذي يحمل حجرًا أزرق اللون. نظر إلى الخاتم الموجود في بنصره الأيسر تارة وإليها تارة ثم نزعه وهو يقول:
-هيبقي كبير عليكي. حاولت لبسه لكن كيف لأصابعها النحيلة أن تتساوى بأصابعه الرجولية؟ لم يثبت في أي إصبع لها سوى إبهامها وكان واسعًا قليلًا لكنها تبسمت عليه وقالت: -كده حلو...
أومأ إليها بنعم ببسمة لا تفارقه. تبسمت "مسك" إليه بلطف وودعته ثم غادرت. أوصلها إلى سيارتها وفور رؤيته إلى هذا الرجل يجلس في مقعد السائق تأفف بغيرة شديدة ولا يتخيل بأنها ستجلس جواره ما يقرب إلى ست ساعات معه في سيارة واحدة وربما يكسرا الملل بالحديث والتسامر أو يضحكون معًا. تبسمت "مسك" على غيرته بعد أن صعدت للسيارة وأغلق الباب إليها بقوة فأشارت إليه بأن يقترب. انحنى "تيام" إلى النافذة بزمجرة وقالت بهمس إليه:
-استرخي يا تيام لأني بحبك أنت. نظر إلى عينيها عن قرب بعد أن تفوهت بهذه الكلمة لأجله فتبسم إليه بارتياح وقلبه جن جنونه من هذه الكلمة فوضع قبلة على جبينها بحب وقال: تبسمت إليه ولم تشاجره على هذه القبلة ثم انطلق هذا الشاب بالقيادة ليلوح لها بيده حتى اختفت سيارتها عن ناظره. تبسمت "مسك" بسعادة تغمرها وفتحت الهاتف لكي تراسله لكنها صُدمت عندما وجدت رسالة من مجهولة تحتوي على كلمات مخيفة:
-أنتِ ليا أنا حتى لو حكم الأمر أن أقتل تيام......
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!